تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة يس
(36) سورة يس مكيّة
سورة يس من القرآن قلب القرآن، و من قرأها كان كمن قرأ القرآن عشر مرات، فهي تقوم مقام القرآن عشر مرات.
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة يس (36): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يس (1)
نداء مرخم، أراد يا سيد، فرخّم، كما قال: يا أبا هر يا أبا هريرة، فأثبت له السيادة بهذا الاسم، و جعله مرخما للتسليم الذي تطلبه الرحمة، و القطع مما بقي منه في الغيب الذي لا يمكن خروجه، فصورته في الغيب صورة الظل في الشخص الذي امتد عنه الظل، أ لا ترى الشخص إذا امتد له ظل في الأرض، أ ليس له ظل في ذات الشخص الذي يقابله ذلك الظل الممتد؟ فذلك الظل القائم بذات الشخص المقابل للظل الممتد، ذلك هو الأمر الذي بقي من الإنسان، الذي هو ظل اللّه الممدود في الغيب، لا يمكن خروجه أبدا، و هو باطن الظل الممتد، و الظل الممدود هو الظاهر، فلا غيب أكمل من غيب الإنسان الكامل الذي هو ظل اللّه في كل ما سوى اللّه، فأظهره من النفس الرحماني الخارج من قلب القرآن سورة يس، فلا غيب أكمل من غيب الإنسان و هو على صورة موجده، فلما أبرزه اللّه للوجود، أبرزه على الاستقامة و أعطاه الرحمة، ففتح به مغاليق الأمور علوا و سفلا، فأمد الأمثال بذاته، و أمد غير الأمثال بمثله.
[سورة يس (36): الآيات 2 الى 10]
وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6)
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10)
و ذلك لأنهم قالوا (سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) فكأن اللّه حكى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم و عرفه بأن حالهم ما ذكروه عن نفوسهم.
[سورة يس (36): الآيات 11 الى 12]
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12)
[إشارة: الإمام المبين]
«وَ كُلَّ شَيْءٍ» له شيئية وجودية «أَحْصَيْناهُ» فإن الإحصاء لا يكون إلا في الموجود «فِي إِمامٍ مُبِينٍ»– الوجه الأول- فقوله تعالى: أحصيناه، دليل على أنه ما أودع في الإمام المبين إلا علوما متناهية، و الإمام المبين هو اللوح المحفوظ الحاوي على المحو و الإثبات، فكل شيء فيه، و كاتبه القلم الأعلى، ثم تنزل الكتبة مراتبها في الديوان الإلهي، فاللوح المحفوظ لا محو فيه، كل أمر فيه ثابت، و هو الذي يرفع إلى الحق، و أما الذي بأيدي الكتبة-
و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم لما ذكر حديث الإسراء فقال: [حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام] ففيه ما يمحو اللّه و فيه ما يثبت، على قدر ما تأتي به إليهم رسل اللّه من عند اللّه، من إثبات ما شاء و محو ما شاء، ثم ينقل إلى الدفتر الأعلى، فيقابل باللوح المحفوظ فلا يغادر حرفا، فتعلم الكتبة عند ذلك أن اللّه قد أحاط بكل شيء علما-
الوجه الثاني- الإمام المبين هو كتاب فيه ما يتكون عن المكلفين خاصة، فلا تزال الكتابة فيه ما دام التكليف، و به تقوم الحجة للّه على المكلفين، و به يطالبهم، لا بأم الكتاب الذي فيه القضاء، فهذا الإمام هو الحق المبين الذي يحكم به الحق تعالى، الذي أخبرنا اللّه في كتابه أنه أمر نبيه أن يقول لربه: احكم بالحق، يريد هذا الكتاب، و هو كتاب الإحصاء، فلا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها، و كل صغير و كبير مستطر- إشارة لا تفسير- إن الإمام على الحقيقة المبين من كان كل شيء مأموما به، و هذا لا يصح في موجود ما لم يصح له المثلية اللغوية الفرقانية، فإذا صحت المثلية صح وجود الإمام، و إذا صح وجود الإمام بطلت الإمامة في حق غيره، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و جاء في الخبر [خلق اللّه آدم على صورته] و قال تعالى: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فالعالم أسفله و أعلاه محصي في الإنسان، فسماه البعض الإمام المبين.
[سورة يس (36): الآيات 13 الى 19]
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَ ما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17)
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)
الطائر الحظ «قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ» أي حظكم و نصيبكم معكم من الخير و الشر.
[سورة يس (36): الآيات 20 الى 37]
وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَ ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29)
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32) وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34)
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)
سميت مدة استنارة الجو من مشرق الشمس إلى مغربها نهارا لاتساع النور فيه، مأخوذ من النهر الذي هو اتساع الماء في المسيل الذي يجري فيه، و مدة الظلمة من غروب الشمس إلى طلوعها هو الليل، و اليوم مجموع الليل و النهار معا، و أبان سبحانه أن الليل أم النهار، و أن النهار متولد عنه، كما ينسلخ المولود من أمه إذا اخرج منها، و الحية من جلدها فقال:
«وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ» فجعل الليل أصلا، و النهار كان غيبا فيه، ثم سلخ منه النهار كما نسلخ الشاة من جلدها، فكان الظهور لليل و النهار مبطون فيه، و ليس معنى السلخ معنى التكوير، فالنهار متأخر عن الليل لأنه مسلوخ منه، و لذلك فإن العرب في الزمان العربي و في اصطلاحهم و ما تواطئوا عليه يقدمون الليل على النهار، على عكس العجم الذين حسابهم بالشمس يقدمون النهار على الليل، و لهم وجه بهذه الآية و هو قوله: «فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» و إذا حرف يدل على زمان الحال أو الاستقبال، و لا يكون الموصوف بأنه مظلم إلا بوجود الليل في هذه الآية، فكان النهار غطاء عليه ثم سلخ منه أي أزيل، فإذا هم مظلمون، أي ظهر الليل الذي حكمه الظلمة، فإذا الناس مظلمون،
و أعلم الحق تعالى بهذه الآية أن النور مبطون في الظلمة، فلو لا النور ما كانت الظلمة، فإنه تعالى لم يقل «نسلخ منه النور» إذ لو أخذ منه النور لانعدم وجود الظلام، إن كان أخذ عدم، و إن كان أخذ انتقال تبعه حيث ينتقل، إذ هو عين ذاته، و النهار من بعض الأنوار المتولدة عن شروق الشمس، فلو لا أن للظلمة نورا ذاتيا لها ما صح أن تكون ظرفا للنهار، و لا صح أن تدرك، و هي مدركة، و لا يدرك الشيء إن لم يكن فيه نور، و يدرك به من ذاته، و هو عين وجوده و استعداده بقبول إدراك الأبصار بما فيها من الأنوار له، و اختص الإدراك بالعين عادة، و من ذلك نعلم أن الليل ظل النور، و النهار لما سلخ من الليل ظهر نورا، فظهرت الأشياء التي كانت مستورة بالليل، ظهرت بنور النهار، فلم يشبه النهار الليل و أشبه النور، فإنه لو سلخ من الظل جميعه أمر ما لخرج على صورة الظل، و الظل على صورة ما هو ظل له، فالخارج من الظل المسلوخ منه على صورة الشخص، فلذلك خرج النهار لما سلخ من الليل على صورة النور،- تنبيه هذه هي عملية التصوير الشمسي-.
[سورة يس (36): آية 38]
وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)
قرأ ابن مسعود «و الشمس تجري لا مستقر لها» و هذا من حكم التقليب، فترى الشمس التي هي علة الليل و النهار تجري لا مستقر لها، ليلا و لا نهارا، فإن الشمس لا مستقر لها عند من علمها و ما جهلها، فيقال: الشمس رجعت في زيادة النهار و نقصه و ما عندها رجوع، بل هي على طريقها، فمن أغاليط النفس، القول برجوع الشمس، و ما رجعت، و لا نزلت و لا ارتفعت، هي في فلكها سابحة، غادية رائحة، غدوها و رواحها حكم البصر، و ما يعطيه في الكرة النظر، و قرأ غير ابن مسعود «لِمُسْتَقَرٍّ لَها» فلها مستقر يراه عين المؤمن في الإيمان بالخبر، و كل ذلك صحيح.
[سورة يس (36): آية 39]
وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)
[بحث في فلك المنازل]
«وَ الْقَمَرَ» و لم يسمه بدرا و لا هلالا، فإنه في هاتين الحالتين ما له سوى منزلة واحدة بل اثنتين، فلا يصدق قوله «مَنازِلَ» إلا في القمر، فللقمر درج التداني و التدلي، و له الأخذ بالزيادة و النقص، فهو يتغير في أحواله «قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» مقادير التقاسيم التي في فلك البروج، عيّنها الحق تعالى لنا، إذ لم يميزه البصر بهذه المنازل المعينة في الفلك المكوكب، و اسمه فلك المنازل، و هو من تقدير العزيز العليم، و جعلها ثماني و عشرين منزلة، مقسمة على اثني عشر برجا، فلكل برج منزلتان و ثلث، و القمر أحد السبعة الجواري التي في السموات السبع، و التي تقطع في فلك البروج بين سريع و بطيء، و يوم كل كوكب منها بقدر قطعه فلك البروج، فأسرعها قطعا القمر، فإن يومه ثمانية و عشرون يوما من أيام الدورة الكبرى التي تقدر بها هذه الأيام، و هي الأيام المعهودة عند الناس، فأقصر أيام لكواكب يوم القمر، و مقداره ثمانية و عشرون يوما مما تعدون- بحث في فلك المنازل-
هو في جوف الفلك الأطلس الذي هو السماء ذات البروج كحلقة في فلاة، و هذا الفلك أرض الجنة، و الأطلس سماؤها، و بينهما فضاء لا يعلم منتهاه إلا من أعلمه اللّه، و عيّن اللّه في مقعر هذا الفلك ثماني و عشرين منزلة مع ما أضاف إلى هذه الكواكب التي سميت منازل لقطع السيارة فيها، و لا فرق بينها و بين سائر الكواكب الأخرى التي ليست بمنازل في سيرها، و فيما يختص به من الأحكام في نزولها الذي ذكرناه في البروج قال تعالى: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» يعني هذه المنازل المعينة في الفلك المكوكب، و هي كالمنطقة بين الكواكب من الشرطين إلى الرشا، و هي تقديرات و فروض في هذا الجسم،
و لا تعرف أعيان هذه المقادير إلا بهذه الكواكب، كما أنه ما عرفت أنها منازل إلا بنزول السيارة فيها، و لو لا ذلك ما تميزت عن سائر الكواكب إلا بأشخاصها، و كواكب المنازل تتكون من كوكب واحد كالصرفة، إلى اثنين كالذراع، إلى ثلاثة كالبطين و الشرطين، إلى أربعة كالجبهة، إلى خمسة كالعوالي، إلى ستة كالدبران، إلى سبعة كالثريا، إلى تسعة كالنعائم، و ليس للثمانية وجود في المنازل، و السيارة لا نزول لها و لا سكون، بل هي قاطعة أبدا، و قد يكون مرورها على عين كواكب المنزلة، و قد يكون فوقها و تحتها، على الخلاف الذي في حد المنزلة ما هو، فسميت منزلة مجازا، فإن الذي يحل فيها لا استقرار له، و إنه سابح كما كان قبل وصوله إليها في سباحته، فراعى المسمي ما يراه البصر من ذلك، فإنه لا يدرك الحركة ببصره إلا بعد المفارقة، فبذلك القدر يسميها منزلة، لأنه حظ البصر فغلّبه و جعل اللّه لكل كوكب من هذه الكواكب قطعا في الفلك الأطلس، ليحصل من الخزائن التي في بروجه و بأيدي ملائكته الاثني عشر من علوم التأثير ما تعطيه حقيقة كل كوكب، و جعلها على طبائع مختلفة، و النور الذي فيها و في سائر السيارة من نور الشمس، و بسباحة هذه الكواكب تحدث أفلاكا في هذا الفلك أي طرقا،
و جعل اللّه في جوف هذا الفلك سبع سماوات طباقا، أجساما شفافة، و جعل في كل سماء منها كوكبا و هي الجواري، منها القمر في السماء الدنيا، و أوحى في كل سماء أمرها، و جعل إمضاء الأمور التي أودعها السموات في عالم الأركان عند سباحة هذه الجواري، و جعلهم نوابا متصرفين بأمر الحق لتنفيذ هذه الأمور التي أخذوها من خزائن البروج في السنة بكمالها، و قدّر لها المنازل المعلومة التي في الفلك المكوكب، و جعل لها اقترنات و افتراقات، كل ذلك بتقدير العزيز العليم، و جعل اللّه بين السماء السابعة و الفلك المكوكب كراسي عليها صور كصور الثقلين، و ستور مرفوعة بأيدي ملائكة مطهرة ليس لهم إلا مراقبة تلك الصور، و بأيديهم تلك الستور،
فإذا نظر الملك إلى الصورة قد سمجت و تغيرت عما كانت عليه من الحسن أرسل الستر بينها و بين سائر الصور، فلا يعرفون ما طرأ، و لا يزال الملك من اللّه مراقبا تلك الصورة، فإذا رأى تلك الصورة قد زال عنها ذلك القبح و حسنت رفع الستر فظهرت في أحسن زينة، و تسبيح تلك الصور و هؤلاء الأرواح الملكية الموكلة بالستور [سبحان من أظهر الجميل و ستر القبيح] و خلق تعالى في كل سماء عالما من الأرواح و الملائكة يعمرونها، فأما الملائكة فهم السفراء النازلون بمصالح العالم، و ما يحدث عن حركات الكواكب كلها و عن حركة الأطلس لا علم لهؤلاء السفرة بذلك حتى تحدث، فلكل واحد منهم مقام معلوم لا يتعداه، و باقي العالم شغلهم التسبيح و الصلاة و الثناء على اللّه تعالى، كل ذلك تقدير من العزيز العليم.
[سورة يس (36): آية 40]
لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)
الفلك لا يكون إلا مستديرا، ففي كل سماء فلك و هو الذي تحدثه سباحة كوكب ذلك السماء، فالكواكب تسبح في أفلاكها، لكل فلك كوكب، فعدد الأفلاك بعدد الكواكب، لذلك قال تعالى: «وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» و الأفلاك لو لا سباحة الكواكب ما ظهر لها عين في السموات، فهي فيها كالطرق في الأرض، يحدث كونها طريقا بالماشي فيها، فهي أرض من حيث عينها، و طريق من حيث المشي فيها، و دل ذلك على أن الكواكب السابحة تقطع في الثابتة، و الثابتة و السابحة تقطع في الفلك المحيط، فدل على أن الكواكب الثابتة تقطع في فلك البروج الأطلس، و الفلك الشيء المستدير، فالكواكب تقطع في فلك واحد و هو فلك البروج، و لكل واحد منها فلك يخصه يسبح فيه،
لا يشاركه فيه غيره، و هكذا كل موجود له طريق يخصه لا يسلك عليها أحد غيره روحا و طبعا، فلا يجتمع اثنان في مزاج واحد أبدا، و لا يجتمع اثنان في منزلة واحدة أبدا، فالأمر في جميع المخلوقات و إن جمعهم مقام فإنه يفرقهم مقام- إشارة لا تفسير- «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ» في علو المرتبة و الشرف، فالشمس تشير إلى عالم الشهادة و القمر إلى عالم الغيب، فإن آية القمر ممحوة عن العالم الظاهر، و آية الشمس ظاهرة، فكان ذلك للعارفين تقوية لكتم آياتهم التي أعطاهم اللّه في بواطنهم و أجراها فيهم.
[سورة يس (36): الآيات 41 الى 51]
وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتاعاً إِلى حِينٍ (44) وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)
وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)
وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)
[من أين ضل القائلون بالتناسخ؟]
اعلم أن الصور أوجده اللّه على صورة القرن، و سمي بالصور من باب تسمية الشيء باسم الشيء، إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب، فإن الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كانت حياته به، تجلى على صورة من الصور الذي هو البرزخ، و هو بالصاد جمع صورة، فحييت به تلك الصورة في البرزخ، فلما كان هذا القرن محلا لجميع الصور البرزخية التي تنتقل إليها الأرواح بعد الموت و في النوم، سمي صورا جمع صورة، و شكله شكل القرن أعلاه واسع و أسفله ضيق، على شكل العالم، أين سعة العرش من ضيق الأرض؟ و تنتقل القوى مع الروح إلى تلك الصورة البرزخية نوما و موتا، و لهذا تكون درّاكة بجميع القوى سواء، و من هنا زل القائلون بالتناسخ لما رأوا أو سمعوا أن الأنبياء قد نبهت على انتقال الأرواح إلى هذه الصور البرزخية، و تكون فيها على صورة الأخلاق، كقوله صلّى اللّه عليه و سلم في نسمة المؤمن:
إنه طير أخضر، فرأى أهل التناسخ تلك الأخلاق في الحيوانات، فتخيلوا في قول الأنبياء و الرسل و العلماء أن ذلك راجع إلى هذه الحيوانات التي في الدار الدنيا، و أنها ترجع إلى التخليص، و ذكروا ما قد علمت من مذهبهم، فأخطئوا في النظر و في تأويل أقوال الرسل و ما جاء في ذلك من الكتب المنزلة، فما أتي عليهم إلا من سوء التأويل في القول الصحيح.
[سورة يس (36): آية 52]
قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)
«هذا» لها وجه تعلق إلى «ما»، و وجه إلى «مَرْقَدِنا».
[سورة يس (36): الآيات 53 الى 57]
إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55) هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ (57)
[حشر الأجسام في الآخرة]
لو لا حشر الأجسام في الآخرة لقامت بنفوس الزهاد و العارفين في الآخرة حسرة الفوت، و لتعذبوا لو كان الاقتصار على الجنات المعنوية لا الحسية، فخلق اللّه في الآخرة جنة حسية و جنة معنوية، و أباح لهم في الجنة الحسية ما تشتهي أنفسهم، و رفع عنهم ألم الحاجات، فشهواتهم كالإرادة من الحق إذا تعلقت بالمراد تكون، فما أكل أهل السعادة لدفع ألم الجوع، و لا شربوا لدفع ألم العطش و لما اشتغلوا هنا باللّه من حيث ما كلفهم- فهم يجزون في الأمور بالميزان الذي حدّ لهم، خائفين من أن يطففوا أو يخسروا الميزان-
جعل لهم سبحانه الاشتغال في الآخرة بالجنة الحسية لأجسامهم الطبيعية، و العارفون و غير العارفين في هذه الصورة الحسية على السواء، و يفوز العارفون بما يزيدون عليه من جنات المعاني، و الاشتغال بالشهوات هنا منع العامة و علماء الرسوم في الدنيا و الآخرة، و أهل اللّه معهم من حيث نفوسهم النباتية و الحيوانية في هذا الشغل، و هم مع اللّه من وجه آخر، فكما أنه ما حجبهم في الدنيا ما هم عليه من الحاجة إلى الغذاء مع قوة سلطانه في الدنيا لدفع الآلام، آلام الجوع و العطش و الإحساس بأنواع الأشياء المؤلمة، كذلك لا يحجبهم في الآخرة نعيم الجنان المحسوس عن اللّه في الاتصاف بأسمائه التي تليق بالدار الآخرة، لأن لها أسماء لا يعلمها اليوم أحد أصلا.
[سورة يس (36): الآيات 58 الى 59]
سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)
[طوائف أهل النار]
المجرمون هم الذين يدخلون النار بالاستحقاق خاصة، بأن يكونوا أهلا لسكنى هذه الدار التي هي جهنم، من جن و إنس، و هم أهلها الذي يعمرونها فلا يخرجون منها أبدا، و لهذا يقال لهم يوم القيامة «وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ» أي أهل الاستحقاق الذين يستحقون سكنى هذه الدار، يمتازون عن الذين يخرجون منها بشفاعة الشافعين و سابق العناية الإلهية في الموحدين إلى الدار الآخرة و هي الجنة، فإنه ما عدا المجرمين و إن دخلوا النار فلا بد أن يخرجوا منها بشفاعة الشافعين، أو بمنة اللّه عليهم، و هم الذين ما عملوا خيرا قط، و هؤلاء المجرمون أربع طوائف، كلها في النار لا يخرجون منها، و هم المتكبرون على اللّه كفرعون و أمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه و نفاها عن اللّه، و كذلك نمرود و غيره، و الطائفة الثانية المشركون، و هم الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر، و الطائفة الثالثة المعطلة و هم الذين نفوا الإله جملة واحدة فلم يثبتوا إلها للعالم، و الطائفة الرابعة المنافقون و هم الذين أظهروا الإسلام من إحدى هذه الطوائف للقهر الذي حكم عليهم، فخافوا على دمائهم و أموالهم و ذراريهم، و هم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد، فهؤلاء أربعة أصناف هم الذين هم أهل النار لا يخرجون منها من جن و إنس، قالت عائشة: يا رسول اللّه أ نهلك و فينا الصالحون؟ قال:نعم إذا كثر الخبث بالمدينة، فيعم الهلاك الصالح و الطالح، و يمتازون في القيامة.
[سورة يس (36): الآيات 61 الى 65]
وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65)
[الجوارح شاهد مصدق يوم القيامة]
كن في كل زمان صاحب علم و عمل، و هو الذي حرضك الشرع عليه و أمرك به، و ندبك إليه، فاسع في نجاة نفسك و نجاة رعيتك بتمشيتهم على الطريقة الواضحة الشرعية، فإن اللّه تعالى يقيمهم يوم القيامة شهداء لك بالعدل و حسن النقيبة و السيرة و المعاشرة، و إن عدلت بهم إلى طريق المخالفات و المحظورات انعكس عليك، و أوقفهم الحق يوم القيامة شهداء عليك بقبح السيرة و سوء المعاشرة، فالجوارح شاهد مصدّق يوم القيامة لمن تشهد عليه أو له، فإن الجسم الذي تولدت عنه النفس الناطقة له من الحق أنها ما دامت مدبرة له لا تحرك جوارحه إلا في طاعة اللّه تعالى، في الأماكن و الأحوال التي عيّنها اللّه على لسان الشارع لها،
فهذا ما يستحقه الجسم على النفس الناطقة لما له عليها من حق الولادة، فمن النفوس من هو ابن بار فيسمع لأبويه و يطيع، و في رضاهما رضى اللّه، و من النفوس ما هو ابن عاق فلا يسمع و لا يطيع، فالجسم لا يأمر النفس إلا بخير، و لهذا يشهد على ابنه يوم القيامة جلود الجسم و جميع جوارحه، فإن هذا الابن قهرها و صرفها حيث يهوى، فلو لا شهادة المرء على نفسه بما شهدت به جلوده و جوارحه ما ثبت كتاب و لا كان حكم، و ما عذب من اعترف، فإن الكرم الإلهي لا يقتضيه، و الجوارح رعية ما هي الوالي فشكت الوالي.
[سورة يس (36): الآيات 66 الى 69]
وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ (67) وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ (68) وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ (69)
[ «وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ …» الآية]
«وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ» لأنه أرسل مبيّنا مفصّلا، و الشعر من الشعور، فمحله الإجمال لا التفصيل و هو خلاف البيان، و قال تعالى: «وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ» لقولهم هو شاعر، فإن الشعر محل الإجمال و الرموز و الألغاز و التورية، أي ما رمزنا له شيئا و لا لغزناه، و لا خاطبناه بشيء و نحن نريد شيئا آخر، و لا أجملنا له الخطاب، لأنه تعالى بعثه بالبيان الشافي، و وضع الشعر ليس على هذا البناء، و إن كان يقع فيه البيان «وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ» يعني هذا الذي بعثناه به «إِلَّا ذِكْرٌ» لأنه أخذه عن مجالسة من الحق لما شاهده، حين جذبناه و غيبناه عنه و أحضرناه بنا عندنا، فكنا سمعه و بصره، ثم رددناه إليكم لتهتدوا به في ظلمات الجهل و الكون، فكنا لسانه الذي يخاطبكم به،
ثم أنزلنا عليه مذكّرا يذكره بما شاهده، فهو ذكر له لذلك «وَ قُرْآنٌ» أي جمع أشياء كان شاهدها عندنا «مُبِينٌ» أي ظاهر له، ما فيه لغز و لا رمز كما هو في الشعر، فهو مفصّل، في عين الجمع، لعلمه بأصل ما شاهده و عاينه في ذلك التقريب الأنزه الأقدس الذي نال منه صلّى اللّه عليه و سلم، فما أخذه عن شعور، فإنه كل ما عيّنه صاحب الشعور في المشعور به فإنه حدس- و لو وافق الأمر و يكون علما- فما هو على بصيرة، و هذا هو الفرق بين العلم و الشعور، فحظ الشعور من العلم أن تعلم أن خلف الباب أمرا ما على الجملة، لا يعلم ما هو، و أما العلم فلا يكون حصوله إلا عن كشف بعد فتح الباب، يعطيه الجود الإلهي و يبديه و يوضحه.
[سورة يس (36): آية 70]
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (70)
[المستغرقون بهذه الدار الدنيا أموات غير أحياء]
المستغرقون بهذه الدار الدنيا أموات غير أحياء و ما يشعرون، و المؤمنون قد تهيئوا للحياة فلا بستهم، فانسحب عليهم اسم الحياة و إن لم يتحققوا بها، و لذلك وعدوا مهلة بسوف و السين، قال سبحانه و تعالى: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) فبملابسة الحياة يسمعون من النبي صلّى اللّه عليه و سلم لأنه قد صار حياة محضة لا موت فيها، و حكمة اللّه جارية بالمناسبة، فلا يسمع من الحي إلا حي، و لذلك قيل له صلّى اللّه عليه و سلم «لتنذر من كان حيا» و قيل له (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) و قيل له (وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) و قد نادى قتلى مشركي بدر و أخبر أنهم يسمعون قوله، فمن لابسته الحياة سمع من الحي و أسمع الميت، لأنه بجزئه الحي ناسب الحي فاستمد منه، و بجزئه الميت ناسب الميت فأمده.
[سورة يس (36): آية 71]
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71)
[كل يد خالقة في العالم هي يد الحق، يد ملك و تصريف]
زاد اللّه في تشريف خلق آدم عليه السلام باليدين قوله معرفا الأناسي الحيوانيين بكمال الأناسي المكملين «أَ وَ لَمْ يَرَوْا» الضمير في يروا يعود على الأناسي الحيوانيين، «أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ» أي من أجلهم، الضمير في «لَهُمْ» يعود على الأناسي الكمل المقصودين من العالم بالخطاب الإلهي «مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا» و الأيدي ليست سوى أيدي الأسباب، فهي إضافة تشريف، لا بل تحقيق، يقال: ضرب الأمير اللص، و قطع الأمير يد السارق، و إنما وقع القطع من يد بعض الوزعة، و الأمر بالقطع من الأمير، فنسب القطع إلى الأمير، فأضاف هنا عمل الخلق إلى الأيدي الإلهية و عمّ الأسماء الإلهية بالنون من أيدينا، و ذلك لتمام التشريف الذي شرف به آدم عليه السلام في إضافة خلقه إلى يديه «أَنْعاماً» و هي من إنعامه عليهم «فَهُمْ لَها مالِكُونَ» فملكوها بتمليك اللّه، بخلاف الإنسان الحيواني، فإنه يملكها عند نفسه بنفسه، غافلا عن إنعام اللّه عليه بذلك، فيتصرف في المخلوقات الإنسان الحيوان بحكم التبعية، و يتصرف الإنسان الكامل فيها بحكم التمليك الإلهي، فتصرفه فيها بيد اللّه، فكل مخلوق في العالم فمضاف خلقه إلى يد إلهية، لأنه قال: «مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا» فجمع كل يد خالقة في العالم، فهي يده، يد ملك و تصريف.
[سورة يس (36): الآيات 72 الى 73]
وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَ مِنْها يَأْكُلُونَ (72) وَ لَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَ مَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ (73)
اختص الحيوان في هذه الآية، بالإذلال لظهور حكم القصد فيه، و لأنه مستعد للإباية لما هو عليه من الإرادة، فلما توجه عليه الاسم المذل صار حكمه تحت حكم من لا إرادة له و لا قدرة، لما تعطي هاتان الصفتان من العز لمن قامتا به، فالحيوان مسخّر بطريق الإذلال لحمل الأثقال، أثقال الإنسان و ركوبه و استخدامه إياها في مصالحه. و اعلم أن البهائم و إن كانت مسخرة مذللة من اللّه للإنسان،
فلا تغفل عن كونك مسخرا لها بما تقوم به من النظر في مصالحها، في سقيها و علفها، و ما يصلح لها من تنظيف أماكنها، و مباشرة القاذورات و الأزبال من أجلها، و وقايتها من الحر و البرد المؤذيات لها، فهذا و أمثاله من كون الحق سخرك لها، و جعل في نفسك الحاجة إليها، فلا فضل لك عليها بالتسخير، فإن اللّه أحوجك إليها أكثر مما أحوجها إليك، و جعل فيك الحاجة إليها، و جميع البهائم تفر منك ممن لها آلة الفرار، و ما هذا إلا لاستغنائها عنك، و ما جبلت عليه من العلم بأنك ضار لها، ثم طلبك لها و بذل مجهودك في تحصيل شيء منها دليل على افتقارك إليها، فباللّه من تكون البهائم أغنى منه كيف يحصل في نفسه أنه أفضل منها؟! فو اللّه ما يعرف الأمور إلا من شهدها ذوقا و عاينها،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا] فانظر في تنبيهه صلّى اللّه عليه و سلم على حسن استعدادهم و سوء استعدادنا، حتى أنه من كان بهذه المثابة من الفكرة من الموت فغايته أن يحصل له استعداد البهائم، و هو ثناء على من حصل في هذا المقام و ارتفاع في حقه، و كيف ينظر البهائم دون الإنسان في الاحتقار، و غاية الثناء عليك من اللّه أن تشاركها في صفتها.
[سورة يس (36): الآيات 74 الى 77]
وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (76) أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)
[الإنسان بيّن الخصومة، ظاهر بها]
«فهو خصيم مبين» أي بيّن الخصومة ظاهر بها، و ذلك لدعواه في الربوبية، و ما خلقه اللّه إلا عبدا، فلا يتجاوز قدره، فنازع ربه في ربوبيته، و ما نازعه مخلوق إلا هو، و وصف خصومته بالإبانة، فإنه ما من خصام يكون من مخلوق في أمر ما- خلاف دعوى الربوبية- إلا و هو ممكن أن الحق بيده في ذلك، و يخفى على السامع و الحاكم، فلا يدري هل الحق معه أو مع خصمه؟ و هل هو صادق في دعواه أو هو كاذب؟ للاحتمال المتطرق في ذلك، إلا دعواه في الربوبية فإنه يعلم من نفسه و يعلم كل سامع من خلق اللّه أنه كاذب في دعواه، و أنه عبد، و لذلك خلقه اللّه، فلهذا قيل فيه «خَصِيمٌ مُبِينٌ» أي ظاهر الظلم في خصومته، فمن نازع ربه في ربوبيته كيف يكون حاله؟
ثم إن هذا الإنسان ليته يسعى في ذلك في حق نفسه، فإنه يعلم من نفسه أنه ليس له حظ في الربوبية، ثم يعترف بالربوبية لخلق من خلق اللّه، من حجر أو نبات أو حيوان أو إنسان مثله أو جان أو ملك أو كوكب، فإنه ما بقي صنف من المخلوقات إلا و قد عبد منه، و ما عبده إلا الإنسان الحيوان، فأشقى الناس من باع آخرته بدنيا غيره، و من هلك فيما لا يحصل بيده منه شيء، فيشهد على نفسه أنه أجهل الناس بغيره، و أعلم الناس بنفسه، لأنه ما ادعاها لنفسه، و من ادعاها لنفسه فإنما استخف قومه، فجميع المخلوقات عبدوا اللّه إلا بعض الناس، فالإنسان ألد الخصام،حيث خاصم فيما هو ظاهر الظلم فيه، و ليس إلا الربوبية، و هل رأيتم عبدا يخاصم ربه إلا إذا خرج عن عبوديته و زاحم سيده في ربوبيته؟.
[سورة يس (36): الآيات 78 الى 82]
وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)
[الأمر الإلهي أمران، بالواسطة و برفع الوسائط]
«إِنَّما أَمْرُهُ» الأمر أمران: أمر بواسطة، و أمر برفع الوسائط، فأمره سبحانه برفع الوسائط لا يتصوّر أن يعصى، لأنه بكن، إذ كن لا تقال إلا لمن هو موصوف بلم يكن، و ما هو موصوف بلم يكن ما يتصور منه الإباية، و إذا كان الأمر الإلهي بالواسطة فلا يكون بكن، فإنها من خصائص الأمر العدمي الذي لا يكون بواسطة، و إنما يكون الأمر بما يدل على الفعل، فيؤمر بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، فيقال له: أقم الصلاة، و آت الزكاة، فاشتق له من اسم الفعل اسم الأمر، فيطيعه من شاء منهم و يعصيه من شاء منهم، و الإنسان لا يقدر على رفع ما تكون في نفسه، فإن كن إنما تعلقت بما تكون في نفس الإنسان، فكان الحكم لما تكون فيمن تكون، فآمن و لا بد، أو صلى و لا بد، أو صام و لا بد، على حسب ما تعطيه حقيقة الأمر الذي تعلق به كن،
و قد يرد أمر الواسطة و لا يرد الأمر الإلهي، فلا يجد المخاطب آلة يفعل بها، فيظهر كأنه عاص، و إنما هو عاجز فاقد في الحقيقة، لأنه ما تكون فيه ما أمر به أن يتكون عنه، فلا أطوع من الخلق لأوامر الحق، أي لقبول ما أمر الحق بتكوينه فيه، و لكن لا يشعرون، و ليست الأوامر التي أوجبنا طاعتها، إلا الأوامر الإلهية، لا الأوامر الواردة على ألسنة الرسل، فإن الآمر من الخلق طائع فيما أمر، لأنه لو لم يؤمر بأن يأمر ما أمر، فلو أن الذي أمره يسمع المأمور بذلك الأمر أمره لامتثل،فإن أمر اللّه لا يعصى إذا ورد بغير الوسائط، فالأمر الإلهي لا يخالف الإرادة الإلهية، فإنها داخلة في حدّه و حقيقته، و إنما وقع الالتباس من تسميتهم صيغة الأمر- و ليست بأمر- أمرا، و الصيغة مرادة بلا شك، فأوامر الحق إذا وردت على ألسنة المبلغين فهي صيغ الأوامر لا الأوامر، فتعصى، و قد يأمر الآمر بما لا يريد وقوع المأمور به، فما عصى أحد قط أمر اللّه «إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» لم يكن للأعيان في حال عدمها شيء من النسب إلا السمع، فكانت الأعيان مستعدة في ذواتها في حال عدمها لقبول الأمر الإلهي إذا ورد عليها بالوجود، فلما أراد بها الوجود قال لها «كُنْ» فكانت و ظهرت في أعيانها، فكان الكلام الإلهي أول شيء أدركته من اللّه تعالى، بالكلام الذي يليق به سبحانه،
و الأصل ثبوت العين لا وجودها، و لم تزل بهذا النعت موصوفة، و بقبولها سماع الخطاب إذا خوطبت منعوتة، فهي مستعدة لقبول نعت الوجود، مسارعة لمشاهدة المعبود، فلما قال لها في حال عدمها «كُنْ» كانت، فبانت بنفسها و ما بانت- بحث- السماع الإلهي هو أول مراتب الكون، و به يقع الختام، فأول وجود الكون بالسماع، و آخر انتهائه من الحق السماع، و يستمر النعيم في أهل النعيم و العذاب في أهل العذاب، فأما في ابتداء كون كل مكوّن فإنما ظهر عن قول كن، فأسمعه اللّه فامتثل، فظهر عينه في الوجود و كان عدما، فسبحان العالم بحال من قال له: كن فكان، فأول شيء ناله الممكن مرتبة السماع الإلهي، فإن كن صفة قول، قال تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا) و السماع متعلقه القول. و أما في الانتهاء في حق الكفار (اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ) فخاطبهم و هم يسمعون، و أما في حق أهل الجنة فبعد الرؤية و التجلي الذي هو أعظم النعم عندهم في علمهم، فيقول: [هل بقي لكم شيء؟
فيقولون:يا ربنا و أي شيء بقي لنا؟ نجيتنا من النار، و أدخلتنا الجنة، و ملكتنا هذا الملك، و رفعت الحجاب بيننا و بينك فرأيناك، و أي شيء بقي يكون عندنا أعظم مما نلناه؟ فيقول سبحانه:رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا] فأخبرهم بالرضا و دوامه و هم يسمعون، فذلك أعظم نعيم وجدوه، فختم بالسماع كما بدأ، ثم استصحبهم السماع دائما ما بين بدايتهم و غاية مراتب نعيمهم، فطوبى لمن كانت له أذن واعية لما يورده الحق في خطابه.
[سورة يس (36): آية 83]
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 478