تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة طه
[سورة طه (20): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (3) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى (4)
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5)
[بحث الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى]
المسألة الأولى- بحث عام في الألفاظ التي تعطي التشبيه و التجسيم- المحقق الواقف العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهية من التقديس و التنزيه و نفي المماثلة، لا يحجبه ما نطقت به الآيات و الأخبار في حق الحق تعالى، من أدوات التقييد بالزمان و الجهة و المكان و ما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية، و قد تقرر بالبرهان العقلي خلقه الأزمان و الأمكنة و الجهات و الألفاظ و الحروف و الأدوات و المتكلم بها و المخاطبين من المحدثات، كل ذلك خلق اللّه تعالى،
فيعرف المحقق قطعا أنها مصروفة إلى غير الوجه الذي يعطيك التشبيه و التمثيل، و أن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلا، و لكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم، فتتفاضل العلماء في هذا الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى، فطائفة لم تشبّه و لم تجسم، و صرفت علم ذلك الذي ورد في كلام اللّه و رسله إلى اللّه تعالى، و لم تدخل لها قدما في باب التأويل، و قنعت بمجرد الإيمان بما يعلمه اللّه في هذه الألفاظ و الحروف، من غير تأويل و لا صرف إلى وجه من وجوه التنزيه، بل قالت لا أدري جملة واحدة، و لكني أحيل إبقاءه على وجه التشبيه، لقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) لا لما يعطيه النظر العقلي، و على هذا فضلاء المحدثين من أهل الظاهر السالمة عقائدهم من التشبيه و التعطيل، و طائفة أخرى من المنزهة عدلت بهذه الكلمات عن الوجه الذي لا يليق باللّه تعالى في النظر العقلي،
عدلت إلى وجه ما من وجوه التنزيه على التعيين مما يجوز في النظر العقلي أن يتصف به الحق تعالى، بل هو متصف به و لا بد، و ما بقي النظر إلا في هذه الكلمة، هل المراد بها ذلك الوجه أم لا؟ و لا يقدح ذلك التأويل في ألوهته، و ربما عدلوا إلى وجهين و ثلاثة و أكثر على حسب ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان، و لكن من الوجوه المنزهة لا غير، فإذا لم يعرفوا من ذلك الخبر أو الآية عند التأويل في اللسان إلا وجها واحدا قصروا الخبر أو الآية إلى تلك المصارف، و قالت طائفة من هؤلاء: يحتمل أن يريد كذا، و يحتمل أن يريد كذا، و تعدد وجوه التنزيه،
ثم تقول: و اللّه أعلم أي ذلك أراد، و طائفة أخرى تقوّى عندها وجه ما من تلك الوجوه النزيهة بقرينة ما، قطعت لتلك القرينة بذلك الوجه على الخبر و قصرته عليه، و لم تعرج على باقي الوجوه في ذلك الخبر و إن كانت كلها تقتضي التنزيه، و طائفة أخرى من المنزهة أيضا و هي العالية، فرغوا قلوبهم من الفكر و النظر و أخلوها، إذ كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأولة أهل فكر و نظر، فأشبهت في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم، حيث لم ينظروا و لا تأولوا و لا صرفوا،
بل قالوا: ما فهمنا، فقال هؤلاء بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبة أولئك بأن قالوا: لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات، و ذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري، و نجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب و المراقبة و الحضور و التهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى، حتى يكون الحق تعالى يتولى تعليمنا على الكشف و التحقيق، لما سمعته يقوله (و اتقوا اللّه و يعلمكم اللّه) و يقول (إن تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا).
فعند ما توجهت قلوبهم و همهم إلى اللّه تعالى و لجأت إليه، و ألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث و النظر و نتائج العقول، كانت عقولهم سليمة و قلوبهم مطهرة فارغة، فعند ما كان منهم هذا الاستعداد تجلى الحق لهم معلّما، فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار و الكلمات دفعة واحدة، و هذا ضرب من ضروب المكاشفة،
فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب ما نزهته العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكري، لم يصح لهم عند هذا الكشف و المعانية أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم، و لا أن يبقوا ذلك الخبر منسحبا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين، بل يعرفون الكلمة و المعنى النزيه الذي سيقت له، فيقصرونها على ما أريدت له، و إن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة، معيّن عند هذا الشاهد، و طائفة أخرى ليس لهم هذا التجلي، و لكن لهم الإلقاء و الإلهام و اللقاء و الكتابة، و هم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامة عندهم لا يعرفها سواهم، فيخبرون بما خوطبوا به و ما ألهموا به و ما ألقي إليهم أو كتب، و قد تقرر عند جميع المحققين الذين سلّموا الخبر لقائله و لم ينظروا و لا شبّهوا و لا عطلوا، و المحققين الذين بحثوا و اجتهدوا و نظروا على طبقاتهم، و المحققين الذين كوشفوا و عاينوا، و المحققين الذين خوطبوا و ألهموا، أن الحق تعالى لا تدخل عليه تلك الأدوات المقيدة بالتحديد و التشبيه على حد ما نعقله من المحدثات،
و لكن تدخل عليه بما فيها من معنى التنزيه و التقديس، على طبقات العلماء و المحققين في ذلك لما فيه و تقتضيه ذاته من التنزيه، و إذا تقرر هذا، فقد تبيّن أنها أدوات التوصيل إلى أفهام المخاطبين، و كل عالم على حسب فهمه فيها و قوة نفوذه و بصيرته، فعقيدة التكليف هينة الخطب، فطر العالم عليها، و لو بقيت المشبهة على ما فطرت عليه ما كفرت و لا جسّمت، و جاء في هذه الآية الاستواء على العرش بلفظ العرش و لفظ الاستواء، و ما هو نص في ظرفية المكان، بخلاف اسم لفظة المكان، فإنه نصّ بالوضع في ظرفيته، و المتمكن في المكان نص فيه، فعدل إلى الاستواء و العرش، ليسوغ التأويل الذي يليق بالجناب العالي لمن يتأول و لا بد، و الأولى التسليم للّه فيما قاله، و رد ذلك إلى علمه سبحانه بما أراده في هذا الخطاب، و نفي التشبيه المفهوم عنه، بقوله (ليس كمثله شيء)- المسألة الثانية في الاستواء- ذكر تعالى أنه استوى على العرش على طريق التمدح و الثناء، إذ كان العرش أعظم الأجسام، و الاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات، و لا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره، فهو استواء منزه عن الحد و المقدار، معلوم عنده، غير مكيف و لا معلوم للعقول و الأذهان، و كما لا يلزم من الفوق إثبات الجهة، كذلك لا يلزم من الاستواء إثبات المكان، فذلك الاستواء مجهول النسبة، ثابت الحكم، متوجه كما ينبغي لجلاله نخلص من ذلك إلى القول بأن استواء الرحمن ليس كاستواء الأكوان،
و أنه لو جلس عليه جلوسا كما يدعيه المشبهة لحدّه المقدار، و قام به الافتقار إلى مخصص مختار، لا تحيط به الجهات و الأقطار، و الافتقار على اللّه محال، فالاستقرار بمعنى الجلوس عليه محال، و لا سبيل إلى هذا الاعتقاد بحال، و ما بقي فيه سوى أمرين مربوطين بحقيقتين، الأمر الواحد أن نصرف هذا الاستواء إلى الاستيلاء، و الأمر الآخر أن نؤمن بها كما جاءت من غير تشبيه و لا تكييف، و نصرف العلم بها إليه، فإنه أسلم بالمؤمنين عند قدومهم عليه، و لهذا يختم المنزّه تأويله بقوله: و اللّه أعلم، لمعرفته بأن التنزيه قائم بذاته، و لكن صرف هذه الآية إلى هذا الحكم لا يلزم.
فتحفظوا من مكر اللّه في التأويل و استدراجه، و اسألوه الثبات على منهاجه، و طهروا قلوبكم بماء التقديس و التنزيه، من التجسيم و التشبيه، فإنه ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير، و يستوي و يجيء و ينزل، و هو في السماء و في الأرض كما قاله، و على المعنى الذي أراده، من غير تشبيه و لا تكييف، و هو العليم القدير.
– المسألة الثالثة في معنى العرش- الوجه الأول- «عَلَى الْعَرْشِ»* أي على ملكه، فالعرش عين الملك، يقال: ثلّ عرش الملك إذا اختل ملكه- الوجه الثاني- العرش الذي استوى عليه الرحمن، هو سرير ذو أركان أربعة و وجوه أربعة، و له أربعة قوائم يحمله منها أربعة من الملائكة، و في كل نصف وجه قائمة، فهي ثمانية قوائم، لا حامل لتلك الأربعة اليوم إلى يوم القيامة، فإذا كان في القيامة وكّل اللّه بها من يحملها، فيكونون في الآخرة ثمانية و هم في الدنيا أربعة، و قوائم هذا العرش على الماء الجامد، فالعرش إنما يحمله الماء الجامد، و الحملة التي له إنما هي خدمة له تعظيما و إجلالا، و ذلك الماء الجامد مقره على الهواء البارد، و العرش مجوف، محيط بجميع ما يحوي عليه من كرسي و أفلاك و جنات و سماوات و أركان و مولدات، و بين مقعر العرش و الكرسي فضاء واسع و هواء محترق، و الكرسي في العرش كحلقة ملقاة، و لما أوجد اللّه العرش استوى عليه الرحمن واحد الكلمة لا مقابل لها، فهو رحمة كله، ليس فيه مايقابل الرحمة، و إن وقع ببعض العالم غصص، فذلك لرحمة فيه.
لو لا ما جرعه إياها اقتضى ذلك مزاج الطبع و مخالفة الغرض النفسي، فهو كالدواء الكريه و الطعم الغير المستلذ و فيه رحمة للذي يشربه و يستعمله و إن كرهه، فباطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب، و ما استوى عليه الرحمن تعالى إلا بعد ما خلق الأرض و قدّر فيها أقواتها، و خلق السموات و أوحى في كل سماء أمرها، و فرغ من خلق هذه الأمور كلها، و رتب الأركان ترتيبا يقبل الاستحالات لظهور التكوين و التنقل من حال إلى حال، و بعد هذا استوى على العرش، فالعرش هو الجسم الكلي، و استوى عليه سبحانه بالاسم الرحمن بالاستواء الذي يليق به، الذي لا يعلمه إلا هو، من غير تشبيه و لا تكييف، و هو أول عالم التركيب، و قد قال تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» في معرض التمدح، فلو كان في المخلوقات أعظم من العرش لم يكن ذلك تمدحا، و العرش المذكور في هذه الآية مستوى الرحمن و هو محل الصفة- المسألة الرابعة في تفسير الآية-
اعلم أن اللّه سبحانه ما استوى على عرش إلا بالاسم الرحمن، إعلاما بذلك أنه ما أراد بالإيجاد إلا رحمة بالموجودين، و لم يذكر غيره من الأسماء، و ذكر الاستواء على اعظم المخلوقات إحاطة من عالم الأجسام، فإن الآلام ليس محلها إلا التركيب، و أما البسائط فلا تقبل في ذاتها قيام معنى بها، بل هي عين المعنى، فتدل هذه الآية على شمول الرحمة للعالم و إن طرأت عوارض البلايا، فإنها رحمة كما ذكرنا في شرب الدواء الكريه، ليس المقصود منه عذاب من شربه و لا إيلامه،
و إنما المقصود من استعماله ما يؤول إليه من استعمله من الراحة و العافية، فللحق سبحانه تجل عام إحاطي، و تجل خاص شخصي، فالتجلي العام تجل رحماني. و هو قوله تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» فمن معافى و مبتلى، بحسب ما يحكم فيه من الأسماء إلى الأجل المسمى، فتعم الرحمة التي وسعت كل شيء من الرحمن الذي استوى على العرش، فتعم النعم العالم، فإن العرش ما حوى ملكه كله مما وجد، و عرشه وسع كل شيء، و النار و من فيها من الأشياء، و الرحمة سارية في كل موجود، و التجلي الخاص هو ما لكل شخص شخص من العلم باللّه،
و الرحمن لا يظهر عنه إلا مرحوم، لذلك قال «عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» لنعلم إذا ظهرت أعياننا و بلّغتنا سفراؤه هذا الأمر شمول الرحمة و عمومها، و مآل الناس و الخلق كلها إليها، فلو لم يكن من عظيم الرجاء في شمول الرحمة إلا قوله «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» لكفى فإذا استقرت الرحمة في العرش الحاوي على جميع أجسام العالم، فكل ما يناقضها أو يريد رفعها من الأسماء و الصفات فعوارض لا أصل لها في البقاء، لأن الحكم للمستولي و هو الرحمن، فإليه يرجع الأمر كله، فيكون المآل للرحمة التي وسعت كل شيء، فهو في الدنيا يرزق مع الكفر و يعافي و يرحم، فكيف مع الإيمان و الاعتراف في الدار الآخرة على الكشف كما كان في قبض الذرية؟- إشارة- قرأ أبو العباس العريبي «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ» وقف و الابتداء «اسْتَوى».
[سورة طه (20): آية 6]
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى (6)
أي ثبت له ما في السموات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى، فالاسم الرحمن ثابت الحكم في كل ما يحوي عليه العرش، و هو قوله (و رحمتي وسعت كل شيء) فمآل الكل إلى الرحمة و إن تخلل الأمر آلام و عذاب و علل و أمراض مع حكم الاسم الرحمن، فإنما هي أعراض عرضت في الأكوان دنيا و آخرة، و من أجل أن الرحمن له الأسماء الحسنى، و من الأسماء الضار و المذل و المميت،
فلهذا ظهر في العالم ما لا تقتضيه الرحمة و لكن لعوارض، و في طي تلك العوارض رحمة، و لو لم يكن إلا تضاعف النعيم و الراحة عقيب زوال حكمه، و لهذا قيل: أحلى من الأمن عند الخائف الوجل، فما تعرف لذات النعيم إلا بأضدادها، فما ثمّ حكم إلا للرحمن لأنه المستوي على العرش، فلا تنفذ الأحكام إلا من هذا الاسم، فالرحمن استوى على عرشه، و ما انقسمت الكلمة إلا من دون العرش، من الكرسي فما تحته، فإنه موضع القدمين، ليس سوى انقسام الكلمة، فظهر الأمر و الخلق، و النهي و الأمر، و الطاعة و المعصية، و الجنة و النار، و كل ذلك عن أصل واحد و هي الرحمة التي هي صفة الرحمن.
[سورة طه (20): آية 7]
وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (7)
[ «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ»]
الوجه الأول- يدل ظاهر الآية في قوله تعالى «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ» أي ما يحدّث المرء به نفسه، لقوله و إن تجهر بالقول، فإنه يعلم ذلك و يعلم ما تحدث به نفسك، و هو قوله (و نعلم ما توسوس به نفسه) و متعلق السر الاسم الباطن، و هو ما يسره العبد في نفسه،و هو خلاف الجهر و العلانية- الوجه الثاني- السر ما بينك و بينه، و ما هو أخفى ما يستر عنك عينه فالسر ما بين العبد و الحق، و الأخفى ما يعلمه سبحانه من العبد و لا يعلمه العبد من نفسه أن يكون فيه، فلا يعلم الأخفى إلا اللّه، و السر يعلمه الزائد، و ما زاد فهو إعلان و زال عن درجة الكتمان، فقوله «وَ أَخْفى» الأخفى عن صاحب السر هو ما لا يعلمه.
مما يكون لا بد أن يعلمه خاصة، فالعلم بما هو أخفى من السر ما لا يعلمه إلا اللّه وحده، لا علم لهذا العبد به، و لا يمكن أن يعلمه إلا اللّه، فالأخفى هو سرّ سرّ، و هو العلم الذي انفرد به الحق دون سواه، فما هو أخفى من السر ما لا يعلم من الأمر، و ما هو إلا العلم باللّه- الوجه الثالث- «يَعْلَمُ السِّرَّ» و السر هو إخفاء ما له عين «وَ أَخْفى» و هو إظهار ما لا عين له، فيتخيل الناس أن ذلك حق، و اللّه يعلم أنه ليس له وجود عين في نفس الحكم، فيعلم السر و أخفى، أي أظهر في الخفاء من السر، و الشيء الخافي هو الظاهر لغة منقولة-
الوجه الرابع- و مع هذا فإن الألف و اللام لها حكم في مطلق اسم السر، للشمول على جميع ما ينطلق عليه اسم السر، و ما هو أخفى من ذلك السر، و من السر النكاح، فمن أسمائه السر، فيعلم ما ينتجه النكاح، و هو قوله (و يعلم ما في الأرحام) فإنه الخالق ما فيها، و لذلك فإن الإيجاد بمنزلة السر في النكاح، و الأخفى هو التوجه بتعلق القدرة بإيجاد موجود ما، فنفذ الاقتدار فكان أخفى من السر، لجهلنا بنسبة هذا التوجه إلى الذات العلية و نسبة الصفات إليها، لأنها مجهولة لا تعرف فيعرف التوجه، فأعقب ذلك بتوحيد الموجد للأشياء مع كثرة النسب، فهو واحد في كثير فقال:
[سورة طه (20): آية 8]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (8)
[توحيد الإبدال]
هذا التوحيد السادس عشر في القرآن، و هو توحيد الإبدال، فإنه أبدل اللّه من الرحمن، و هذا في المعنى بدل المعرفة من النكرة، لأنهم أنكروا الرحمن، و في اللفظ بدل المعرفة من المعرفة، و هو توحيد الهوية القائمة بأحكام الأسماء الحسنى، لا أن الأسماء الحسنى تقوم معانيها بها، بل هي القائمة بمعاني الأسماء، فهو قائم بكل اسم بما يدل عليه، و قد تسمى بأحكام أفعاله من طريق المعنى، فكلها أسماء حسنى، غير أنه منها ما يتلفظ بها، و منها ما يعلم و لا يتلفظ بها لما هو عليه حكمها في العرف من إطلاق الذم عليها، و اللّه اسم جامع
[الأسماء الحسنى كلها للمرتبة]
لحقائق جميع الأسماء، و هو دليل على مسمى، و هو ذات مقدسة له نعوت الكمال و التنزيه «لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى»* فالاسماء كلها للمرتبة، و لها ترتيب حقائق معقولة كثيرة من جهة النسب لا من جهة وجود عيني، فإن ذات الحق واحدة من حيث ما هي ذات، و لكن لما كان وجودنا و افتقارنا و إمكاننا لا بد له من مرجح نستند إليه، و أن ذلك المستند لا بد أن يطلب وجودنا منه نسبا مختلفة، كنّى الشارع عنها بالأسماء الحسنى و تسمى بها، فاللّه واحد و إن تكثرت أحكامه فإنها نسب و إضافات، فهو من حيث نفسه له أحدية الأحد، و من حيث أسماؤه له أحدية الكثرة، و الأسماء الحسنى تبلغ فوق أسماء الإحصاء عددا، و تنزل دون أسماء الإحصاء سعادة، و هي المؤثرة في هذا العالم، فإنه ليس في المخلوقات على اختلاف ضروبها أمر إلا و يستند إلى حقيقة و نسبة إلهية،
و هي المفاتيح الأول التي لا يعلمها إلا هو، و إن كان لكل حقيقة اسم ما يخصها من الأسماء، فحقيقة الإيجاد يطلبها الاسم القادر، و حقيقة الأحكام يطلبها الاسم العالم، و حقيقة الاختصاص يطلبها الاسم المريد، إلى غير ذلك من الحقائق، فالاسماء الحسنى نسب و إضافات ترجع إلى عين واحدة، إذ لا يصح هناك كثرة بوجود أعيان فيه كما زعم من لا علم له باللّه من بعض النظار، لأن الصفات الذاتية للموصوف بها و إن تعددت، فلا تدل على تعدد الموصوف في نفسه لكونها مجموع ذاته، و إن كانت معقولة في التمييز بعضها عن بعض، فأسماء اللّه و هي صفاته نسب و إضافات له لا أعيان زائدة، لما يؤدي إلى نعتها بالنقص، إذ الكامل بالزائد ناقص بالذات عن كماله بالزائد، و هو كامل لذاته، فالزائد بالذات على الذات محال، و بالنسب و الإضافة ليس بمحال، و لو كانت الصفات أعيانا زائدة و ما هو إله إلا بها، لكانت الألوهية معلولة بها، فلا يخلو أن تكون هي عين الإله
– فالشيء لا يكون علة لنفسه- أو لا تكون، فاللّه لا يكون معلولا لعلة ليست عينه، فإن العلة متقدمة على المعلول بالرتبة، فيلزم افتقار الإله من كونه معلولا لهذه الأعيان الزائدة التي هي علة له، و هو محال، ثم إن الشيء المعلول لا يكون له علتان، و هذه كثيرة، و لا يكون إلها إلا بها، فبطل أن تكون الأسماء و الصفات أعيانا زائدة على ذاته، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فأسماء اللّه الحسنى نسب و إضافات، منها ما يحتاج إليها الممكنات احتياجا ضروريا، و منها ما لا يحتاج إليها الممكنات ذلك الاحتياج الضروري،و قوة نسبتها إلى الحق أوجه من طلبها الخلق. و لما كانت الأسماء الإلهية نسبا تطلبها الآثار، لذلك لا يلزم ما تعطل حكمه منها ما لم يتعطل، و إنما يقدح ذلك لو اتفق أن تكون أمرا وجوديا، فاللّه إله سواء وجد العالم أو لم يوجد،
فلذلك قلنا: إنه سبحانه لو رحم العالم كله لكان، و لو عذب العالم كله لكان، و لو رحم بعضه و عذب بعضه لكان، و لو عذبه إلى أجل مسمى لكان، فإن الواجب الوجود لا يمتنع عنه ما هو ممكن لنفسه، و لا مكره له على ما ينفذه في خلقه، بل هو الفعال لما يريد، و لما كانت الصفات نسبا و إضافات، و النسب أمور عدمية، و ما ثمّ إلا ذات واحدة من جميع الوجوه، لذلك جاز أن يكون العباد مرحومين في آخر الأمر، و لا يسرمد عليهم عدم الرحمة إلى ما لا نهاية له إذ لا مكره له على ذلك، و الصفات و الأسماء ليست أعيانا توجب حكما عليه في الأشياء، فلا مانع من شمول الرحمة للجميع، و لا سيما و قد ورد سبقها للغضب، فإذا انته الغضب إليها كان الحكم لها، فكان الأمر على ما قلناه،
و لذلك قال تعالى (و لو شاء ربك لهدى الناس جميعا) فكان حكم هذه المشيئة في الدنيا بالتكليف، و أما في الآخرة فالحكم لقوله (يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) فمن يقدر أن يدل على أنه لم يرد إلا تسرمد العذاب على أهل النار و لا بد، أو على واحد في العالم كله؟ فكل ما ذكر في قوله: لو شاء، و لئن شئنا، لأجل هذا الأصل، فله الإطلاق و ما ثمّ نص يرجع إليه لا يتطرق إليه الاحتمال في تسرمد العذاب كما لنا في تسرمد النعيم، فلم يبق إلا الجواز، و أنه رحمن الدنيا و الآخرة، و الأسماء الإلهية منها مشتركة و إن كان لكل واحد من المشتركة معنى، إذا تبين ظهر أنها متباينة، فالأصل في الأسماء التباين، و الاشتراك فيه لفظي، و منها متباينة، و منها مترادفة و مع ترادفها فلا بد أن يفهم من كل واحد معنى لا يكون في الآخر، فعلمنا ما سمى به نفسه و اقتصرنا عليها، و قيدت الأسماء بالحسنى لدلالتها على المسمى الاسمى.
[سورة طه (20): الآيات 9 الى 10]
وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (9) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10)
«إِنِّي آنَسْتُ ناراً» أي أبصرت نارا، من آنست الشيء إذا أبصرته، و يدل أيضا على أنه ما قطع فيما أبصر أنه نار «لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» فانظر ما أعجب قوة النبوة لأنه وجد الهدى، و كل خير في السعي على الغير، و السعي على الأهل من ذلك، فمشى موسى عليه السلام في حق أهله ليطلب لهم نارا يصطلون بها و يقضون بها الأمر الذي لا ينقضي إلا بها في العادة، و ما كان عنده خبر بما جاءه، فأسفرت له عاقبة ذلك الطلب عن كلام ربه، فكلمه اللّه في عين حاجته و هي النار في الصورة، و لم يخطر له عليه السلام ذلك الأمر بخاطر، و أي شيء أعظم من هذا؟ و ما حصل له إلا في وقت السعي في حق عياله، ليعلمه بما في قضاء حوائج العائلة من الفضل، فيزيد حرصا في سعيه في حقهم، فكان ذلك تنبيها من الحق تعالى على قدر ذلك عند اللّه تعالى، و على قدرهم لأنهم عبيده على كل حال، و قد وكّل هذا على القيام بهم.
[سورة طه (20): آية 11]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (11)
[تجلي الحق لموسى عليه السلام في صورة النار]
و تجلى له الحق في عين حاجته فلم تكن نارا
[سورة طه (20): آية 12]
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (12)
لما خرج موسى عليه السلام في طلب النار لأهله لما كان فيه من الحنو عليهم، وقع التجلي له في عين صورة حاجته، فرأى نارا لأنها مطلوبه فقصدها فناداه ربه منها، و هو لا علم له بذلك لاستفراغه فيما خرج له «يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» و لما كان القاعد لا يلبس النعلين و إنما وضعت للماشي فيها، و من وصل إلى المنزل خلع نعليه، قيل لموسى عليه السلام «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» أي قد وصلت المنزل، فإنه كلمه اللّه بغير واسطة، بكلامه سبحانه بلا ترجمان، و قوله تعالى «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» له ظاهر و باطن، فأما ظاهره فالحكمة في الأمر بخلع النعل الظاهر، أن سير الأنبياء في الأرض كان سير اعتبار و ادكار و نظر لما أودع فيها من سر البدء و الإعادة، بمقتضى قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) و كان المراد التعرف لموسى بسر الإعادة و قيام الساعة، و لهذا كانت مناجاته من الجانب الغربي، لأن من أكبر آيات الساعة طلوع الشمس من مغربها،
و قيل له في أول مناجاته (إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني و أقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية) و من المعلوم أن بعث الخلائق و حشرهم يكون من الأرض المقدسة، و قد فسر قوله تعالى (وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) أي من صخرة بيت المقدس، فمن هاهنا قيل لموسى صلّى اللّه عليه و سلم عند ما سار بأهله و بلغ بيت المقدس و كشف له عن سر ما أودع فيه من قيام الساعة «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» تنبيها على أنه انته سفرك و بلغ ما كان المراد بك من التعرف، و لهذا قيل له «إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ» أي هذا هو الوادي الذي أودع فيه سر قيام الساعة و رجوع الخلائق إلى اللّه تعالى، فاخلع نعليك و ألق عصاك، فإن النعل و أخذ العصا من توابع السفر، و خلع النعل و إلقاء العصا من أعلام الإقامة، قال الشاعر:
| فألقت عصاها و اطمأن بها النوى | كما قر عينا بالإياب المسافر | |
و أما الباطن فإن حقيقة النعل ما يكون وقاية لقدم الصدق من عوائق طريق القلب إلى اللّه تعالى و ما فيه من وعر و شوك، كما نبه عليه قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [تعس عبد الدينار و تعس عبد الدرهم، تعس و انتكس و شيك و لا انتقش] فنبه بهذا على أن افتتان القلب بزينة الدنيا يعوق قدم الصدق عن السير إلى اللّه تعالى، فإن عظم في عينيه منها شيء تعس به، و إن احتقره أو استهان به كان بمثابة الشوك يدخل في قدم السائر، فإن انتقش أي أخرجه بمنقاش الاستغفار، و ألقاه بالزهد فيه سلم و سارع بقدم صدقه إلى اللّه تعالى، و إن أهمله كان بمثابة الشوكة التي يهملها صاحبها حتى تتمكن و يفسد بها الدم و يحصل المرض و الوقوف عن السير، و ربما تمكنت فكانت سببا للموت أو ورما للقدم، و النعلان يقيان من ذلك، و هما الرجاء فيه و الخوف منه، كموسى صلّى اللّه عليه و سلم لما خرج خائفا يترقب، و قال عند التوجه (عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) علم أنه انتعل الخوف و الرجاء و ركبهما في سيره، لأن من انتعل فقد ركب، لحديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما في صحيح مسلم قال: كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في سفر، فقال: أكثروا من النعال فإن الرجل يظل راكبا ما انتعل.
فلما بلغ موسى عليه السلام في حضرة المناجاة و التأنيس وصل في وادي التقديس، قيل له «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» لأن الرجاء و الخوف لأرباب السلوك لا لمن وصل و خص بمجالسة المملوك، روينا أن نعلا موسى كانتا من جلد حمار ميت، فجمعت ثلاثة أشياء: الشيء الواحد الجلد و هو ظاهر الأمر، أي لا تقف مع الظاهر في كل الأحوال، و الثاني البلادة فإنها منسوبة إلى الحمار، و الثالث كونه ميتا غير مذكى و الموت الجهل، و إذا كنت ميتا لا تعقل ما تقول و لا ما يقال لك، و المناجي لا بد أن يكون بصفة من يعقل ما يقول و يقال له، فيكون حي
[خلع النعلين]
القلب فطنا بمواقع الكلام، غواصا في المعاني التي يقصدها من يناجيه بها- اعتبار- خلع النعلين في الاعتبار يشير إلى خلع صفة الجهل المختصة بالحمار، لأن النعلين كانتا من جلد حمار ميت، فهو صفة جهل و موت، و الوادي المقدس في الاعتبار يشير إلى صفة موسوية- إشارة- خلعت النعلان إشارة لزوال شفعية الإنسان.
[سورة طه (20): آية 13]
وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (13)
[سورة طه (20): آية 13]
وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (13)
و قرئ «و إنا اخترناك» قرأ بها حمزة على رب العزة في المنام، و إذا قرئ «و أنا اخترتك» كان أحق بالآية و أنسب و أنفى للتغيير، فإنه ما زال التوحيد يصحبها إلى آخر الآية في قوله (فاعبدني) و إذا قرئ بالجمع ظهر التغيير بالانتقال في العين الواحدة من الكثير إلى الواحد، فمساق الآية يقوي «و إنا اخترناك» لأنه عدد أمورا تطلب أسماء مختلفة، فلا بد من التغيير في كل صورة يدعى إليها، و كان جملة ما تحصل في هذه الواقعة لموسى على ما روي اثنتي عشرة ألف صورة، يقول له في كل صورة: يا موسى، ليتنبه موسى على أنه لو أقيم لصورة واحدة لا تسق الكلام، و لم يقل في كل كلمة: يا موسى؛ فقوله «إنا اخترناك فجمع، ثم أفرد ثم عدد ما كلم به موسى عليه السلام غير أن قوله «و إنا اخترناك» قرأ بها حمزة على رب العزة في المنام، فقال له ربه: «و إنا اخترناك» فهي قراءة برزخية، فلهذا جمع لأنه تجل صوري في منام، فلا بد أن تكون القراءة هكذا، فإذا أفردتها بعد الجمع فلأحدية الجمع لا غير.
[سورة طه (20): آية 14]
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14)
[توحيد الاستماع]
هذا هو التوحيد السابع عشر في القرآن، و هو توحيد الاستماع، و هو توحيد الأناية، و قوي بالجمع إذ قد قرئ «و إنا اخترناك» فكثّر، ثم أفرد فقال «إنني» و إن كلمة تحقيق، فالإنية هي الحقيقة، و لما كان حكم الكناية بالياء يؤثر في صورة الحقيقة، نظرت من في الوجود على صورتها، فوجدت نونا من النونات، فقالت لها: قني بنفسك من أجل كناية الياء، لئلا تؤثر فيّ صورة حقيقتي، فيشهد الناظر و السامع التغيير في الحقيقة أن الياء هي عين الحقيقة؛ فجاءت نون الوقاية فحالت بين الياء و نون الحقيقة، فأحدثت الياء الكسر في النون المجاورة لها، فسميت نون الوقاية لأنها وقت الحقيقة بنفسها، فبقيت الحقيقة على ما كانت عليه لم يلحقها تغيير، فقال «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ» و لو لا نون الوقاية لقال «إِنِّي أَنَا اللَّهُ» فغيرها، و تغيير الحقيقة بالضمير في الإن هو مقام تجليه في الصور يوم القيامة، و ما ثمّ إلا صورتان خاصة لا ثالث لهما، صورة تنكر و صورة تعرف، و لو كان ما لا يتناهى من الصور فإنها محصورة في هذا الحكم، إما أن تنكر أو تعرف، لا بد من ذلك، فإذا قرئ «وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ» كان أحق بالآية و أنسب و أنفى للتغيير، فإنه ما زال التوحيد يصحبها إلى آخر الآية.
[تفسير من باب الإشارة الانيتان]
تفسير من باب الإشارة- الوجه الأول: و اعلم أن إنيتين ضبطتهما العبارة، و هما طرفان، و لكل واحدة من الإنيتين حكم ليس للأخرى، إنية في جانب الحق «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» و إنية في جانب الخلق الكامل (إني رسول اللّه) و الإنيتان متميزتان، إلا أن لإنية الحادث منزلة الفداء و الإيثار لجناب الحق بكونها وقاية، و بهذه الصفة من الوقاية تندرج إنية العبد في الحق اندراجا في ظهور، فينسب الفعل إلى العبد و ليس إليه، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [الخير كله بيديك، و الشر ليس إليك] قال تعالى «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ» النون الثانية من إنني هي نون الوقاية، فلو لا نون العبد التي أثر فيها حرف الياء، الذي هو ضمير الحق، فخفض النون، فظهر أثر القديم في المحدث، و لولاه لخفضت النون من إن، و هي إنية الحق فخفضتها، و مقامها الرحمة التي هي الفتح، فما أزاله عن مقامه إلا هو و لا أثر فيه سواه، فأقرب ما يكون العبد من الحق إذا كان وقاية بين إنية الحق و بين ضميره، فيكون محصورا قد أحاط به الحق من كل جانب، و كان به رحيما لبقاء صفة الرحمة، فبابها مفتوح، و بها حفظ على المحدث وجوده، فبقي عين نون الوقاية الحادثة في مقام العبودية الذي هو الخفض المتولد عن ياء ضمير الحق، فظهر في العبد أثر الحق، و هو عين مقام الذلة و الافتقار، فما للعبد مقام في الوصلة بالحق تعالى أعظم من هذا، حيث له وجود العين بظهور مقامه فيه، و هو في حال اندراج في الحق محاط به من كل جانب، فعرف نفسه بربه حين أثر فيه الخفض، فعرف ربه حين أبقاه على ما هو عليه من الرحمة، فإنه الرحمن الرحيم، فما زال عنه الفتح (فتح أنا) بوجود عين العبد (نون الوقاية) فلا يشهده أبدا إلا رحمانا، و لا يعلمه أبدا إلا مؤثّرا فيه، فلا يزال في عبوديته قائما، و هذا غاية القرب، و لو لا هذا القرب المعيّن لعاد الأثر على إنية الحق، و لهذا ظهر في «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» ليعلم أن الأثر إذا صدر من الحق لا بد من ظهور حكم، و ما وجد إلا الحق فعاد عليه، فجاء العبد فدخل بين الإنية الإلهية و المؤثر فعمل فيه، قال أبو يزيد لربه: يا رب بما ذا أتقرب إليك؟
فقال: بما ليس لي، فقال: يا ربّ و ما ليس لك؟ فقال: الذلة و الافتقار، فعلم عند ذلك ما لإنّيّة الحق و ما لإنية العبد، و ليست العناية من اللّه ببعض عباده إلا أن يشهده هذا المقام من نفسه، فما يزيد على العالم كله إلا بالعلم به حالا و ذوقا، و لا يجني أحد ثمرة الإيثار مثل ما يجنيها صاحب هذا المقام، فإن ثمرة الإيثار على قدر من تؤثره على نفسك، و الذي تؤثره على نفسك هنا إنما هو الحق- الوجه الثاني- النون الثانية نون الوقاية، و هو تعالى الواقي، فهو نون الوقاية، و هو ضمير الياء، فهذه إضافة الشيء إلى نفسه، يروى أن موسى لما جاء من عند ربه كساه اللّه نورا على وجهه يعرف به صدق ما ادعاه، فما رآه أحد إلا عمي من شدة نوره، فكان يتبرقع حتى لا يتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤيته.
[سورة طه (20): الآيات 15 الى 17]
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (15) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (16) وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (17)
[الاشياء لا تنقلب]
السؤال عن الضروريات ما يكون من العالم بذلك إلا لمعنى غامض، و هو في هذه المسألة تعليم موسى خلع الصور من الجوهر و إلباسه صورا غيرها، ليعلمه أن الأعيان- أعيان الصور- لا تنقلب، فإنه يؤدي إلى انقلاب الحقائق، و إنما الإدراكات تتعلق بالمدركات، تلك المدركات لها صحيحة لا شك فيها، فيتخيل من لا علم له بالحقائق أن الأعيان انقلبت، و ما انقلبت، فقال تعالى لموسى عليه السلام «وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» فقال في تحقيق كونها عصا.
[سورة طه (20): آية 18]
قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (18)
كل ذلك من كونها عصا، أ رأيتم أنه أعلم الحق تعالى بما ليس معلوما عند الحق؟ و هذا جواب علم ضروري عن سؤال معلوم مدرك بالضرورة، فقال له.
[سورة طه (20): آية 19]
قالَ أَلْقِها يا مُوسى (19)
يعني من يدك، مع تحققك أنها عصا.
[سورة طه (20): آية 20]
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (20)
«فَأَلْقاها» موسى من يده في الأرض «فَإِذا هِيَ» يعني تلك العصا «حَيَّةٌ تَسْعى» فلما خلع اللّه على العصا- أعني جوهرها- صورة الحية، استلزمها حكم الحية و هو السعي، حتى يتبين لموسى عليه السلام بسعيها أنها حية، و لو لا خوفه منها خوف الإنسان من الحيات، لقلنا إن اللّه أوجد في العصا الحياة فصارت حية من الحياة، فسعت لحياتها على بطنها، إذ لم يكن لها رجل تسعى بها، فصورتها لشكلها عصا صورة الحيات، فلما خاف منها للصورة على مجرى العادة في النفوس أنها تخاف من الحيات إذا فاجأتها، لما قرن اللّه بها من الضر لبني آدم، و ما علم موسى مراد اللّه في ذلك و لو علمه ما خاف، فقال له الحق:
[سورة طه (20): آية 21]
قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (21)
[ «سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى»]
«قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ» و هذا هو خوف الفجأة إذ كان، ثم قال له «سَنُعِيدُها» الضمير يعود على العصا «سِيرَتَهَا الْأُولى» أي ترجع عصا مثلما كانت، فالآية محتملة، فإن الضمير الذي في قوله عزّ و جل «سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى» إذا لم تكن عصا في حال كونها في نظر موسى حية، لم يجد الضمير على من يعود، فجواهر الأشياء متماثلة و تختلف بالصور و الأعراض، و الجوهر واحد، فالاعيان لا تنقلب، فالعصا لا تكون حية و لا الحية عصا، و لكن الجوهر القابل صورة العصا قبل صورة الحية، فهي صور يخلعها الحق القادر الخالق عن الجوهر إذا شاء و يخلع عليه صورة أخرى، و من هنا يعلم تجلي الحق في القيامة في صورة يتعوذ أهل الموقف منها و ينزهون الحق عنها،
و يستعيذون باللّه منها و هو الحق ما هو غيره، و ذلك في أبصارهم، فإن الحق منزه عن قيام التغيير به و التبديل، و قدّم اللّه هذا لموسى عليه السلام توطئة لما سبق في علمه سبحانه أن السحرة تظهر لعينه مثل هذا، فيكون عنده علم من ذلك حتى لا يذهل و لا يخاف إذا وقع منهم عند إلقائهم حبالهم و عصيهم و خيل إلى موسى أنها تسعى، يقول له: فلا تخف إذا رأيت ذلك منهم، يقوي جأشه- إشارة- «سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى» بشرى لموسى عليه السلام بمقام الفناء و تصحيح اللقاء، فالعود رجوع إلى الأصل.
[سورة طه (20): آية 22]
وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (22)
[إشارة- فيه تنبيه للإنسان أنه عند خروجه من الغيب من العلل بريء،]
إشارة- فيه تنبيه للإنسان أنه عند خروجه من الغيب من العلل بريء، فإنه خرج من الغيب طاهرا نقيا، و ما تدنس إلا بمصاحبة الكون و الحدث، و لذلك قيل: كل مولود يولد على الفطرة.
[سورة طه (20): الآيات 23 الى 25]
لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (23) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (24) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25)
قال موسى ذلك لربه حين بعثه لفرعون.
[سورة طه (20): الآيات 26 الى 35]
وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي (30)
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (35)
فعلم موسى عليه السلام ما قال، و علمنا نحن من هذا القول ما أشار به، ليفهم عنه صاحب عين الفهم معنى التعاون و ظهور حكم الأسباب في المسببات، فلا يزيل حكمها إلا جاهل.
[سورة طه (20): الآيات 36 الى 39]
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (36) وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (37) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (39)
[إشارة: إلقاء موسى في التابوت و في اليم]
أرشد الحق تعالى أم موسى عليه السلام عند الخوف أن تلقيه من يدها و تخرجه عن حفظها، فإن اللّه تعالى يتولاه بحفظه و يبقيه برحمته، و أما قوله تعالى «وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» أي على حكم آيتي التي أوحيتها إلى أمك (أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم و لا تخافي و لا تحزني، إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين). و يؤيد أن المراد ذلك كونه جعل ظرف صنعه على عينيه.- إشارة- ألقي موسى عليه السلام في التابوت لأن الحكمة ما ظهرت إلا بوجود الناسوت، و إلقاؤه في اليم إشارة إلى العلم، أمّا كيف يصح اليم مع العلم، لأنه لولاه ما صح عند ذوي الفهم، قال تعالى (وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) و لذلك العلم تحيا به القلوب.
[سورة طه (20): آية 40]
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (40)
«وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً» أي اختبره في مواطن كثيرة، ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللّه به. «فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ» و لتعلم أن وعد اللّه حق.
[سورة طه (20): آية 41]
وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)
ليس لصنعة شرف أعلى من إضافتها إلى صانعها، و لهذا لم يكن لمخلوق شرف إلا بالوجه الخاص الذي له من الحق، لا من جهة سببه المخلوق مثله، و أرفع المنازل عند اللّه أن يحفظ اللّه على عبده مشاهدة عبوديته دائما، سواء خلع عليه من الخلع الربانية شيئا أو لم يخلع، فهذه أشرف منزلة تعطى لعبد، و هو قوله «وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» و قوله (سبحان الذي أسرى بعبده) فقرن معه تنزيهه.
[سورة طه (20): آية 42]
اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي (42)
[سورة طه (20): الآيات 43 الى 44]
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (44)
«فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً» هو عين المداراة، لأنه ما يؤمر بلين المقال إلا من قوته أعظم من قوة من أرسل إليه و بطشه أشد، فإنه يأتي باللين ما يأتي بالقهر و الفظاظة، و لا يأتي بالقهر ما يأتي باللين، فإن القهر لا يأتي بالرحمة و المودة في قلب المقهور، و باللين ينقضي المطلوب، و تأتي المودة فتلقيها في قلب من استملته باللين، و صاحب اللين لا يقاوم، فإنه لا يقاوم لما يعطيه اللين من الحكم، و لما علم الحق أنه قد طبع على كل قلب مظهر للجبروت و الكبرياء، و أنه في نفسه أذل الأذلاء، أمر موسى و هارون عليهما السلام أن يعاملا فرعون بالرحمة و اللين، لمناسبة باطنه و استنزال ظاهره من جبروته و كبريائه،
[ايمان فرعون]
«لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ» ما نسي مما كان قد علم من امتناننا عليه، و يتذكر بما يقابله من اللين و المسكنة ما هو عليه في باطنه، ليكون الظاهر و الباطن على السواء «أَوْ يَخْشى» أو يخاف مما يعرفه من أخذنا و بطشنا الشديد بمن قال مثل مقالته ممن تقدمه و حصل عنده العلم به، فهذا جدل في اللّه ليّن مأمور به و تعطف، و لعل كلمة ترجي، و الترجي من اللّه إذا ورد واقع بلا شك، و لهذا قال العلماء:
إن كلمة عسى من اللّه واجبة؛ فعلم اللّه أنه يتذكر، و التذكر لا يكون إلا عن علم سابق منسي، فالترجي من اللّه واقع كما قالوا في عسى، فإن لعل و عسى كلمتا ترج، و لم يقل تعالى لموسى و هارون: لعله يتذكر أو يخشى في ذلك المجلس و لا بد؛ و لا خلّصه للاستقبال الأخراوي، فإن الكل يخشونه في ذلك الموطن، فجاء بفعل الحال الذي يدخله الاحتمال بين حال الدنيا و بين استقبال التأخير للدار الآخرة، و ذلك لا يكون مخلصا للمستقبل إلا بالسين أو سوف، و لما كان لعل و عسى من اللّه واجبتين،
و قد ترجى من فرعون التذكّر و الخشية، فلا بد أن يتذكر فرعون ذلك في نفسه و أن يخشى، و الذي ترجي من فرعون وقع، لأن ترجيه تعالى واقع، فإن تلك الخميرة ما زالت معه تعمل في باطنه- مع الترجي الإلهي الواجب وقوع المترجى- و يتقوى حكمها، إلى حين انقطاع يأسه من أتباعه، و حال الغرق بينه و بين أطماعه، فلجأ إلى ما كان مستسرا في باطنه من الذلة و الافتقار، ليتحقق عند المؤمنين وقوع الرجاء الإلهي، كما أخبر اللّه فقال (آمنت بالذي آمنت به بنوا إسرائيل و أنا من المسلمين) فأظهر حالة باطنه و ما كان في قلبه من العلم الصحيح باللّه، فهذا يدلك على قبول إيمانه، لأنه لم ينص إلا على ترجي التذكر و الخشية، لا على الزمان، إلا أنه في زمان الدعوة، و وقع ذلك في زمان الدعوة في الحياة الدنيا، و لكن لم يظهر من ذلك شيئا على ظاهره في المجلس، و إن كان قد حكم التذكّر و الخشية على باطنه، فلم يبطش بموسى و لا بأخيه في المجلس، فإنه صاحب السلطان و القهر في ذلك الوقت، فما منعه إلا ما قام به من التذكّر و الخشية من الحق، و كان القول باللين من جنود اللّه، قابل بها جنود باطن فرعون، فهزمهم بإذن اللّه، فتذكر و خشي لما انهزم جيشه الذي كان يتقوى به، فذل في نفسه، فشغلته تلك الذلة و المعرفة عن أن يحكم بقوة ظاهره فلم يبطش بهما في المجلس، فإن موسى عليه السلام ما قال (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) إلا لعدم التكافؤ في القوة الظاهرة، فأمرهما اللّه تعالى أن يقولا له قولا لينا- و القول يقبل اللين و الخشونة- ليقابل به غلظة فرعون، فينكسر لعدم المقاوم، إذ لم يجد قوة تصادم غلظته، فعاد أثرها عليه فأهلكته بالغرق.
[سورة طه (20): آية 45]
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (45)
أرسل اللّه تعالى موسى عليه السلام و أخاه هارون إلى فرعون و هو الذي فر منه موسى خوفا، فكان خوفه عليه السلام من السبب الموضوع، فأرسله الحق إليه تنبيها أن الخوف يكون من اللّه، إذ لا قدرة مؤثرة للممكن في إيصال خير أو شر إلى ممكن آخر، و أن ذلك كله بيد اللّه، فلما أمرهما بالذهاب إلى فرعون «قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى» فأظهرا أن الخوف من فرعون باق معهما، و قولهما «أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا» أي يتقدم علينا بالحجة بما يرجع إليه من التوحيد «أَوْ أَنْ يَطْغى» أي يرتفع كلامه لكونه يقصد عين الحقيقة فنتعب معه، أو يرتفع بالحجة إذ له الملك و السلطان، فقال اللّه لهما:
[سورة طه (20): آية 46]
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى (46)
[ «قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما»]
«قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما» و هذه معية اختصاص لموسى و هارون عليهما السلام، فهذه بشرى لهما حتى لا يخافا، فآمنهما اللّه مما خافا منه «أَسْمَعُ وَ أَرى» من وجوه- الوجه الأول- أسمع دعاء كما فأجيبكما، و أرى من كونه تعالى بصيرا بأمور عباده، و هو البصرالذي يعطي الأمان، لا أنه يشهده و يراه فقط، فإنه يراه حقيقة سواء نصره أو خذله أو اعتنى به أو أهمله- الوجه الثاني- أسمع من فرعون إذا بلغتما إليه رسالة ربكما، و أرى ما يكون منكما في حقه مما أوصيتكما به من اللين و التنزل في الخطاب- الوجه الثالث- نبههما على أنه سمعهما و بصرهما، تذكرة لهما أو إعلاما، لم يتقدمه علم به عندهما، فإنه قد صح عندنا في الخبر أن العبد إذا أحبه ربه كان سمعه و بصره الذي يسمع به و يبصر به، و النبي أولى بهذا ممن ليس بنبي.
[سورة طه (20): الآيات 47 الى 48]
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (48)
فلم يجد فرعون على من يتكبر، لأن التكبر من المتكبر إنما يقع لمن يظهر له بصفة الكبرياء، فلما رأى ما عندهما من اللين في الخطاب رق لهما و سرت الرحمة الإلهية بالعناية الربانية في باطنه، فعلم أن الذي أرسلا به هو الحق، لذلك لما قالا له صلى اللّه عليهما ما قالاه على الوجه الذي عهد إليهما اللّه أن يقولاه.
[سورة طه (20): آية 49]
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49)
لما سأل فرعون موسى و هارون عليهما السلام هذا السؤال، دلّ سؤاله أنه يريد أن يتنبه الحاضرون لما يقولانه مما يكون دليلا على وجود اللّه، ليعلموا صدقهما، لأن العاقل إذا علم أنهما إذا قالا مثل قولهما ربما أن الخواطر تتنبه و يدعوهم قولهما إلى النظر فيه، لنصبهما في قولهما مواضع الدلالة على اللّه، فإنه لا يسأل خصمه، فدل سؤاله أنه يريد هداية من يفهم من قومه ما جاءا به، فأجابا عليه بما يستحقه الرب و هي هذه الصفة.
[سورة طه (20): آية 50]
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50)
قال موسى عليه السلام ذلك مجيبا فرعون على سؤاله، فأخبر بإحاطة علم اللّه، و لم يكن ذلك لفرعون مع دعواه الربوبية، فعلم فرعون ما قالاه و سكت، و تبين له أنه الحق، لكن حب الرئاسة منعه من الاعتراف «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ». اعلم أن العطاء منه واجب و منه امتنان، فإعطاء الحق العالم الوجود امتنان، و إعطاء كل موجود من العالم خلقه واجب، فإن أداء الحقوق نعت إلهي طولب به الكون، قال تعالى «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» فذلك حق ذلك الشيء الذي له عند اللّه من حيث ذاته، فهو حق ذاتي، و أعطى كل شيء خلقه يعني في نفس الأمر، فخلق كل شيء حقه أي كماله، و هو عين كمال ذلك الشيء فما نقصه شيء لأنه لا يصدر عن الكامل شيء إلا على كماله اللائق به، فما في العالم نقص أصلا، فالكمال للاشياء وصف ذاتي و هو جماله، إذ لو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلقه فكان قبيحا، فليس في الإمكان أجمل و لا أبدع و لا أحسن من العالم، و لو أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى، لأن الحسن الإلهي و الجمال قد حازه و ظهر به، و النقص أمر عرضي، كالمرض له كمال في ذاته، و الكمال هنا بمعنى التمام، لأن الكمال هو المطلوب لا التمام، فإن التمام في الخلق، و الكمال فيما يستفيده التام و يفيده، قال تعالى «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» فقد تم، و من ذلك النقص، فقد أعطى النقص خلقه أن يكون ناقصا، فالزيادة على النقص الذي هو عينه، لو كانت لكانت نقصا فيه و لم يعط النقص خلقه، فتمام النقص أن يكون نقصا، فالوجود كله عطاء.
| ليس عند اللّه منع | كل ما منه عطاء | |
| فإذا ما قيل منع | لم يكن إلا عطاء | |
| فأنا ما بين شيئين غطاء و وطاء | و أنا لكل ما في الكون من خير وعاء | |
و ميّز اللّه كل شيء في العالم بأمر، ذلك الأمر هو الذي ميزه عن غيره، و هو أحدية كل شيء، فما اجتمع اثنان في مزاج واحد، قال أبو العتاهية:
| و في كل شيء له آية | تدل على أنه واحد | |
و ليست سوى أحدية كل شيء، فما اجتمع اثنان قط فيما يقع به الامتياز، و لو وقع الاشتراك فيه ما امتازت، و قد امتازت، فأعطى كل شيء خلقه مما تقتضيه الحكمة الإلهية ما يستحقه، و هو ما يقوّم ذات ذلك الشيء من الفصول المقومة لذاته،
و أما ما تطلبه تلك الفصول من اللوازم و الأعراض فما أعطاه ذلك، لأن أعراض كل ذات لا تتناهى ما دام موصوفا بالبقاء في الوجود، و ما لا يمكن فيه التناهي لا يصح أن يدخل في الوجود، بل على التتالي و التتابع و الطالب بالسؤال المحق، هو الذي لا يطلب ما لا تستحقه ذاته من لوازمها و أعراضها، كمن ليس حقيقته أن يقبل التفكر فيطلب أن يتصف بالفكر، فما هو محق في طلبه، فإذا طلبه الإنسان إذا كان الغالب عليه الوقوف مع المحسوسات، فطلب الاشتغال بالتفكّر في خلق السموات و الأرض و جميع الآيات فهو محق في طلبه، صادق الدعوى في نفي التفكّر عنه، لاستيلاء الغفلة عليه، فطلبه هذا لا يعارض «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» فله أن يطلب ما تستحقه ذاته من لوازمها و أعراضها، فهذا هو المحق الذي لا يعارض طلبه حقه الذي يستحقه بذاته، فينبغي لك أن تعلم كيف تسأل؟ و ما ذا تسأل فيه؟ و من أوصاف المحق أن لا يسأل إلا من بيده قضاء ذلك الحق المسئول، فلا تعارض في هذه الآية بين الطلب بالسؤال ما يستحقه من اللوازم و الأعراض و بين قوله تعالى «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» من الفصول المقومة لذاته، و تدل هذه الآية على أن كل شيء في استقامة حاصلة تطلبها حكمة اللّه السارية في كل كون، فاستقامة النبات أن تكون حركته منكوسة، و استقامة الحيوان أن تكون حركته أفقية، و إن لم يكن كذلك لم ينتفع بواحد منهما، لأن حركة النبات إن لم تكن منكوسة حتى يشرب الماء بأصولها لم تعط منفعة، إذ لا قوة له إلا كذلك، و كذلك الحيوان لو كانت حركته إلى العلو و قام على رجلين مثلنا، لم يعط فائدة الركوب و حمل الأثقال على ظهره، و لا حصلت به المنفعة التي تقع بالحركة الأفقية، فاستقامته ما خلق له، فهي الحركة المعتبرة التي تقع بها المنفعة المطلوبة، و إلا فالنبات و الحيوان لهما حركة إلى العلو، و هو قوله تعالى (وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ) فلو لا الحركة ما نما علوا، و إنما غلبنا عليه الحركة المنكوسة للمنفعة المطلوبة، فإن المتكلمين في هذا الفن ما حرروا الكلام في حقيقته، و اعوجاج القوس استقامته لما أريد له، فما في الكون إلا الاستقامة، و هي ما أعطي كل شيء من خلقه «ثُمَّ هَدى» أي بيّن لنا بالتعريف أنه أعطى كل شيء خلقه،
و أعطى الهدى أيضا الذي هو البيان خلقه، فأبان الأمر لعبيده على أكمل الوجوه عقلا و شرعا، بأن بيّن الأمور على ما هي عليه بإعطاء كل شيء خلقه، أي ما خلقه إلا بالحق، و هو ما يجب له، حتى لا يقول شيء من الأشياء: قد نقصني كذا، فإن ذلك النقص الذي يتوهمه هو عرض، عرض له لجهله بنفسه و عدم إيمانه إن كان وصل إليه قوله «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» فإن المخلوق ما يعرف كماله و لا ما ينقصه، لأنه مخلوق لغيره لا لنفسه، فالذي خلقه إنما خلقه له لا لنفسه، فما أعطاه إلا ما يصلح أن يكون له تعالى، و العبد يريد أن يكون لنفسه لا لربه،
فلهذا يقول:أريد كذا، و ينقصني كذا؛ فلو علم أنه مخلوق لربه، لعلم أن اللّه خلق الخلق على أكمل صورة تصلح لربه، و هذا أصل الأدب الإلهي الذي طلبه الحق من عباده، فالعالم على الحقيقة هو اللّه الذي علم ما تستحقه الأعيان في حال عدمها، و ميّز بعضها عن بعض بهذه النسبة الإحاطية، و من تمام خلق الشيء تعيين زمانه، و هو القدر، و هي الأقدار، أي مواقيت الإيجاد، فأعطى كل شيء خلقه من زمانه، فيمن يتقيد وجوده بالزمان، و من حاله فيمن يتقيد وجوده بالحال، و من صفته فيمن يتقيد وجوده بالصفة «ثُمَّ هَدى» لاكتساب الكمال، فمن اهتدى فقد كمل، و من وقف مع تمامه فقد حرم، فما ترك الحق لمخلوق ما يحتاج إليه من حيث ما هو مخلوق تام، فإن قلت: ففيم إذا السؤال و الدعاء؟ قلنا:
اعلم أن ثمّ تماما و كمالا، فالتمام إعطاء كل شيء خلقه، و هذا لا سؤال فيه، و لا يلزم إعطاء الكمال، و يتصور السؤال و الطلب في حصول الكمال، فإنها مرتبة، و المرتبة إذا أوجدها الحق في العبد أعطاها خلقها، و ما هي من تمام المعطى إياه و لكنها من كماله، و كل إنسان و طالب محتاج إلى كمال، أي إلى المرتبة، و لكن لا يتعين، فإنه مؤهل بالذات لمراتب مختلفة، و لا بد أن يكون على مرتبة ما من المراتب،
فيقوم في نفسه أن يسأل اللّه في أن يعطيه غير المرتبة لما هو عليه من الأهلية لها، فيتصور السؤال في الكمال، و هو مما يحتاج إليه السائل في نيل غرضه، فإنه من تمام خلق الغرض أن يوجد له متعلقه الذي يكون به كماله، فإن تمامه تعلقه بمتعلق ما، و قد وجد، فإن أعطاه اللّه ما سأله بالغرض فقد أعطاه ما يحتاج إليه الغرض، و ذلك هو السخاء، فإن السخاء عطاء على قدر الحاجة، و قد يعطيه اللّه ابتداء من غير سؤال نطق، لكن وجود الأهلية في المعطى إياه سؤال بالحال،
كما تقول: إن كل إنسان مستعد لقبول استعداد ما يكون به نبيا و رسولا و خليفة و وليا و مؤمنا، لكنه سوقة و عدو و كافر، و هذه كلها مراتب يكون فيها كمال العبد و نقصه، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [كمل من الرجال كثيرون،و لم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون] كل إنسان ما عدا هؤلاء مستعد بإنسانيته لقبول ما يكون له به هذا الكمال، فبالأهلية هو محتاج إليه، و للحرمان وجد السؤال، فالكامل من علم ما يستحقه العالم منه، فوفاه حقه،
فأعطى كل ذي حق حقه، كما أن اللّه أعطى كل شيء خلقه، من اسمه الحكيم، فإن الذي انفرد به الحق إنما هو الخلق، و الذي انفرد به العالم الكامل إنما هو الحق، فيعلم ما يستحقه كل موجود فيعطيه حقه، و هو المسمى بالإنصاف، فمن أعطيته حقه فقد أنصفته، فإن تغاليت فما كملت و أنت ناقص، فإن الزيادة في الحد نقص في المحدود، فلا يتعدى الكامل بالشيء رتبته، فإن اللّه لما أعطى كل شيء خلقه أمر عبده أن يعطي كل شيء حقه، و هو قولنا فيما تقدم:
إن أداء الحقوق نعت إلهي طولب به الكون، فإذا أقامه الحق تعالى في فعل من أفعاله المأمور بها أو المحجور عليه فيها، نظر ما لها من الحق قبله، فوفّى ذلك الفعل حقه، فإذا كان من الأمور المأمور بفعلها أعطاها حقها في نشأتها حتى تقوم سوية الخلق معدلة النشء، فلم يتوجه لذلك الفعل حق على فاعله، فلله الخلق و للعبد الحق فالحق أعطى كل شيء خلقه، و الخلق أعطى كل شيء حقه، و إن كان من الأمور المنهي عنها فحقها على هذا العبد أنه لا يوجدها و لا يظهر لها عينا أصلا، فإن لم يفعل فما وفّاها حقها، و توجهت عليه المطالبة لها، فلم يعط كل شيء حقه فكان محجوجا- مسئلة- من هذه الآية، يعرف ما تخبط فيه الناس من تفضيل الفقر على الغنى و الغنى على الفقر، و الخوض في هذه المسألة من الفضول الذي في العالم و الجهل القائم به، فإن الحالات تختلف و المنازل تختلف، و كل حالة كمالها في وجود عينها، فإن اللّه يقول «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» فما تركت هذه الآية لأحد طريقا إلى الخوض في الفضول لمن فهمها و تحقق بها، غير أن الفضول أيضا من خلق اللّه، فقد أعطى اللّه الفضول خلقه، ثم هدى أي بين أن من قام به الفضول فهو المعبر عنه بالمشتغل بما لا يعنيه و جهله بالأمر الذي يعنيه، و الفقر في عينه كامل الخلق لا قدم له في الغنى، و الغنى في حاله كامل الخلق لا قدم له في الفقر، و لو تداخلت الأمور لكان الفقر عين الغنى و الغنى عين الفقر، إذ كان كل واحد منهما من مقومات صاحبه، و الضد لا يكون عين الضد، و إن اجتمعا في أمر ما، فلا يجتمع الغنى و الفقر أبدا، فليس للفقر منزلة عند اللّه في وجوده، و ليس للغنى منزلة عند العبد في وجوده، فكما لا يقال: اللّه أفضل من الخلق أو الخلق
[مسئلة تفضيل الفقر على الغنى و بالعكس]
كذلك، لا يقال: الغنى أفضل من الفقر أو الفقر أفضل من الغنى، فالفقر صفة الخلق، و الغنى صفة الحق، و المفاضلة لا تصح إلا فيمن يجمعهما جنس واحد، و لا جامع بين الحق و الخلق، فلا مفاضلة بين الغنى و الفقر، قال اللّه تعالى في الغنى (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) و قال في الفقر (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فمن قال بعد علمه بهذا الغنى أفضل من الفقر، أم الفقر أفضل، كان كمن قال: من أفضل اللّه أم الخلق؟
و كفى بهذا جهلا من قائله، و أما الذي بأيدي الناس الذي يسمونه غنى، فكيف يكون غنى و أنت فقير إليه غير مستغن في غناك عن غناك؟ فغناك عين فقرك، و هذا على الحقيقة لا يسمى غنى، فكيف تقع المفاضلة ما بين ما له وجود حقيقي و هو الفقر، و بين ما ليس له وجود حقيقي و هو غناك؟ و إذا سمي الإنسان غنيا فهو وصف عرضي، و الفقر له ذاتي، فطلب المفاضلة جهل بين الوصف الحقيقي و الإضافي العرضي- رقيقة- اعلم أن العقل من جملة الأشياء،
و قد أعطاه اللّه خلقه، و لهذا ينزهه العقل و يرفع المناسبة من جميع الوجوه، و يجيء الحق فيصدقه في ذلك ب (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) يقول لنا: صدق العقل فإنه أعطى ما في قوّته، لا يعلم غير ذلك فإني أعطيت كل شيء خلقه، و تمم الحق الآية بقوله «ثُمَّ هَدى» أي بيّن، فبين سبحانه أمرا لم يعطه العقل و لا قوة من القوى، فذكر لنفسه أحكاما هو عليها، لا يقبلها العقل إلا إيمانا أو بتأويل يردها تحت إحاطته، لا بد من ذلك، و طريقة السلامة لمن لم يكن على بصيرة من اللّه، أن لا يتأول، و يسلّم ذلك إلى اللّه على علمه فيه، هذه طريقة النجاة. ثم نعود إلى قول موسى عليه السلام «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» هذا من القول اللين، فإنه دخل تحته كل شيء ادعاه فرعون، فأعطاه اللّه خلقه، فكأن في كلامهما جواب فرعون لهما، إذ كان ما جاء به فرعون خلق اللّه، ثم زادهما في السؤال ليزيد في الدلالة.
[سورة طه (20): الآيات 51 الى 52]
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (51) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى (52)
«وَ لا يَنْسى» مثل ما نسيت أنت حتى ذكرناك فتذكرت، فلو كنت إلها ما نسيت،لأن اللّه تعالى قال «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ» ثم زادا في الدلالة بما قالا بعد ذلك إلى تمام الآية، فما زال ذلك العلم مضمرا في نفس فرعون، لم يعطه حب الرئاسة أن يكذّب نفسه عند قومه فيما استخفهم به حتى أطاعوه، فكانوا قوما فاسقين، فما شركه اللّه معهم في ضمير (إنهم) فلما رأى البأس قال: آمنت، فتلفظ باعتقاده الذي ما زال معه، فقال له اللّه تعالى (آلآن) قلت ذلك، فأثبت اللّه بقوله (آلآن) أنه آمن عن علم محقق و اللّه أعلم، و إن كان الأمر فيه احتمال، و حقت الكلمة من اللّه و جرت سنته في عباده، أن الإيمان في ذلك الوقت لا يدفع عن المؤمن العذاب الذي أنزله بهم في ذلك الوقت، إلا قوم يونس، كما لا ينفع السارق توبته عند الحاكم فيرفع عنه حد القطع، و لا الزاني مع توبته عند الحاكم، مع علمنا بأنه تاب بقبول التوبة عند اللّه، و حديث ماعز في ذلك صحيح أنه تاب توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم، و مع هذا لم تدفع عنه الحدّ، بل أمر صلّى اللّه عليه و سلم برجمه، و كذلك كل من آمن عند رؤية البأس من الكفار أن الإيمان لا يرفع نزول البأس بهم، مع قبول اللّه إيمانهم في الدار الآخرة، فيلقونه و لا ذنب لهم، فربما لو عاشوا بعد ذلك اكتسبوا أوزارا، أما قول موسى عليه السلام «عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ» فما كتبها في اللوح المحفوظ إلا ليعلم من ليس من شأنه أن لا يعلم إلا بإعلام، لا ليتذكر ما أوجبه على نفسه مما تستقبل أوقاته في المدد الطائلة، فإنه سبحانه «لا يَضِلُّ رَبِّي» الذي جئتك من عنده لأدعوك إلى عبادته «وَ لا يَنْسى» يعني ما أوجبه على نفسه من ذلك، ثم زادا في الدلالة.
[سورة طه (20): آية 53]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (53)
خلق اللّه تعالى الإنسان من تراب الأرض و جعلها محلا للخلافة، فهي دار ملكه و موضع نائبه الظاهر بأحكام أسمائه، فمنها خلقنا و فيها أسكننا أحياء و أمواتا.
[سورة طه (20): آية 54]
كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (54)
«كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ» أعلم أنه ما من نبات إلا و هو دواء و داء، أي فيه منفعة و مضرة بحسب قبول الأمزجة البدنية و ما هي عليه من الاستعداد، فيكون المضر لبعض الأمزجة عين ما هو نافع لمزاج غيرها، لذلك قال «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» و هم أولو نهى بما زجرهم به في خطابه، و هم الذين يوافقون الحق فيما أمر به و نهى.
[سورة طه (20): آية 55]
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (55)
[ «مِنْها خَلَقْناكُمْ»]
«مِنْها» أي هذه الأرض «خَلَقْناكُمْ» فالأرض أم للإنسان فالغالب علينا عنصر التراب، و إن كنا على جميع الطبائع كلها «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ» فرددناه إلى أمه كي تقر عينها، لذلك تضغطه عند ما يدفن فيها مثل عناق الأم و ضمها ولدها إذا قدم عليها من سفر، فهو ضم محبة «وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» يعني يوم البعث- الوجه الثاني- «مِنْها خَلَقْناكُمْ» أي هذه الأرض «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ» يعني في النشأة الأخرى أيضا كما خلقنا فيها «وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» يخرجنا إخراجا لمشاهدته، كما أنشأنا منها و أخرجنا لعبادته، فخلق أرواحنا في أرض أبداننا في الدنيا لعبادته،
و أسكننا أرض أبداننا في الآخرة لمشاهدته إن كنا سعداء، كما آمنا به في النشأة الأولى لما اعتنى اللّه بنا، و الحال مثل الحال سواء في تقسيم الخلق في ذلك، و كذلك يكونون غدا، و الموت بين النشأتين حالة برزخية تعمر الأرواح فيها أجسادا برزخية خيالية، مثل ما أعمرتها في النوم، و هي أجساد متولدة عن هذه الأجسام الترابية، فإن الخيال قوة من قواها، فما برحت أرواحنا منها أو مما كان منها، و من مات فقد قامت قيامته، و هي القيامة الجزئية و هو قوله «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ» فإن مدة البرزخ هي للنشأة الآخرة بمنزلة حمل المرأة للجنين في بطنها، ينشئه اللّه نشأ بعد نشء،
فتختلف عليه أطوار النشء إلى أن يولد يوم القيامة، فلهذا قيل في الميت إنه إذا مات قامت قيامته، أي ابتدأ فيه ظهور نشأة الأخرى في البرزخ إلى يوم البعث من البرزخ، كما يبعث من البطن إلى الأرض بالولادة، فتدبير نشأة بدنه في الأرض زمان كونه في البرزخ ليسويه و يعدله على غير مثال سبق مما ينبغي للدار الآخرة، فيعبد اللّه فيها، أعني في أرض نشأته الأخراوية عبادة ذاتية لا عبادة تكليف، فالعاقل إذا شاهد التراب تذكر ما خلق منه، و ذكرته الأرض بنشأته و بإهانته و ذلته، فإن الأرض جعلها اللّه ذلولا مبالغة في الذلة، و لا أذل مما يطأه الأذلاء، و نحن نطأها و جميع الخلائق و نحن عبيد أذلاء.
[سورة طه (20): الآيات 56 الى 66]
وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَ أَبى (56) قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (58) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (60)
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (61) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوى (62) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (64) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (65)
قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (66)
[فعل الساحر]
اعلم أن من خرق العوائد قسما منها يرجع إلى ما يدركه البصر أو بعض القوى، على حسب ما يظهر لتلك القوة مما ارتبطت في العادة بإدراكه، و هو في نفسه على غير ما أدركته تلك القوة، و هذا القسم داخل تحت قدرة البشر، و منه ما يرجع إلى خواص أسماء، إذا تلفظ بتلك الأسماء ظهرت تلك الصور في عين الرائي أو في سمعه خيالا، و ما ثمّ في نفس الأمر أعني في المحسوس شيء من صورة مرئية و لا مسموعة، و هو فعل الساحر، و هو على علم أنه ما شيء مما وقع في الأعين و الأسماع، و للأسماء سلطان على خيال الحاضرين، فتخطف أبصار الناظرين، فيرى صورا في خياله كما يرى النائم في نومه، و ما ثم في الخارج شيء مما يدركه، لذا قال تعالى «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ» يعني إلى موسى، فإن موطن الخيال يعطي في أعين الناظرين حياة الجمادات و حركتها، و هي في نفسها ليست بتلك الحياة التي تدركها الأبصار، كحبال سحرة موسى عليه السلام و عصيهم، يخيل إلى موسى «مِنْ سِحْرِهِمْ» الذي سحروا به أعين الناس و علمهم بما فعلوه، و السحر مأخوذ من السحر، و هو اختلاط الضوء و الظلمة، فالسحر له وجه إلى الظلمة و ليس ظلاما خالصا، و له وجه إلى الضوء و ليس ضوءا خالصا، كذلك السحر له وجه إلى الحق و هو ما ظهر إلى بصر الناظر أنه حق، و له وجه إلى الباطل لأنه ليس الأمر في نفسه على ما أدركه البصر، فلهذا سمته العرب سحرا، و سمي العامل به ساحرا، لا العالم به «أَنَّها تَسْعى» و ليست بساعية في نفس الأمر،
أقاموا ذلك في حضرة الخيال المنفصل أمام الجميع، فرأوا العصي و الحبال في صورة الحيات، و كذلك أدركها موسى مخيلة و لا يعرف أنها مخيلة، بل ظن أنها مثل عصاه في الحكم، فهي ساعية في نظر موسى و نظر الحاضرين، إلا السحرة فإنهم يرونها حبالا، و الغريب لو ورد لرآها كما يراها السحرة، فكان فعل السحرة عن حكم أسماء كانت عندهم، لها في عيون الناظرين خاصية النظر إلى ما يريد الساحر إظهاره، فله بتلك الأسماء قلب النظر لا قلب المنظور فيه، و هذا بخلاف عصا موسى عليه السلام حين ألقاها عن الأمر الإلهي، فانقلب المنظور فيه فتبعه النظر، فتلك حبال نشأت بين الخيال و بين أعين الناظرين أنها تسعى، و هي أجسام في عينها لا حكم لها في السعي، فظهرت في عين موسى بصورة الجسم الذي له سعي، و الأمر في نفسه ليس كذلك، و امتلأ الوادي من حبالهم و عصيهم، و رآها موسى فيما خيّل له حيات تسعى، فلهذا خاف موسى عليه السلام.
[سورة طه (20): آية 67]
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (67)
[ «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى» الآية]
لم يكن نسبة الخوف إلى موسى عليه السلام في هذا الوقت نسبة الخوف الأول، فإن الخوف الأول لما ألقى موسى عصاه فكانت حية تسعى، خاف منها على نفسه على مجرى العادة، فولى مدبرا و لم يعقب، حتى أخبره اللّه تعالى، و كان خوفه الثاني الذي ظهر منه للسحرة عند ما ألقت السحرة الحبال و العصي فصارت حيات في أبصار الحاضرين، كان هذا الخوف الآخر على الحاضرين من الأمة، لئلا تظهر عليه السحرة بالحجة فيلتبس الأمر على الناس، فلا يفرقون بين الخيال و الحقيقة، أو ما بين ما هو من عند اللّه و بين ما ليس من عند اللّه، فاختلف تعلق الخوفين، فإنه عليه السلام على بينة من ربه، قوي الجأش بما تقدم له في الإلقاء الأول (خذها و لا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) أي ترجع عصا كما كانت في عينك، فلما خاف موسى عليه السلام على الأمة قال اللّه له:
[سورة طه (20): آية 68]
قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68)
لما ادعى فرعون الفوقية اللائقة بالربوبية، و هي الفوقية الحقيقية في قوله (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) كذبه اللّه تعالى بقوله تعالى لموسى صلّى اللّه عليه و سلم «لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى» لما ظهر للسحرة خوف موسى مما رآه، و ما علموا متعلق هذا الخوف أي شيء هو؟ علموا أنه ليس عند موسى من علم السحر شيء فإن الساحر لا يخاف مما يفعله، لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج، و أنه ليس كما يظهر لأعين الناظرين، فأمر اللّه موسى أن يلقي عصاه و أخبر أنها تلقف ما صنعوا، فقال تعالى:
[سورة طه (20): آية 69]
وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (69)
[أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ]
فلما ألقى موسى عصاه فكانت حية، تلقفت تلك الحية جميع ما كان في الوادي من الحبال و العصي، أي تلقفت صور الحيات منها المتخيلة في عيون الحاضرين، فأبصرت السحرة و الناس حبال السحرة و عصيهم التي ألقوها حبالا و عصيا كما هي، و أخذ اللّه بأبصارهم عن ذلك، فهذا كان تلقفها، لا أنها انعدمت الحبال و العصي، إذ لو انعدمت لدخل عليهم التلبيس في عصا موسى، و كانت الشبهة تدخل عليهم، فإن اللّه يقول «تَلْقَفْ ما صَنَعُوا» و ما صنعوا الحبال و لا العصي، و إنما صنعوا في أعين الناس صور الحيات، و هي التي تلقفت عصا موسى، و ما قال تعالى: تلقف حبالهم و عصيهم «إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ» أي فعلوا ما يقارب الحق، فإن الكيد من كاد، و كاد من أفعال المقاربة، أي فعلوا ما يقارب الحق في الصورة الظاهرة للبصر «وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى» فكانت الآية عند السحرة خوف موسى و أخذ صور الحيات من الحبال و العصي، فكان ظهور حجته على حجتهم أن بقيت حبالهم و عصيهم في صور حبال و عصي، فلما رأى الناس الحبال حبالا، علموا أنها مكيدة طبيعية يعضدها قوة كيدية روحانية، و أما العامة فنسبوا ما جاء به موسى إلى أنه من قبيل ما جاءت به السحرة، إلا أنه أقوى منهم و أعلم بالسحر بالتلقف الذي ظهر من حية عصا موسى، فقالوا: هذا سحر عظيم، و لم تكن آية موسى عند السحرة إلا خوفه و أخذ صور الحيات من الحبال و العصي خاصة، فمثل هذا خارج عن قوة النفس، فتخيل السحرة أن موسى خاف من الحيات، و كان موسى في نفس الأمر غير خائف من الحيات لما تقدم له في ذلك من اللّه في الفعل الأول حين قال له (خُذْها وَ لا تَخَفْ) فنهاه عن الخوف منها، و أعلمه أن ذلك آية له، فكان خوفه الثاني على الناس لئلا يلتبس عليهم الدليل و الشبهة، و السحرة تظن أنه خاف من الحيات،
فلبّس اللّه عليهم خوفه كما لبّسوا على الناس، لأن السحرة لو علمت أن خوف موسى من الغلبة بالحجة لما سارعت إلى الإيمان، ثم أنه كان لحية موسى التلقف و لم يكن لحياتهم تلقف و لا أثر، لأنها حبال و عصي في نفس الأمر، فلما علمت السحرة قدر ما جاء به موسى من قوة الحجة، و أنه خارج عما جاءوا به، و تحققت شفوف ما جاء به على ما جاءوا به، و رأوا عصاه حية حقيقة، علموا عند ذلك أنه أمر غيب من اللّه الذي يدعوهم إلى الإيمان به، و ما عنده من علم السحر خبر، لما علمت من خوف موسى أنه لو كان ذلك منه و كان ساحرا ما خاف، لأنه يعلم ما يجري، فآية موسى عند السحرة خوفه، و آيته عند الناس تلقف عصاه، و علم السحرة أن أعظم الآيات في هذا الموطن تلقف هذه الصور من أعين الناظرين،
و إبقاء صورة حية عصا موسى في أعينهم، و الحال عندهم واحدة، فعلموا صدق موسى فيما يدعوهم إليه، و أن هذا الذي أتى به خارج عن الصور و الحيل المعلومة عند السحرة، فهو أمر إلهي ليس لموسى عليه السلام فيه تعمل، فصدّقوا برسالته على بصيرة و آمنت السحرة- إشارة لا تفسير- «وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ» من ألقى إرادة نفسه في بحر إرادة مولاه و ميدانها، تولاها بلطف حكمته، و أجرى عليه سابق عنايته، فأحياها حياة السعادة و التمليك، فامتحق كل زور و باطل، و خنس من دلاه بغرور، و ردّت إليه بعد ما ألقاها، و حصل لها الشرف الكامل على أبناء جنسها، فتلك النفس المطمئنة الراضية المرضية، الداخلة في عباد الاختصاص، و في الفراديس العلية جوار الرحمن.
[سورة طه (20): آية 70]
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى (70)
لما علمت السحرة أن الذي جاء به موسى من عند اللّه آمنوا بما جاء به موسى عن آخرهم، و خروا سجدا عند هذه الآية قيل: كانوا ثمانين ألف ساحر، آمنوا و اختاروا عذاب فرعون على عذاب اللّه، و آثروا الآخرة على الدنيا، و علموا من علمهم بذلك أن اللّه على كل شيء قدير، و قالت السحرة «آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى» قالت ذلك لرفع اللبس من أذهان السامعين (راجع سورة الشعراء آية 47) و لهذا توعدهم فرعون بقوله:
[سورة طه (20): الآيات 71 الى 72]
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ أَبْقى (71) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72)
«فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» فالدولة لك.
[سورة طه (20): آية 73]
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى (73)
[ «وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى»]
«وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى» و إلى هذا مال العارف، أما الزاهد في الدنيا فميله إلى (و ما عند اللّه خير و أبقى) فالزاهد صيد الحق من الدنيا، و العارف صيد الحق من الآخرة، فاللّه خير و أبقى ممن هو عنده، و ما عند اللّه إلا العالم، فاللّه خير و أبقى، لأن بقاء العالم إذا وصف بالوجود بإبقائه، و الحق لو لا بقاء عينه ما كان للممكن حكم فيما يظهر، فإن بقاء الحق بنفسه و بقاء العالم بإبقاء الحق تعالى.
[سورة طه (20): آية 74]
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى (74)
إن الحقائق تعطي أن المآل إلى الرحمة في الدار الآخرة، فيرحم اللّه معنى و حسا، فثمّ من تكون الرحمة به عين العافية لا غير و ارتفاع الآلام، و هذا مخصوص بأهل النار الذين هم أهلها، فهم لا يموتون فيها، لما حصل لهم فيها من العافية بزوال الآلام، فاستعذبوا ذلك، فهم أصحاب عذاب لا أصحاب ألم، و لا يحيون أي ما لهم نعيم كنعيم أهل الجنان الذي هو أمر زائد على كونهم عافاهم اللّه من دار الشقاء.
[المحروم كل المحروم]
[سورة طه (20): آية 75]
وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75)
[المحروم كل المحروم]
في الجنة يذهب اللّه عن المؤمن الحسرة التي كان يجدها في الدنيا لما يفوته هنا و في القيامة، و لكن يعلم من هو أعلى منه، قدر ما فاته من العلم و العمل الصالح، و يرزق القناعة بحاله و ما هو فيه و الرضا، فلا أدنى همة ممن يعلم أن هناك مثل هذا و لا يرغب في تحصيل العالي من الدرجات، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قد سأل أمته أن يسألوا اللّه له في الوسيلة طلبا للأعلى لعلو همته، و إن علم المحروم في الجنة ما فاته فلا يكترث له لعدم ذوقه، و كل من تعلقت همته في الدنيا بطلب الأعلى و لم يحصل ذلك ذوقا في الدنيا و لا كشف له فيه، فإنه يوم القيامة يناله و لا بد، و يكون فيه كالذائق له هنا لا فرق، و ما بين الشخصين إلا ما عجّل له هنا من ذلك، فالمحروم كل المحروم من لا يعلق همته هنا بتحصيل المعالي من الأمور، و لكن لا بد مع التمني من بذل المجهود، و أما إن تمنى مع الكسل و التثبط فما هو ذلك الذي أشرنا إليه.
[سورة طه (20): الآيات 76 الى 77]
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى (77)
فلما رال البحر بعضه عن بعض و افترق فظهر الأرض و سكن البحر، غرّ ذلك فرعون قال تعالى:
[سورة طه (20): آية 78]
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78)
فانطبق البحر عليهم فأهلكهم بما أنجى به بني إسرائيل.
[سورة طه (20): آية 79]
وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى (79)
[نسبة الأفعال إلى المخلوقين فيها إشكال]
لما كان نسبة الأفعال إلى المخلوقين فيها إشكال، قال تعالى «وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ» فنسب الإضلال لفرعون، و ما نسبه إلى قومه فإنه عندهم ذو فعل، و نفس الأمر كذلك، و قوله «وَ ما هَدى» أي ما بيّن لهم طريق الحق، فإنه موضع لبس لكونه ذا أفعال، فلو كان المعبود جمادا ما وقع اللبس، و مع ذلك لا يعذر قوم فرعون، فإن خاصية الفعل في المخلوق لا تكون سارية في كل شيء حتى تضاف إليه الأفعال كما تضاف إلى اللّه، و بهذا القدر من الجهل أخذ عبدة المخلوقين ذوي الأفعال كفرعون و غيره، و هذه الآية و التي قبلها تكذيب من الحق لفرعون في دعواه القهر لبني اسرائيل، لما قال (سنقتل أبناءهم و نستحي نساءهم و إنا فوقهم قاهرون).
[سورة طه (20): الآيات 80 الى 81]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَ واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (81)
«وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي» فأضاف الغضب إليه، و إذا نزل بهم كانوا محلا له، فهم محل الغضب و هو النازل بهم، فإن الغضب هنا هو عين الألم، و جهنم إنما هي مكان لهم، و هم النازلون فيها «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى» فالغضب الإلهي جعله يهوي، فإذا هوى و هو السقوط- و هو حكم الغضب لا غير- فيسقط في الرحمة فتسعه و تتلقاه، فلا يسقط إلا إليها، و بالرحمة التي في الغضب سقط، فهي التي جعلت الغضب يهوي به لتستلمه الرحمة الخالصة، و لهذا كان المآل إلى الرحمة و حكمها و إن لم يخرجوا من النار، فلهم فيها نعيم، و اللّه على كل شيء قدير، و هو القائل (و رحمتي وسعت كل شيء) و الغضب من الأشياء التي وسعته الرحمة، فما ثمّ غضب خالص غير مشوب برحمة، و الرحمة لا يشوبها غضب.
[سورة طه (20): آية 82]
وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (82)
إذا صح التوحيد فهو المطلوب من كل موجود، فكيف إذا انضاف إلى ذلك أداء العبادات المشروعة في الحركات الخارجة و الداخلة؟
[سورة طه (20): آية 83]
وَ ما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (83)
لما قال اللّه عزّ و جل لموسى عليه السلام «وَ ما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى» أضرب موسى عليه السلام عن الجواب، و جوابه أن يقول: أعجلني كذا و كذا و يبين، ف:
[سورة طه (20): آية 84]
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84)
«قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي» يشير إلى حكم الأتباع، ثم ذكر عجلته فقال «وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى» أي سارعت إلى إجابة دعائك حين دعوتني، و قومي على أثري، فعجل موسى عليه السلام للأمر ليكون من المسارعين إلى الخيرات، و إلا لو عجل من غير أمر لكانت عجلته إلى هواه، و هو عليه السلام كان من العارفين المحققين، و إنما عجل للأمر الإلهي.فقال عزّ و جل:
[سورة طه (20): آية 85]
قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)
[ «فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ»]
«فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ» أي اختبرناهم «وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» بالعجل الذي قال لهم في شأنه (هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى) و سبب ذلك أنه لما مشى مع موسى عليه السلام، كشف اللّه عن بصره حتى أبصر الملك الذي هو على صورة الثور من حملة العرش، فتخيل أنه إله موسى الذي يكلمه، فأخرج لهم العجل، و علم أن قلوبهم تابعة لأموالهم، فصاغ لهم العجل بمرأى منهم من حليهم، فسارعوا إلى عبادته حين دعاهم إلى ذلك- إشارة- فتن قوم موسى من بعده، ضيافة من السيد لعبده، فإن ابتلاءه بذلك ضيافته، و لا يبتلى مثل الأنبياء إلا في ربه، و لا بد للقادم من كرامة، فكانت كرامته ما أصابه من الغيرة في حق اللّه حين رجع إلى قومه، فوجدهم قد عبدوا غيره، فكانت منزلته على قدر غيرته،فتلك ضيافته سبحانه لعبده.
[سورة طه (20): آية 86]
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)
«فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ» على قومه «أَسِفاً» عليهم لما فعلوه من اتخاذهم العجل إلها، فقال ما ذكر اللّه عنه.
[سورة طه (20): الآيات 87 الى 88]
قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَ لكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88)
[حياة القلوب]
و إنما كان عجلا لأن السامري لما مشى مع موسى عليه السلام في السبعين الذين مشوا معه، كشف اللّه عنه غطاء بصره، فما وقعت عينه إلا على الملك الذي على صورة الثور، و هو من حملة العرش، لأنهم أربعة: واحد على صورة أسد، و آخر على صورة نسر، و آخر على صورة ثور، و رابع على صورة إنسان؛ فلما أبصر السامري العجل تخيل أنه إله موسى الذي يكلمه، فصور لهم العجل و صاغه من حليهم ليتبع قلوبهم أموالهم، لعلمه أن المال حبه منوط بالقلب، و علم أن حب المال يحجبهم أن ينظروا فيه، هل يضر أو ينفع؟ أو يرد عليهم قولا إذا سألوه؟
و كان قد عرف جبريل حين جاءه، و أنه لا يمر بشيء إلا حيي بمروره، فقبض قبضته من أثر فرس جبريل، و رمى بها في العجل فحيي العجل و خار لأنه عجل، و الخوار صوت البقر- إشارة- «فقبض قبضة من أثر الرسول» ظهر من قبضة الأثر في العجل خوار، تنبيه على أن الحياة في سلوك الآثار، أي أن حياة القلوب في اتباع الشرائع، و ذلك أنه إذا اتبعها رزقه اللّه علما يحيا به قلبه. «فَقالُوا» قال لهم «هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى فَنَسِيَ» أي و نسي السامري إذا سأله عابدوه أنه لا يرجع إليهم قولا و لا يملك لهم ضرا و لا نفعا، فقال تعالى:
[سورة طه (20): آية 89]
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً (89)
أي إذا سئل لا ينطق، و اللّه يكون متصفا بالقول «وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً» أي لا ينتفعون به، و من لا يدفع الضر عن نفسه كيف يدفع الضر عن غيره؟
[سورة طه (20): آية 90]
وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي (90)
«إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ» أي اختبرتم به لتقوم الحجة للّه عليكم إذا سئلتم «وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ» و من رحمته بكم أن أمهلكم و رزقكم مع كونكم اتخذتم إلها تعبدونه غيره سبحانه، ثم قال لهم «فَاتَّبِعُونِي» لما علم أن في اتباعهم إياه الخير «وَ أَطِيعُوا أَمْرِي» لكون موسى عليه السلام أقامه فيهم نائبا عنه.
[سورة طه (20): آية 91]
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91)
«قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ» يريدون عبادة العجل «عاكِفِينَ» أي ملازمين «حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى» الذي بعث إلينا و أمرنا بالإيمان به، فحجبهم هذا النظر أن ينظروا فيما أمرهم به هارون عليه السلام، فلما رجع موسى إلى قومه وجدهم قد فعلوا ما فعلوا، فألقى الألواح من يده، و:-
[سورة طه (20): الآيات 92 الى 93]
قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)
و أخذ برأس أخيه يجره إليه عقوبة له بتأنيه في قومه، فناداه هارون عليه السلام بأمه فإنها محل الشفقة و الحنان.
[سورة طه (20): آية 94]
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)
لما ظهر موسى عليه السلام على أخيه هارون عليه السلام بصفة القهر، بأن أخذ برأسه يجره إليه، ناداه بأشفق الأبوين فقال «يَا بْنَ أُمَّ» فناداه بالرحم و هي الأم، إذ كانت الرحمة للأم دون الأب أوفر في الحكم، و لو لم يلق موسى الألواح ما أخذ برأس أخيه، فإن في نسختها الهدى و الرحمة تذكرة لموسى، فكان يرحم أخاه بالرحمة، و تتبين مسألته مع قومه بالهدى «إِنِّي خَشِيتُ» لما وقع ما وقع من قومك أن تلومني على ذلك و تقول «فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ» أي تلزم «قَوْلِي» الذي أوصيتك به، فتجعلني سببا في تفريقهم، فإن عبادة العجل فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعا للسامري و تقليدا له، و منهم من توقف عن عبادته حتى يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، و لما سكت عن موسى الغضب قبل عذر أخيه و أخذ الألواح، فما وقعت عيناه مما كتب فيها إلا على الهدى و الرحمة، فقال (رب اغفر لي و لأخي و أدخلنا في رحمتك و أنت أرحم الراحمين). و أما الذين عبدوا العجل فما أعطوا النظر الفكري حقه للاحتمال الداخل في القصة، فما عذرهم الحق و لا وفّى عابدوه النظر في ذلك، ثم ردّ موسى وجهه إلى السامري.
[سورة طه (20): آية 95]
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (95)
أي ما حديثك يا سامري.
[سورة طه (20): آية 96]
قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)
[ «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ»]
«قالَ» له السامري «بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ» و هو ما رآه من صورة الثور الذي هو أحد حملة العرش، فظن أنه إله موسى الذي يكلمه، فلذلك صنعت لهم العجل، و علمت أن جبريل ما يمر بموضع إلا حيي به لأنه روح، «فَقَبَضْتُ» لذلك «قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» جبريل، لعلمه بتلك القبضة، «فَنَبَذْتُها» في العجل فخار «وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي» فما فعله السامري إلا عن تأويل، فضل و أضل.
من ذلك تعلم أن حياة الأرواح ذاتية، و لهذا يكون كل ذي روح حيا بروحه، قال ابن عباس: ما وطئ جبريل عليه السلام قط موضعا من الأرض إلا حيي ذلك الموضع؛ و ما يطؤه الروح يعطي الحياة في أي صورة مركبة، فلما أبصر السامري جبريل عليه السلام حين جاء لموسى عليه السلام و عرفه، و علم أن روحه عين ذاته، و أن حياته حياة ذاتية، فلا يطأ موضعا إلا حيي ذلك الموضع بمباشرة تلك الصورة الممثلة إياه، و علم أن وطأته يحيا بها ما وطئه من الأشياء، فقبض قبضة من أثر الرسول، بالصاد أو الضاد، أي بملء أو بأطراف أصابعه، فلما صاغ العجل و صوره، نبذ فيه تلك القبضة فحيي ذلك العجل و خار، إذ صوت البقر إنما هو خوار، و كان ذلك من إلقاء الشيطان في نفس السامري، لأن الشيطان يعلم منزلة الأرواح، فوجد السامري في نفسه هذه القوة، و ما علم أنها من إلقاء إبليس، فقال «وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي» و فعل ذلك إبليس من حرصه على إضلاله بما يعتقده من الشريك للّه تعالى.
[سورة طه (20): آية 97]
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97)
و إذا حرقه و نسفه لم ينتفع به، فإنه لو أبقاه دخلت عليهم الشبهة بما يوجد في الحيوان من الضرر و النفع، فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفا.
[سورة طه (20): آية 98]
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (98)
[توحيد السعة]
هذا التوحيد هو الثامن عشر في القرآن، و هو توحيد السعة من توحيد الهوية، و هو توحيد تنزيه، لئلا يتخيل في سعته الظرفية للعالم، فقال إن سعته علمه بكل شيء لا أنه ظرف لشيء، و سبب هذا التوحيد لما جاء في قصة السامري قوله عن العجل لما نبذ فيه ما قبضه من أثر الرسول، فكان العجل ظرفا لما نبذ فيه، فلما خار العجل قال السامري (هذا إلهكم و إله موسى) فقال موسى «إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» لا تركيب فيه، وسع كل شيء علما «أي هو عالم بكل شيء» أكذب السامري في قوله، و نصب لهم الدلالة على كذب السامري مع كون العجل خار.
[سورة طه (20): آية 99]
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99)
كون القرآن ذكر فلما فيه من آيات الاعتبارات و قصص الأمم في إهلاكهم بكفرهم.
[سورة طه (20): الآيات 100 الى 101]
مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) خالِدِينَ فِيهِ وَ ساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (101)
الضمير في خالدين فيه يعود على الوزر لا على العذاب، و هذا في موطن من مواطن الآخرة، إذا أقيموا في حمل الأثقال التي هي الأوزار يحملونها، و هو زمان مخصوص، فيقول
[ «خالِدِينَ فِيهِ» أي في حمل الوزر في الموضع الذي يحملونه]
تعالى «خالِدِينَ فِيهِ» أي في حمل الوزر في الموضع الذي يحملونه، من خروجهم من قبورهم إلى أن يصلوا به إلى النار فيدخلونها، فهم خالدون فيه في تلك المدة، لا يفتر عنهم و لا يأخذه من على ظهورهم غيرهم، فأعاد الحق الضمير على الوزر و جعله ليوم القيامة هذا الحمل، و يوم القيامة مدته من خروج الناس من قبورهم إلى أن ينزلوا منازلهم من الجنة و النار، و ينقضي ذلك اليوم فينقضي بانقضائه جميع ما كان فيه، و مما كان فيه الخلود في حمل الأوزار، و لذلك فإن هذه الآية ما هي بنص في خلود العذاب، فإنه ما ورد في العذاب شيء يدل على الخلود فيه كما ورد في الخلود في النار، قال (خالِدِينَ فِيها)* يعني في النار، و لم يقل:فيه؛ فيريد العذاب، و لما أعاد الضمير في خالدين فيها على الدار لم يلزم العذاب.
[سورة طه (20): آية 102]
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102)
الصور جمع صورة، و هو الحضرة البرزخية التي ننتقل إليها بعد الموت و نشهد نفوسنا فيها، و لما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن الصور: ما هو؟ قال صلّى اللّه عليه و سلم [هو قرن من نور ألقمه إسرافيل] فأخبر أن شكله شكل القرن، فوصف بالسعة و الضيق، فهو في غاية السعة، لا شيء من الأكوان أوسع منه، و ضيقه من أنه لا يجرد المعاني عن المواد أصلا، فلا يقبلها إلا في صورة.
و اعلم أن اللّه سبحانه إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية حيث كانت و العنصرية، أودعها صورا جسدية في مجموع هذا القرن النوري، فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن و بنورها، و هو إدراك حقيقي، و من الصور هنالك ما هي مقيدة عن التصرف، و منها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلهم و أرواح الشهداء، و منها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا في هذه الدار، و كل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه، محبوس في صور أعماله إلى أن يبعث يوم القيامة من تلك الصورة في النشأة الآخرة.
[سورة طه (20): الآيات 103 الى 107]
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (104) وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (106) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً (107)
و هذه صفة أرض الآخرة، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم [إن اللّه يمد الأرض مدّ الأديم] و هو بسط قبضه و فرش نتوئه، فتبسط الأرض فلا ترى فيها عوجا و لا أمتا، فيأخذ البصر جميع من في الموقف بلا حجاب من ارتفاع و انخفاض، ليرى الخلق بعضهم بعضا، فيشهدوا حكم اللّه بالفصل و القضاء في عباده.
[سورة طه (20): آية 108]
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (108)
«وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ» هذا مع الاسم الرحمن، فكيف يكون الحال مع الجبار؟
| خشوع حياء لا خشوع مهانة | و هيبة إجلال و قبض تأدب | |
حكم اقتضاه الموطن، بإشارة عين و خفي صوت، من علو الهيبة الإلهية يوم العرض، فقد ألجم الناس العرق و عظم الخطب و جل الأمر و كان البهت «فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً» أي صوتا خفيا، خشوعا للّه تعالى و خضوعا، فإن الهمس إسماع من قصدته بالإسماع خاصة.
[سورة طه (20): الآيات 109 الى 110]
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)
[فهو سبحانه لا يحيط به علم]
فهو سبحانه لا يحيط به علم، تقدّس و تعالى عن أن يحيط به علم الممكن أو تكون ذاته تعطي الإحاطة فهو المحيط و لا يحيط به شيء، إذ لو أحاط به شيء لحصره ذلك الشيء، فإن القوى الحسية و الخيالية تطلبه بذواتها لترى موجدها، و العقول تطلبه بذواتها و أدلتها من نفي و إثبات و وجوب و جواز و إحالة لتعلم موجدها، فخاطب الحواس و الخيال بتجريده الذي دلت عليه أدلة العقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و الحواس تسمع، فحارت الحواس و الخيال و قالت: ما بأيدينا منه شيء، و خاطب العقول بتشبيهه الذي دلت عليه الحواس و الخيال (وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) و العقول تسمع، فحارت العقول و قالت: ما بأيدينا منه شيء، فعلا عن إدراك العقول و الحواس و الخيال، و انفرد سبحانه بالحيرة في الكمال، فلم يعلمه سواه و لا شاهده غيره، فلم يحيطوا به علما و لا رأوا له عينا، فآثار تشهد، و جناب يقصد، و رتبة تحمد، و إله منزه و مشبه يعبد، لأنه المجهول الذي لا يعرف،
و لا يقال هو النكرة التي لا تتعرّف، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [اعبد اللّه كأنك تراه] فأمر المكلف بالاستحضار، فإنه يعلم أن لا يستحضر إلا من يقبل الحضور، فاستحضار العبد ربه في العبادة عين حضور المعبود له، فإن لم يعلمه إلا في الحد و المقدار حدّه و قدّره، و إن علمه منزها عن ذلك لم يحده و لم يقدره مع استحضاره كأنه يراه، و إنما لم يحدّه و لم يقدّره العارف به لأنه يراه جميع الصور، فمهما حده بصورة عارضته صورة أخرى، فانخرم عليه الحد، فلم ينحصر له الأمر لعدم إحاطته بالصور الكائنة و غير الكائنة له، فلم يحط به علما كما قال «وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» فإذا عرفوا أنهم لا يحيطون به علما خضعوا فقال تعالى:-
[سورة طه (20): آية 111]
وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111)
الوجوه منا المراد بها حقائقنا، إذ وجه كل شيء ذاته، و كل ما خلق اللّه من العالم فإنما خلقه اللّه على كماله في نفسه، فذلك الكمال وجهه، فالوجوه هنا أعيان الذوات و حقائق الموجودات، إذ وجه كل شيء حقيقته و ذاته، فعنت الوجوه أي خضعوا و ذلوا، و طلبوا الزيادة من العلم فيما لا علم لهم به منه، و هو العلم باللّه عن طريق التجلي و الذوق، و لذلك قال: عنت أي ذلت، فلما تجلى اسمه «الحي» حييت الموجودات «و القيوم» فقامت به الأرض و السموات و من فيهن من عوالم البقاء و الاستحالات، فعنت لحياته الوجوه و سجدت لقيوميته الجباه، و أقنعت لعظمته الرءوس و تحركت بذكره الشفاه «وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً».
[سورة طه (20): الآيات 112 الى 114]
وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً (112) وَ كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَ صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)
[الوحي وحيان]
الوحي و حيان: وحي قرآن و وحي فرقان؛ و وحي القرآن هو الأول فإن القرآن حصل عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مجملا غير مفصل الآيات و السور، فلما أوحى اللّه إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم كان يعجل بالقرآن حين كان ينزل عليه جبريل عليه السلام بالفرقان، قبل أن يقضى إليه وحيه، ليعلم بالحال أن اللّه تولى تعليمه من الوجه الخاص الذي لا يشعر به الملك، و جعل اللّه الملك النازل بالوحي صورة حجابية، فقيل له «وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ» الذي عندك فتلقيه مجملا فلا يفهم عنك «مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ» فرقانا مفصلا، فأمر صلّى اللّه عليه و سلم بالتأني عند الوحي أدبا مع المعلم الذي أتاه به من قبل ربه، فهو صلّى اللّه عليه و سلم مصغ تابع للملك هنا، و قد قال تعالى له فيما أوحى إليه (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) كذلك أدبا مع أستاذه جبريل
[ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»]
«وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» بتفصيل ما أجملته فيّ من المعاني، فما أشرف العلم، فهو الصفة الشريفة التي أخبر اللّه تعالى نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم و سلم بالزيادة منها، و لم يقل ذلك في غيره من الصفات، فإن فيه الشرف التام، و ليس في الصفات أعم منه تعلقا، لتعلقه بالواجبات و الجائزات و المستحيلات، و غيره من الصفات ليس كذلك، و حدّ العلم و حقيقته المطلقة معرفة الشيء على ما هو عليه، و المفيدة العمل به، و هو الذي يعطيك السعادة الأبدية، و لا تخالف فيه، فهو نور من أنوار اللّه تعالى يقذفه في قلب من أراد من عباده، و هو معنى قائم بنفس العبد يطلعه على حقائق الأشياء، و هو للبصيرة كنور الشمس للبصر، بل أتم و أشرف، و كل من ادعى علما من غير عمل فدعواه كاذبة إن تعلق به خطاب عمل، و لهذا لم يأمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم أن يطلب من اللّه تعالى الزيادة من شيء إلا من العلم، فإنه أشرف الصفات و أنزه السمات، فالعلم سبب النجاة و إن شقي في الطريق، فالمآل إلى النجاة، فلو علم المشرك ما يستحقه الحق من نعوت الجلال لعلم أنه لا يستحق أن يشرك به، و لو علم المشرك أن الذي جعله شريكا لا يستحق أن يوصف بالشركة للّه في ألوهته لما أشرك، فما أخذ إلا بالجهل من الطرفين.
و لما كانت العلوم الشريفة العالية التي إذا اتصف بها الإنسان زكت نفسه و عظمت مرتبته أعلاها العلم باللّه، لهذا أمر الحق تعالى نبيه أن يقول «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» فهذا العلم الذي أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بطلب المزيد منه، هو العلم باللّه عن طريق التجلي و الذوق، فإنه أشرف الطرق إلى تحصيل العلوم، لا علم التكليف، فإن النقص منه هو مطلوب الأنبياء عليهم السلام، فقوله تعالى «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» يريد من العلم به، من حيث ما له تعالى من الوجوه في كل مخلوق و مبدع، و هو علم الحقيقة، فإنه لما كان الخلق على الدوام دنيا و آخرة فالمعرفة تحدث على الدوام دنيا و آخرة، و لذا أمر بطلب الزيادة من العلم، أ تراه أمره صلّى اللّه عليه و سلم بطلب الزيادة من العلم بالأكوان؟
لا و اللّه، ما أمر إلا بالزيادة من العلم باللّه، بالنظر فيما يحدثه من الكون، فيعطيه ذلك الكون عن أيّة نسبة إلهية ظهر، و لهذا نبّه صلّى اللّه عليه و سلم القلوب في دعائه [اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم غيبك] و الأسماء نسب إلهية و الغيب لا نهاية له، فلا بد من الخلق على الدوام، فكأنما يقول صلّى اللّه عليه و سلم: ارفع عني اللّبس الذي يحول بيني و بين العلم بالخلق الجديد، فيفوتني خير كثير حصل في الوجود لا أعلمه، لذا أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم أن يدعوه بأن يزيده بطلبه علما به في كل ما يعطيه، و هو وجه الحق في كل شيء، فما طلب الزيادة من علم الشريعة، بل كان يقول [اتركوني ما تركتكم] فالشرف كله إنما هو في العلم، و العالم به بحسب ذلك العلم، فإن أعطى عملا في جانب الحق عمل به، و إن أعطاه عملا في جانب الخلق عمل به، فهو يمشي في بيضاء نقية سمحاء،لا يرى فيه عوجا و لا أمتا، و ما طلب الزيادة من العلم إلا من الرب، و لهذا جاء مضافا لاحتياج العالم إليه أكثر من غيره من الأسماء، لأنه اسم لجميع المصالح، و هو من الأسماء الثلاث الأمهات، و هي: اللّه و الرحمن و الرب، فقال «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» أي زدني من كلامك ما أزيد به علما بك، يرقى به عنده منزلة لم تكن له، فالمراد بهذه الزيادة من العلم المتعلق بالإله ليزيد معرفة بتوحيد الكثرة، فتزيد رغبته في تحميده، فيزاد فضلا على تحميده دون انتهاء و لا انقطاع، فطلب منه الزيادة و قد حصل من العلوم و الأسرار ما لم يبلغه أحد، و مما يؤيد ما ذكرناه من أنه أمر بالزيادة من علم التوحيد لا من غيره، أنه كان صلّى اللّه عليه و سلم إذا أكل طعاما قال [اللهم بارك لنا فيه و أطعمنا خيرا منه] و إذا شرب لبنا قال [اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه] لأنه أمر بطلب الزيادة، فكان يتذكر عند ما يرى اللبن اللبن الذي شربه ليلة الإسراء، فقال له جبريل: أصبت الفطرة أصاب اللّه بك أمتك، و الفطرة علم التوحيد الذي فطر اللّه الخلق عليها حين أشهدهم حين قبضهم من ظهورهم و قال لهم: أ لست بربكم؟
قالوا: بلى، فشاهدوا الربوبية قبل كل شيء، و لهذا تأول صلّى اللّه عليه و سلم اللبن لما شربه في النوم و ناول فضله عمر، قيل: ما أولته يا رسول اللّه؟ قال: العلم، فلو لا حقيقة مناسبة بين العلم و اللبن جامعة ما ظهر بصورته في عالم الخيال، عرف ذلك من عرفه و جهله من جهله، و اعلم أن اللّه تعالى أمر نبيه أن يقول «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» و ما أمره إلى وقت معين و لا حد محدود، بل أطلق، فطلب الزيادة و العطاء دنيا و آخرة، فقد أمر صلّى اللّه عليه و سلم بطلب الزيادة مع كونه قد حصل علم الأولين و الآخرين و أوتي جوامع الكلم، فإنه لا يعظم على اللّه شيء طلب منه، فإن المطلوب منه لا يتناهى فليس له طرف نقف عنده، فوسع في طلب المزيد، يقول النبي صلّى اللّه عليه و سلم في شأن يوم القيامة [فأحمده] يعني إذا طلب الشفاعة [بمحامد يعلمنيها اللّه لا أعلمها الآن] فاللّه لا يزال خلاقا إلى غير نهاية فينا، فالعلوم إلى غير نهاية، و لا شيء أشرف من العلم، و لم يأمر بطلب زيادة في غيره من الصفات، لأنه الصفة العامة التي لها الإحاطة بكل صفة و موصوف فطلب المزيد من العلم عبادة مأمور بها.
| فالعلم أشرف نعت ناله بشر | و صاحب العلم محفوظ عليه مصون | |
| إن قام قام به أو راح راح به | و الحال و المال في حكم الزوال يكون | |
و لما كانت أعلى الطرق إلى العلم باللّه علم التجليات، أردف سبحانه هذه الآية بقوله «وَ عَنَتِ الوجوه للحي القيوم» أي ذلت فأراد علوم التجلي، و التجلي أشرف الطرق إلى تحصيل العلوم، و هي علوم الأذواق، و كل تجل إلهي لا بد أن يصحبه زيادة في العلم، فزاد هنا من العلم العلم بشرف التأني عند الوحي، فقوله تعالى «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» بما يكون من اللّه إليه برفع الوسائط، و ما أسمعنا اللّه ذلك إلا تنبيها لنقول ذلك و نطلبه من اللّه، و لو كان خصوصا بالنبي لم يسمعنا، أو كان يذكر أنه خاص به كما قال في نكاح الهبة، فإذا سأل الإنسان مزيد العلم فليسأل كما أمر اللّه تعالى نبيه أن يسأل إذ قال له «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» فنكر و لم يعين، فعمّ، فأي علم نزل عليه دخل تحت هذا السؤال، فإن النزول عن سؤال أعظم لذة من النزول عن غير سؤال، فإن في ذلك إدراك البغية و ذلة الافتقار، و إعطاء الربوبية حقها و العبودة حقها، و في العلم المنزل عن السؤال من علو المنزلة ما لا يقدّر قدر ذلك إلا اللّه- تحقيق- إذا قلت: ما لا بد منه هو يأتيك من غير طلب، لأنه من المحال الإقامة على أمر واحد زمانين، فلا يحتاج إلى طلب الزائد،
قلنا: قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» ينبهه و إيانا على أن ثمّ أمرا آخر زائدا على ما هو الحاصل في الوقت، لنتهمم لقدومه، و ليظهر من العبد الافتقار إلى اللّه بالدعاء في طلب الزيادة، و الزائد غير معيّن عندك، فإذا عينه الدعاء و الحق يجيب، فقد تعيّن عندك ما تدعو فيه، و هو الذي أمر اللّه به نبيه صلّى اللّه عليه و سلم أن يزيده بطلبه علما به في كل ما يعطيه.
| و العلم أشرف ما يؤتيه من منح | و الكشف أعظم منهاج و أوضحه | |
| فإن سألت إله الحق في طلب | فسله كشفا فإن اللّه يمنحه | |
| و أدمن القرع إن الباب أغلقه | دعوى الكيان وجود اللّه يفتحه | |
20/ 115 خلق اللّه تعالى آدم بيديه و ما حفظه من المعصية و لا من النسيان، و ما توجهت اليدان إلا على طينته و طبيعته، و ما جاءته الوسوسة إلا من جهة طبيعته، لأن الشيطان وسوس إليه و هو مخلوق من جزء ما خلق منه آدم، فما نسي و لا قبل الوسوسة إلا من طبيعته، فإن هذه النشأة من حكم الطبيعة فيها الجحد و النسيان، فكانت حركة آدم في جحده حركة طبيعية، و في نسيانه أثر طبيعي، فلو تناسى لكان الأمر من حركة الطبيعة، كالجحد من حيث أنه جحد هو أثر طبيعي، و من حيث ما هو جحد بكذا هو حكم طبيعي لا أثر، فهذا الفرق بين حكم الطبيعة و بين أثرها، و النسيان من أثرها و التناسي من حكمها، و الغفلة من أثرها و التغافل من حكمها، و قليل من العلماء باللّه من يفرق بين حكم الطبيعة و أثرها، فاجتمع في آدم حكم الطبيعة بالجحد، لأنه الأول الجامع في ظهره للجاحدين من أبنائه، لأن آدم إنسان كامل، و كذا النسيان الواقع منه هو من أثر الطبيعة و حكم الأبناء، فإنه حامل في ظهره للناسين من أبنائه، فحكموا عليه بالنسيان، و سرى الجحد و النسيان في بني آدم من جحد آدم و نسيانه جبرا لقلب آدم، قال تعالى «وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ» و الذي نسي آدم إنما هو قوله تعالى (هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ) فنسي ما أخبره اللّه به من عداوته، فقبل نصيحته، فنسيان آدم عليه السلام إنما كان أخبره اللّه تعالى به من عداوة إبليس، و ما تخيل آدم عليه السلام أن أحدا يقسم باللّه كاذبا، فلما أقسم باللّه إنه ناصح لهما فيما ذكره لهما، تناولا من الشجرة المنهي عنها،
و في هذا تنبيه في أن الاجتهاد لا يسوغ مع وجود النص في المسألة، و ربما وقعت المعصية بتأويل منه، و لو نسي النهي ما عوقب أصلا، و إنما نسي ما ذكرناه، و في عداوة إبليس لحواء بشرى لها بالسعادة لأنها لو كانت من حزب الشيطان ما كان عدوا لها «وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» و هو عمل الباطن، فبرأ الحق باطن آدم من المعصية، و كان عند اللّه وجيها مجتبى، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [نسي آدم فنسيت ذريته، و جحد آدم فجحدت ذريته] و هذا حديث بشرى من النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فإن آدم رحمه اللّه فرحمت ذريته، حيثما كانوا جعل لهم رحمة تخصهم، بأي دار أنزلهم اللّه تعالى.
20/ 119- 116 الترتيب في الظاهر على خلاف ذلك، و لكن الحكمة في ذلك أن الحرارة سبب الظمأ، فقرنه بالضحى، و الجوع تعرية باطن الحيوان، فذلك قرنه بتعرية ظاهر الأبدان.
20/ 120 فصدقه و هو الكذوب، فتلطّف إبليس في الإغواء تلطف المستدرج في الاستدراج، و الماكر في المكر، و الخادع في الخداع، فكان لآدم بعد المؤاخذة ما أعطته خاصية تلك الشجرة لمن أكل من ثمرها من الخلد و الملك الذي لا يبلى.
20/ 121 اعلم أن الأمر الإلهي لا يخالف الإرادة، فإنها داخلة في حدّه و حقيقته، و إنما وقع الالتباس من تسميتهم صيغة الأمر أمرا و ليست بأمر، و الصيغة مرادة بلا شك، فأوامر الحق إذا وردت على ألسنة المبلغين فهي صيغ الأوامر لا الأوامر فتعصى، و قد يأمر الآمر بما لا يريد وقوع المأمور به، فما عصى أحد قط أمر اللّه، و هو قوله إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون؛ و بهذا علمنا أن النهي الذي خوطب به آدم عن قرب الشجرة إنما كان بصيغة لغة الملك الذي أوحى إليه به، و لما علم إبليس أن آدم محفوظ من اللّه، و رأى اللّه قد نهاه عن قرب الشجرة لا قرب الثمرة، جاء بصورة الأكل لا بصورة القرب، فإنه علم أنه لا يفعل لنهي ربه إياه عن قرب الشجرة، فأتاه بثمرها فأكل آدم و زوجته حواء، و صدّقا إبليس و هو الكذوب في قوله (هل أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى) و لما كان آدم قد نهي و لم يؤمر أمر إيجاب، و كان حاملا للمخالف من ولده في ظهره و الطائع، فأوقع المخالفة عن حركة المخالف، فلما رماه من صلبه، ما بلغنا أن آدم عليه السلام عصى ربه بعد ذلك أبدا، و أفرد بالمعصية دون أهله في قوله «وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ»– الوجه الأول- و النهي وقع عليهما و الفعل وقع عنهما، لأنها بعض من كلّه، فهي جزء منه، فكأنها ما ثمّ إلا هو، فأهدرت في اللفظ و لم تذكر، و ذكر آدم «فَغَوى» و من غوى هوى، أ لا تراه هبط، و في يديه سقط، فاستدرك الغلط حين هبط، فتلقى من ربه ما تلقاه من الكلمات فتاب، ففاز بحسن المآب، لأنه ما قصد انتهاك الحرمة، و لا الخروج من النور إلى الظلمة- الوجه الثاني- «وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ» لما نهاه عن قرب الشجرة فأكل من ثمرتها، فأضاف المعصية إلى ظاهر آدم، لأن المعصية بالظاهر وقعت و هو القرب من الشجرة و الأكل، بعد أن برأ باطنه منها، و ما حفظ اللّه تعالى آدم من المعصية مما حمله في طينته من عصاة بنيه، فآدم عليه السلام مع خلقه باليدين عصى بنفسه و لم يحفظ «فَغَوى» أي فخاف، و هو قد أكل بالتأويل و ظن أنه مصيب غير منتهك للحرمة في نفس الأمر، و كان متعلق النهي القرب لا الأكل. فيقوى التأويل و غوى هنا بمعنى خاف، قال الشاعر: و من يغو لا يعدم على الغي لائما؛ و لما كان آدم هو الأب الأعظم في الجسمية، و المقرب عند اللّه و أول هذه النشأة الترابية، ظهرت فيه المقامات كلها حتى المخالفة، إذ كان جامعا للقبضتين: قبضة الوفاق و قبضة الخلاف، فما تحرك من آدم لمخالفة النهي إلا النسمة المجبولة على المخالفة، فكانت مخالفته نهي اللّه من تحرك تلك النسمة التي كان يحملها في ظهره لما عصى، ثم خاف، قال اللّه تعالى في حقه.
20/ 122 «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ» فهو مجتبى، فآدم عليه السلام لو لا خطيئته ما ظهرت سيادته في الدنيا، فهي التي أورثته الاجتباء، فما خرج من الجنة بخطيئته إلا لتظهر سيادته، فكان هبوطه هبوط خلافة لا هبوط بعد «فَتابَ عَلَيْهِ» فكان اللّه هو التائب لا آدم، و الذي صدر من آدم ما اقتضته خاصية الكلمات التي تلقاها، و ما فيها ذكر توبته، و إنما هو مجرد اعتراف و هو قوله (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) فأنتج لهما هذا الاعتراف قوله تعالى «فَتابَ عَلَيْهِ» أي رجع عليه بالرحمة، فرجع عليه بستره، فحال بينه ذلك الستر الإلهي و بين العقوبة التي تقتضيها المخالفة، و جعل ذلك من عناية الاجتباء، أي لما اجتباه أعطاه الكلمات، و رجع عليه بالصفة التي كان يعامله بها ابتداء من التقريب، و الاعتناء الذي جعله خليفة عنه في خلقه، و كمل به و فيه وجود العالم «وَ هَدى»- الوجه
| فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره | و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما | |
و غوى عند الجوهري بمعنى خاب (تاج العروس، و لسان العرب) و لا يوجد في المعاجم غوى بمعنى خاف إلا أن تكون لغة لم تصل إلينا أو تصحيفا لخاب، و خاف أليق بمكانة آدم عليه السلام.
الأول- أي بيّن له قدر ما فعل و قدر ما يستحقه من الجزاء، و قدر ما أنعم عليه من الاجتباء، و بيّن له أنه رجع عليه بالرحمة فعمّته- الوجه الثاني- «وَ هَدى» به من هدى، و مع التوبة قال له: اهبط، هبوط ولاية و استخلاف لا هبوط طرد، فهو هبوط مكان لا هبوط رتبة، و لهذا يضعف القول بتسرمد العذاب، فإن النار مع كونها دار ألم فإن حكم العذاب زائد على كونها دارا، فإنا نعلم أن خزنتها في نعيم دائم، ما هم فيها بمعذبين مع كونهم ما هم منها بمخرجين، لأنهم لها خلقوا، و هي دائمة و الساكن فيها دائم لكونه مخلوقا لها، فلما شملت الرحمة آدم بجملته، و كان حاملا لكل بنيه بالقوة، عمت الرحمة الجميع، إذ لا تحجير، و لا كان يستحق أن يسمى آدم مرحوما و فيه من لا يقبل الرحمة، و الحق يقول «فَتابَ عَلَيْهِ» أي رجع عليه بالرحمة «وَ هَدى» أي بيّن له أنه رجع عليه بها فعمته، و لهذا يرجى لأهل الشقاء أن لا يتسرمد عليهم العذاب، قال تعالى «وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى» و ما تركه سدى، فأغاظ اللّه به الأعداء، و أفرح به الملائكة الأوداء، فتلقى من ربه الكلمات، و كانت له من أعظم الهبات، فتحقق بحقائق المحبة، و رجع إلى ما كان عليه من المنزلة و القربة، و هذا حكم سار في الذرية، أعطته هذه البنية، فما ثمّ إلا من همّ و لمّ، و إن كان الموجود الأتم، فاعلم إن كنت تعلم، فاجتبي آدم عليه السلام قبل أن يتاب عليه، لأن سابقة قدمه سبقت إليه.
20/ 125- 123 قلنا إن السمع و البصر قسمان: عادي و حقيقي، فالعادي سمع القلب بالأذن و إبصاره بالعين، و هو عام في المؤمن و الكافر، و الحقيقي بصر العين بالقلب و سمع الأذن به، و قد نفاه اللّه تعالى عن الكافر في غير ما آية، و بهذا يفهم قوله تعالى «وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً» مع العلم بأن اللّه تعالى يعيدهم بأبصارهم العادية كحالهم في الدنيا، تحقيقا لقوله تعالى (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) و لكن الحكم في تلك الدار للأبصار الحقيقية المستفادة من نور صفاته، بواسطة استجابة القلب لآياته، و توجهه لنورها إلى عالم الغيب، و قلب الكافر في الدنيا كان خاليا من نور التوحيد، فكان بصره لا يرجع إلى قلبه، لأنه لا مدد له إلا من حسه، و هو أعمى عن نور آيات التوحيد، لا جرم أنه يحشر يوم القيامة أعمى كما كان في الدنيا، لا يرتد إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء، فكذلك إذا قال «لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً».
العادية كحالهم في الدنيا، تحقيقا لقوله تعالى (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) و لكن الحكم في تلك الدار للأبصار الحقيقية المستفادة من نور صفاته، بواسطة استجابة القلب لآياته، و توجهه لنورها إلى عالم الغيب، و قلب الكافر في الدنيا كان خاليا من نور التوحيد، فكان بصره لا يرجع إلى قلبه، لأنه لا مدد له إلا من حسه، و هو أعمى عن نور آيات التوحيد، لا جرم أنه يحشر يوم القيامة أعمى كما كان في الدنيا، لا يرتد إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء، فكذلك إذا قال «لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً».
20/ 126 أي لا بصر في هذه الدار إلا من نور صفاتي المستفادة من الاستجابة لآياتي، و من لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور و لذلك قال تعالى:
20/ 130- 127 الصباح و المساء أطراف النهار، فالمساء ابتداء الليل، و الصباح انتهاء الليل، و النهار ما بين الانتهاء و الابتداء، و الليل ما بين الابتداء و الانتهاء، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [من سبّح اللّه مائة بالغداة و مائة بالعشي كان كمن حج مائة حجة] يعني مقبولة [و من حمد اللّه مائة بالغداة و مائة بالعشي كان كمن حمل على مائة فرس في سبيل اللّه، أو قال غزا مائة غزوة، و من هلل اللّه مائة بالغداة و مائة بالعشي كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، و من كبر اللّه مائة بالغداة و مائة بالعشي لم يأت في ذلك اليوم أحد أكثر مما أتى إلّا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال] أخرجه الترمذي و قال حديث حسن غريب، و هو قوله عزّ و جل «وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها» فأمرنا بالتسبيح آناء الليل و أطراف النهار، و ما تعرض لذكر النهار في هذا الحكم لأنه قال (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا) أي فراغا، فالنهار لك و الليل و أطراف النهار له، فإذا كنت له في الليل و أطراف النهار كان لك هو في النهار، فعطايا الليل و أطراف النهار جزاء التسبيح، و عطايا النهار جزاء الاشتغال و الفراغ إلى الحق في آناء الليل و أطراف النهار.
20/ 131 «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» ليس هذا قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) فإن الغض له حكم آخر، لأنه نقص مما تمتد العين إليه، و النقص هنا أن لا يمد إلى أمر خاص، أي إلى مرئي خاص، فعلم ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فزاد علما إلى علمه، «إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا» و قد جعل اللّه النساء زهرة حيث كن، فإذا كن في الدنيا كن زهرة الحياة الدنيا، فوقع النعيم بهن حيث كن، و أحكام الأماكن تختلف، فهن و إن خلقن للنعيم في الدنيا فهن فتنة «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ» يستخرج الحق بهن ما خفي عنا فينا مما هو به عالم و لا نعلمه من نفوسنا، فيقوم به الحجة لنا و علينا، و ما فتنهم الحق إلا بما سماه زهرة لهم، لما كانت الزهرة دليلة على الثمرة و متنزها للبصر و معطية الرائحة الطيبة، فإذا لم يدرك صاحب هذه الزهرة رائحتها و لا شهدها زهرة و إنما شهدها امرأة و لا علم دلالتها التي سيقت له على الخصوص و زوجت به، و تنعم بها و نال منها ما نال بحيوانيته لا بروحه و عقله، فلا فرق بينه و بين سائر الحيوان، بل الحيوان خير منه، لأن كل حيوان مشاهد لفصله المقوم له، و هذا الشخص ما وقف مع فصله المقوّم له:
| كل شخص زوجه من نفسه | و لهذا زوجه من جنسه | |
| فهو كل و هي جزء فلذا | كثرت أزواجه من نفسه | |
«وَ رِزْقُ رَبِّكَ» ما أعطاك مما أنت عليه في وقتك، و ما لم يعطك و هو لا بد لك فلا بد من وصوله إليك، و ما أبطأ به إلا الوقت الزماني الذي هو له، و ما ليس لك فلا يصل إليك، فتتعب نفسك حيث طمعت في غير مطمع، و ما أعني بقولنا إنه لك إلا ما تناله على الحد الإلهي الذي أباحه لك، و إن نلته على غير ذلك الحد فما نلت ما هو لك من جانب الحق، إنما نلت ما هو لك من جانب الطبع، و ليس المراد في الدنيا إلا ما تناله من جانب الحق، فالحق للدنيا و الطبع للآخرة، و الطبع له الإباحة و الحق له التحجير، فانظر إلى عطايا ربك فإنها أكثر ما تكون ابتلاء، و لا تعرف ذلك إلا بالميزان، و ذلك أن كل عطاء يصل إليك فهو رزق ربك، و لكن على الميزان المشروع فهو «خَيْرٌ وَ أَبْقى» و الذي هو خير و أبقى هو الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت الذي رزقه، فإنه تعالى لا يتّهم في إعطائه الأصلح لعبده، فما أعطاه إلا ما هو خير في حقه و أسعد عند اللّه و إن قل، فإنه ربما لو أعطاه ما يتمناه العبد طغى و حال بينه و بين سعادته، فإن الدنيا دار فتنة.
20/ 132 «وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» يريد الصلاة، قال تعالى (وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ) يعني بالصبر على الصلاة.
20/ 134- 133 أذل الأذلاء من كان له عزّ و جل، لأن ذل الذليل على قدر من ذلّ تحت عزّه، و لا عز أعظم من عز الحق، فلا ذل أذل ممن هو للّه، و من ذل للّه لا يذل لغير اللّه أصلا، و أما الخزي فلا يخزى إذا كان للّه، فإن الخزي لا يكون من اللّه لمن هو له، و إنما يكون لمن هو لغير اللّه في شهوده، و لذلك قالت خديجة و ورقة بن نوفل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [كلا و اللّه لا يخزيك اللّه أبدا] لما ذكر له ابتداء نزول الناموس عليه، فالذل صفة شريفة إذا كانت الذلة للّه، و الخزي صفة ذميمة بكل وجه، فالخزي الذي يقوم بالعبد إنما هو ما جناه على نفسه بجهله و تعديه رسوم سيده و حدوده، فجميع مذام الأخلاق و سفسافها صفات مخزية عند اللّه و في العرف، فمن كان للّه لم يذل و لا يخزى أبدا.
[سورة طه (20): آية 135]
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى (135)
[التربص]
يقول الحقّ: و عزّتي و جلالي، و ما أخفيته من سنّي علمي لأعذّبنّ عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، من كذّب رسلي و كذّب اختصاصي لهم من سائر العباد، و كذّب بصفاتي و ادّعى أنه ليس لي صفة، و أوجب عليّ و أدخلني تحت الحصر، و كذّب كلامي و تأوّله من غير علم به، و كذّب بلقائي، و قال: إنّي لم أخلقه، و إني غير قادر على بعثه كما بدأته، و كذّب بحشري و نشري، و حوض نبيّ و ميزاني، و صراطي و رؤيتي، و ناري و جنّتي، و زعم أنّها أمثلة و عبارات، المراد بها أمور فوق ما ظهر، و عزّتي و جلالي لتردون و تعلمون من أصحاب الصراط السوي و من اهتدى، و لأنتقمنّ في دار الخزي و العذاب منهم، على ما أخبرت في كتبي، كذّبوني و صدّقوا أهواءهم، و نفوسهم سوّلت لهم الأباطيل، و شياطينهم لعبت بهم (إنّكم و ما تعبدون حصب جهنم أنتم لها و رادون) قف عند حدّي، و انظر في كتابي، فهو النور الجلي، و فيه السرّ الخفي، صراطي ممدود على ناري، فالويل كل الويل لمن كذّبني، كلّ حزب بما لديهم فرحون، و كلّ له شرب معلوم، و سيردون فيعلمون، كأنّهم ما سمعوا (يوم يكشف عن ساق و يدعون إلى السجود).
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 121