تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الفجر
سورة الفجر
[1- 4]
[سورة الفجر (89): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ الْفَجْرِ (1) وَ لَيالٍ عَشْرٍ (2) وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ (3) وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4)
أقسم بابتداء ظهور نور الروح على مادة البدن عند أول أثر تعلقه به وَ لَيالٍ عَشْرٍ و محال الحواس العشرة الظاهرة و الباطنة التي تتعين عند تعلقه به لكونها أسباب تحصيل الكمال و آلاتها وَ الشَّفْعِ أي: الروح و البدن عند اجتماعهما و تمام وجود الإنسان الذي يمكن به الوصول وَ الْوَتْرِ أي: الروح المجرّد إذا فارق.
وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ أي: ظلمة البدن إذا ذهبت و زالت بتجرّد الروح فيكون الإقسام بالمبتدأ و المنتهى أو بالقيامة الكبرى و آثارها أي: و الفجر الذي هو مبتدأ طلوع نور الحق و تأثيره في ليلة النفس و ليال عشر من الحواس الراكدة الهادئة المظلمة المتعطلة عن أشغالها عند تجلي النور الإلهي و الشفع الذي هو الشاهد و المشهود قبل تجلي الفناء التام حال المشاهدة في مقام الصفات، و الوتر أي: الذات الأحدية عند الفناء التام و ارتفاع الاثنينية، و الليل أي: ظلمة الأنانية إذا ذهبت و زالت بزوال البقية أو بالقيامة الصغرى أي: فجر ابتداء ظهور نور الشمس الطالعة من مغربها. و ليال عشر أي: الحواس المتكدّرة المظلمة عند الموت، و الشفع أي: الروح و البدن، و الوتر أي: الروح المفارق إذا تجرّد، و الليل إذا يسر، و البدن إذا انقشع ظلامه عن الروح و زوال بالموت.
[5- 14]
[سورة الفجر (89): الآيات 5 الى 14]
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9)
وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14)
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ استفهام في معنى الإنكار، أي: هل عاقل يهتدي إلى الإقسام بهذه الأشياء و وجه تعظيمها بالقسم بها و حكمة انتظامها في قسم واحد و تناسبها فإن عقول أهل الدنيا المشوبة بالوهم لا تهتدي إلى ذلك. و جواب القسم ليعذبن المحجوبون لدلالة قوله: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إلى قوله: لَبِالْمِرْصادِ عليه أو في معنى التقرير أي: إنما يهتدي إلى ذلك أولو الألباب الصافية المجرّدة عن شوب الوهم. و جواب القسم:ليثابنّ العقلاء المعتبرون بحال المحجوبين دونهم.
[15- 20]
[سورة الفجر (89): الآيات 15 الى 20]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19)
وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20)
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ أي: الإنسان يجب أن يكون في مقام الشكر أو الصبر بحكم الإيمان لقوله: «الإيمان نصفان، نصف صبر و نصف شكر»،
لأن اللّه تعالى لا يخلو من أن يبتليه إما بالنعم و الرخاء فعليه أن يشكره باستعمال نعمته فيما ينبغي من إكرام اليتيم و إطعام المسكين و سائر مراضيه و لا يكفر نعمته بالبطر و الافتخار فيقول: إن اللّه أكرمني لاستحقاقي و كرامتي عنده، و يترفه في الأكل و يحتجب بمحبة المال و يمنع المستحقين، أو بالفقر و ضيق الرزق فيجب عليه أن يصبر و لا يجزع و لا يقول: إن اللّه أهانني، فربما كان ذلك إكراما له بأن لا يشغله بالنعمة عن المنعم و يجعل ذلك وسيلة له في التوجه إلى الحق و السلوك في طريقه لعدم التعلق كما أن الأول ربما كان استدراجا منه.
[21- 22]
[سورة الفجر (89): الآيات 21 الى 22]
كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)
إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ أي: البدن بالموت دَكًّا دَكًّا متفتتا وَ جاءَ رَبُّكَ أي: ظهر في صورة القهر لمن برز عن حجاب البدن بالمفارقة وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا أي: ظهر تأثير الملائكة من النفوس السماوية و الأرضية المترتبة في مراتبهم في تعذيبه بعد ما كان محتجبا عنهم بشواغل البدن.
[23- 26]
[سورة الفجر (89): الآيات 23 الى 26]
وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26)
وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ أي: برزت نار الطبيعة و أحضرت للمعذبين.
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ خلاف ما اعتقده في الدنيا و صار هيئة في نفسه من مقتضيات فطرته فإن ظهور الباري بصفة القهر و الملائكة بصفة التعذيب لا يكون إلا لمن اعتقد خلاف ما ظهر عليه مما هو في نفس الأمر كالمنكر و النكير وَ أَنَّى لَهُ فائدة الذِّكْرى و منفعته فإن الاعتقاد الراسخ يمنع نفع هذا التذكير.
[27- 28]
[سورة الفجر (89): الآيات 27 الى 28]
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ التي نزلت عليها السكينة و تنوّرت بنور اليقين فاطمأنت إلى اللّه من الاضطراب ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ في حال الرضا، أي: إذا تمّ لك كمال الصفات فلاتسكني إليه و ارجعي إلى الذات في حال الرضا الذي هو كمال مقام الصفات و الرضا عن اللّه لا يكون إلا بعد رضا اللّه عنها، كما قال: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ*[1].
[29- 30]
[سورة الفجر (89): الآيات 29 الى 30]
فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (30)
فَادْخُلِي فِي عِبادِي في زمرة عبادي المخصوصين بي من أهل التوحيد الذاتي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي المخصوصة بي أي: جنّة الذات و قرئ في عبدي و قرئ في جسد عبدي أي: حالة البعث و النشور و ردّ الأرواح إلى الأجساد، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 432
[1] ( 1) سورة المائدة، الآية: 119.