تفسیر ابن عربی سوره المائدة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المائدة آیه61-120

[سورة المائدة (5): الآيات 61 الى 64]

وَ إِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَ تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)

«وَ قالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ» كنّت بذلك عن البخل فأكذبهم اللّه بقوله: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا» أي أبعدوا عن صفة الكرم الإلهي، فإن أقوالهم أعمالهم فغلت أيديهم فوقع البخل الذي نسبوه إلى اللّه بهم‏ «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» أي يداه مباركتان فيهما الرحمة فلم يقرن بهما شيئا من العذاب. و هذه عندنا من أرجى آية تقرأ علينا، فعم الكرم يديه فلا تيأسوا من روح اللّه فالحكم للمشيئة، و ليست مشيئته غير ذاته فأسماؤه عينه، و أحكامها حكمه، فاليدان مبسوطتان، و اليدان مقبوضتان، قبضت ما أعطاها الخلق و انبسطت بما يجود به الحق، فمنه بدأ الجود و إليه يعود.

[توحيد]

– توحيد- اعلم أن اللّه تعالى بدليل العقل و الشرع أحدي الكثرة بأسمائه الحسنى أو صفاته أو نسبه، و هو بالشرع خاصة أحدي الكثرة في ذاته بما أخبر به عن نفسه‏ «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ» «و لما خلقت بيدي» «و تجري بأعيننا» «و القلب بين اصبعين من أصابع الرحمن» «وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» «و كلتا يدي ربي يمين مباركة» و هذه كلها و أمثالها أخبار عن الذات أخبر اللّه بها عن نفسه و الأدلة العقلية تحيل ذلك، فإن كان السامع صاحب النظر العقلي مؤمنا، تكلّف التأويل في ذلك لوقوفه مع عقله، و إن كان السامع منور الباطن بالإيمان آمن بذلك‏ على علم اللّه فيه مع معقول المعنى الوارد المتلفظ به من يد و إصبع و عين و غير ذلك، و لكن يجهل النسبة إلى أن يكشف اللّه له عن بصيرته فيدرك المراد من تلك العبارة كشفا. فإن اللّه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه، أي بما تواطئوا عليه من التعبير عن المعاني التي يريد المتكلم أن يوصل مراده فيما يريد منها إلى السامع، فالمعنى لا يتغير البتة عن دلالة ذلك اللفظ عليه، و إن جهل كيف ينسب فلا يقدح ذلك في المعقول من معنى تلك العبارة.

[سورة المائدة (5): الآيات 65 الى 66]

وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66)

«وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا» و هو معالجة الأعمال و الاكتساب‏ «التَّوْراةَ» و هم أمة موسى‏ «وَ الْإِنْجِيلَ» و هم أمة عيسى‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ» و هم أهل القرآن و جميع كل من أنزلت عليه صحيفة، فأقاموا كتاب اللّه و ما أنزل إليهم من ربهم، فهم المسارعون في الخيرات، و هم لها سابقون‏ «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» يوم القيامة في الحشر يوضع الصراط من الأرض المبدلة علوا على استقامة إلى سطح الفلك المكوكب الذي يرجع في ذلك اليوم ما تحت مقعره جهنم، فيكون منته الصراط إلى المرج الذي خارج سور الجنة، و في ذلك المرج المأدبة، و هي در مكة بيضاء نقية منها يأكل أهل المأدبة، و هو قوله تعالى في المؤمنين من بني إسرائيل إذا أقاموا التوراة و الإنجيل، و نحن أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم نقيم كل ما أنزل إلينا من ربنا بالإيمان به، و نعمل من ذلك بما أمرنا من العمل به، و غيرنا من الأمم منهم من آمن كما آمنا، و منهم من آمن ببعض و كفر ببعض، فمن نجا منهم قيل فيه‏ «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» و هو ما خرج من فروع أشجار الجنان على السور فظلل على هذا المرج فقطفه السعداء «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» هو ما أكلوه من الدرمكة البيضاء التي هم عليها.- تفسير

[من باب الإشارة– الوجه الأول- يشير الحق تعالى إلى أنهم لو أقاموا الكتاب‏]

من باب الإشارة– الوجه الأول- يشير الحق تعالى إلى أنهم لو أقاموا الكتاب من رقدته، فإن التأويل من العلماء أضجعه بعد ما كان قائما، فجاء من وفقه اللّه فأقامه من رقدته أي نزهه عن تأويله و التعمل فيه بفكره، فقام بعبادة ربه و سأله أن يوقفه على مراده‏ من تلك الألفاظ التي حواها الكتاب، و التعريف من المعاني المخلصة عن المواد، فأعطاهم اللّه العلم غير مشوب قال تعالى: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» يعلمهم الحق ما يؤول إليه هذا اللفظ المنزل المرقوم و ما أودع فيه من المعاني من غير فكر فيه إذ الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل واحد- الوجه الثاني- «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» لأعطاهم من العلوم الخارجة عن الكسب، و هي علم الوهب اللدني‏ «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» من العلوم الداخلة تحت الكسب الذي يناله أهل التقوى من هذه الأمة، فهي معارف مكتسبة لا موهوبة، من كسبهم و اجتهادهم-

الوجه الثالث- «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» الضمير يعود على الذين أكلوا من فوقهم، و هم الذين ذكر اللّه لو أنهم أقاموا التوراة و الإنجيل و ما أنزل إليهم من ربهم فأكلوا من فوقهم، و هو علم الوهب لا من جهة الكسب، و هو العلم المذكور في الوجه الثاني بقسميه ثم قال‏ «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ» فمن تحت أرجل هؤلاء أمم منهم أمة مقتصدة، و هم أهل الكسب، و هم الذين يتأولون كتاب اللّه و لا يقيمونه بالعمل الذي نزل إليه، و لا يتأدبون في أخذه، و هم على قسمين: القليل منهم المقتصد في ذلك و هو الذي قارب الحق، و قد يصيب الحق فيما تأوله بحكم الموافقة، لا بحكم القطع، فإنه ما يعلم مراد اللّه فيما أنزله على التعيين إلا بطريق الوهب، و هو الإخبار الإلهي الذي يخاطب به الحق قلب العبد في سره بينه و بينه. و من لم يقتصد في ذلك و تعمق في التأويل بحيث أنه لم يترك مناسبة بين اللفظ المنزل و المعنى، أو قرر اللفظ على طريق التشبيه، و لم يرد علم ذلك إلى اللّه فيه، و هم الذين قال اللّه فيهم في الآية عينها «وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ» و أي سوء أعظم من هذا، و هؤلاء هم القسم الثاني.

فالتقدير في الآية على التفسير «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» أمم‏ «مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ» و لهذا قال لنبيه: «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» و قال: «ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ» فأشرف العلوم ما ناله العبد من طريق الوهب- الوجه الرابع- «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» يريد استواءه على العرش و السماء بل كل ما علا «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» يريد نسبة التحت إلى اللّه من قوله صلّى اللّه عليه و سلم «لو دليتم بحبل لهبط على الله» مع أنه ليس كمثله شي‏ء فالنسب إليه على السواء فللّه الفوق و التحت.

 

 

[سورة المائدة (5): آية 67]

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67)

– الوجه الأول- لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم المنزل عليه القرآن مأمورا بتبليغه إلى المكلفين و تبيينه للناس ما نزل إليهم، و من الأشياء ما هي مشهودة لهم و غائبة عنهم، و لم يؤمر أن يحرف الكلم عن مواضعه بل يحكي عن اللّه كما حكى اللّه له قول القائلين، و قولهم يتضمن الغيبة و الحضور، فما زاد على ما قالوه في حكايته عنهم و قيل له صلّى اللّه عليه و سلم: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ»

[كيفية تبليغ الرسول صلّى اللّه عليه و سلم للقرآن الكريم‏]

فلم يعدل عن صورة ما أنزل إليه فقال ما قيل له، فإنه ما نزلت المعاني على قلبه من غير تركيب هذه الحروف و ترتيب هذه الكلمات و نظم هذه الآيات و إنشاء هذه السور المسمى هذا كله قرآنا، فلما أقام اللّه نشأة القرآن صورة في نفسها، أظهرها صلّى اللّه عليه و سلم كما شاهدها، فأبصرتها الأبصار في المصاحف، و سمعتها الآذان من التالين، و ليس غير كلام اللّه هذا المسموع و المبصر، و ألحق الذم بمن حرّفه بعد ما عقله و هو يعلم أنه كلام اللّه، فأبقى صورته كما أنزلت عليه، فلو بدل من ذلك شيئا و غير النشأة لبلغ إلينا صورة فهم لا صورة ما أنزل عليه، فإنه لكل عين من الناس المنزل إليهم هذا القرآن نظر فيه، فلو نقله إلينا على معنى ما فهم، لما كان قرآنا أعني القرآن الذي أنزل عليه، فإن فرضنا أنه قد علم جميع معانيه بحيث أنه لم يشذ عنه شي‏ء من معانيه قلنا: فإن علم ذلك و هذه الكلمات تدل على جميع تلك المعاني فلأي شي‏ء يعدل؟

و إن عدل إلى كلمات تساويها في جميع تلك المعاني فلا بد لتلك الكلمات التي يعدل إليها من حيث ما هي أعيان وجودية، أعيان غير هذه الأعيان التي عدل عنها التي أنزلت عليه، فلا بد أن تخالفها بما تعطيه من الزيادة من حيث أعيانها على ما جمعته من المعاني التي جمعتها الكلمات المنزلة، فيزيد للناظر في القرآن معاني أعيان تلك الكلمات المعدول إليها، كما أيضا ينقص مما أنزل اللّه أعيان تلك الكلمات التي عدل عنها، فكأن الرسول قد نقص في تبليغ ما أنزل إليه أعيان تلك الكلمات و حاشاه من ذلك، فلم يكن ينبغي له إلا أن يبلغ إلى الناس ما نزل إليهم صورة مكملة من حيث الظاهر حروفها اللفظية و الرقمية، و من حيث الباطن معانيها، فالرسول مبلغ ما قيل له قل، و لو كان مبلغا ما عنده، أو ما يجده من العلم في نفسه، لم يكن رسولا، و لكان‏ معلما.

فكل رسول معلم و ما كل معلم رسول- الوجه الثاني- لما كان الرسول صلّى اللّه عليه و سلم بعث رحمة، و رأى الكثير لم تصبه هذه الرحمة، و أن علة ذلك إنما كان تأويلهم بالوجهين من التشبيه، أو البعد عن مدلول اللفظ بالكلية، تحيّر في التبليغ، و توقف حتى يرى هل يوجب ذلك عليه ربه أم لا! فأنزل اللّه تعالى‏ «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» فعلم الرسول أن المراد منه التبليغ لا غير، فبلّغ صلّى اللّه عليه و سلم و ما أخفى مما أمر بتبليغه شيئا أصلا، فإنه معصوم محفوظ قطعا في التبليغ عن ربه ما أمر بتبليغه، و ما خصّ به فهو على ما يقتضيه نظره.

فوظيفة الرسل و الورثة من العلماء إنما هو التبليغ بالبيان و الإفصاح لا غير، و جزاؤهم جزاء من أعطى و وهب، و ذلك بالنصيحة و التبليغ، ليس بيده من الأمر غير هذا فلما بلّغ قيل له: «ما عليك إلا البلاغ» «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ» «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» فإن ذلك خاص باللّه تعالى‏ «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ». فإن حقيقة الرسالة إبلاغ كلام من متكلم إلى سامع، و هو علم يوصله إلى المرسل إليه. فأوجب عليه البلاغ‏ «وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قبل أن يعرف بعصمته من الناس إذا نزل منزلا يقول من يحرسنا الليلة؟

مع كونه يعلم أن اللّه على كل شي‏ء حفيظ، و لا يعلم حافظا سواه، و يعلم بأن المقدور كائن، و الحارس ليس بمانع ما قدر و لا صائن، لكن طلب المعبود بذل المجهود و هو يفعل ما يشاء و هذا من الأمور التي شاء، فإن اللّه مع الأنبياء بتأييد الدعوى، لا بالحفظ و العصمة، إلا إن أخبر بذلك في حق نبي معين فإن اللّه قد عرفنا أن الأنبياء قتلتهم أممهم و ما عصموا و لا حفظوا، فلما نزلت‏ «وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» أقام العصمة مقام الحرس، و لم يجنح إلى العسس.

[سورة المائدة (5): الآيات 68 الى 69]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى‏ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

 الصابئون من صبا أي مال يقال: صبا فلان إلى دين فلان، إذا مال إليه.

 

[سورة المائدة (5): الآيات 70 الى 71]

لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى‏ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَ فَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70) وَ حَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَ صَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71)

«وَ حَسِبُوا» أي و ظنوا «أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ» فكانت الفتنة و ما كان ما حسبوا «فَعَمُوا وَ صَمُّوا» … الآية.

[سورة المائدة (5): آية 72]

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72)

لما عبدت بنو إسرائيل اللّه في المسيح حيث ظهر بالاسم الدهر و الاسم القيوم فاتخذوا ناسوت عيسى مجلى قال لهم: «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» أي حرم اللّه عليه كنفه الذي يستره و اللّه قد وصفهم بالستر حيث وصفهم بالكفر، فهي آية يعطي ظاهرها نفس ما يعطي ما هو عليه الأمر في ذلك.

[سورة المائدة (5): آية 73]

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73)

ما كفر القائل بالثلاثة و إنما كفر بقوله: «إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» فلو قال: ثالث اثنين، لأصاب الحق و أزال المين، و لما كان كافرا، فإنه سبحانه و تعالى ليس من جنس الممكنات،فلذلك كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة، و لم يكفر من قال إنه رابع ثلاثة و خامس أربعة، بالغا ما بلغ و لما كان الاسم الأحد لا يكون عنه شي‏ء البتة، و عن الاسم الفرد ظهر ما ظهر من أعيان الممكنات، فما وجد ممكن من واحد، و إنما وجد من جمع، و أقل الجمع ثلاثة، و هو أول الأفراد، فافتقر كل ممكن إلى الاسم الفرد يدل على ذلك أن التكوين الإلهي عن قول كن، و هو ثلاثة أحرف كاف و واو و نون الواو بين الكاف و النون لا ظهور لها لأمر عارض، أعطاه سكون النون و سكون الواو، إلا أنه للنون سكون أمر، فسرت هذه الحقيقة الفردية.

و الثلاثة أول الأفراد، و كان غاية المشرك أن يقول. «إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» و لم يزد على ذلك و ما حكى عن مشرك باللّه أنه قال فيه غير ثالث ثلاثة و جاء رابع أربعة و لا ثامن ثمانية، فلسريان حقيقة التثليث الموجودة في الأصل قال تعالى فيمن قال بالتثليث: إنه كافر و ما سماه مشركا، فإنه ستر ما كان ينبغي له مما بيناه فلما ستر هذا البيان سماه كافرا، لأنه ما من إله إلا إله واحد، و إن كانت له أحكام مختلفة فلو لم يستر هذا الكافر و أبان لقال ما هو الأمر عليه. و أما من يدعي أن الآلهة ثلاثة، فذلك مشرك جاهل و هو من الضلال فإنه ما ثم على الأحدية زائد.

[سورة المائدة (5): الآيات 74 الى 80]

أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (78)

كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80)

لكون النار جعلها اللّه دار من سخط عليه.

[سورة المائدة (5): الآيات 81 الى 82]

وَ لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ النَّبِيِّ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82)

المكلف إذا خاف و قامت به الرهبة، فأدته إلى مراعاة الحدود سمي راهبا، و سميت الشريعة رهبانية، و مدح اللّه الرهبان بذلك في كتابه.

[سورة المائدة (5): آية 83]

وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)

يقول تعالى في حق من سمع من النصارى‏ «وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ» فوصفهم بأنهم يسمعون، ثم ذكر ما كان منهم حين سمعوا فقال: «تَرى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» و ما أثر فيهم إلا من أثر علمهم القائم بهم لما تدل عليه تلك الآية، و شهودهم ما تضمنه الأمر الذي أبكاهم، فلم يكن الأثر لصورة لفظ الآية، و إنما الأثر لما قام بنفس العالم بها المشاهد ما نزلت له تلك الآية، لذلك قال تعالى عنهم: «يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» و أخبر تعالى أنهم آمنوا، و أخبر أنه تعالى أثابهم على إيمانهم بما ذكر في الآيات، فالراهب يترك بحكم الحق و ما انقطع إليه، و لم يكفره بل سلم له ما هو عليه، ما ذاك إلا لانفراده و انتزاحه عن عباده، فلو دخل مع الجماعة في العمل، لألحقه في الحكم بمن أسر و قتل، فلا تتعرضوا لأصحاب الصوامع، فإن نفوسهم سوامع، ترى أعينهم عند السمع تفيض من الدمع، ما لهم علم بما هم عليه الناس من الالتباس، تجنبوا الحيف، و تدرعوا الخوف.- تفسير من باب الإشارة-

يا عين بالنظر الذي‏ قد نلت منه تشفعي‏
و اهمي الدموع ببابه‏ و تملقي و تصنعي‏

[في صفة العارفين باللّه‏]

يقول اللّه عزّ و جل في صفة العارفين باللّه: «وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» و لم يقل علموا فوصفهم بالمعرفة «يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» و لم يقولوا علمنا.

[سورة المائدة (5): آية 84]

وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)

«وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ» و لم يقل نعلم‏ «وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ» و ما قالوا نتحقق‏ «أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» و هي الدرجة الرابعة «فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا» و لم يقل بما علموا.

[سورة المائدة (5): آية 85]

فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)

فالعارف دون العالم الصديق، و لا يسمى عارفا إلا من كان حظه من الأحوال البكاء، و من المقامات الإيمان بالسماع لا بالأعيان، و من الأعمال الرغبة إليه سبحانه، و الطمع في اللحوق بالصالحين، و أن يكتب مع الشاهدين، «فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» فأخبر تعالى أن سماعهم من الكتاب الكبير لا من أنفسهم، ثم قال: «فَأَثابَهُمُ» و لا نشك أن الصدّيقية درجة فوق هاتين الصفتين اللتين طلب العارف أن يلحق بهما فهو دونهما، و قد سمي عارفا و قال تعالى: «أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين» فانظر إلى هذه الدرجات، ثم لتعلم أن الشهداء الذين رغب العارف أن يلحق بهم هم العاملون على الأجرة و تحصيل الثواب، و أن اللّه عزّ و جل قد برأ الصديقين من الأعواض و طلب الثواب، إذ لم يقم بنفوسهم ذلك، لعلمهم أن أفعالهم ليست لهم أن يطلبوا عوضا، بل هم العبيد على الحقيقة، و الأجراء مجازا قال عزّ و جل: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ» و لم يذكر لهم عوضا على عملهم، إذ لم يقم لهم به خاطر أصلا، لتبريهم من الدعوة. ثم قال: «وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ» و هم الرجال الذين رغب العارف أن يلحق بهم، و يرسم في ديوانهم، و قد جعلهم تعالى في حضرة الربوبية، و لم يشترط في إيمان الصديقين السماع، كما فعل بالعارفين حكمة منه سبحانه.

و انظر أدب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أين جعل العارف حيث جعله الحق فقال: «من عرف نفسه عرف ربه» و لم يقل علم فلم ينزله عن حضرة الربوبية و لا عن حضرة نفسه التي هي صاحبة الجنة كما قال: «و فيها ما تشتهي الأنفس» فالعارف صاحب الشهوة المحمودة تربيه بين يدي العالم الصديق.

[سورة المائدة (5): الآيات 86 الى 88]

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)

ظاهر الشرع يعطي أن العامل في الحال رزقكم، فإن من هنا في قوله: «مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» للتبيين لا للتبعيض، فإنه لا فائدة للتبعيض، فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله، و إن كانت للتبيين و هي متعلقة بكلوا فبين أن رزق اللّه هو الحلال الطيب، فإن أكل ما حرم عليه فما أكل رزق اللّه، فإن رزق اللّه عند بعض العلماء جميع ما يقع به التغذي من حلال و حرام، فنهانا عن التغذي بالحرام، فلو كان رزق اللّه في الحرام ما نهانا عنه، فإذا ما هو الحرام رزق اللّه و إنما هو رزق، و رزق اللّه هو الحلال.

 

[سورة المائدة (5): آية 89]

لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)

لا قسم إلا باللّه، و ما عدا ذلك من الأقسام فهو ساقط ما ينعقد به يمين في المقسوم عليه، و لهذا قال تعالى: «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» و اللغو: الساقط فمعناه لا يؤاخذكم اللّه بالأيمان التي أسقط الكفارة فيها إذا حنثتم، «وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ» فلما سقط العقد بالقلب عند اليمين، سقطت الكفارة إذا وقع الحنث، و لا خلاف بين العلماء أن الكفارة في الأيمان المذكورة في القرآن أنها في اليمين باللّه لا بغيره. و جاء بالأيمان معرفة بالإضافة و الألف و اللام، و قد صح عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم النهي عن اليمين بغير اللّه.

[- أنواع الأقسام‏]

– أنواع الأقسام- راجع سورة الحاقة آية 38 «فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ» فكفارته إطعام عشرة مساكين. إنما عوقب بالكفارة لأنه أمر بمكارم الأخلاق، و اليمين على ترك فعل الخير من مذام الأخلاق، فعوقب بالكفارة. و من وجه آخر، إن المسي‏ء في حقنا الذي خيرنا اللّه بين جزائه بما أساء و بين العفو عنه، أنه لما أساء إلينا أعطانا من خير الآخرة ما نحن محتاجون إليه، حتى لو كشف اللّه الغطاء بيننا و بين ما لنا من الخير في الآخرة في تلك المساءة حتى نراه عيانا لقلنا: إنه ما أحسن أحد في حقنا ما أحسن هذا الذي قلنا عنه: إنه أساء في حقنا، فلا يكون جزاؤه عندنا الحرمان، فنعفو عنه فلا نجازيه و نحسن إليه مما عندنا من الفضل على قدر ما تسمح به نفوسنا، فإنه ليس في وسعنا و لا يملك مخلوق في الدنيا ما يجازي به من الخير من أساء إليه، و لا يجد ذلك الخير ممن أحسن إليه في الدنيا، و من كان هذا عقده و نظره كيف يجازي المسي‏ء بالسيئة إذا كان مخيّرا فيها؟ فلما آلى و حلف من أسي‏ء إليه فما و فى المسي‏ء حقه و إن لم يقصد المسي‏ء إيصال ذلك الخير إليه، و لكن الإيمان قصده، فينبغي له أن يدعو له إن كان مشركا بالإسلام، و إن كان مؤمنا بالتوبة و الصلاح. و لو لم يكن ثم إخبار من‏ اللّه بالخير الأخروي لمن أسي‏ء إليه إذا صبر و لم يجاز، لكان المقرر في العرف بين الناس كافيا فيما في التجاوز و العفو و الصفح عن المسي‏ء، فإن ذلك من مكارم الأخلاق، و لو لا إساءة هذا المسي‏ء إليّ ما اتصفت أنا و لا ظهرت مني هذه المكارم من الأخلاق، كما أني لو عاقبته انتفت عني هذه الصفات في حقه، و كنت إلى الذمّ أقرب مني إلى أن أحمد على العقاب، فكيف و الشرع قد جاء في ذلك! بأن أجر من يعفو و يتجاوز و لا يجازي أنه على اللّه فلا تدخل ابتداء في اليمين، فأهل اللّه في كل نفس مع ما يكشف لهم، فلا يدرون حكم النفس الثاني، فلا يحسن بهم التقيد باليمين على أمر في المستقبل.

[سورة المائدة (5): آية 90]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)

[كل مسكر حرام‏]

قال صلّى اللّه عليه و سلم: كل مسكر حرام، فالحكم التحريم، و العلة الإسكار، فالحكم أعمّ من العلة الموجبة للتحريم، فإن التحريم قد يكون له سبب آخر غير السكر في أمر آخر. و لا يطرب الشارب إلا إذا شرب خمرا و إذا شرب خمرا فقد جاء شيئا إمرا، لأنه يخامر العقول فيحول بينها و بين الأفكار، فيجعل العواقب في الأخبار فيبدي الأسرار برفع الأستار فحرمت في الدنيا لعظيم شأنها، و قوة سلطانها. الأزلام: قداحة الميسر، واحده زلمة و قد أمرنا باجتناب عمل الشيطان في قوله: «فإنه رجس من عمل الشيطان» و هو البعيد من رحمة اللّه «فاجتنبوه» أي كونوا مع الاسم القريب من الرحمة.

 

[سورة المائدة (5): الآيات 91 الى 94]

إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى‏ رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94)

 

اعلم أن الخوف من اللّه هو الخوف الأعظم، فإنه المسلّط و بيده ملكوت كل شي‏ء فأين الأمان؟ فالإنسان إذا كان في أمان في دنياه و في ماله و على نفسه مما يؤذيه، فعليه أن يخاف من اللّه مما في غيبه، مما لا يعلمه و لا يعلم أوانه، و لو كان الخائف يخاف اللّه مطلقا لتعلق خوفه على دينه، فإن سبيل الشيطان إلى قلبه ليست آمنة، كما أمنت السبل الظاهرة التي تمر فيها السفار من الناس. و إذا خاف اللّه شغله خوفه عن ماله و نفسه، فإنه يخاف على دينه أن يسلبه منه الشيطان، فالعاقل يجب أن يكون في حال أمنه خائفا من اللّه تعالى،

[علم اللّه في الأشياء سابق لا يحدث له علم‏]

و أما قوله تعالى: «لِيَعْلَمَ اللَّهُ» فاعلم أن علم اللّه في الأشياء سابق لا يحدث له علم، بل يحدث التعلق لا العلم، و لو حدث العلم لم تقع الثقة بوعده لأنا لا ندري ما يحدث له.

فإن قلت فهذا أيضا يلزم في الوعيد، قلنا: كذا كنا نقول، و لكن علمنا أنه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه، و بما تواطئوا عليه في كل ما هو محمود، فيعاملهم بذلك في شرعهم كذا سبق علمه، و هذا لسان عربي مبين و مما يتمدح به أهل هذا اللسان، بل هو مدح في كل أمة، التجاوز عن إنفاذ الوعيد في حق المسي‏ء، و العفو عنه، و الوفاء بالوعد الذي هو في الخير. و هو الذي يقول فيه شاعر العرب:

و إني إذا أوعدته أو وعدته‏ لمخلف إيعادي و منجز موعدي‏

فكان إنزال الوعيد بعلم اللّه الذي سبق بإنزاله، و لم يكن في حق قوم إنفاذه في علم اللّه، و لو كان في علم اللّه لنفذ فيهم كما ينفذ الوعد الذي هو في الخير، لأن الإيعاد لا يكون إلا في الشر، و الوعد يكون في الخير و في الشر معا. يقال: أوعدته في الشر، و وعدته في الشر و الخير. و قال تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» فمما بين لهم تعالى، التجاوز عن السيئات في حق من أساء من عباده، و الأخذ بالسيئة من شاء من عباده،و لم يفعل ذلك في الوعد بالخير فأعلمنا ما في علمه.

[سورة المائدة (5): آية 95]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95)

هذه الآية محكمة، فحرم قتل الصيد في الحرم، و إن كان الإنسان خارج الحرم حرم عليه قتل الصيد ما دام محرما. فالآية هنا في قتله لا في صيده في الحرم كان أو في الحل، فالصيد قتل تعديا بغير حق، و الحرم صفة المحرم و البقعة، فمن تعمّد قتله محرما أو في الحرم فقد تعدّى عليه، فكلّف المعتدي بجزاء مثل ما قتل من النعم‏ «يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» فيه رائحة أن الجائر في الحكم يسمى حكما شرعا، إلا أن الحاكم لما شرع له أن يحكم بغلبة ظنه و ليس علما فقد يصادف الحق في الحكم، و قد لا يصادف و ليس بمذموم شرعا و يسمى حكما، و إن لم يصادف الحق و يمضي حكمه عند اللّه و في المحكوم عليه و له، فإنه حكم بما شرع له من إقامة الشهود أو الإقرار.

و قد تكون الشهادة زورا، و يكون الإقرار ليس بحق. «أَوْ كَفَّارَةٌ» إنما شرعت الكفارات لتكون حجبا بين العبد و بين ما عرض إليه نفسه من حلول البلايا بالمخالفات التي عملها، مأمورا كان بذلك أو منهيا عنه، فإذا جاء المنتقم بالبلاء المنزل الذي تطلبه هذه المخالفة، وجدت هذه الأعمال قد سترته في ظل جناحها و اكتنفته، و صارت عليه جنة و وقاية، فلم يجد البلاء منفذا، فلم ينفذ فيه الوعيد لغلبة سلطان هذا العمل المسمّى كفارة، و الكفر: الستر، و منه سمى الزارع كافرا لأنه يستر البذر في الأرض و يغطيه بالتراب. «طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» و الكفارة هنا يخير الحكمان الذي عليه الجزاء، فإن كلمة- أو- تقتضي التخيير، و لو أراد الحق الترتيب في الكفارة لقال و أبان، كما فعل في كفارات الترتيب فمن لم يجد،

[المثل في كفارة قتل المحرم الصيد]

و مذهبنا في المثل المذكور هنا هو أن في كل شي‏ء مثله، فإن كان نعامة اشترى نعامة صادها حلال في حلّ، و كذلك‏ كل مسمى صيد مما يحل صيده و أكله من الطير و ذوات الأربع. أو كفارة بإطعام، و حدّ ذلك أن ينظر قيمة ما يساوي ذلك المثل، فيشتري بقيمته طعاما فيطعمه للمساكين. «أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» يعني أو مثل ذلك صياما، إذ العدل: المثل فننظر إلى أقرب الكفارات شبها بهذه الكفارة الجامعة لهدي أو إطعام أو صيام، فلا نجد إلا من حلق رأسه و هو محرم لأذى نزل به، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فذكر الثلاثة المذكورة في كفارة قتل الصيد، فجعل الشارع هنالك في الإطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، و جعل الصيام ثلاثة أيام، فجعل لكل صاع يوما، فننظر القيمة فإن بلغت صاعا أو أقل فيوم، فإن الصوم لا يتبعض و إن بلغت القيمة أن نشتري بها صاعين، أو دون الصاعين أو أكثر من الصاع، فيومان و هكذا ما بلغت القيمة و أعني بالقيمة قيمة المثل، يشتري بها طعاما فيطعم، و الصيام محمول على ما حصل من الطعام بالشراء على ما قررناه، فهو مخيّر بين المثل و الإطعام بقيمة المثل و الصيام بحسب ما حصل من الطعام من قيمة المثل، و الحكمة في ذلك أن المثل على مذهبنا صيد صاده حلال في حلال، فيطلقه القاتل عند الكعبة فهو إحياء للمثل من القتل الجائز عليه من الحلال في الحلّ، و الحكمة في المثل على المذاهب الأخرى و هو ما يقدم من النعم الأنسي، و كذا في الطعام فإن تناوله سبب في بقاء حياة المتغذي به لأنه أتلف نفسا، و أزال حياة فجبرها و كفر ذلك بما يكون سببا لإبقاء حياة، فكأنه أحياها زمان بقائها بحصول ذلك الغذاء من المثل أو الطعام، و أما الصيام فإنه صفة ربانية، فكلّف أن يأتي بها هذا القاتل إن لم يكفر بالمثل أو الإطعام، أن يكفر بالصوم، حتى يكون القاتل غير محجور عليه، فيتلبس بصفة الحق و هو الصوم، من قوله تعالى: «الصوم لي» فلا يتصف الحق بالحجر عليه، فيتلبس القاتل بصفة هي للحق، فيحصل في الحمى عن الحجر عليه، فإذا صام كان الصوم للحق و الجوع للقاتل، فبما في الصوم من الجوع في حقه الذي ليس للحق يكون كفارة، لأن الجوع من الأسباب المزيلة للحياة من الحي، فأشبه القتل الذي هو سبب مزيل للحياة من الحي، و لم تزل حياة القاتل لأنه جوع صوم، و الصوم من صفات الحق و هو غير مؤثر في الحياة الأزلية، فلهذا لم يجع جوع إتلاف فقال تعالى: «لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» و من عاد لمثل ذلك الفعل فينتقم اللّه منه إما بإعادة الجزاء فإنه وبال، و الوبال: الانتقام و إما أن يسقط عنه في الدنيا هذا الوبال المعين، و ينتقم اللّه منه بمصيبة يبتليه بها، إما في الدنيا و إما في الآخرة فإنه لم يعيّن.

«وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» أما من قتل صيدا خطأ فلا شي‏ء عليه، و إذا اشترك جماعة من المحرمين في قتل الصيد، فإن عرف كل واحد من الشركاء أنه ضربه في مقتل، كان على كل من ضربه في مقتل جزاء، و من جرحه في غير مقتل فلا جزاء عليه، و هو آثم حيث تعرض بالأذى لما حرم عليه، و لا يجوز للقاتل أن يكون أحد الحكمين، و أما عن الإطعام فحيثما أطعم أجزأه لأن اللّه ما عيّن، و أما الحالّ يقتل الصيد في الحرم فلا شي‏ء عليه و هو آثم، و المحرم إذا قتل الصيد و أكله فعليه كفارة واحدة.

 

[سورة المائدة (5): آية 96]

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)

اتفقوا على تحريم الصيد برا، و يغلب على الظن الخبر الصحيح الوارد: أنه إذا لم يكن للمحرم في صيده تعمل و صاده حلال فله أكله، فإن كلمة «صيد» في الآية تحتمل الفعل و قد يراد به المصيد، فصيد البر حرام ما داموا حرما في المكان الحلال و الحرام، و سكانا في الحرام و إن كانوا حلالا أو حراما

[الإشارة و الاعتبار في الإحرام‏]

– الإشارة و الاعتبار في الإحرام- لما أمر اللّه تعالى الإنسان أن يدخل في الإحرام فيصير حراما بعد ما كان حلالا، وصفه بصفة العزة أن يصل إليه شي‏ء من الأشياء التي كانت تصل إليه قبل أن يتصف بهذه المنعة، إذ الأشياء تطلب الإنسان لأنها خلقت من أجله، فهي تطلبه بالتسخير الذي خلقها اللّه عليه، و الإنسان مخلوق على الصورة، و من حقيقة الصورة التي خلق عليها العزة أن تدرك أو تنال بأكثر الوجوه، فجعل لمن حصل الصورة بخلقه عزة و تحجيرا في عبادات من صوم و حج و صلاة، أن يصل إليه بعض ما خلق من أجله، فاعتز و امتنع عن بعض الأشياء، و لم يمتنع عن أن يناله بعضها، فما حرّمت عليه الأشياء على الحقيقة، و إنما هو الحرام على الأشياء، لأنه ما خلق إلا لربه، و الأشياء خلقت له، فهي تطلبه، كما أنه يطلب ربه، فامتناع في وقت كامتناع، و وصول في وقت كوصول، فأبان سبحانه لك عن مرتبتك لتعرف موطن ذلتك من موطن عزتك، و أنت ما اعتززت و لا صرت حراما على الأشياء منك، بل هو جعلك حراما على الأشياء أن تنالك، فأمرك أن تحرم، فدخلت في الإحرام، فصرت حراما، و ما جعل ذلك لك عن أمره سبحانه إلا ليكون ذلك قربة إليه، و مزيد مكانة عنده تعالى، و حتى لا تنسى عبوديتك التي خلقت عليها بكونه تعالى جعلك مأمورا في هذه المنعة، دواء لك نافعا، يمنع من علة تطرأ عليك لعظيم مكانتك، فلا بد أن يؤثر فيك خلقك على صورته عزة في نفسك، فشرعها لك في طاعته بأمر أمرك فيه أن تكون حراما، لا احتجارا عليك بل احتجارا لك، فالإنسان عبد عينا و رتبة، كما هو سيد عينا لا رتبة، و لهذا إذا ادّعى الرتبة قصم و حرم، و إذا ادّعى العين عصم و رحم، و الإنسان واحد في الحقيقة، غير أنه ما بين معتنى به و غير معتنى به.

[سورة المائدة (5): آية 97]

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (97)

[لم سميت الكعبة كعبة؟]

جعل اللّه تعالى لبيته أربعة أركان لسر إلهي و هي في الحقيقة ثلاثة أركان، لأنه شكل مكعب، الركن الواحد الذي يلي الحجر مكعب الشكل و لأجل ذلك سمي كعبة تشبيها بالكعب، خرج مسلم عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فركب راحلته فخطب فقال: «إن اللّه حبس عن مكة الفيل، و سلط عليها رسوله و المؤمنين، ألا و إنها لا تحل لأحد قبلي، و لن تحلّ لأحد بعدي، ألا و إنها أحلّت لي ساعة من نهار، ألا و إنها ساعتي هذه، و هي حرام لا يخبط شوكها، و لا يعضد شجرها، و لا يلقط ساقطتها إلا لمنشد، و من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعطى- يعني الدية- و إما أن يقاد أهل القتيل- الحديث-، فهذا هو حمى اللّه و حرمه، و لا موجود أعظم من اللّه، فلا حمى و لا حرم أعظم من حرم اللّه و لا حماه في الأماكن، فإن مكة حرّمها اللّه و لم يحرمها الناس.

[سورة المائدة (5): الآيات 98 الى 99]

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ (99)

الداعي إلى اللّه ما يجب عليه إلا البلاغ، و ما يلزمه خلق القبول و الهداية في نفس السامع.

[الفرق بين الرسول و الخليفة]

فدرجة الرسالة إنما هي التبليغ خاصة، فليس للرسول التحكم في المخالف، إنما له تشريع الحكم عن اللّه أو بما أراه اللّه، فإذا أعطاه اللّه التحكم فيمن أرسل إليهم فذلك هو الاستخلاف و الخلافة، و الرسول الخليفة. فما كل من أرسل حكم، فإذا أعطي السيف و أمضى الفعل حينئذ يكون له الكمال، و إن ظهر إنسان بالتحكم من غير نبوة، فهو ملك و ليس بخليفة، فلا يكون خليفة إلا من استخلفه الحق على عباده، لا من أقامه الناس و بايعوه و قدموه لأنفسهم و على أنفسهم.

[سورة المائدة (5): الآيات 100 الى 101]

قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)

قال الصحابة نهينا أن نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإنهم كانوا يسألونه عن الأشياء حتى نهوا عن ذلك رحمة بهم و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: اتركوني ما تركتكم، و قال لو قلت: نعم- للسائل عن الحج في كل عام- لوجبت. و كانت الأحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل، فكان غرض النبي صلّى اللّه عليه و سلم حين علم ذلك أن يمتنع الناس عن السؤال، و يجرون مع طبعهم حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء، فكانت الواجبات و المحظورات تقل، و تبقى الكثرة من قبيل المباحات التي لا يتعلق بها أجر و لا وزر، و ما كان ربك نسيا.

[سورة المائدة (5): الآيات 102 الى 105]

قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (104) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

«لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» بما عرفتكم به مني في كتابي، و على لسان رسولي، فعرفتموني بما وصفت لكم به نفسي فلم تضلوا، فكانت لكم هدايتي نورا تمشون به على صراطنا المستقيم.

 

[سورة المائدة (5): آية 106]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)

قوله تعالى: «ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» يعني: مؤمنين‏ «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» يعني من غير المؤمنين، و ذلك فيمن حضره الموت في السفر.

[سورة المائدة (5): الآيات 107 الى 109]

فَإِنْ عُثِرَ عَلى‏ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى‏ وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْمَعُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)

 


[قول الرسل عليهم السلام يوم القيامة «لا علم لنا …»]

الوجه الأول- من لا ينطق عن الهوى لا يسأل عما يقول سؤال مناقشة و حساب، و لكن قد يسأل سؤال استفهام لإظهار علم يستفيده السامعون، كسؤال الحق رسله و هم لا ينطقون عن الهوى يوم يجمعهم فيقول: «ما ذا أُجِبْتُمْ» فيقولون: «لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ»، فيعلم أهل الموقف أصحاب الكشف أنّ الرسل هم أتم العالم كشفا، و مع هذا فما أطلعهم اللّه على إجابة القلوب من أممهم، و لا إجابة من وصلت إليهم دعوتهم و لم يكونوا حاضرين، و لا من كان حاضرا و أجابه بلسانه، هل أجابه بقلبه كما أجابه بلسانه؟

فإن قلت: فقد سمع إجابة من أجابه بلسانه و ما أجابه به، قلنا: لقرائن الأحوال حكم لا يعرفه إلا من شاهدها، و قد عرفنا من عين جواب الرسل عليهم السلام أنهم فهموا عن اللّه عند هذا السؤال أنه أراد إجابة القلوب، فإنهم قالوا: «لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» فلو فهموا من سؤاله تعالى إجابة الألسنة لفصّلوا بين من سمعوا إجابته بإقراره بلسانه، و بين من لم يسمعوا ذلك منه، فلما ذكروا في الجواب‏ «الْغُيُوبِ» علمنا أن السؤال كان عن جواب القلوب، و استفدنا من هذا أنّ الذي يكشف له ما يلزم أن يعم كشفه كل شي‏ء، لكن عنده استعداد الكشف لا غير، فما جلى له الحق من أسرار العالم في مرآة قلبه إن كان معنى، أو في مرآة بصره إن كان صورة كشفه و رآه لا غير.

و أما عن سؤال الحق الرسل و طلبه منهم العلم فإنهم أصحاب الكشف الأتم، و لكنهم لا يعرفون ما آل إليه أمر المبصرات في زمان رفع الكشف هل بقوا على ما كانوا عليه؟ أو هل انتقلوا عن ذلك فقالوا: «لا عِلْمَ لَنا» و الجواب بالظنون لا يليق، ثم تمموا فقالوا: «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» فقيدوه بالغيوب فإنه في يوم تبلى فيه السرائر، و السرائر غيوب العالم بعضهم عن بعض، فعلمنا الحق بهذه الآية التأدب مع أصحاب الكشف، و أن نعلم مراتب الكشف لئلا ننزل صاحب‏ الكشف فوق منزلته، و نطلب منه ما لا يستحقه حاله، فنتعبه و لا نعذره و نصفه بالجهل في ذلك و لا علم لنا بأنا جهلنا، فتكون جهالتان- الوجه الثاني- لما يعلم الرسل عليهم السلام بقرينة الحال أن السؤال سؤال استفهام عن إجابتهم بالقلوب فيقولون‏ «لا عِلْمَ لَنا» أي لم نطلع على القلوب‏ «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» تأكيد و تأييد بأن الحكم في الآخرة للعلم لا للقول، و علمنا نحن من هذه الآية من قول الرسل عليهم الصلاة و السلام أن العلم بالإجابة من علوم الغيوب، فلا يعلم من أجاب إلا من هويته غيب، و ليس إلا اللّه.

– الوجه الثالث- من هنا علمنا أن الرسل لما وجهوا دعوا إلى اللّه تعالى أممهم ظاهرا و باطنا بدعوة واحدة، فلو كلفوا الظواهر لم يكن قولهم‏ «لا عِلْمَ لَنا» جوابا، و من هنا لم يصح جميع فروع أحكام الشريعة من المنافق، لأنه ما أجاب بباطنه لدعوته، مثل ما أجاب بظاهره، و صحت فروع أحكام الشريعة من العاصي المؤمن بباطنه، فعلمنا أن المقصود للشرع الباطن، و لكن بشرط مخصوص، و هو أن يعم الإيمان جميع فروع الأحكام و أصولها- الوجه الرابع- أن الرسل ما تسأل يوم القيامة إلا لأجل إنكار الأمم التبليغ الذين لم يجيبوا في الدنيا إذا رأوا العذاب نازلا بهم، أو اعترافهم بالإجابة و لم تقع منهم، لذلك قال تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ» و قد أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه غير داخل في هذا الجمع بقوله تعالى: «وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ» أي ما عليك سؤال، هل أجابوك أم لا؟ فيكون مزيد درجة راحة للنبي عليه السلام يوم القيامة على سائر الرسل.

– تحقيق- صدق الرسل عليهم السلام حيث قالوا: «لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» فإنه كذا هو الأمر فلا علم لأحد إلا أن يعلمه اللّه، و ما عدا الطريقة الإلهية في التعليم و هي قوله: «إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» فإنما هو غلبة ظن، أو مصادفة علم، أو جزم على وهم، و أما علم فلا، فإن جميع الطرق الموصلة إلى العلم فيها شبه، لا تثق النفس الطاهرة التي أوقفها اللّه على هذه الشبه أن تقطع بحصول علم منها إلا بالطريقة الإلهية المذكورة.

[سورة المائدة (5): آية 110]

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‏ والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِي وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110)

«وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي» فخلق عيسى عليه السلام للطير كان بإذن اللّه، فكان خلقه له عبادة يتقرب بها إلى اللّه، لأنه مأذون في ذلك، فلا يكون من المصورين الذين يعذبون يوم القيامة بأن يقال لهم: أحيوا ما خلقتم و لا قدرة لهم على ذلك. فما أضاف خلق عيسى عليه السلام للطائر إلا لإذن اللّه، و المأمور عبد، و العبد لا يكون إلها، و لما كان يستحيل أن يكون للأسباب أثر في المسببات، فإن ذلك لسان الظاهر كما قال في عيسى عليه السلام: «فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي» لا بنفخك، و النفخ سبب التكوين الظاهر، و ليس في الحقيقة إلا عن الإذن الإلهي، و هذا وجه لا يطلع عليه من العبيد نبي مرسل و لا ملك مقرب.

و قوله تعالى: «بِإِذْنِي» متعلق بقوله: «فَتَنْفُخُ» فكان عيسى عليه السلام ينفخ في الطائر الذي خلقه روحا فيكون طائرا بالصورة و المعنى و قيل ليس إلا صورة طائر لا طائر، و لذلك قال عزّ و جل: «كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ» و ما قال طيرا حتى حصل فيه الروح، و أضاف الحق النفخ إلى عيسى عليه السلام فيما خلقه من الطين و لم يضف نفخا في إعطاء الحياة لغير عيسى بل لنفسه تعالى، إما بالنون أو بالتاء التي هي ضمير المتكلم عن نفسه، فالنفخ من عيسى لوجود الروح الحيواني، إذ كان النفخ أعني الهواء الخارج من عيسى هو عين الروح الحيواني، فدخل في جسم هذا الطائر و سرى فيه، إذ كان هذا الطائر على استعداد يقبل الحياة بذلك النفس، كما قبل العجل الحياة مما رمى فيه السامري، فطار الطائر بإذن اللّه، كما خار عجل السامري بإذن اللّه، فكل من أنشأ صورة بغير روح فذلك هو المصور الذي يعذب بما صوره يوم القيامة، بأن يقال له هنالك: أحي ما خلقت، و ليس بمحيي، و يقال له: انفخ فيها روحا، و ليس بنافخ. هذا من حكم الموطن لأن ذلك‏ الموطن أعني موطن الحشر يعطي ظهور عجز العالم عما كان ينسب إليه في موطن الدنيا من الاقتدار عليه.

«و تبرئ الأكمه و الأبرص و إذ تخرج الموتى بإذني» أي بأمري لما كنت لسانك و بصرك تكونت عنك الأشياء التي ليست بمقدوره لمن لا أقول على لسانه، فالتكوين في الحالين لي‏ «فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» السحر: مشتق من السحر، و هو اختلاط الضوء و الظلمة، فلا يتخلص لأحد الجانبين، فالسحر له وجه إلى الحق فيشبه الحق، و له وجه إلى غير الحق فيشبه الباطل، و السحر هو الرئة و هي التي تعطي الهواء الحار الخارج و الهواء البارد الداخل و بها ينفث الساحر في العقد.

[سورة المائدة (5): الآيات 111 الى 114]

وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)

اللهم: يا اللّه أقصد فحذفت الهمزة و اكتفي بالهاء لقربها من المخرج و المجاورة و معنى‏ «اللَّهُمَّ» أي يا اللّه أمنا بالخير أي اقصدنا، و العيد يوم فرح و زينة و سرور و شغل بأحوال النفوس و حظوظها من أكل و شرب و بعال.

[سورة المائدة (5): آية 115]

قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115)

[- إشارة- المائدة]

– إشارة- المائدة إشارة إلى أي حاجة طلبت، فلا تطلبها حتى تعلم ما الذي يترتب‏ عليك من الحقوق من جانب اللّه تعالى، فإن علمت أنك تقوم به فحينئذ، و إلا فدعه سبحانه يختار لك ما يعلم فيه صلاحك، و انظر في قوله تعالى في شرط المائدة: «فمن كفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين» و ذلك بمنزلة من يطلب الإمارة فيوكل إليها، و إن جاءته من غير طلب بعث اللّه إليه ملكا يسدده، و إلى ذلك أشرنا بقولنا: لا تطلب مائدة حتى تعرف شرطها، و لا تقصد رفعها و حطها، حتى تعرف معناها، و ما أراد بها مولاها.

[سورة المائدة (5): آية 116]

وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)

هذا القول لا يكون إلا يوم القيامة، فما وقع، فعبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه و لا بد، و زوال حكم الإمكان فيه إلى حكم الوجوب، و كل ما كان بهذه المثابة فحكم الماضي و المستقبل فيه على السواء، و سياقه بالماضي آكد في الوقوع و تحققه من بقائه على الاستقبال‏ «وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟» هذا سؤال تقرير و استفهام، فإن الاستفهام لا يكون إلا مع عدم العلم في نفس الأمر، أو مع إظهار عدم العلم لتقرير المستفهم من استفهمه على ما استفهمه مع علم المستفهم بذلك، فعلة الاستفهام عدم العلم، و الباعث على الاستفهام يختلف باختلاف المستفهم، فإن كان عالما بما استفهم عنه فالمقصود به إعلام الغير، حيث ظنوا و قالوا خلاف ما هو الأمر عليه.

و أداة الاستفهام هذه لا ينبغي أن تكون إلا من الأعلى في حق الأدنى، فقوله تعالى لعيسى عليه السلام: «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ؟» قد يكون تقريرا للحجة على من عبد عيسى عليه السلام و أمه و قالوا إنهما إلهان، فإن من الاستفهام ما يكون إيهاما، و هو استفهام العالم عما هو به عالم، و به يقع من العالم لإقامة الحجة في الجواب فقال تعالى: «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟» بحضور من نسب إليه ذلك من العابدين له من النصارى، فتبرأ عيسى بحضورهم من هذه النسبة، فيقول: «سبحانك»، فقدّم التنزيه و حدد بالكاف التي‏ تقتضي المواجهة و الخطاب‏ «ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» و المدعي يسمع ذلك، و قد علم بقرينة الحال و الموطن ذلك المدعي أن عيسى عليه السلام ليس من أهل الكذب، و أن إنكاره لما ادعوه صحيح، علمنا عند ذلك أنه تعالى أراد توبيخهم و تقريرهم.

فالاستفهام لعيسى عليه السلام، و التقرير و التوبيخ لمن عبده من أمته و جعله إلها، و قد وقع في الصورة، صورة الاستفهام، و هو في الحقيقة توبيخ فإن الاستفهام لا يصح من اللّه جملة واحدة، و يصح منه تعالى التقرير لإقامة الحجة و التوبيخ، فإن الاستفهام على الحقيقة لا يكون إلا ممن لا يعلم ما استفهم عنه. و مثل هذا في صناعة العربية إذا أعربوه في الاصطلاح يعربونه همزة تقرير و إنكار لا استفهام، و إن قالوا فيه همزة استفهام و المراد به الإنكار، فلهم في إعراب مثل هذا طريقتان‏ «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ» لأنك أنت القائل، و من قال أمرا فقد علم ما قال، و أنت اللسان الذي أتكلم به، كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن ربه في الخبر الإلهي، فقال: (كنت لسانه الذي يتكلم به) فجعل هويته عين لسان المتكلم، و نسب الكلام إلى عبده، ثم تمم العبد الصالح الجواب بقوله: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ»

[قول عيسى عليه السلام: «تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك»]

– الوجه الأول- اعلم أن علم الحق بنا قد يكون معلوما لنا، و أما علمه بنفسه فلا يعلم لعلو قدسه، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم‏ «وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» أي نفس الحق- الوجه الثاني- «وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» من القضاء و القدر فإنه لا يعلم ما في نفس اللّه- الوجه الثالث- أن تكون النفس هنا نفس عيسى عينه، فإذا جهل العبد ما هي عليه نفسه من حكم الاستعداد، فهو بما هو عليه في المستأنف أجهل، فأضاف عيسى عليه السلام نفسه إليه من وجه ما هي له، و أضافها إلى اللّه من وجه ما هي للّه، فقال: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» أي نفسي هي نفسك و ملكك، فإنك اشتريتها و ما هي ملكي، فأنت أعلم بما جعلت فيها، فأضاف نفسه إليه من حيث عينها هي له، و من حيث وجودها هي للّه لا له، فقال: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي» من حيث عينها «وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» من حيث وجودها، و هو من حيث ما هي لك. فهذه إضافة تشريف، كمثل عبد الملك و خديمه و هو أتم في الثناء على اللّه و التبري مما نسب إليه ثم قال: «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» أي ما غاب عنا من ذلك تعلمه أنت و لا أعلمه أنا، فإنه ما يكون فيها إلا ما تجعله أنت، فكيف يستفهم من له الخلق و الأمر؟ و لما لم يتصور في حق اللّه غيب، علمنا أن الغيب أمر إضافي لما غاب عنا،- الوجه الرابع- «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي»

 

[قول عيسى عليه السلام: «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به»]

و المتكلم الحق، و لا أعلم ما فيها فنفى العلم عن هوية عيسى من حيث هويته لا من حيث أنه قائل و ذو أثر «إِنَّكَ أَنْتَ» فجاء بالفصل و العماد تأكيدا للبيان و اعتمادا عليه إذ لا يعلم الغيب إلا اللّه.- الوجه الخامس- من المتشابه صفة النفس في قوله تعالى: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» لأن النفس في اللغة تستعمل لمعان كلها تتعذر في الظاهر هاهنا، و قد أوّلها العلماء بتأويلات منها أن النفس عبر بها عن الذات و الهوية، و هذا و إن كان سائغا في اللغة و لكن تعدى الفعل إليها بواسطة «في» المقيدة للظرفية محال، لأن الظرفية يلزمها التركيب، و التركيب في ذاته محال. و قد أولها بعضهم بالغيب أي و لا أعلم ما في غيبك و سرك و هذا حسن لقوله‏ «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» و إذا كنا قد فسرنا ظلل غمامه و ظلة غمام آياته بالصورة التي يأتي فيها ربنا يوم القيامة، فنفسه هي أم كتابه و هي الآيات المحكمات، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ» و الآيات المحكمات هي الآيات الدالة على وحدانيته كما سبق أن أوضحناه، فقوله تعالى: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» إذا أخرجته على هذا تطلع على أسرار بديعة، و ذلك أن السياق اشتمل على سؤال عيسى عليه السلام عما بلغه لبني إسرائيل، هل أمرهم بتوحيد ربهم؟ أو بأن يعبدوا له و لأمه؟

و من المعلوم أنه: لم يكن أمرهم إلا بالتوحيد، فلما أراد أن يخبر بذلك تلطف في الإخبار به إجمالا و تفصيلا، أما تفصيلا فبقوله: «ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ»– الآية- و أما إجمالا فبقوله: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» فقوله: «وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» أي أم كتابك المشتمل على سر قدرك، و أن القلم جرى فيه بكفرهم.

و قوله: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي» أي ما في أم كتابي، و هو ما كتبه اللّه له من بينات التوحيد، و أيده به من روح القدس، و من شأن المحجوبين عن اللّه تعالى من أرباب الرئاسة موادعة من عبدهم، و عبد أقاربهم لأجلهم، و أهل القلوب المؤمنة يبرءون من ذلك بمقتضى قوله تعالى: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏– إلى قوله- أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» و من المعلوم أن عيسى عليه السلام كتب في قلبه الإيمان و أيد بالروح، فلهذا قال: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي» أي ما كتبته من الإيمان في قلبي، و أيدتني به من الروح، و أن ذلك ثمرة كوني لم أوادد هؤلاء الذين عبدوني و عبدوا أمي من دونك.

 

[سورة المائدة (5): آية 117]

ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (117)

– الوجه الأول- «ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» ما زدت على ذلك شيئا، و إذا قال القائل ما أمر به أن يقوله فقد خرج من العهدة بما بلغ. و قول عيسى عليه السلام‏ «ما أَمَرْتَنِي بِهِ» و لم يقل به أمرت مع أن الأمر بالتوحيد لم يختص به بل أمر به جميع الأنبياء، في ذلك تنبيه لنا على سر القدر و أن الأمر أمران: أمر حقيقة، و أمر شريعة، فأمر الحقيقة:

هو المشار إليه بقوله: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و هو متوجه إلى جميع الكائنات، فما من كفر و لا إيمان إلا و هو مأمور به بهذا الاعتبار لأنه لا يكون إلا بأمره، و أما أمر الشريعة فهو الذي ربط به الثواب و العقاب و قامت به الحجة «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» فمن هذا يفهم السر في قول عيسى عليه السلام: «أَمَرْتَنِي بِهِ» خصصه بالإضافة إليه تنبيها على أمر الشريعة، و لم يقل أمرت تنبيها على أمر الحقيقة- الوجه الثاني- تفسير من مقام المحبوبية: «ما قُلْتُ لَهُمْ» فنفى أولا مشيرا إلى أنه ما هو، ثم أوجب القول أدبا مع المستفهم فقال: «إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» و أنت المتكلم على لساني، و أنت لساني، و أثبت نفسه مأمورا، و ليس سوى عبوديته، إذ لا يؤمر إلا من يتصور منه الامتثال و إن لم يفعل، فانظر إلى هذه التنبئة الروحية الإلهية ما ألطفها و أدقها، «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ» فجاء بالاسم «الله» لاختلاف العباد في العبادات و اختلاف الشرائع، لم يخص اسما خاصا دون اسم، بل جاء بالاسم الجامع للكل «ربي و ربكم» و معلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر، فلذلك فصل بقوله: «ربي و ربكم»، كناية المتكلم، و كناية المخاطب. «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً» أي رقيبا، و لم يقل على نفسي معهم، كما قال: (ربي و ربكم) «ما دُمْتُ فِيهِمْ» لأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم‏ «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي» أي رفعتني إليك و حجبتهم عني و حجبتني عنهم‏ «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» في غير مادتي بل في موادهم، إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة، فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه، و جعله بالاسم الرقيب لأنه جعل الشهود له، فأراد أن يفصل بينه و بين‏ ربه، حتى يعلم أنه هو لكونه عبدا، و أن الحق هو الحق لكونه ربا له، فجاء لنفسه بأنه شهيد، و في الحق بأنه رقيب، و قدمهم في حق نفسه فقال: «عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» إيثارا لهم في التقدم و أدبا، و أخّرهم في جانب الحق عن الحق في قوله: «الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» لما يستحقه الرب من التقديم بالرتبة. ثم اعلم أن للحق الرقيب الاسم الذي جعله عيسى لنفسه و هو الشهيد في قوله: «عَلَيْهِمْ شَهِيداً» فقال: «وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» فجاء بكل» للعموم و بشي‏ء» لكونه أنكر النكرات، و جاء بالاسم الشهيد، فهو الشهيد على كل مشهود، بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود، فنبه على أنه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» فهي شهادة الحق في مادة عيسوية، كما ثبت أنه لسانه و سمعه و بصره، ثم قال كلمة عيسوية و محمدية، أما كونها عيسوية فإنها قول عيسى بإخبار اللّه عنه في كتابه، و أما كونها محمدية فلوقعها من محمد صلّى اللّه عليه و سلم بالمكان الذي وقعت منه، فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل إلى غيرها حتى مطلع الفجر «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» و «هم» ضمير الغائب كما أن «هو» ضمير الغائب، فقال: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ» بضمير الغائب و هو عين الحجاب الذي هم فيه من الحق، فذكرهم اللّه قبل حضورهم حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكمت في العجين فصيرته مثلها، «فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه، و لا ذلّة أعظم من ذلة العبيد لأنهم لا تصرف لهم في أنفسهم، فهم بحكم ما يريده بهم سيدهم، و لا شريك له فيهم، فإنه قال: «عِبادُكَ» فأفرد، و المراد بالعذاب إذلالهم و لا أذل مما هم فيه من كونهم عبيدا «وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ» أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقونه بمخالفتهم أي تجعل لهم غفرا يسترهم عن ذلك و يمنعهم منه، «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ» أي المنيع الحمى، و جاء بالفصل و العماد أيضا تأكيدا للبيان، و لتكون الآية على مساق واحد في قوله: «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» و قوله‏ «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» فجاء أيضا «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» فكان سؤلا من النبي عليه السلام، و إلحاحا منه على ربه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر، يرددها طلبا للإجابة، فلو سمع الإجابة في أول سؤال ما كرر، فكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضا مفصلا، فيقول له في عرض عرض، و عين عين‏ «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» فلو رأى في ذلك العرض ما يوجب تقديم الحق و إيثار جنابه لدعا عليهم لا لهم، فما عرض عليه إلا ما استحقوا به ما تعطيه هذه الآية من التسليم للّه، و التعريض لعفوه، و قد ورد أن الحق إذا أحب صوت عبده في دعائه إياه أخّر الإجابة عنه حتى يتكرر ذلك منه، حبا فيه لا إعراضا عنه، و لذلك جاء بالاسم الحكيم، و الحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها، و لا يعدل بها عما تقتضيه و تطلبه حقائقها بصفاتها، فكان صلّى اللّه عليه و سلم بترداد هذه الآية على علم عظيم من اللّه تعالى، فمن تلا فهكذا يتلو و إلا فالسكوت أولى به.

[سورة المائدة (5): آية 118]

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)

عرض عيسى عليه السلام بالمغفرة لقومه لما عصوا اللّه و لم يتوبوا بقوله هذا، و ذلك لما علم أن رحمته تعالى سبقت غضبه، و قد قام النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم بهذه الآية ليلة كاملة ما زال يرددها حتى طلع الفجر، إذ كانت كلمة غيره فكان يكررها حكاية و قصده معلوم في ذلك، كما قيل في المثل: إياك أعني فاسمعي يا جارة، و لما كان في هذا اشتباه على المحجوبين من المعتزلة و غيرهم الذين يقولون: إن كفر العبد منسوب إلى اختراعه، غير مستند إلى إرادة ربه سبحانه، و إلا لما جاز أن يعاقبه عليه، لا جرم بين اللّه تعالى جوابهم على لسان نبيه عيسى عليه السلام في قوله: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» علل جواز تعذيبه لهم بأنهم عباده، تنبيها على أن التعذيب لا يحتاج في جوازه عقلا إلى معصية و لا كفر، و لهذا لم يقل: فإنهم عصوك، و إنما مجرد كونهم عبادا يجوز للمالك أن يفعل بهم ما يشاء، حتى و ليس عليه حق، و مهما قال فالحسن الجميل‏ «وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» و لم يقل: «إنك أنت الغفور الرحيم» أدبا مع الجناب الإلهي، فتأدب العبد الصالح مع اللّه في هذا القول لما عصى قومه اللّه و لم يتوبوا- نصيحة- لا تدخل بين اللّه و بين عباده، و لا تسع عنده في خراب بلاده، هم على كل حال عباده، قل كما قال العبد الصالح، صاحب العقل الراجح، «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» انظر في هذا الأدب النبوي أين هو مما نسب إليه من النعت البنوي! هو عين روح اللّه و كلمته، و نفخ روحه و ابن أمته، ما بينه و بين ربه سوى النسب العام، الموجود لأهل الخصوص من الأنام، و هو التقوى لا أمر زائد، في غير واحد- مناجاة- إلهي جلّت عظمتك أن يعصيك عاص أو ينساك‏ ناس، و لكن أوجبت روح أوامرك في أسرار الكائنات، فذكرك الناسي بنسيانه، و أطاعك العاصي بعصيانه، و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده، إن عصى داعي إيمانه، فقد أطاع داعي سلطانك و لكن قامت عليه حجتك، فللّه الحجة البالغة، لا يسأل عما يفعل و هم يسألون.

[سورة المائدة (5): آية 119]

قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)

«قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ» فلا يؤثر فيهم عوارض يوم القيامة، بل تخاف الناس و لا يخافون، و تحزن الناس و لا يحزنون …

[ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ»]

«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ» فالرضى منا و منه- الوجه الأول- رضي اللّه عنهم: بما أعطوه من بذل المجهود، و غير بذل المجهود «وَ رَضُوا عَنْهُ» بما أعطاهم مما يقتضي الوجود الجود أكثر من ذلك، لكن العلم و الحكمة غالبة- الوجه الثاني- «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»: بما أعطاه العبد من نفسه رضي اللّه به، و رضي عنه فيه و إن لم يبذل استطاعته، فرضي اللّه منك إذا أعطيت ما كلفك حد الاستطاعة التي لا حرج عليك فيها «وَ رَضُوا عَنْهُ» رضي العبد من اللّه بالذي أعطاه من حال الدنيا و رضي عن اللّه في ذلك، فإن متعلق الرضى القليل، فإن الإنعام لا يتناهى بالبرهان الواضح و الدليل، فلا بد من الرضى، بذا حكم الدليل و قضى، و بهذا المعنى رضاه سبحانه عنك، بما أعطيته منك، و هو يعلم أن الاستطاعة فوق ما أعطيته- الوجه الثالث- «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» في يسير العمل‏ «وَ رَضُوا عَنْهُ» في يسير الثواب، لأنه لا يتمكن تحصيل ما لا يتناهى في الوجود، لأنه لا يتناهى، فإن كل ما أعطاك الحق في الدنيا و الآخرة من الخير و النعم فهو قليل بالنسبة إلى ما عنده، فإن الذي عنده لا نهاية له، و كل ما حصل لك من ذلك فهو قليل بالنسبة إلى ما عنده، فإن الذي عنده لا نهاية له، و كل ما حصل لك من ذلك فهو متناه بحصوله، و ما قدم اللّه رضاه عن عبيده، بما قبله من اليسير من أعمالهم التي كلفهم إلا ليرضوا عنه في يسير الثواب، لما علموا أن عنده ما هو أكثر من الذي وصل إليهم.- الوجه الرابع- أخبرهم في التوقيع أنه عنهم راض تعالى و تقدس جلاله، ثم أنه ناب عنهم في الخطاب بأنهم عنه راضون، فقال تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ».

و هنا نكتة لمن فهم ما تدل عليه ألفاظ القرآن من الرضى فقطع عليهم بذلك لعلمه بأنه واقع‏ منهم‏

 

[تحقيق الرضا]

– تحقيق الرضا- اعلم أن اللّه تعالى قد أمرنا بالرضا قبل القضاء مطلقا، فعلمنا أنه يريد الإجمال، فإنه إذا فصّله حال المقضي عليه بالمقضى به انقسم إلى ما يجوز الرضا به و إلى ما لا يجوز، فلما أطلق الرضا علمنا أنه أراد الإجمال، و القدر توقيت الحكم، فكل شي‏ء بقضاء و قدر، أي بحكم مؤقت، فمن حيث التوقيت المطلق يجب الإيمان بالقدر خيره و شره، حلوه و مره، و من حيث التعيين يجب الإيمان به لا الرضا ببعضه، و إنما قلنا: يجب الإيمان به أنه شر كما يجب الإيمان بالخير أنه خير، فنقول: إنه يجب علي الإيمان بالشر أنه شر، و أنه ليس إلى اللّه من كونه شرا، لا من كونه عين وجود إن كان الشر أمرا وجوديا، فمن حيث وجوده أي وجود عينه هو إلى اللّه، و من كونه شرا ليس إلى اللّه، قال صلّى اللّه عليه و سلم في دعائه: و الشر ليس إليك، فالمؤمن ينفي عن الحق ما نفاه عن نفسه.

[سورة المائدة (5): آية 120]

لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (120)

«لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ» هما الدار الدنيا.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=