تفسیر ابن عربی سوره التكاثر

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التكاثر

(102) سورة التكاثر مكيّة

[سورة التكاثر (102): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1)

تفسير من باب الإشارة: [لا تكثر مما لا تحتاج إليه‏]

من حصل له العلم بالأحكام التي يحتاج إليها فلا يكثر مما لا يحتاج إليه، فإن التكثير مما لا حاجة فيه سبب في تضييع الوقت عما هو أهم، فعلى الإنسان أن يربط نفسه بما فيه سعادته و نجاته، و لا يكون ممن قال سبحانه و تعالى فيهم‏ «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» ليقال- الحديث إنك عالم- فقد ذم اللّه ذلك في كثير العلم و قليله، و ليعمر العبد أوقاته بما هو أولى به.

[سورة التكاثر (102): الآيات 2 الى 7]

حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)

ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (7)

[اليقين:]

اليقين هو كل ما ثبت و استقر و لم يتزلزل، فله علم و عين و حق، أي وجوب حكمه، فلا يضاف إلى اليقين إلا ما يقبله، فإن كان مما تدل عليه علامة أضيف إليه العلم، و إن لم يكن فلا يضاف إليه، و إن كان مما يشهد أضيف إليه العين، و إن لم يكن فلا تضاف‏ إليه، و إن كان ممن له في نفس الأمر حكم واجب على أحد من المخلوقين أضيف إليه الحق، فقيل: حق اليقين لوجوبه، فلو كان علم اليقين و عينه و حقه نفس اليقين ما صحت الإضافة، لأن الشي‏ء الواحد لا يضاف إلى نفسه، لأن الإضافة لا تكون إلا بين مضاف و مضاف إليه، فتطلب الكثرة حتى يصح وجودها، و من أخذ الأشياء عن عين اليقين اتصف بالعلم اليقيني، فإن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما جهله و لا يتصف باليقين، و لهذا جاز أن يضاف العلم إلى اليقين، و ليس من إضافة الشي‏ء إلى نفسه، لا لفظا و لا معنى، فأما اللفظ فإن لفظة اليقين، ما هي لفظة العلم، فجازت الإضافة.

و من طريق المعنى، إن اليقين عبارة عن استقرار العلم في النفس، و الاستقرار ما هو عين المستقر، بل الاستقرار صفة للمستقر، و هي حقيقة معنوية لا نفسية، فليست عين نفس العلم فجازت الإضاقة، و إنما قلنا: إن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما هو جاهل به، فهو قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى‏) فذكر أعلم في الصنفين، و من لم يفرق بين اليقين و العلم و يقول: إن العلم هو اليقين، و قد ورد في كتاب اللّه مضافا، احتاج إلى طلب وجه في ذلك تصح له به الإضافة ليؤمن بما جاء من عند اللّه،

فقال: قد يكون المعنى واحدا و يدل عليه لفظان مختلفان، فيضاف أحد اللفظين إلى الآخر، فإنهما غيران بلا شك في الصورة، مع أحدية العين، هكذا قال أصحاب اللسان، و هو قول صحيح، غير أن الإضافة هنا قد تقع في الصورة، و الصورة صورتان، فإن في ذكر لفظين مختلفين صحة الإضافة لحق اليقين و علم اليقين و عين اليقين. و إنما احتال من احتال هذه الحيلة لقصور فهمه عما تدل عليه الألفاظ من الموضوعات من المعاني؛ فلو علم ذلك لعلم أن مدلول لفظة العلم غير مدلول لفظة اليقين،

فقد علمنا علما يقينيا أن في العالم بيتا يسمّى الكعبة، ببلدة تسمى مكة، لا يتمكن لأحد الجهل بهذا، و لا أن يدخله شبهة، و لا يقدح في دليله دخل، فاستقر العلم بذلك، فأضيف إلى اليقين الذي هو الاستقرار أن للّه بيتا يسمى الكعبة، بقرية تسمى مكة، تحج الناس إليه في كل سنة، و يطوفون به، ثم شوهد هذا البيت عند الوصول إليه بالعين المحسوسة، فاستقر عند النفس بطريق العين كيفيته و هيئته و حاله، فكان ذلك عين اليقين الذي كان قبل الشهود علم يقين، و حصل في النفس برؤيته ما لم يكن عندها قبل‏ رؤيته ذوقا، ثم فتح اللّه عين بصيرته في كون ذلك البيت مضافا إلى اللّه مطافا به، مقصودا دون غيره من البيوت المضافة إلى اللّه، فعلم علة ذلك و سببه، بإعلام اللّه لا بنظره و اجتهاده، فكان علمه بذلك حقا يقينا مقررا عنده لا يتزلزل، فما كل حق له قرار، و لا كل علم، و لا كل عين، فلذلك صحت الإضافة، فإذا تقرر هذا فقد علمت معنى علم اليقين و عينه و حقه.

فكل ما ثبت له القرار بعلامة مخصوصة به و لا تكون علامة إلا عليه فذلك هو علم اليقين، و لا بد من شهود تلك العلامة و تعلقها بالعين و اختصاصها به فذلك هو عين اليقين، و لا بد من وجود حكمه في هذه العين و في هذا العلم، فلا يتصرف العلم إلا فيما يجب له التصرف فيه، و لا تنظر العين إلا فيما يجب لها النظر إليه و فيه، فذلك هو حق اليقين الذي أوجبه على العلم و العين.

[سورة التكاثر (102): آية 8]

ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)

الإنسان يوم القيامة الكبرى، و هي قيامة البعث و الحشر الأعظم، الذي يجمع الناس فيه ما بين مسئول و محاسب و مناقش في حسابه و غير مناقش، و هو الحساب اليسير، و هو عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة، و المناقشة السؤال عن العلل في الأعمال، فالسؤال عام في الجميع حتى الرسل، و السؤال على نوعين: سؤال على تقرير النعم على طريق مباسطة الحق للمسئول، فهو ملتذ بالسؤال، و سؤال على طريق التوبيخ أيضا لتقرير النعم فهو في شدة. قال صلّى اللّه عليه و سلّم لأصحابه و قد أكلوا تمرا و ماء عن جوع [إنكم لتسألون عن نعيم هذا اليوم‏] و هذا السؤال موجه للإنذار و البشارة في قوم مخصوصين، و هم أهل ذلك المجلس، و هو تنبيه بما هو عليه الأمر في حق الجميع للتقليل من الحلال، إما للنشاط في الطاعات، و إما لخفة الحساب.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 540

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=