تفسیر ابن عربی سوره القصص

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة العنكبوت

(29) سورة العنكبوت مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة العنكبوت (29): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)

[ «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» الآية]

لما ادعى المؤمن الإيمان بوجود اللّه و أحديته، و أنه لا إله إلا هو، و أن كل شي‏ء هالك إلا وجهه، و أن الأمر للّه من قبل و من بعد، فلما ادعى بلسانه أن هذا مما انطوى عليه جنانه، و ربط عليه قلبه، احتمل أن يكون صادقا فيما ادعاه أنه صفة له، و يحتمل أن يكون كاذبا في أنه صفة له، فاختبره اللّه لإقامة الحجة له أو عليه بما كلفه به من عبادته على الاختصاص، لا العبادة السارية بسريان الألوهية، و نصب له و بين عينيه الأسباب، و أوقف ما تمس حاجة هذا المدعي على هذه الأسباب، فلم يقض له بشي‏ء إلا منها و على يديها، فإن رزقه اللّه نورا يكشف به و يخترق به سدف الأسباب، فيرى الحق تعالى من ورائها مسببا اسم فاعل، أو يراه خالقا و موجدا لحوائجه التي اضطره إليها، فذلك المؤمن الذي هو على نور من ربه و بينة من أمره، الصادق في دعواه، الموفي حق المقام الذي ادعاه، بالعناية الإلهية التي أعطاه، و من لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور، قال بألوهية الأسباب التي رزقه اللّه منها، و جعلها حجابا بينه و بين اللّه، فأضاف الألوهة إلى غير مستحقها، فكذب في دعواه لكثرة الأسباب، و الذي لم يقل بنسبة الألوهة للأسباب لكنه لم ير إلا الأسباب و ما حصل له من الكشف ما يخرجه منها مع توحيد الألوهية، كان ذلك شركا خفيا لا يشعر به صاحبه أنه مشرك.

[سورة العنكبوت (29): آية 3]

وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3)

الفتنة هي الاختبار، و أصل هذا ما ركب فيهم من الدعاوى، فجعل ما ابتلاهم به ليعلم اللّه الصادق في دعواه من الكاذب، ابتلاء من اللّه لعباده الذين ادعوا الإيمان به بألسنتهم.

[سورة العنكبوت (29): آية 4]

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (4)

[وجه في سبق الرحمة]

وجه- أي يسبقون بسيئاتهم مغفرتي و شمول رحمتي، «ساءَ ما يَحْكُمُونَ» بل السبق للّه بالرحمة لهم، هذا غاية الكرم، و هذا لا يكون إلا في الطائفة التي تقول بإنفاذ الوعيد فيمن يموت على غير توبة، فإذا مات العاصي تلقته رحمة اللّه في الموطن الذي يشاء اللّه أن تلقاه فيه، فإن الإنسان إذا عصى فقد تعرض للانتقام و البلاء، و أنه جار في شأو الانتقام بما وقع منه، و أن اللّه يسابقه في هذه الحلبة من حيث ما هو غفار و عفو و متجاوز و رحيم و رءوف، فالعبد يسابق بالمعاصي و السيئات الحق تعالى إلى الانتقام، و الحق أسبق فيسبق إلى الانتقام قبل وصول العبد بالسيئات إليه فيجوزه بالغفار و أخواته من الأسماء، فإذا وصل العبد إلى آخر الشأو في هذه الحلبة وجد الانتقام قد جاوزه الغفار، و حال بينه و بين العصاة، و هم كانوا يحكمون على أنهم يصلون إليه قبل هذا، و من هذا يعلم جهل الإنسان عند مسابقته للّه، فإنه عمل في غير معمل، و طمع في غير مطمع، و من كان في هذه الحال فلا خفاء بجهله لو عقل نفسه.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 5 الى 6]

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6)

[الذات الإلهية غنية عن العالمين‏]

اعلم أن الذات غنية عن العالمين، الملك ما هو غني عن الملك إذ لو لا الملك ما صح اسم الملك، فالمرتبة تعطي التقييد لا ذات الحق فالمخلوق كما يطلب الخالق من كونه مخلوقا، كذلك الخالق يطلب المخلوق من كونه خالقا، لأنه لا يصح اسم الخالق وجودا و تقديرا إلا بالمخلوق وجودا و تقديرا، و كذلك كل اسم إلهي يطلب الكون، مثل الغفور و المالك و الشكور و الرحيم و غير ذلك من الأسماء، و لما كان الحق من كونه إلها مرتبطا بالمألوه ارتباط السيادة بوجود العبد، فيلزم من حقيقة هذا الارتباط عقلا و وجودا تصور المتضايفين، و لما لم يكن بين الحق و الخلق مناسبة و لا إضافة- بل هو الغني عن العالمين، فلا يكون ذلك إلا لذات الحق- فلا يربطها كون، و لا تدركها عين، و لا يحيط بها حد، و لا يفيدها برهان، وجدانها في العقل ضروري، كما أن صفات التعلق التي تدخلها تحت القيد نظري‏ «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» فإن العالمين من العلامة، و العلامة لا تدل إلا على محدود، فالعالم لا يدل على العلم بذاته تعالى و إنما يدل على وجوده.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 7 الى 8]

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)

– إشارة لا تفسير- لا تقف مع السبب الذي أوجدك و قرب منك حسا، بل كن مع الذي أشهدك و أوجدك حقيقة، و لا تكن ممن يعرف اللّه بواسطة السبب، و إلى هذا ينظر قوله تعالى: «وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي» أي تنظرهما فتنحجب بهما في الإيجاد الطبيعي‏ «ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما» فإن كان لك بهما علم أنهما سببية، فأثبتهما و اشكرهما.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 9 الى 12]

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (10) وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (11) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (12)

«إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» في هذا القول، بل هم حاملون خطاياهم، و الذين أضلوهم يحملون أيضا خطاياهم، و خطايا هؤلاء مع خطاياهم، و لا ينقص هؤلاء من خطاياهم من شي‏ء، يقول صلّى اللّه عليه و سلم: [من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا] و هو قوله تعالى:

[سورة العنكبوت (29): آية 13]

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (13)

و هو زمان مخصوص أقيموا فيه في حمل الأثقال التي هي الأوزار يوم يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه و صاحبته و بنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏

 

[سورة العنكبوت (29): آية 14]

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ هُمْ ظالِمُونَ (14)

نوح أول رسول أرسل، و من كان قبله إنما كانوا أنبياء، كل واحد على شريعة من ربه، فمن شاء دخل في شرعه معه، و من شاء لم يدخل، فمن دخل ثم رجع كان كافرا، و من لم يدخل فليس بكافر، و من أدخل نفسه في الفضول، و كذب الأنبياء كان كافرا، و من لم يفعل و بقي على البراءة لم يكن كافرا، فكان نوح عليه السلام أول شخص استفتحت به الرسالة.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 15 الى 20]

فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ وَ جَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (15) وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19)

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (20)

اعلم أن الذات الإلهية منزهة عن أن يكون لها بعالم الكون و الخلق و الأمر مناسبة أو تعلق بنوع ما من الأنواع، لأن الحقيقة تأبى ذلك، مع كون أصل الأشياء كلها وجود الحق تعالى، إذ لو لم يكن هذا الأصل الإلهي موجودا، و الحق المخلوق به معقولا، لما صح هذا الفرع المحدث الكائن بعد أن لم يكن، و لما تصور، فإذا نظرنا العالم على ما هو عليه، و عرفنا حقيقته و مورده و مصدره، و نظرنا ما الحاكم المؤثر في هذا العالم، نجد أن الأسماء الحسنى ظهرت في العالم كله ظهورا لا خفاء به كليا، و حصلت فيه آثارها و أحكامها لا بذواتها و لكن بأمثالها لا بحقائقها لكن برقائقها.

[بدء الخلق: إيجاز البيان بضرب من الإجمال‏]

إيجاز البيان بضرب من الإجمال: بدء الخلق الهباء و أول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية، و لا أين يحصرها لعدم التحيز- و مم وجد؟ وجد من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود و لا بالعدم- و فيم وجد؟ في الهباء- و على أي مثال وجد؟ على الصورة المعلومة في نفس الحق- و لم وجد؟ لإظهار الحقائق الإلهية، فأوجد العالم سبحانه ليظهر سلطان الأسماء، فإن قدرة بلا مقدور، وجودا بلا عطاء، و رزّاقا بلا مرزوق، و مغيثا بلا مغاث، و رحيما بلا مرحوم، حقائق معطلة التأثير- و ما غايته؟ التخلص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج، فغايته إظهار حقائقه، و معرفة أفلاك الأكبر من العالم و هو ما عدا الإنسان، و العالم الأصغر يعني الإنسان، روح العالم و علته و سببه‏ و أفلاكه و مقاماته و حركاته و تفصيل طبقاته.

و نظمنا في ترتيب نضد العالم.

الحمد للّه الذي بوجوده‏ ظهر الوجود و عالم الهيمان‏
و العنصر الأعلى الذي بوجوده‏ ظهرت ذوات عوالم الإمكان‏
من غير ترتيب فلا متقدم‏ فيه و لا متأخر بالآن‏
حتى إذا شاء المهيمن أن يرى‏ ما كان معلوما من الأكوان‏
فتح القدير عوالم الديوان‏ بوجود روح ثم روح ثان‏
ثم الهباء كذا الهيولى ثم جسم قابل‏ لعوالم الأفلاك و الأركان‏
فأداره فلكا عظيما و اسمه الع رش الكريم و مستوى الرحمن‏
يتلوه كرسي انقسام كلامه‏ فتلوح من أقسامه القدمان‏
من بعده فلك البروج و بعده‏ فلك الكواكب مصدر الأزمان‏
ثم النزول مع الخلاء لمركز ليقيم فيه قواعد البنيان‏
فأدار أرضا ثم ماء فوقه‏ كرة الهواء و عنصر النيران‏
من فوقه فلك الهلال و فوقه‏ فلك يضاف لكاتب الديوان‏
من فوقه فلك لزهرة فوقه‏ فلك الغزالة مصدر الملوان‏
من فوقه المريخ ثم المشتري‏ ثم الذي يعزى إلى كيوان‏
و لكل جسم ما يشاكل طبعه‏ خلق يسمى العالم النوراني‏
فهم الملائكة الكرام شعارهم‏ حفظ الوجود من اسمه المحسان‏
فتحركت نحو الكمال فولدت‏ عند التحرك عالم الشيطان‏
ثم المعادن و النبات و بعده‏ جاءت لنا بعوالم الحيوان‏
و الغاية القصوى ظهور جسومنا في عالم التركيب و الأبدان‏
لما استوت و تعدلت أركانه‏ نفخ الإله لطيفة الإنسان‏
و كساه صورته فعاد خليفة يعنو له الأملاك و الثقلان‏
و بدورة الفلك المحيط و حكمه‏ أبدى لنا في عالم الحدثان‏
في جوف هذا الأرض ماء أسودا نتنا لأهل الشرك و الطغيان‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 323

يجري على متن الرياح و عندها ظلمات سخط القاهر الديان‏
دارت بصخرة مركز سلطانه‏ الروح الإلهي العظيم الشان‏

فهذا ترتيب الوضع الذي أنشأ اللّه عليه العالم ابتداء، و اعلم أن التفاضل في المعلومات على وجوه، أعمها التأثير، فكل مؤثر أفضل من أكثر المؤثر فيه، من حيث ذلك التأثير خاصة، و قد يكون المفضول أفضل منه من وجه آخر، و كذلك فضل العلة على معلولها، و الشرط على مشروطه، و الحقيقة على المحقق، و الدليل على المدلول من حيث ما هو مدلول لا من حيث عينه، و قد يكون الفضل بعموم التعلق على ما هو أخص تعلقا منه كالعالم و القادر، و لما كان الوجود كله فاضلا مفضولا، أدى ذلك إلى المساواة، و أن يقال:

لا فاضل و لا مفضول، بل وجود شريف كامل، تام لا نقص فيه، و لا سيما و ليس في المخلوقات على اختلاف ضروبها أمر إلا و هو مستند إلى حقيقة و نسبة إلهية، و لا تفاضل في اللّه، لأن الأمر لا يفضل نفسه، فلا مفاضلة بين العالم من هذا الوجه، و هو الذي يرجع إليه الأمر من قبل و من بعد، و عليه عوّل أهل الجمع و الوجود و بهذا سموا أهل الجمع لأنهم أهل عين واحدة كما قال تعالى: (وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ) فمن كشف الأمر على ما هو عليه علم ما ذكرناه في ترتيب العالم [راجع سورة الفرقان الآية 2].

[سورة العنكبوت (29): الآيات 21 الى 27]

يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (22) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (23) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25)

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

إسحاق عليه السلام موهوب من غير سؤال، و إسماعيل عليه السلام جمع له بين الكسب و الوهب، فهو مكسوب من جهة سؤال إبراهيم عليه السلام‏ (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) موهوب من جهة الفداء (وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) «وَ يَعْقُوبَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا» و هو قول كل نبي (إن أجري إلا على على اللّه) أجر التبليغ فآتاه اللّه أجره في الدنيا بأن نجاه من النار، فجعلها عليه بردا و سلاما «وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» للأجر ما نقصه كونه في الدنيا قد حصله بما يناله في الآخرة شي‏ء. و لما كان الصلاح من خصائص العبودية، و ذكر تعالى عن أنبيائه أنهم من الصالحين، ذكر عن إبراهيم الخليل‏ «وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» من أجل الثلاثة الأمور التي صدرت منه في الدنيا، و هي قوله عن زوجته سارة: إنها أخته بتأويل، و قوله: إني سقيم اعتذارا، و قوله: بل فعله كبيرهم إقامة حجة، فبهذه الثلاثة يعتذر يوم القيامة للناس إذا سألوه أن يسأل ربه فتح باب الشفاعة، فلهذا ذكر صلاحه في الآخرة إذ لم يؤاخذه بذلك.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 28 الى 29]

وَ لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (28) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)

و ذلك مبالغة منهم في التكذيب، إذ لو احتمل عندهم صدق الرسول ما قالوا مثل هذا القول، فإن النفوس قد جبلت على جلب المنافع و دفع المضار عنها ..

[سورة العنكبوت (29): الآيات 30 الى 43]

قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏ قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (31) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32) وَ لَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالُوا لا تَخَفْ وَ لا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (34)

وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (37) وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِينَ (39)

فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (43)

 

[الأمثال ما جاءت مطلوبة لأنفسها]

الأمثال ما جاءت مطلوبة لأنفسها، و إنما جاءت ليعلم منها ما ضربت له، و ما نصبت من أجله، فهي كآيات الاعتبار كلها من القرآن، و ما خلق اللّه العالم الخارج عن الإنسان إلا ضرب مثال للإنسان، ليعلم أن كل ما ظهر في العالم هو فيه، و الإنسان هو العين المقصودة، فهو مجموع الحكم، و من أجله خلقت الجنة و النار، و الدنيا و الآخرة، و الأحوال كلها و الكيفيات، و فيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية، و آثارها «وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» اعلم أيدك اللّه أن العالم من علم علم الظاهر و الباطن، و من لم يجمع بينهما فليس بعالم خصوصي و لا مصطفى، و سبب ذلك أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في أحواله بما يخالف علمه، فكل من ادعى علما و عمل بخلافه في الحال الذي يجب عليه عقلا و شرعا العمل به فليس بعالم، و لا ظاهر بصورة عالم، و لا تغالط نفسك فإن وبال ذلك ما يعود على أحد إلا عليك، فإن قلت: قد نجد من يعلم و لا يرزق التوفيق للعمل بعلمه، فقد يكون العلم و لا عمل، قلنا: هذا غلط من القائل به، و لتعلم أن مسمى العلم ينطلق اسمه على ما هو علم و ما ليس بعلم، و ما نرى أحدا يتوقف بالعمل فيما يزعم أنه عالم به إلا و في نفسه احتمال، و من قام له في شي‏ء احتمال فليس بعالم به، و لا بمؤمن بمن أخبره بذلك إيمانا يوجب له العلم، مع أنك لو سألته لقال لك: ما نشك أن ما جاء به هذا الشخص حق، يعني الرسول عليه السلام، و أنا به مؤمن، فهذا قول ليس بصحيح إلا في وقت دعواه عند بعض الناس، ثم إذ خلي بفكره قام معه الاحتمال فكان ذلك الذي تخيل أنه علم أمرا عرض له، فالعلم يعطي العمل من خلف حجاب رقيق، أ لا ترى أن اللّه تعالى ما نصب الآيات و كثرها إلا ليحصل بها العلم، لعلمه أن العلم إذا حصل لزم العمل فالعالم هو صاحب الفهم عن اللّه بحكم آيات اللّه و تفاصيلها، و كل من ادعى علما من غير عمل فدعواه كاذبة إن تعلق به خطاب عمل، و ما تلا عليك سبحانه كلامه إلا لتعقل عنه إن كنت عالما.

[سورة العنكبوت (29): آية 44]

خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)

 

[الحق المخلوق به‏]

اعلم أن الأشياء على ثلاث مراتب لا رابع لها، و العلم لا يتعلق بسواها، و ما عداها فعدم محض لا يعلم و لا يجهل و لا هو متعلق بشي‏ء، فإذا فهمت هذا فنقول إن هذه الأشياء الثلاثة منها ما يتصف بالوجود لذاته فهو موجود بذاته في عينه لا يصح أن يكون وجوده عن عدم، بل هو مطلق الوجود لا عن شي‏ء فكان يتقدم عليه ذلك الشي‏ء، بل هو الموجد لجميع الأشياء و خالقها و مقدرها و مفصلها و مدبرها، و هو الوجود المطلق الذي لا يتقيد سبحانه، و هو اللّه الحي القيوم العليم المريد القدير الذي ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، و منها موجود باللّه تعالى و هو الوجود المقيد المعبر عنه بالعالم: العرش و الكرسي و السموات العلى و ما فيها من العالم و الخلق و الأرض و ما فيها من الدواب و الحشرات و النبات و غير ذلك من العالم، فإنه لم يكن موجودا في عينه ثم كان، من غير أن يكون بينه و بين موجده زمان يتقدم به عليه فيتأخر هذا عنه،

فيقال فيه: بعد أو قبل، هذا محال؛ و إنما هو متقدم بالوجود كتقدم أمس على اليوم، فإنه من غير زمان لأنه نفس الزمان، فعدم الزمان لم يكن في وقت، لكن الوهم يتخيل أن بين وجود الحق و وجود الخلق امتدادا، و ذلك راجع لما عهده في الحس من التقدم الزماني بين المحدثات و تأخره، و أما الشي‏ء الثالث فما لا يتصف بالوجود و لا بالعدم و لا بالحدوث و لا بالقدم، و هو مقارن للأزلي الحق أزلا فيستحيل عليه أيضا التقدم الزماني على العالم و التأخر، كما استحال على الحق و زيادة لأنه ليس بموجود، فإن الحدوث و القدم أمر إضافي يوصل إلى العقل حقيقة ما. و ذلك أنه لو زال العالم لم نطلق على الواجب الوجود قديما، و إن كان الشرع لم يجى‏ء بهذا الاسم أعني القديم و إنما جاء باسمه الأول و الآخر،

فإذا زلت أنت لم يقل: أولا و لا آخرا إذ الوسط العاقد الأولية و الآخرية ليس ثمّ، فلا أول و لا آخر، و هكذا الظاهر و الباطن و أسماء الإضافات كلها، فيكون موجودا مطلقا من غير تقييد بأولية أو آخرية، و هذا الشي‏ء الثالث الذي لا يتصف بالوجود و لا بالعدم مثله في نفي الأولية و الآخرية بانتفاء العالم كما كان الواجب الوجود سبحانه، و كذلك لا يتصف بالكل و لا بالبعض، و لا يقبل الزيادة و النقص و أما قولنا فيه كما استحال على الحق و زيادة، فتلك الزيادة كونه لا موجودا و لا معدوما، فلا يقال فيه: أول و آخر، و كذلك لنعلم أيضا أن هذا الشي‏ء الثالث ليس العالم يتأخر عنه أو يحاذيه بالمكان، إذ المكان من العالم، و هذا أصل العالم و أصل الجوهر الفرد و فلك الحياة و الحق المخلوق به و كل ما هو عالم من الموجود المطلق، و عن هذا الشي‏ء الثالث ظهر العالم،

فهذا الشي‏ء هو حقيقة حقائق العالم الكلية المعقولة في الذهن الذي يظهر في القديم قديما، و في الحادث حادثا، فإن قلت: هذا الشي‏ء هو العالم صدقت و إن قلت: إنه الحق القديم سبحانه صدقت، و إن قلت: إنه ليس العالم و لا الحق تعالى و أنه معنى زائد صدقت، كل هذا يصح عليه، و هو الكلي الأعم الجامع الحدوث و القدم، و هو يتعدد بتعدد الموجودات، و لا ينقسم بانقسام الموجودات، و ينقسم بانقسام المعلومات، و هو لا موجود و لا معدوم، و لا هو العالم و هو العالم، و هو غير و لا هو غير، لأن المغايرة في الوجودين و النسبة انضمام شي‏ء ما إلى شي‏ء آخر، فيكون منه أمر آخر يسمى صورة ما و الانضمام نسبة،

فهذا الشي‏ء الذي نحن بسبيله لا يقدر أحد أن يقف على حقيقته عبارة، لكن نومئ إليه بضرب من التشبيه و التمثيل، فنقول: نسبة هذا الشي‏ء الذي لا يحد و لا يتصف بالوجود و لا بالعدم، و لا بالحدوث و لا بالقدم، إلى العالم كنسبة الخشبة إلى الكرسي و التابوت و المنبر و المحمل، و الفضة إلى الأواني و الآلات التي تصاغ منها كالمكحلة و القرط و الخاتم، فبهذا تعرف تلك الحقيقة، فخذ هذه النسبة و لا تتخيل النقص فيه كما تتخيل النقص في الخشبة بانفصال المحبرة عنها، و اعلم أن الخشبة صورة مخصوصة في العودية، فلا تنظر أبدا إلا للحقيقة المعقولة الجامعة التي هي العودية، فتجدها لا تنقص و لا تتبعض، بل هي في كل كرسي و محبرة على كمالها من غير نقص و لا زيادة، و إن كان في صورة المحبرة حقائق كثيرة منها: الحقيقة العودية و الاستطالية و التربيعية و الكمية و غير ذلك، و كلها فيها بكمالها، و كذلك الكرسي و المنبر،

و هذا الشي‏ء الثالث هو هذه الحقائق كلها بكمالها، فسمه إن شئت حقيقة الحقائق، فالمعقولات العشرة و هي الجوهر و العرض و الحال و الزمان و المكان و العدد و الإضافة و الوضع و أن يفعل و أن ينفعل، تكوّن الحقيقة التي أوجد الحق من مادتها الموجودات العلويات و السفليات، فهو الأم الجامعة لجميع الموجودات، و هي معقولة في الذهن غير موجودة في العين، و هو أن تكون لها صورة ذاتية لكنها في الموجودات حقيقة من غير تبعيض و لا زيادة و لا نقص، فوجودها عن بروز أعيان الموجودات قديمها و حديثها، و لو لا أعيان الموجودات ما عقلناها، و لولاها ما عقلنا حقائق الموجودات، فوجودها موقوف على وجود الأشخاص، و العلم بالأشخاص تفصيلا موقوف على العلم بها، إذ من لا يعرفها لم يفرق بين الموجودات. و قال مثلا: إن الجماد و الملك و القديم شي‏ء واحد، إذ لا يعرف الحقائق‏ و لا بما ذا تتميز الموجودات بعضها عن بعض، فهي متقدمة في العلم ظاهرة في الموجودات، فإن أطلق عليها تأخر فلتأخر وجود الشخص لا لعينها، فهي بالنظر إلى ذاتها كلية معقولة لا تتصف بالوجود و لا بالعدم، و هي المادة لجميع الموجودات، فقد ظهرت بكمالها بظهور الموجودات، و ما بقي شي‏ء يوجد بعد.- راجع سورة الأنعام آية 73، الحجر آية 85، سورة النحل آية 3- «إن في ذلك لآية لقوم يؤمنون».

[سورة العنكبوت (29): آية 45]

اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (45)

[كون الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر]

«إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» الوجه الأول يعني بصورتها، فإن التكبيرة الأولى تحريمها، و السلام منها تحليلها، فالصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر، هكذا أخبر تعالى إنباء عن حقيقة لأجل ما فيها من الإحرام، فهي تنهى عن الفحشاء و المنكر بسبب تكبيرة الإحرام، فإنه حرم على المصلي التصرف في غير الصلاة ما دام في الصلاة، فذلك الإحرام نهاه عن الفحشاء و المنكر، فإن الإحرام المنع من التصرف في شي‏ء مما يغاير كونه مصليا، فانته المصلي، فصح له أجر من عمل بأمر اللّه و طاعته، و أجر من انته عن محارم اللّه في نفس الصلاة و إن كان لم ينو ذلك، فانظر ما أشرف الصلاة كيف أعطت هذه المسألة العجيبة!!

و هي أن الإنسان إذا تصرف في واجب، فإن له ثواب من تصرف في واجب و يتضمن شغله بذلك الواجب عدم التفرغ لما نهي عنه أن يأتيه من الفحشاء و المنكر، فيكون له ثواب من نوى أن لا يفعل فحشاء و لا منكرا، فإن أكثر الناس تاركون ما لهم هذا النظر، لعدم الحضور باستحضار الأولى، و لو لم يكن الأمر كذلك لما أعطى فائدة في قوله: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» فهي تنهى عن الفحشاء و المنكر و لا تنهى عن غيرها من الطاعات فيها مما لا يخرجك فعله عن أن تكون مصليا شرعا.- الوجه الثاني- الصلاة فعل العبد، فهو بصلاته ممن ينهى عن الفحشاء و المنكر، فيكون له بالصلاة أجر من ينهى عن الفحشاء و المنكر و هو لم يتكلم فله أجر عبادتين: أجر الصلاة و هي عبادة، و أجر النهي عن الفحشاء و هو عبادة، فالصلاة بذاتها تنهى عن‏ «الْفَحْشاءِ» و هو ما ظهر من المخالفة «وَ الْمُنْكَرِ» و هو ما تنكره القلوب، و ذلك الظاهر للتحريم و التحليل الذي فيها.

[ «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» الآية]

«وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»– الوجه الأول- الصلاة تشتمل على أقوال و أفعال، فتحريك اللسان بالذكر من المصلي من جملة أفعال الصلاة، و القول المسموع من هذا التحريك هو من أقوال الصلاة، و ليس في أقوالها شي‏ء يخرج عن ذكر اللّه، في حال قيام و ركوع و خفض و رفع إلا ما يقع به التلفظ من ذكر نفسك بحرف ضمير، أو ذكر صفة تسأله أن يعطيكها، مثل: اهدني و ارزقني، و لكن هو ذكر شرعا للّه،

فإن اللّه سمى القرآن ذكرا و فيه أسماء الشياطين و المغضوب عليهم، و المتلفظ به يسمى ذكر اللّه، فإنه كلام اللّه فذكرتهم بذكر اللّه، فيكون قوله تعالى: «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ» فيها «أَكْبَرُ» يعني القول فيها أشرف أفعال المكلف، فإنها تشتمل على أفعال و أقوال، أي‏ «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ» فيها «أَكْبَرُ» أعمالها و أكبر أحوالها، أي ذكر اللّه أكبر ما فيها، فهو أكبر من جملة أفعالها، فإنها تشتمل على أقوال و أفعال، فذكر اللّه في الصلاة أكبر أحوال الصلاة، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ) و الفاتحة تجمع الذكر و الشكر، و هي التي يقرؤها المصلي في قيامه، فالشكر فيها قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) و هو عين الذكر بالشكر، إلى كل ذكر فيها و في سائر الصلاة، فذكر اللّه في حال الصلاة و شكره أعظم و أفضل من ذكره سبحانه في غير الصلاة، فإن الصلاة خير موضوع العبادات، فذكر اللّه في الصلاة أكبر من جميع أفعالها و أقوالها،

فإنك إن ذكرت اللّه فيها كان جليسك في تلك العبادة، فإنه أخبر أنه جليس من ذكره، فذكر اللّه في الصلاة أكبر فيها من أفعالها، و فيه وقعت القسمة بين اللّه و بين المصلي في الصلاة، فإن أفضل ما في الصلاة ذكر اللّه من الأقوال، و السجود من الأفعال، لأن الذكر جزء منها و هو أكبر أجزائها، فذكر اللّه في الصلاة أشرف أجزاء الصلاة، لا أن الذكر أشرف من الصلاة، فما كل الصلاة ذكر، فإن فيها الدعاء، و قد فرق الحق بين الذكر و الدعاء، فقال: من شغله ذكري عن مسألتي؛ و هي الدعاء، فما هو الذكر هنا الذكر الخارج عن الصلاة حتى ترجحه على الصلاة، إنما هو الذكر الذي في الصلاة، فينبغي لكل من أراد أن يذكر اللّه تعالى و يشكره باللسان و العمل أن يكون مصليا و ذاكرا بكل ذكر نزل في القرآن لا في غيره، و ينوي بذلك الذكر و الدعاء الذي في القرآن ليخرج عن العهدة، فإنه من ذكره بكلامه فقد خرج من العهدة فيما ينسب في ذلك الذكر إلى اللّه، ليكون في حال ذكره تاليا لكلامه،فيقول من التسبيحات ما في القرآن، و من التحميدات ما في القرآن، و من الأدعية ما في القرآن، فتقع المطابقة بين ذكر العبد بالقرآن لأنه كلام اللّه و بين ذكر اللّه إياه في قوله:

(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) فيذكر اللّه الذاكر له أيضا، «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» يعني في الصلاة، أي الذكر الذي يكون من اللّه لعبده حين يجيب سؤاله و الثناء عليه، أكبر من ذكر العبد ربه فيها، و ذكره كلامه، فتكون المناسبة بين الذكرين، فإن ذكره بذكر يخترعه لم تكن له تلك المناسبة بين كلام اللّه في ذكره للعبد و بين ذكر العبد، فإن العبد ما ذكره هنا بما جاء في القرآن و لا نواه، و إن صادفه باللفظ و لكن هو غير مقصود، ثم إن هذا الذكر بالقرآن جاء في الصلاة فالتحق بالأذكار الواجبة مثل قوله صلّى اللّه عليه و سلم صلى اللّه عليه و سلم لما نزلت‏ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) اجعلوها في سجودكم و قوله في‏ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) اجعلوها في ركوعكم، و الأذكار الواجبة عند اللّه أفضل،

فينبغي للمحقق أن يكون ذكره في الصلاة بالأذكار الواردة في القرآن، حتى يكون في ذكره تاليا، فيجمع بين الذكر و التلاوة معا في لفظ واحد، فيحصل على أجر التالين و الذاكرين، أعني الفضيلة، و إذا ذكره من غير أن يقصد الذكر الوارد في القرآن فهو ذاكر لا غير، فينقصه من الفضيلة على قدر ما نقصه من القصد، و لو كان ذلك الذكر في القرآن غير أنه لم يقصده، و قد ثبت أن الأعمال بالنيات، و إنما لامرئ ما نوى، فينبغي لك إن قلت: لا إله إلا اللّه؛ أن تقصد بذلك التهليل الوارد في القرآن، مثل قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) و كذلك التسبيح و التكبير و التحميد، و أنت تعلم أن أنفاس الإنسان نفيسة، و النفس إذا مضى لا يعود، فينبغي لك أن تخرجه في الأنفس و الأعز-

الوجه الثاني- أن قوله تعالى: «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» هذه الإضافة تكون من كونه ذاكرا و من كونه مذكورا، فهو أكبر الذاكرين، فذكره نفسه لنفسه بنفسه أكبر من ذكره نفسه بخلقه، فإنه تعالى يذكر نفسه من كونه متكلما، و لما كانت كلمات اللّه ما تنفد، فذكر اللّه لا ينقطع، و هو ذكر مفصّل لأن الكلمات تفصيل لا إجمال فيها، فذكره أكبر الأذكار، و الذكر و إن لم يخرج عنه فإن اللّه قد جعل بعضه أكبر من بعض- الوجه الثالث- ثم يتوجه فيه قصد آخر من أجل الاسم اللّه فيقول: «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ» بهذا الاسم الذي ينعت و لا ينعت به، و يتضمن جميع الأسماء الحسنى و لا يتضمنه شي‏ء في حكم الدلالة «أَكْبَرُ» من كل اسم تذكره به سبحانه؛ من رحيم و غفور و رب و شكور و غير ذلك،فإنه لا يعطي في الدلالة ما يعطى الاسم اللّه، لوجود الاشتراك في جميع الأسماء كلها، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول اللّه اللّه‏] و هو الذكر الأكبر الذي قال اللّه فيه: «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» فما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: من يقول لا إله إلا اللّه؛ هذا إذا أخذنا أكبر بطريق أفعل من كذا- راجع الذكر بالاسم المفرد سورة الأحزاب آية 41- فإن لم تأخذها على أفعل من كذا فيكون إخبارا عن كبر الذكر من غير مفاضلة بأي اسم ذكر،

و هو أولى بالجناب الإلهي، و إن كانت الوجوه كلها مقصودة في قوله تعالى‏ «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» فإنه كل وجه تحتمله كل آية من كلام اللّه من فرقان و توراة و زبور و إنجيل و صحيفة عند كل عارف بذلك اللسان، فإنه مقصود للّه تعالى في حق ذلك المتأول لعلمه الإحاطي سبحانه بجميع الوجوه- الوجه الرابع- «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» ذكر اللّه هو القرآن، فاذكره بالقرآن لا تكبره بتكبيرك، إذ قد أمرك أن تكبره فقال: (وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً) فإذا كبرت ربك فكبره كما كبر نفسه و لا تحكم على ربك بعقلك- مسألة- التكبير في الصلاة بلفظ «اللَّهِ أَكْبَرُ» اختلف علماء الشريعة في صفة لفظة التكبير في الصلاة، فمن قائل لا يجزئ إلا لفظة اللّه أكبر، و من قائل يجزئ بغير الصيغة مثل الكبير، و من قائل يجوز التكبير على المعنى كالأجل و الأعظم، و اتباع السنة أولى،

فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: [صلوا كما رأيتموني أصلي‏] و ما نقل إلينا قط إلا هذا اللفظ «اللَّهِ أَكْبَرُ» تواترا، فلا نتحكم بسياق لفظ آخر، فإنه لا بد لمن يعدل عنه أن يحرم فائدة ذلك الاختصاص، و يتصف بالمخالفة بلا شك، يقول العبد «اللَّهِ أَكْبَرُ» في تكبيرة الإحرام لما خصص حالا من الأحوال سماها صلاة، فهو يقول: اللّه أكبر أن يقيد ربي حال من الأحوال، بل الأحوال كلها بيده لم يخرج عنه حال من الأحوال، فكبره عن مثل هذا الحكم، و هو كبرياء لا يشاركه فيه كون من الأكوان، و لذلك جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ببنية المفاضلة، لأن المشركين نسبوا الألوهة لغير اللّه تعالى، و نسبتها إلى اللّه عندهم أتم و أعظم باعترافهم، فالمفاضلة في الأسماء الإلهية إنما هي في المناسبة لا في الأعيان، لا أن الحجارة أفضل، و لا ما نحتوه، و لا ما نسبوا إليه الألوهية من كوكب و غيره، لأنه لا مفاضلة في الأعيان، لأنه ليس بين العبد و السيد، و لا الرب و المربوب، و لا الخالق و المخلوق مفاضلة.

 

[سورة العنكبوت (29): الآيات 46 الى 47]

وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَ كَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (47)

فإنهم يسترونها و إن عرفوها حسدا منهم و نفاسة و ظلما.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 48 الى 50]

وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (49) وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)

إن من رحمته صلّى اللّه عليه و سلم التي بعثه اللّه بها ما أبان اللّه على لسانه و أمره بتبليغ ذلك، فبلغ أنه ليس من شرط الرسالة ظهور العلامات على صدقه، إنما هو شخص منذر مأمور بتبليغ ما أمر بتبليغه، هذا حظه لا يجب عليه غير ذلك، فإن أتى بعلامة على صدقه فذلك فضل اللّه ليس ذلك بيده، فأقام عذر الأنبياء كلهم في ذلك، فكان رحمة للرسل في هذا، فجاء في القرآن قوله: «و قالوا لو لا أنزلت عليه آيات من ربه» و هذا قول غير العرب ما هو قول العرب، لأنه جاء بالقرآن آية على صدقه للعرب، إذ لا يعرف إعجازه و كونه آية غير العرب، فلم يرد عنه أنه أظهر آية لكل من دعاه من غير العرب كاليهود و النصارى و المجوس، و لكن أي شي‏ء جاء من الآيات فذلك من اللّه لا بحكم الوجوب عليه و لا على غيره من الرسل، فقيل له: «قُلْ» لهم‏ «إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» ثم قال له:.

 

[سورة العنكبوت (29): آية 51]

أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)

«إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً» بهم فإنا أرسلناك رحمة للعالمين، فضمنا القرآن جميع ما تعرف الأمم أنه آية على صدق من جاء به، إذ لم يعلموا منه بقرائن الأحوال أنه قرأ و لا كتب و لا طالع و لا عاشر و لا فارق بلده، بل كان أميا من جملة الأميين، و أخبرهم عن اللّه بأمور يعرفون أنه لا يعلمها من هو بهذه الصفة التي هو عليها هذا الرسول إلا بإعلام من اللّه، فكان ما جاء في القرآن من ذلك آية كما قالوا و طلبوا، و كان إعجازه للعرب خاصة إذ نزل بلسانهم و صرفوا عن معارضته، أو لم يكن في قوتهم ذلك من غير صرف حدث لهم، فجاء القرآن بما جاءت به الكتب قبله، و لا علم له بما جاء فيها إلا من القرآن، و علمت ذلك اليهود و النصارى و أصحاب الكتب، فحصلت الآية من عند اللّه لأن القرآن من عند اللّه.

[سورة العنكبوت (29): آية 52]

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52)

«وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ» فسماهم الحق مؤمنين، و لكن تحقق في إيمانهم بالباطل أنهم ما آمنوا به من كونه باطلا، و إنما آمنوا به من كونهم اعتقدوا فيه ما اعتقده أهل الحق في الحق، فمن هنا نسب الإيمان إليهم، و بما هو في نفس الأمر على غير ما اعتقدوه سماه الحق لنا باطلا، لا من حيث ما توهموه، فأظهروا ما ليس بوجود وجودا، و أزالوا في عقدهم وجود ما هو وجود و هو اللّه، فسماه اللّه سترا، فكان مستورا عنهم وجود الحق بما ستروه، إذ لم يستروه حتى تصوروه و بعد التصور ستروه، فكانوا كافرين‏ «أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 53 الى 56]

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَ يَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)

 

[تفسير من باب الإشارة: «إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ»]

«إِنَّ أَرْضِي» فأضافها إليه أشد إضافة من قوله: (أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ) فهي إضافة خاصة، ثم قال: «واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ» يعني فيها، و مما تعطيه هذه الآية من وجه من الوجوه لطبقة خاصة من المؤمنين أنهم نظروا ما هي أرض اللّه؟ فقالوا: كل أرض موات لا يكون عليها ملك لغير اللّه، فتلك أرضه الخاصة به، المضافة إليه، البرئة من الشركة فيها، البعيدة عن المعمور، فإن الأرض الميتة القريبة من العمران يمكن أن يصل إليها بعض الناس فيحييها فيملكها بإحيائها، و البعيدة من العمران سالمة من هذا التخيل،

فقالوا ما أمرنا اللّه بالعبادة فيها إلا و لها خصوص وصف، و ليس فيها من خصوص الأوصاف إلا كونها ليس فيها نفس لغير اللّه، ففيها نفس الرحمن، فإذا عبد الإنسان ربه في مثل هذه الأرض وجد أنسا من تلك الوحشة التي كانت له في العمران، و وجد لذة و طيبا في قلبه و انفراده، و ذلك كله من أثر نفس الرحمن الذي نفّس اللّه به عنه ما كان يجده من الغم و الضيق و الحرج في الأرض المشتركة، و هذا ما أدى بعض العباد إلى السياحة، فرأوا في هذه الأرض من الآيات و العجائب و الاعتبارات ما دعاهم إلى النظر فيما ينبغي لمالك هذه الأرض، فأنار اللّه قلوبهم بأنوار العلوم، و فتح لهم في النظر في الآيات، و هي العلامات الدالة على عظمة من انقطعوا إليه و هو اللّه تعالى- تفسير من باب الإشارة- ثم لتعلم أيها الأخ الولي أن أرض بدنك هي الأرض الحقيقية الواسعة التي أمرك الحق أن تعبده فيها، و ذلك لأنه ما أمرك أن تعبده في أرضه إلا ما دام روحك يسكن أرض بدنك، فإذا فارقها أسقط عنك التكليف مع وجود بدنك في الأرض مدفونا فيها، فتعلم أن الأرض ليست سوى بدنك، و جعلها واسعة لما وسعته من القوى و المعاني التي لا توجد إلا في هذه الأرض البدنية الإنسانية، و أما قوله:

(فَتُهاجِرُوا فِيها)

[إشارة: قلبك هو الكعبة في أرض بدنك‏]

فإنها محل للهوى و محل للعقل، فتهاجروا من أرض الهوى منها إلى أرض العقل منها، و أنت في هذا كله فيها ما خرجت عنها، فإن استعملك هواك أرداك و هلكت،و إن استعملك العقل الذي بيده سراج الشرع نجوت و أنجاك اللّه به؛ فإن العقل السليم المبرأ من صفات النقص و الشبه هو الذي فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمور على ما هي عليه، فعاملها بطريق الاستحقاق، فأعطى كل ذي حق حقه، و من لم يعبد اللّه في أرض بدنه الواسعة فما عبد اللّه في أرضه التي خلقه منها و ما دمت في أرض بدنك الواسعة مع وجود عقلك و سراج شرعك فأنت مأمور بعبادة ربك، فهذه الأرض البدنية لك على الحقيقة أرض اللّه الواسعة التي أمرك أن تعبده فيها إلى حين موتك،

و هو قوله تعالى: «قل‏ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ»– إشارة- لما خلق اللّه أرض بدنك جعل فيها كعبة و هو قلبك، و جعل هذا البيت القلبي أشرف البيوت في المؤمن، فأخبر أن السموات و فيها البيت المعمور، و الأرض و فيها الكعبة، ما وسعته و ضاقت عنه، و وسعه هذا القلب من هذه النشأة المؤمنة، و المراد هنا بالسعة العلم باللّه سبحانه، فهذا يدلك على أنها الأرض الواسعة، و أنها أرض عبادتك، فتعبده كأنك تراه من حيث بصرك، لأن قلبك محجوب أن يدركه بصرك، فإنه في الباطن منك، فتعبد اللّه كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله، و عين بصيرتك تشهده، فإنه ظاهر لها ظهور علم، فتراه بعين بصيرتك، و كأنك تراه من حيث بصرك،

فتجمع في عبادتك بين الصورتين، بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال، و بين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال، فتعبده مطلقا و مقيدا، و ليس ذلك لغير هذه النشأة، فلهذا جعل هذه النشأة المؤمنة حرمه المحرّم، و بيته المعظم المكرم، فكل من في الوجود يعبد اللّه على الغيب إلا الإنسان الكامل المؤمن، فإنه يعبده على المشاهدة، و لا يكمل العبد إلا بالإيمان، فله النور الساطع، بل هو النور الساطع الذي يزيل كل ظلمة، فإذا عبده على الشهادة رآه جميع قواه، فما قام بعبادته غيره، و لا ينبغي أن يقوم بها سواه، فما ثمّ من حصل له هذا المقام إلا المؤمن الإنساني، فإنه ما كان مؤمنا إلا بربه، فإنه سبحانه المؤمن.

و اعلم أنك إذا لم تكن بهذه المنزلة، و ما لك قدم في هذه الدرجة، فأنا أدلك على ما يحصل لك به الدرجة العليا، و هو أن تعلم أن اللّه ما خلق الخلق على مزاج واحد، بل جعله متفاوت المزاج، و هذا مشهود بالبديهة و الضرورة، لما بين الناس من التفاوت في النظر العقلي و الإيمان، و قد حصل لك من طريق الحق أن الإنسان مرآة أخيه، فيرى منه ما لا يراه الشخص من نفسه إلا بواسطة مثله، و اعلم أن المرائي مختلفة الأشكال،و أنها تصير المرئي عند الرائي بحسب شكلها من طول و عرض و استواء و عوج و استدارة، و نقص و زيادة و تعدد، و كل شي‏ء يعطيه شكل تلك المرآة، و قد علمت أن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم، و كل شخص منهم قبل من الرسالة قدر ما أعطاه اللّه في مزاجه من التركيب، فما من نبي إلا بعث خاصة إلى قوم معينين، لأنه على مزاج خاص مقصور، و أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم ما بعثه اللّه إلا برسالة عامة إلى جميع الناس كافة، و لا قبل هو مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج عام يحوي على مزاج كل نبي و رسول، فهو أعدل الأمزجة و أكملها، و أقوم النشآت،

فإذا علمت هذا و أردت أن ترى الحق على أكمل ما ينبغي أن يظهر به لهذه النشأة الإنسانية، فاعلم أنك ليس لك، و لا أنت على مثل هذا المزاج الذي لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، و أن الحق مهما تجلى لك في مرآة قلبك، فإنما تظهره لك مرآتك على قدر مزاجها و صورة شكلها، و قد علمت نزولك عن الدرجة التي صحت لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم في العلم بربه في نشأته، فالزم الإيمان و الاتباع، و اجعله أمامك مثل المرآة التي تنظر فيها صورتك و صورة غيرك، فإذا فعلت هذا، علمت أن اللّه تعالى لا بد أن يتجلى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم في مرآته، و قد أعلمتك أن المرآة لها أثر في ناظر الرائي في المرئي، فيكون ظهور الحق في مرآة محمد صلّى اللّه عليه و سلم أكمل ظهور و أعدله و أحسنه، لما هي مرآته عليه، فإذا أدركته في مرآة محمد صلّى اللّه عليه و سلم فقد أدركت منه كمالا لم تدركه من حيث نظرك في مرآتك، أ لا ترى في باب الإيمان و ما جاء في الرسالة من الأمور التي نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحيله العقول، و لو لا الشرع و الإيمان ما قبلنا من ذلك من حيث نظرنا العقلي شيئا البتة، بل نرده ابتداء و نجهّل القائل به،

فكما أعطاه بالرسالة و الإيمان ما قصرت العقول التي لا إيمان لها عن إدراكها ذلك من جانب الحق، كذلك قصرت أمزجتنا و مرائي عقولنا عند المشاهدة عن إدراك ما تجلى في مرآة محمد صلّى اللّه عليه و سلم أن تدركه في مرآتها، و كما آمنت به في الرسالة غيبا، شهدته في هذا التجلي النبوي عينا، فقد نصحتك و أبلغت لك النصيحة، فلا تطلب مشاهدة الحق إلا في مرآة نبيك صلّى اللّه عليه و سلم، و احذر أن تشهده في مرآتك، أو تشهد النبي و ما تجلى في مرآته في مرآتك، فإنه ينزل بك عن الدرجة العالية، فالزم الاقتداء و الاتباع، و لا تطأ مكانا لا ترى فيه قدم نبيك، فضع قدمك على قدمه، إن أردت أن تكون من أهل الدرجات العلى، و الشهود الكامل في المكانة الزلفى، و قد أبلغت لك النصيحة كما أمرت.

[سورة العنكبوت (29): آية 57]

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57)

من مات قامت قيامته، و إن خفيت بالأرض قامته، و ما مات أحد إلا بحلول أجله، و ما قبض إلا دون أمله، و الفوت في الموت لكل ميت، فإن الدار الدنيا محل بلوغ الأمل، ما لم يخترمه الأجل، هي مزرعة الآخرة فأين الزارع؟ و فيها تكسب المنافع، و الموت للمؤمن تحفة، و النعش له محفة، ينقله من العدوة الدنيا، إلى العدوة القصوى، حيث لا فتنة و لا بلوى، ليس بخاسر و لا مغبون، من كان أمله المنون، فإن فيه اللقاء الإلهي، و البقاء الكياني‏ «ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» فالكل إلى اللّه راجع، لأنه الاسم الجامع.

[سورة العنكبوت (29): الآيات 58 الى 64]

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (62)

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (64)

فسمى الحق الدار الآخرة دار الحيوان لحياتها، فأهلها يتنعمون فيها حسا و معنى، و الجنة أيضا أشد تنعما بأهلها الداخلين فيها، و لهذا تطلب ملأها من الساكنين، فالكل حيوان، فإن الدار الآخرة دار ناطقة ظاهرة الحياة، ثابتة العين، غير زائلة، بعكس الدار الدنيا فإنهاخفية الحياة، فانية ذاهبة العين، متبدلة الصورة و الوضع و الشكل، فما سماها اللّه بدار الحيوان إلا لأن الأمر ينكشف فيها للعموم، فما ترى فيها شيئا إلا حيا ناطقا، بخلاف حالك في الدنيا، فإنه في نفس الأمر لكل صورة من العالم روح أخذ اللّه بأبصارنا عن إدراك حياة ما تقول عنه إنه ليس بحيوان مما ليس له روح في الشاهد في نظر البصر في المعتاد.

[سورة العنكبوت (29): آية 65]

فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)

«فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» عند ما بدت لهم آيات اللّه غير المعتادة، ذهبت عنهم الغفلة «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» فعادوا إلى شركهم بعد إخلاصهم للّه.

[سورة العنكبوت (29): آية 66]

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَ لِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)

تهديد من الحق حيث يقولون في النار (يا لَيْتَنا نُرَدُّ) فيقول الحق تعالى: (وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) كما عاد أصحاب الفلك إلى شركهم و بغيهم بعد إخلاصهم للّه.

[سورة العنكبوت (29): آية 67]

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)

فنسب الحق الجعل إليه، و أطبق قلوب الكفار على ذلك، فجعل في قلوبهم أن يشرعوا الأمان لكل من دخله و لاذ به، جعل ذلك في قلوب المشركين و غيرهم ..

[سورة العنكبوت (29): آية 68]

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (68)

 

[سورة العنكبوت (29): آية 69]

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

[ «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» الآية]

– الوجه الأول- لما كان سبب الجهاد أفعالا تصدر من الذين أمرنا بقتالهم و جهادهم، و تلك الأفعال أفعال اللّه خلقا و تقديرا، فما جاهدنا إلا فيه لا في العدو، و إذا لم يكن عدوا إلا بها، فإذا جاهدنا فيه، و لكن بامتثال أمره، قال‏ «لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» التي قال فيها: (وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) يعني السبيل التي لكم فيها السعادة، و سبيل السعادة هي المشروعة، فبيّن لنا سبلها، فندخلها فلا نرى مجاهدا و مجاهدا فيه إلا اللّه، فكان قوله تعالى: «لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» أي نبين لهم حتى يعلموا فيمن جاهدوا، فيجاهدون عند ذلك أو لا يجاهدون، و لذلك تمم الآية بقوله: «وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» و الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإذا رأيته علمت أن الجهاد إنما كان منه و فيه-

الوجه الثاني- الرياضة لنفس الإنسان و المجاهدة لهيكله، فبالرياضة تهذبت أخلاقه، و سهل انقياده، و بالمجاهدة قل فضوله فظهر له ما فيه من الأصول و الفروع، فعلم بالمجاهدة من هو؟ و لمن هو؟ و هذه هي السبل‏ «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» فمن علم أن الهداية إلى سبل اللّه في الجهاد هرب إلى السلم من الحرب، و لا يجنح إلى السلم إلا من كان مشهوده ضعفه أو من كانت العين مشهوده، و لذا قال‏ «وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»– إشارة- «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» فأين أنت؟ بعد الجهاد تتضح السبل، و عند ذلك يكون السلوك عليها، و هو سفر، و السفر قطعة من العذاب، فإنه منتقل من عذاب إلى عذاب، فلا راحة.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 340

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=