تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره العنكبوت

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة العنكبوت

سورة العنكبوت‏

[1- 2]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)

الم‏ أي: الذات الإلهية و الصفات الحقيقية التي أصلها و أوّلها باعتبار النسبة إلى الغير العلم و الإضافية التي أوّلها و منشؤها المبدئية اقتضت أن لا يترك الناس على نقصانهم و غفلتهم و احتجابهم بمجرّد أقوالهم المطابقة للحق و ظواهر أعمالهم، بل يفتنوا بأنواع البليّات و يمتحنوا بالشدائد و الرياضات حتى يظهر ما كمن في استعدادتهم و أودع في غرائزهم. فإنّ الذات الإلهية أحبّت أن تظهر كمالاتها المخزونة في عين الجمع فأودعها معادن أعيان الناس، و أوجدها في عالم الشهادة، كما قال تعالى: كنت كنزا مخفيّا

الحديث. فتحبّب إليهم بالابتلاء بالنعم و النقم ليعرفوه عند ظهور صفاته عليهم فيصيروا مظاهر له في الانتهاء إليه، كما كانوا معادن و خزائن عند الابتداء منه، فإنّ كونه منتهى من لوازم كونه مبتدأ.

 

 

 

[3- 4]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 3 الى 4]

وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (4)

وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ من أهل الاستبصار و الاستعداد بأنواع المصائب و المحن و الرياضات و الفتن، حتى يتميز الصادق في الطلب، القابل للكمال بظهور كماله من الكاذب المهوّس الضعيف الاستعداد.

 

 

 

[5]

[سورة العنكبوت (29): آية 5]

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ‏ في أحد المواطن سواء كان موطن الثواب و الآثار أو موطن الأفعال أو موطن الأخلاق أو موطن الصفات أو موطن الذات‏ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ‏ في إحدى المقامات الثلاث‏ لَآتٍ‏ أي: فليتيقن وقوع اللقاء بحسب حاله و رجاءه عند الأجل المعلوم، و ليعمل الحسنات ليجد الكرامة في جنة النفس من باب الآثار و الأفعال عند الموت الطبيعي، أو ليجتهد في المحو بالرياضات و المراقبات ليشاهد في جنة القلب من تجليات الصفات و مقامات الأخلاق ما يشتهيه و يدّعيه عند الموت الإرادي، أو ليجاهد في اللّه حقّ جهاده بالفناء فيه ليجد روح الشهود و ذوق الجمال في جنة الروح عند الموت الأكبر و الطامّة الكبرى.

 

 

 

[6- 7]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 6 الى 7]

وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (7)

وَ مَنْ جاهَدَ في أي مقام كان لأيّ موطن أراد فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ‏. وَ الَّذِينَ آمَنُوا كل واحد من أنواع الإيمان المذكورة وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ بحسب إيمانهم‏ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ‏ سيئات أعمالهم و أخلاقهم، أو صفاتهم أو ذواتهم بأنوار ذاته‏ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ من أعمالنا الصادرة عن صفاتنا بدل أعمالهم.

 

 

 

[8- 24]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 8 الى 24]

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (10) وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (11) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (12)

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (13) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ هُمْ ظالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ وَ جَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (15) وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)

وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (22)

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (23) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24)

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ‏ إلى آخره، جعل أول مكارم الأخلاق إحسان الوالدين إذ هما مظهرا صفتي الإيجاد و الربوبية، فكان حقّهما يلي حقّ اللّه بقرن طاعتهما بطاعته لأن العدل ظلّ التوحيد، فمن وحّد اللّه لزمه العدل و أول العدل مراعاة حقوقهما لأنهما أولى الناس، فوجب تقديم حقوقهما على حق كل أحد إلا على حقه تعالى، و لهذا وجبت طاعتهما في كل شي‏ء إلا في الشرك باللّه.

 

 

 

[25- 44]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 25 الى 44]

وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَ لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (28) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)

قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏ قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (31) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32) وَ لَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالُوا لا تَخَفْ وَ لا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (34)

وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (37) وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِينَ (39)

فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)

إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ شيئا عبدتموه مودودا فيما بينكم‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أو أن كل ما اتخذتم من دون اللّه شيئا مودودا فيما بينكم في الحياة الدنيا، أو أن كل ما اتخذتم أوثانا مودود في هذه الحياة أو لمودّة بينكم في هذه على القراءتين. و المعنى: أن المودة قسمان: مودّة دنيوية و مودة أخروية، و الدنيوية منشؤها النفس من الجهة السفلية، و الأخروية منشؤها الروح من الجهة العلوية. فكل ما يحب و يودّ من دون اللّه لا للّه و لا بمحبة اللّه فهو محبوب بالمودّة النفسية، و هي هوى زائل كلما انقطعت الوصلة البدنية زالت و لم تصل إلى إحدى القيامات فإنها أنشأت من تركيب البدن و اعتدال المزاج، فإذا انحلّ التركيب و انحرف المزاج تلاشت و بقي التضادّ و التعاند بمقتضى الطبائع كقوله تعالى:

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً و لهذا شبهها ببيت العنكبوت في الوهن في قوله: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ‏ إلى آخر الآية.

و أما الأخروية فمنشؤها الذات الأحدية و المحبة الإلهية، و تلك المودّة هي التي تكون بين الأصفياء و الأولياء لتناسب الصفات و تجانس الذوات لا تتصفى غاية الصفاء و لا تتجرّد عن الغطاء إلا عند زوال التركيب و البروز عن حجب النفس و البدن في مقام القلب الروح لقربها من منبعها هناك فتصير يوم القيامة محبّة صرفة صافية الهيئة بخلاف تلك.

 

 

 

[45]

[سورة العنكبوت (29): آية 45]

اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (45)

اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ أي: فصّل ما أجمل فيك من كتاب العقل القرآني بسبب الوحي و نزول كتاب العلم الفرقاني، و أقم الصلاة المطلقة على ترتيب تفاصيل التلاوة و العلوم. و معناه: اجمع بين الكمال العلميّ و العمل المطلق، فإن لك بحسب كل علم صلاة و كما أن العلوم إما نافعة تتعلق بالآداب و الأعمال و إصلاح المعاش و هي علوم القوى من غيب الملكوت الأرضية، و إما شريفة تتعلق بالأخلاق و الفضائل و إصلاح المعاد و هي علوم النفس من غيب الصدر و العقل العلمي، و إما كلية يقينية تتعلق بالصفات و هي على نوعين: عقلية نظرية و كشفية سريّة، و كلاهما من غيب القلب و السرّ. و إما حقيقية تتعلق بالتجليات و المشاهدات، و هي من غيب الروح، و إما ذوقية لدنية تتعلق بالعشقيات و المواصلات و هي من غيب الخفاء.

و إما حقيّة من غيب الغيوب. و بحسب كل علم صلاة، فالأولى هي الصلاة البدنية بإقامة الأوضاع و أداء الأركان، و الثانية صلاة النفس بالخضوع و الخشوع و الانقياد و الطمأنينة بين الخوف و الرجاء، و الثالثة صلاة القلب بالحضور و المراقبة، و الرابعة صلاة السرّ بالمناجاة و المكالمة، و الخامسة صلاة الروح بالمشاهدة و المعاينة، و السادسة صلاة الخفاء بالمناغاة و الملاطفة، و لا صلاة في المقام السابع لأنه مقام الفناء و المحبة الصرفة الفناء في عين الوحدة.

و كما كان نهاية الصلاة الظاهرة و انقطاعها بظهور الموت الذي هو ظاهر اليقين و صورته كما قيل في تفسير قوله تعالى: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)[1]، فكذلك انتهاء الصلاة الحقيقية بالفناء المطلق الذي هو حق اليقين. و أما في‏ مقام البقاء بعد الفناء فيتجدّد جميع الصلوات الست مع سابعة و هي صلاة الحق بالمحبة و التفريد.

إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ فالصلاة البدنية تنهى عن المعاصي و السيئات الشرعية، و صلاة النفس تنهى عن الرذائل و الأخلاق الرديئة و الهيئات المظلمة، و صلاة القلب تنهى عن الفضول و الغفلة، و صلاة السرّ تنهى عن الالتفات إلى الغير و الغيبة، كماقال عليه السلام: «لو علم المصلي من يناجي ما التفت».

و صلاة الروح عن الطغيان بظهور القلب بالصفات كنهي صلاة القلب عن ظهور النفس بها، و صلاة الخفاء عن الاثنينية و ظهور الأنانية، و صلاة الذات تنهى عن ظهور البقية بالتلوين و حصول المخالفة في التوحيد وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ الذي هو ذكر الذات في مقام الفناء المحض، و صلاة الحق عند التمكين في مقام البقاء أكبر من جميع الأذكار و الصلوات‏ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ‏ في جميع المقامات و الأحوال و الصلوات.

 

 

 

[46- 48]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 46 الى 48]

وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَ كَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (47) وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48)

وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ إنما منع المجادلة مع أهل الكتاب إلا بالطريقة التي هي أحسن لأنهم ليسوا محجوبين عن الحق بل عن الدين، فهم أهل استعداد و لطف لا أهل خذلان و قهر. و إنما ضلّوا عن مقصدهم الذي هو الحق في الطريق لموانع و عادات و ظواهر فوجب في الحكمة مرافقتهم في المقصد الذي هو التوحيد كما قال: وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ و مرافقتهم في الطريق ما استقام منها و وافق طريق الحق، لا ما اعوجّ و انحرف عن المقصد كالانقياد و الاستسلام للمعبود بالحق الواحد المطلق كما قال: وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ ليتحقق عندهم أنهم على الحق متوجهون إلى مقصدهم سالكون لسبيله، فتطمئن قلوبهم.

و ملاطفتهم في بيان كيفية سلوك الطريق بتصويب ما هو حق مما هم عليه و تبصير ما هو باطل لاحتجابهم عنه بالعبادة، كقوله: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ لمناسبتهم و مشاركتهم إياهم في اللطف، فيستأنسوا بهم و يقبلوا قولهم و يهتدوا بهداهم إلا الذي ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فبطل استعدادهم و حجبوا عن ربّهم، و هم الذين ظلموا منهم على أنفسهم بإبطال استعداداتهم و نقص حقوقها من‏ كمالاتها بتكديرها و تسويدها، و منعها عن القبول بكثرة ارتكاب الفضول فإنهم أهل القهر لا يؤثر فيهم إلا القهر و لا تنجح فيهم الملاطفة للمضادّة بين الوصفين.

 

 

 

[49- 54]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 49 الى 54]

بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (49) وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52) وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (53)

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54)

بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ أي: القرآن علوم حقيقية ذوقية بيّنة، محلها صدور العلماء المحققين، و هي المعاني النازلة من غيب الغيوب إلى الصدر لا الألفاظ و الحروف الواقعة على اللسان و الذكر، و ما يجحد بها إلّا الكافرون المحجوبون لعدم الاستعداد، أو الظالمون الذين أبطلوا استعدادهم بالرذائل و الوقوف مع الأضداد وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ المحجوبين عن الحق لكونهم مغمورين في الغواشي الطبيعية و الحجب الهيولانية بحيث لم يبق فيهم فرجة إلى عالم النور فيستبصروا و يستضيئوا بها و يتنفسوا منها فيتروّحوا فيها.

 

 

 

[55- 68]

[سورة العنكبوت (29): الآيات 55 الى 68]

يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَ يَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)

وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (62) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (64)

فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَ لِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (68)

يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ‏ لحرمانهم عن الحق و احتجابهم عن النور و احتراقهم تحت القهر وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏ لحرمانهم اللذات و الشهوات و احتجابهم عنها بفقدان الأسباب و الآلات، و تعذّبهم بإيلام الهيئات و نيران الآثار و هم بين مبتلين شديدين و مشوقين قويين إلى الجهة العلوية بمقتضى الفطرة الأصلية، و إلى السفلية باقتضاء رسوخ الهيئة العارضية مع الحرمان عنهما و احتباسهم في برزخ بينهما نعوذ باللّه منه.

 

 

 

[69]

[سورة العنكبوت (29): آية 69]

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا من أهل الطريقة فِينا بالسير في صفاتنا، و هو السير القلبيّ لأن المبتدئ الذي هو في مقام النفس سيره بالجهاد إلى اللّه. و المجاهدة في هذا السير بالحضور و المراقبة و الاستقامة إلى اللّه في الثبات على حكم التجليات‏ لَنَهْدِيَنَّهُمْ‏ إلى طرق الوصول إلى الذات، و هي الصفات لأنها حجب الذات، فالسلوك فيها بالاتصاف بها موصل إلى حقيقة الاسم الثابت له تعالى بحسب الصفة الموصوف هو بها و هو عين الذات الواحدية و هي باب الحضرة الأحدية وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏ الذين يعبدون اللّه على المشاهدة، كما قال عليه السلام: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه»، فالمحسنون السالكون في الصفات و المتّصفون بها لأنهم يعبدون بالمراقبة و المشاهدة، و إنما

قال: «كأنك تراه»لأن الرؤية و الشهود العيني لا يكون إلا بالفناء في الذات بعد الصفات.


[1] ( 1) سورة الحجر، الآية: 99.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=