تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة المنافقون
سورة المنافقون
[1- 3]
[سورة المنافقون (63): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3)
الْمُنافِقُونَ هم المتذبذبون الذين يجذبهم الاستعداد الأصلي إلى نور الإيمان و الاستعداد العارضي الذي حدث برسوخ الهيئات الطبيعية و العادات الرديئة إلى الكفر، و إنما هم كاذبون في شهادة الرسالة لأن حقيقة معنى الرسالة لا يعلمها إلا اللّه و الراسخون في العلم الذين يعرفون اللّه و يعرفون بمعرفته رسول اللّه، فإن معرفة الرسول لا تمكن إلا بعد معرفة اللّه و بقدر العلم باللّه يعرف الرسول فلا يعلمه حقيقة إلا من انسلخ عن علمه و صار عالما بعلم اللّه و هم محجوبون عن اللّه بحجب ذواتهم و صفاتهم و قد أطفؤا نور استعداداتهم بالغواشي البدنية و الهيئات الظلمانية فأنى يعرفون رسول اللّه حتى يشهدوا برسالته ذلِكَ سبب بِأَنَّهُمْ آمَنُوا باللّه بحسب بقية نور الفطرة و الاستعداد ثُمَّ كَفَرُوا أي: ستروا ذلك النور بحجب الرذائل و صفات نفوسهم فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ برسوخ تلك الهيئات و حصول الرين من المكسوبات فحجبوا عن ربهم بالكلية فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ معنى الرسالة و لا علم التوحيد والدين.
[4- 6]
[سورة المنافقون (63): الآيات 4 الى 6]
وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (6)
وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لأن التناسب في أشكالهم و حسن مناظرهم و روائهم و كمال صباحتهم و وسامتهم دلّ على استعدادهم من جهة الفراسة و نمّ بنور فطرهم، و لهذا سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لقولهم: و استمع إلى كلامهم. فإن الصباحة و حسن المنظر لا يكون إلا من صفاء الفطرة في الأصل. و لما رأى غلبة الرين على قلوبهم و انطفاء نور استعدادهم و إبطال الهيئات البدنية العارضية خواصهم الأصلية آيس منهم و تعجب من حالهم بقوله: أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي: يصرفون عن النور إلى الظلمة و عن الحق إلى الباطل. و روي عن بعض الحكماء أنه رأى غلاما حسنا وجهه، فاستنطقه لظنه ذكاءه و فطنته فما وجد عنده معنى فقال:
ما أحسن هذا البيت لو كان فيه ساكن، و هذا معنى قوله: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أي: أجرام خالية عن الأرواح لا نفع فيها و لا ثمر كالأخشاب المسندة إلى الجدران عند الجفاف و زوال الروح النامية عنها، فهم في زوال استعداد الحياة الحقيقية و الروح الإنساني بمثابتها يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ لأن الشجاعة إنما تكون من اليقين، و اليقين من نور الفطرة و صفاء القلب، و هم منغمسون في ظلمات صفات النفوس محتجبون باللذات و الشهوات أهل الشك و الارتياب، فلذلك غلبهم الجبن و الخور فاحذرهم فقد بطل استعدادهم فلا يهتدون بنورك و لا تؤثر فيهم صحبتك لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ لضراوتهم بالأمور الظلمانية و اعتيادهم بالكمالات البهيمية و السبعية فلا يألفون النور و لا يشتاقون إليه و لا إلى الكمالات الإنسانية لمسخ الصورة الذاتية وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ يعرضون لانجذابهم إلى الجهة السفلية و الزخارف الدنيوية فلا ميل في طباعهم إلى الجهة العلوية و المعاني الأخروية وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ لغلبة الشيطنة و استيلاء القوة الوهمية و احتجابهم بالأنائية و قصور الخيرية لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لرسوخ الهيئات الظلمانية فيهم و زوال قبول استعداداتهم للهداية لفسقهم و خروجهم عن دين الفطرة القيم.
[7- 8]
[سورة المنافقون (63): الآيات 7 الى 8]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)
يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا لاحتجابهم بأفعالهم عن رؤية فعل اللّه و بما في أيديهم عما في خزائن اللّه فيتوهمون الإنفاق منهم لجهلهم و كذا توهموا العزّة و القدرة و لأنفسهم لاحتجابهم بصفاتهم عن صفات اللّه فقالوا: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ و لم يشعروا أن العزة و القوة و القدرة كلها أنوار ذات اللّه تعالى و صفاته اللازمة لذاته فبقدر القرب منه و الفناء فيه و المحو في صفاته تظهر على المظاهر الإنسية و لا أقرب إليه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثم المؤمنين المحققين الموقنين فلا أعز منه عليه السلام من جميع الخلق ثم الذين يلونه من المؤمنين وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ لمكان احتجابهم و شدّة ارتيابهم. و لقد قيض من نفس من تكلم بهذا الكلام من أخرجه و حبسه و لم يدعه يدخل المدينة حتى أقر بأن العزة للّه و لرسوله و للمؤمنين. روي أن القائل لذلك هو عبد اللّه بن أبيّ، فلما رجعوا إلى المدينة سلّ ابنه السيف و منع أباه من الدخول، فلم يزل حبيسا في يده حتى أذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و شهد هو بعزّة اللّه و رسوله و المؤمنين.
[9- 11]
[سورة المنافقون (63): الآيات 9 الى 11]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (9) وَ أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (11)
لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إن صدقتم في الإيمان، فإن قضية الإيمان غلبة حب اللّه على محبة كل شيء فلا تكن محبتهم و محبة الدنيا من شدّة التعلق بهم و بالأموال غالبة في قلوبكم على محبة اللّه فتحتجبوا بهم عنه فتصيروا إلى النار فتخسروا نور الاستعداد الفطري بإضاعته فيما يفنى سريعا، و تجرّدوا عن الأموال بإنفاقها وقت الصحة و الاحتياج إليها ليكون فضيلة في أنفسكم و هيئة نورية لها، فإن الإنفاق إنما ينفع إذا كان عن ملكة السخاء و هيئة التجرّد في النفس.
فأما عند حضور الموت فالمال للوارث لا له فلا ينفعه إنفاقه و ليس له إلا التحسر و التندم و تمنى التأخير في الأجل بالجهل فإنه لو كان صادقا في دعوى الإيمان و موقنا بالآخرة لتيقن أن الموت ضروري و أنه مقدّر في وقت معين قدّره اللّه فيه بحكمته فلا يمكن تأخره وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بأعمالكم و نياتكم فلا ينفع الإنفاق في ذلك الوقت و لا تمني التأخير في الأجل، و وعد التصدّق و الصلاح لعلمه بأنه ليس عن ملكة السخاء و لا عن التجرد و الزكاء بل من غاية البخل و حب المال كأنه يحسب أنه يذهب به معه و بأن ذلك التمني و الوعد محض الكذب و محبة العاجلة لوجود الهيئة المنافية للتصدّق و الصلاح في النفس و الميل إلى الدنيا، كما قال اللّه تعالى: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ[1]، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 345
[1] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 28.