تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الإنسان
سورة الإنسان
[1- 4]
[سورة الإنسان (76): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالاً وَ سَعِيراً (4)
هَلْ أَتى أي: قد أتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ فيه شَيْئاً مَذْكُوراً أي: على وجه التقرير و التقريب، أي: كان شيئا في علم اللّه بل في نفس الأمر لقدم روحه و لكنه لم يذكر فيما بين الناس لكونه في عالم الغيب و عدم شعور من في عالم الشهادة به.
إِنَّا هَدَيْناهُ سبيل الحق بأدلة العقل و السمع في حالتي كونه شاكرا مهتديا مستعملا لنعم المشاعر و الآلات و الوسائط فيما ينبغي أن يستعمل من الطاعات متوصلا بها إلى المنعم أَوْ كَفُوراً محتجبا بالنعم عن المنعم مستعملا لها في غير ما يحب أن يستعمل من المعاصي إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ المحتجبين بالنعم سَلاسِلَ الميول و المحبات إلى المشتهيات الجسمانية الموجبة لتقيدهم بها و الحرمان عن المقاصد الحقيقية في النيران و أغلال الصور و الهيئات المانعة عن الحركة في طلب المراد و سعير التعذيب في قعر الطبيعة و قهر الحرمان.
[5- 6]
[سورة الإنسان (76): الآيات 5 الى 6]
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6)
إِنَّ الْأَبْرارَ أي: السعداء الذين برزوا عن حجاب الآثار و الأفعال و احتجبوا بحجب الصفات غير واقفين معها بل متوجهين إلى عين الذات مع البقاء في عالم الصفات و هم المتوسطون في السلوك يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ محبة حسن الصفات لا صرفا بل كان في شرابهم مزج من لذة محبة الذات و هي العين الكافورية المفيدة للذة برد اليقين و بياض النورية و تفريح القلب المحترق بحرارة الشوق و تقويته، فإن للكافور خاصية التبريد و التفريح و البياض.
و الكافور عين يَشْرَبُ بِها صرفة عِبادُ اللَّهِ الذين هم خاصته من أهل الوحدة الذاتية المخصوص محبتهم بعين الذات دون الصفات، لا يفرقون بين القهر و اللطف و الرفق و العنف و البلاء و الشدة و الرخاء بل تستقر محبتهم مع الأضداد و تستمر لذاتهم في النعماء و السراء و الرحمة و الزحمة كما قال أحدهم:
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 392
| هواي له فرض تعطف أم جفا | و مشربه عذب تكدّر أم صفا |
| و كلت إلى المحبوب أمري كله | فإن شاء أحياني و إن شاء أتلفا |
و أما الأبرار فلما كانوا يحبون المنعم و اللطيف و الرحيم لم تبق محبتهم عند تجلي القهار و المبلي و المنتقم بحالها و لا لذتهم بل يكرهون ذلك يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً لأنهم منابعها لا اثنينية ثمة و لا غيرية، و إلا لم يكن كافور الظلمة حجاب الأنانية و الاثنينية و سواده.
[7]
[سورة الإنسان (76): آية 7]
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7)
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ أي: الأبرار يوفون العهد الذي كان بينهم و بين اللّه صبيحة يوم الأزل بأنهم إذا وجدوا التمكن بالآلات و الأسباب أبرزوا ما في مكامن استعداداتهم و غيوب فطرتهم من الحقائق و المعارف و العلوم و الفضائل و أخرجوها إلى الفعل بالتزكية و التصفية وَ يَخافُونَ يوم تجلي صفة القهر و السخط و الانتقام لكونهم و صفيين يَوْماً كانَ شَرُّهُ فاشيا منتشرا بالغا أقصى المبالغ باستيلاء الهيئات المظلمة و الحجب الساترة للنور من صفات النفس على القلب و هو نهاية مبالغ الشرّ.
[8]
[سورة الإنسان (76): آية 8]
وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8)
وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي: يتجرّدون عن المنافع المالية و يزكون أنفسهم عن الرذائل خصوصا عن الشحّ لكون محبة المال أكثف الحجب فيتصفون بفضيلة الإثار و يطعمون الطعام في حالة احتياجهم إليه لسدّ خلّة جوع من يستحقه، و يؤثرون به غيرهم على أنفسهم كما هو المشهور من قصة علي و أهل بيته عليهم الصلاة و السلام في شأن نزول الآية من الإيثار بالفطور على المستحقين الثلاثة و الصبر على الجوع و الصوم ثلاثة أيام أو يزكون أنفسهم عن رذيلة الجهل فيطعمون الطعام الروحاني من الحكم و الشرائع مع كونه محبوبا في نفسه على حبّ اللّه المسكين الدائم السكون إلى تراب البدن و اليتيم المنقطع عن تربية أبيه الحقيقي الذي هو روح القدس و الأسير المحبوس في أسر الطبيعة و قيود صفات النفس.
[9]
[سورة الإنسان (76): آية 9]
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (9)
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أي: قائلين في أنفسهم ذلك، ناوين بالإطعام رضا اللّه، فأن الأبرار يقصدون الخيرات مراضي اللّه لا الثواب لكونهم بارزين عن حجاب الأفعال إلى الصفات أو لذات اللّه و محبتها إذ الوجه عبارة عن الذات مع الصفات لكونهم سالكين سائرين في بيداء الصفات إلى مقصد الذات، غير واقفين معها لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً مكافأة وَ لا شُكُوراً و ثناء لعدم احتجابنا بالأغراض و الأعواض.
[10- 12]
[سورة الإنسان (76): الآيات 10 الى 12]
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (11) وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (12)
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يوم تجلي السخط و الغضب و ظهوره في صفة العبوس و القهر فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ بتجليه في صورة الرضا و اللطف وَ لَقَّاهُمْ نضرة الرضوان و سرور النعيم الدائم وَ جَزاهُمْ بصبرهم عن اللذات النفسانية و التزيينات الشيطانية في جنان الأفعال مع أنوار الصفات جنة الذات و حرير ملابس الصفات الإلهية النورانية اللطيفة.
[13]
[سورة الإنسان (76): آية 13]
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً (13)
مُتَّكِئِينَ في تلك الجنة على أرائك الأسماء التي هي الذات مع الصفات بحسب مقاماتهم و مراتبهم و درجاتهم منها لا يَرَوْنَ فِيها شمس حرارة الشوق إليها مع الحرمان و لا زمهرير برودة الوقوف مع الأكوان، فإن الوقوف مع الكون برد قاسر و ثقل عاصر.
[14]
[سورة الإنسان (76): آية 14]
وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14)
وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظلال الصفات قريبة منهم ساترة إياهم لاتصافهم بها و كونهم في روحها وَ ذُلِّلَتْ لهم قُطُوفُها من ثمار علوم توحيد الذات و توحيد الصفات و الأحوال و المواهب تَذْلِيلًا تاما كلما شاؤوا جنوها و تلذذوا و تفكهوا بها.
[15- 16]
[سورة الإنسان (76): الآيات 15 الى 16]
وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16)
وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ هي مظاهر حسن الصفات من محاسن الصور و كونها من فضة نوريتها و بياضها و زينتها و بهاؤها وَ أَكْوابٍ من صور أوصاف المجردات اللطيفة و الجواهر المقدسة لكونها بلا عرى التعلق بالمواد فلا يمكن قبضها بالعرى من غير الاتصال بذواتها و لكونها من عالم الغيب لم تكن مكشوفة الرأس كالأواني كانَتْ قَوارِيرَا لصفائها و تلألؤ نور الذات من ورائها، و كما قال في تشبيه القلب بالزجاجة: الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ[1] أي: في صفاء الزجاجة و ضياء الكوكب فكذلك هاهنا قال: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ أي: هي في صفاء الزجاجة و شفيفها و بياض الفضة و بريقها قَدَّرُوها تَقْدِيراً أي: على حسب استعداداتهم و مبالغ ريهم على قدر أشواقهم و إرادتهم كما قدّروا في أنفسهم وجدوها كما قيل: لا تغيض و لا تفيض.
[17- 18]
[سورة الإنسان (76): الآيات 17 الى 18]
وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18)
وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زنجبيل لذة الاشتياق، فإنهم لا شوق لهم ليكون شرابهم الزنجبيل الصرف الذي هو غاية حرارة الطلب لوصولهم، و لكن لهم الاشتياق للسير في الصفات و امتناع وصولهم على جميعها فلا تصفو محبتهم من لذة حرارة الطلب كما صفت لذة محبة المستغرقين في عين جميع الذات فكان شرابهم العين الكافورية الصرفة عَيْناً بدل من زنجبيلا أي: هو عين في الجنة لكون حرارة الشوق عين المحبة الناشئة من منبع الوحدة مع الهجران تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا لسلاستها في الحلق و ذوقها. فإن العشاق المهجورين الطالبين السالكين سبيل الوصال في ذوق و سكر من حرارة عشقهم لا يقاس به ذوق.
[19- 20]
[سورة الإنسان (76): الآيات 19 الى 20]
وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (20)
وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ من فيوض الأسماء الإلهية المتجلية عليهم في عالم القدس و هي الأنوار الملكوتية و الجبروتية المنكشفة عليهم في حضرات الصفات و جناتها. و لو كانت جنانهم من جنان الأفعال لطافت عليهم الحور مكان الولدان، لأن الأسماء مؤثرة في الأفعال و الصفات مصادرها و مبادئ الآثار و الهيئات و كونهم مخلّدين بقاؤهم على التجرّد أبدا إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً لنوريتهم و صفائهم و بساطة جواهرهم.
[21]
[سورة الإنسان (76): آية 21]
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21)
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ أي: تعلوهم ملابس سندس الأحوال و المواهب اللطيفة من أنوار الصفات البهيجة. و الخضرة عبارة عن البهجة و النضرة و إستبرق الأخلاق الإلهية وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ أي: زينوا بزينة المعاني المعقولة المنوّرة بنور الوجدان وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً من لذة محبة الذات و العشق الحقيقي الصرف الصافي عن كدر الغيرية و اثنينية الصفات الطاهر عن دنس ظهور الأنانية و البقية.
[22]
[سورة الإنسان (76): آية 22]
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)
إِنَّ هذا المذكور من الجنة و الأواني و الولدان و الشراب كانَ لَكُمْ جَزاءً لقيامكم بحق تجليات الصفات وَ كانَ سَعْيُكُمْ من الأعمال القلبية في مقامها كالخشية و الهيبة عند تجلي العظمة و الخضوع و الأنس عند تجلي صفة الرحمة و الإخلاص في طلب تجلي الوحدة و أمثال ذلك مَشْكُوراً بهذا الجزاء.
[23- 24]
[سورة الإنسان (76): الآيات 23 الى 24]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24)
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ بذاتنا دون من عدانا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ التجلي الأحدي الذاتي في مقام الفناء مع بلاء ظهور الأنانية و البقية، فإن الربّ في مقام نزول الصفات هو الذات وحدها وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً محتجبا بالصفات و الأحوال أو بذاته عن الذات و بصفات نفسه و هيئاتها عن الصفات أَوْ كَفُوراً محتجبا بالأفعال و الآثار واقفا معها بأفعاله و مكسوباته عن الأفعال فتحتجب بموافقتهم.
[25]
[سورة الإنسان (76): آية 25]
وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (25)
وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ أي: ذاتك الذي هو الاسم الأعظم من أسمائه بالقيام بحقوقه و إظهار كمالاته بُكْرَةً وَ أَصِيلًا في المبدأ و المنتهى بالصفات الفطرية من وقت طلوع النور الإلهي بإيجادها في الأزل و إيداع كمالاته فيها و غروبه بتعيينها و احتجابه بها و إظهارها مع كمالاتها.
[26]
[سورة الإنسان (76): آية 26]
وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26)
وَ مِنَ اللَّيْلِ و خصص مقام النفس أو القلب حال البقاء بعد الفناء و الرجوع إلى الخلق للتشريع بسجود الفناء و العبادة الحقانية فإن الدعوة لا تمكن إلا بحجاب القلب و وجود النفس فَاسْجُدْ لَهُ سجود الفناء برؤية بقاء نفسك بالحق و فناء البشرية بالكلية فتكون موجودا به لا بها، و نزّهه عن المعيّة و الاثنينية و الأنانية و ظهور البقية لَيْلًا طَوِيلًا بقاء دائما أبديّا ما دمت في ذلك المقام.
[27]
[سورة الإنسان (76): آية 27]
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)
إِنَّ هؤُلاءِ أي: المحتجبين بالآثار و الأفعال أو الصفات يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي:
شاهدهم الحاضر من الذوق الناقص وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يوم التجلي الذاتي، أي: القيامة الكبرى الشاق المعتبر الذي لا يحتمله أحد.
[28]
[سورة الإنسان (76): آية 28]
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ بتعيين استعداداتهم وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ قوّيناهم بالميثاق الأزلي و الاتصال الحقيقي وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ بأن نسلب أفعالهم بأفعالنا و نمحو صفاتهم بصفاتنا، و نفني ذواتهم بذواتنا فيكونوا أبدالا.
[29- 30]
[سورة الإنسان (76): الآيات 29 الى 30]
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَ ما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)
إِنَّ هذِهِ تذكير لسلوك طريقي و السير فيّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ سبيلا إليّ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا بمشيئتي بأن أريدهم فيريدوني فتكون إرادتهم مسبوقة بإرادتي، بل عين إرادتي الظاهرة في مظاهرهم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما أودع فيهم من العلوم حَكِيماً بكيفية إيداعها و إبرازها فيهم بإظهار كمالهم.
[31]
[سورة الإنسان (76): آية 31]
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بإفاضة ذلك الكمال المودع فيه عليه و إظهاره وَ الظَّالِمِينَ الباخسين حقهم الناقصين حظهم منها بالاحتجاب عنها، أو الواضعين نور فطرتهم الذي هو النور الإلهي الأصلي الحاصل من اسمه المبدئ في غير موضعه من محبة الأنداد و الاحتجاب بالآثار و عبادة الأغيار أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً بالوقف على الربّ لوقوفهم مع الغير ثم على النار لوقوفهم مع الآثار مؤلما إيلاما شديدا.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 397
[1] ( 1) سورة النور، الآية: 35.