تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سوره النازعات
سورة النازعات
[1- 7]
[سورة النازعات (79): الآيات 1 الى 7]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً (1) وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً (2) وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً (3) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (4)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)
أقسم بالنفوس المشتاقة التي غلب عليها النزوع إلى جناب الحق، غريقة في بحر الشوق و المحبة التي تنشط من مقرّ النفس و أسر الطبيعة أي: تخرج من قيود صفاتها و علائق البدن كقولهم: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد، أو من قولهم: نشط من عقاله. و التي تسبح في بحار الصفات فتسبق إلى عين الذات و مقام الفناء في الوحدة فتدبر بالرجوع إلى الكثرة أمر الدعوة إلى الحق و الهداية و أمر النظام في مقام التفصيل بعد الجمع، و بالكواكب السيارة التي تنزع من المشرق إلى المغرب مفرقة في سيرها إلى أقصى المغرب و تخرج من برج إلى برج و تسبح في أفلاكها فيسبق بعضها بعضا في السير و تدبر أمر العالم فيما نيط بها و بسيرها، أو بالملائكة من النفوس الفلكية التي تنزع الأرواح البشرية من الأجساد إغراقا في النزع من أقاصي البدن، أنامله و أظفاره، و التي تخرجها من الأبدان من قولهم: نشط الدلو من البئر، إذا أخرجها. و التي تسبح في جريها فيما أمرت به فتسبق إليه فتدبر المأمور به على الوجه الذي أمر به. و المقسم عليه محذوف كما ذكر غير مرة أي: لتبعثنّ، و يدل عليه قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ أي: تقع الواقعة التي ترجف لها أرض الجسد و جبال الأعضاء و هي النفخة الأولى أو وقت زهوق الروح تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أي: النفخة الثانية و هي الإحياء بالبعث.
[8- 13]
[سورة النازعات (79): الآيات 8 الى 13]
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (8) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (10) أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (11) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (12)
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (13)
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ أي: وقت وقوع الرجفة في حال النزع واجِفَةٌ مضطربة أَبْصارُها خاشِعَةٌ ذليلة يَقُولُونَ المحجوبون المنكرون البعث على سبيل الإنكار أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ في الطريقة الأولى من الحياة بعد صيرورتنا عظاما بالية فنحن إذا خاسرون إن صح ذلك فَإِنَّما هِيَ أي: الرادفة التي هي الرجفة إلى الحياة بالبعث زَجْرَةٌ أي: صيحة واحِدَةٌ هي تأثير الروح الإسرافيلي في تعلق هذه الروح المفارقة بالمادة القابلة لها دفعة فتحيا و ذلك يوم القيامة الصغرى.
[14- 15]
[سورة النازعات (79): الآيات 14 الى 15]
فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (15)
فَإِذا هُمْ أي: فاجؤوا الحصول بِالسَّاهِرَةِ وقت هذه النفخة أي: النفخ و الكون بالساهرة في آن واحد، و الساهرة أرض بيضاء مستوية أي: عالم الروح الإنساني المفارق الغير الكامل، فإنها أرض بالنسبة إلى سماء عالم القدس الذي هو مأوى الكمل، سميت بالساهرة لنوريتها و بساطتها أو الروح الحيواني لاتصال الأرواح الإنسية الناقصة بها عند البعث فتلبثها بها ضرورة انجذابها إلى المادة و يمكن أن يكون إشارة إلى المحل الذي تتصل به الروح عند البعث لبياضه و استواء أجزائه.
[16- 17]
[سورة النازعات (79): الآيات 16 الى 17]
إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (16) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (17)
إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ الوادي المقدّس هو عالم الروح المجرّد لتقدّسه عن التعلق بالمواد و اسمه طُوىً لانطواء الموجودات كلها من الأجسام و النفوس تحته و في طيه و قهره و هو عالم الصفات و مقام المكالمة من تجلياتها، فلذلك ناداه بهذا الوادي. و نهاية هذا العالم هو الأفق الأعلى الذي رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عنده جبريل على صورته طَغى أي: ظهر بأنانيته، و ذلك أن فرعون كان ذا نفس قوية حكيما عالما سلك وادي الأفعال و قطع بوادي الصفات و احتجب بأنانيته و انتحل صفات الربوبية و نسبها إلى نفسه و ذلك تفرعنه و جبروته و طغيانه فكان ممن
قال فيه صلى اللّه عليه و سلم: «شرّ الناس من قامت القيامة عليه و هو حيّ»
لقيامه بنفسه و هواها في مقام توحيد الصفات و ذلك من أقوى الحجب.
[18- 19]
[سورة النازعات (79): الآيات 18 الى 19]
فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (18) وَ أَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (19)
هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى بالفناء عن أنائيتك وَ أَهْدِيَكَ إِلى الوحدة الذاتية بالمعرفة الحقيقية فَتَخْشى و تلين أنانيتك فتفنى.
[20- 33]
[سورة النازعات (79): الآيات 20 الى 33]
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (20) فَكَذَّبَ وَ عَصى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (22) فَحَشَرَ فَنادى (23) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى (25) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (26) أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (27) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (28) وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها (29)
وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها (31) وَ الْجِبالَ أَرْساها (32) مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ (33)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى أي: الهوية الحقيقية بالتوحيد العلمي و الهداية الحقانية فلم يرها لقوة حجابه و رسوخ توهمه فكذبه في أنّ وراء ما بلغ من المقام رتبة وَ عَصى أمره لتفرعنه و عتوّه ثُمَّ أَدْبَرَ عن مقام توحيد الصفات الذي هو فيه لذنب حاله و توجه إلى مقام النفس بالكلية لعناده و استيلاء نفسه و شدة ظهورها بالدعوى يَسْعى في دفع موسى بالمكايد الشيطانية و الحيل النفسانية فردّ عن جناب القدس مطرودا و ازداد حجابه فتظاهر بقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أو نازع الحق لشدة ظهور أنائيته رداء الكبرياء فقهر و قذف في النار ملعونا كما
قال تعالى: «العظمة إزاري و الكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار».
و يروى: قصمته، و ذلك القهر هو معنى قوله: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى* إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى فيخشع و تلين نفسه و تنكسر فلا تظهر.
[34]
[سورة النازعات (79): آية 34]
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (34)
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى أي: تجلى نور الوحدة الذاتية الذي يطمّ على كل شيء فيطمسه و يمحوه.
[35]
[سورة النازعات (79): آية 35]
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (35)
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ سعيه في الأطوار من مبدأ فطرته إلى فنائه و سلوكه في المقامات و الدرجات حتى وصل إلى ما وصل فيشكره.
[36]
[سورة النازعات (79): آية 36]
وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (36)
وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أي: نار الطبيعة الآثارية لِمَنْ يَرى ممن بصر بنور اللّه و برز من الحجاب للّه دون العمي المحجوبين الذين يحترقون بناره و لا يرونه، فيومئذ يصير الناس في شهوده قسمين.
[37- 39]
[سورة النازعات (79): الآيات 37 الى 39]
فَأَمَّا مَنْ طَغى (37) وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39)
فَأَمَّا مَنْ طَغى أي: تعدّى طور الفطرة الإنسانية و جاوز حدّ العدالة و الشريعة إلى الرتبة البهيمية أو السبعية و أفرط في تعدّيه وَ آثَرَ الْحَياةَ الحسيّة على الحقيقية بمحبة اللذات السفلية فَإِنَّ الْجَحِيمَ مأواه و مرجعه.
[40- 44]
[سورة النازعات (79): الآيات 40 الى 44]
وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (41) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (44)
وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ بالترقي إلى مقام القلب و مشاهدة قيوميته تعالى على نفسه وَ نَهَى النَّفْسَ لخوف عقابه أو قهره عَنِ هواها فَإِنَّ الْجَنَّةَ مأواه على حسب درجاته إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي: في أي شيء أنت من علمها، و ذكرها إنما إلى ربك ينتهي علمها فإن من عرف القيامة هو الذي انمحى علمه أولا بعلمه تعالى ثم فنيت ذاته في ذاته فكيف يعلمها و لا علم له و لا ذات، فمن أين أنت و غيرك من علمها بل لا يعلمها إلا اللّه وحده.
[45- 46]
[سورة النازعات (79): الآيات 45 الى 46]
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46)
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها لإيمانه بها تقليدا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها أي:
وقت غروب نور الحق في الأجساد أو وقت طلوعه من مغربه، أي: وقت رؤيتهم القيامة بالفناء في الوحدة تيقنوا إن لم يكن لهم وجود قط إلّا توهما باللبث في عالم الأجسام و الاحتجاب بالحس أو في عالم الأرواح و الاحتجاب بالعقل و هما المراد بقول من قال:
خطوتين و قد وصلت، أي: إذا جزت هذين الكونين فقد وصلت، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 408