تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة القارعة
سورة القارعة
[1- 3]
[سورة القارعة (101): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (1) مَا الْقارِعَةُ (2) وَ ما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (3)
الْقارِعَةُ الداهية التي تقرع الناس و تهلكهم و هي إما القيامة الكبرى أو الصغرى، فإن كانت الكبرى فمعناها الحالة التي تفني المقروع من تجلي الذات الأحدية و إفناء البشرية بالكلية و هي حالة لا يعرف كنهها و لا يقدر قدرها، تقرعهم.
[4- 5]
[سورة القارعة (101): الآيات 4 الى 5]
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ أي: يكونون في ذلك الشهود في الذلة و تفرّق الوجهة كالفراش المنتثر و أحقر و أذلّ لأنه لا قدر و لا وقع لهم في عين الموحد كقوله: لن يكمل إيمان المرء حتى يكون الناس عنده كالأباعر أو كالفراش الْمَبْثُوثِ إذا احترق و انبثّ بالنار لنظره إليهم بعين الفناء.
وَ تَكُونُ الْجِبالُ أي: الأكوان و مراتب الوجود على اختلاف أصنافها و أنواعها كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ لصيرورتها هباء منبثّا و انتقاعها و تلاشيها بالتجلي و إن كان المراد بالناس المقروعين من أهل الكبرى فمعناها: كالفراش المبثوث المحترق بنور التجلي المتلاشي لا غير، و تكون الجبال أي: ذواتهم و صفاتهم مع اختلاف مراتبها و ألوانها كالعهن المنفوش في التلاشي، إلا أن قوله: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (8) لا يساعده لانتفاء التفصيل هناك.
و اعلم أن ميزان الحق بخلاف ميزان الخلق، إذ صعود الموزونات و ارتفاعها فيه هو الثقل و هبوطها و انحطاطها هو الخفّة لأن ميزانه تعالى هو العدل و الموزونات الثقيلة أي: المعتبرة الراجحة عند اللّه التي لها قدر و وزن عنده هي الباقيات الصالحات و لا ثقل أرجح من البقاء الأبديّ، و الخفيفة التي لا وزن لها و لا قدر و لا اعتبار عند اللّه هي الفانيات الفاسدات من اللذات الحسية و الشهوات. و لا خفّة أخفّ من الفناء الصرف.
[6- 7]
[سورة القارعة (101): الآيات 6 الى 7]
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7)
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بأن كانت من العلوم الحقيقية و الفضائل النفسانية و الكمالات القلبية و الروحانية فَهُوَ فِي عِيشَةٍ ذات رضا، أي: حياة حقيقية في جنان الصفات فوق جنان الأفعال.
[8- 11]
[سورة القارعة (101): الآيات 8 الى 11]
وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (9) وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ (10) نارٌ حامِيَةٌ (11)
وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بأن كانت من الأعمال السيئة و الرذائل النفسانية فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ أي: مأواه قعر بئر جهنم الطبيعة الجسمانية التي تهوي فيها أهلها وَ ما أَدْراكَ حقيقتها و كنه حالها إنها نارٌ آثارية حامِيَةٌ بالغة إلى نهاية الإحراق. و يكون معنى: أمّه هاوية، إنه هالك، و ما أدراك ما الداهية التي يهلك بها نار حامية و إن كانوا من أهل الصغرى فمعناها الحالة التي تقرع الناس بشدّتها و هي الموت يوم يكون الناس بفراقهم عن الأبدان و انبعاثهم من مراقدها و قصدهم إلى ضوء عالم النور و ذلّتهم و خشوعهم و تفرّق مقاصدهم و تحيرهم بحسب تفرّق عقائدهم و أهوائهم كالفراش المبثوث و تكون جبال الأعضاء في اختلاف ألوانها و أصنافها و تفرّق أجزائها و تفتتها و صيرورتها هباء كالعهن المنفوش و الباقي بحاله كما ذكر، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 455