تفسیر ابن عربی سوره البقره

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آية 31-60

[سورة البقرة (2): آية 31]

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31)

[فى الاسماء]

لما كان للإنسان المنصب العالي بالخلافة كان العين المقصودة من العالم وحده، و ظهر هذا الكمال في آدم عليه السلام في قوله تعالى: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» فأكدها بالكل و هي لفظة تقتضي الإحاطة و العموم، فشهد له الحق بذلك، كما ظهر هذا الكمال في محمد صلّى اللّه عليه و سلم أيضا بقوله «فعلمت علم الأولين و الآخرين»، فدخل علم آدم في علمه فإنه من الأولين و ما جاء بالآخرين إلا لرفع الاحتمال عند السامع إذا لم يعرف ما أشرنا إليه، و هو صلّى اللّه عليه و سلم قد أوتي جوامع الكلم بشهادته لنفسه، و في الأسماء التي علمها اللّه آدم عليه السلام وجوه- الأول- «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» فما بقي اسم في الحضرة الإلهية إلا ظهر له، فعلم جميع أسماء خالقه، و هي الأسماء التي ما أثنت الملائكة على اللّه بها، و لم تعط بعد آدم عليه السلام إلا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، و هو العلم الذي كنى عنه بأنه جوامع الكلم، فكان آدم العابد بكل شرع، و المسبح بكل لسان، و القابل لكل تجلي. و أما الأسماء الخارجة عن الخلق و النسب فلا يعلمها إلا هو، لأنه لا تعلق لها بالأكوان و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم في دعائه «أو استأثرت به في علم غيبك» يعني من الأسماء الإلهية، و إن كان معقول الأسماء ما يطلب الكون، و لكن الكون لا نهاية لتكوينه، فلا نهاية لأسمائه. فأعطى الحق آدم جميع الأسماء الإلهية كلها فسبحه بكل اسم إلهي له بالكون تعلق، و مجده و عظمه، لا اسم القصعة و القصيعة الذي ذهب إليه من لا علم له بشرف الأمور، و لذلك قالت الملائكة: «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ»

______________________________
هذا التفسير و الترجمة عن هذا، قوله تعالى بعد كلامهم (31) «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» و ما تقدم لهم في اللفظ ذكر

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 110

و لا يقدس و لا يسبح إلا بأسمائه، فأعلمهم بأن للّه أسماء في العالم ما سبحته الملائكة و لا قدسته بها و قد علمها آدم، فلما أحضر ما أحضره من خلقه مما لا علم للملائكة به فقال: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ» التي يسبحوني بها و يقدسوني‏ «قالُوا لا عِلْمَ لَنا» فقال لآدم: «أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» فلما أنبأهم بأسمائهم، علموا أن للّه أسماء لم يكن لهم بها علم يسبحه بها هؤلاء الذين خلقهم، و علمها آدم فسبح اللّه بها، كما قال للملائكة لما طافت به البيت: «ما كنتم تقولون»؟ قالت الملائكة: «كنا نقول في طوافنا به قبلك سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر» فقال لهم آدم: «و أنا أزيدكم لا حول و لا قوة إلا باللّه» أعطاه اللّه إياه من كنز من تحت العرش، لم تكن الملائكة تعلم ذلك، فلو أراد المفسر بالقصعة و القصيعة الاسم الإلهي المتوجه على الصغير و الكبير، فسبحه الصغير في تصغيره، بما لا يسبحه به الكبير في تكبيره، أصاب، و إنما قصد لفظة القصعة و القصيعة و لا شرف في مثل هذا، فإنه راجع إلى ما يصطلح عليه، إذ لها في كل لسان اسم مركب من حروف لا يشبه الاسم الآخر، فليس المراد إلا ما تقع به الفائدة، التي يماثل بها قول الملائكة في فخرها على الإنسان أنها مسبحة و مقدسة، فأراها اللّه تعالى شرف آدم من حيث دعواها، و هو ما ذكرناه ليس غيره، و ما ثم في المخلوقات أشرف من الملك، و مع هذا فقد فضل عليه الإنسان الكامل بعلم الأسماء- الوجه الثاني- اعلم أن الاسم لما كان يدل على المسمى بحكم المطابقة فلا يفهم منه غير مسماه، كان عينه في صورة أخرى تسمى اسما، فالاسم اسم له و لمسماه، و أراد اللّه أن يعرف بالمعرفة الحادثة لتكمل مراتب المعرفة، و يكمل الوجود بوجود المحدث و لا يمكن أن يعرف الشي‏ء إلا نفسه أو مثله، فلا بد أن يكون الموجود الحادث الذي يوجده اللّه للعلم به على صورة موجده حتى يكون كالمثل له، فإن الإنسان الكامل حقيقة واحدة، و لو كان بالشخص ما كان، مما زاد على الواحد، فهو عين واحدة، فلما نصبه في الوجود مثلا، تجارت إليه الأسماء الإلهية بحكم المطابقة من حيث ما هي الأسماء ذات صور و حروف لفظية و رقمية، كما أن الإنسان ذو صورة جسمية. فكانت هذه الأسماء

______________________________
بدعوى علم عام، حتى يقال لهم هذا إلا على الوجه الذي ذكرناه، و أما من جعل قوله‏ «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في قولهم‏ (أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ) فلا خفاء على ذي بصيرة ما فيه من الخلل، لوجود الفساد و سفك الدماء الذي وقع من بني آدم، و إنما يمكن أن يكون جوابهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 111

الإلهية على هذا الإنسان الكامل أشد مطابقة منها على المسمى اللّه، و لما كان المثل عن مثله متميزا بأمر لا يتمكن أن يكون ذلك الأمر إلا له، و لا يكون لمثله كان الأمر في الأسماء التي يتميز المثل عن مثله به و لا يشاركه فيه من جانب الحق الاسم اللّه، فعيّن ما اختص به المثل عن مثله، و كان للمثل الآخر الاسم الإنسان الكامل الخليفة مما اختص به هذا المثل الكوني، و أسماء الحق الباقية مركبة من روح و صورة، فمن حيث صورتها تدل بحكم المطابقة على الإنسان، و من حيث روحها و معناها تدل بحكم المطابقة على اللّه، و لنا حالة و له حالة، و الأسماء تتبع الأحوال، فالأمر بيننا و بينه على السواء، مع الفرقان الموجود المحقق، بأنه الخالق و نحن المخلوقون، و هو اللّه و أنا الإنسان الخليفة، فأعطى اللّه آدم كل الأسماء المتوجهة على إيجاد العالم، و هي الأسماء الإلهية التي يطلبها العالم بذاته، و إن كان وجوده عنها فقال صلّى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه خلق آدم على صورته» إذ كانت الأسماء له و عنها وجد العالم، فأوجد اللّه العالم إنسانا كبيرا، و جعل آدم و بنيه مختصر هذا العالم، فبعنايته الأزلية بنا أعطانا الوجود على الصورة، و لم يعطنا السورة التي هي منزلته، فإن منزلته الربوبية، و منزلتنا المربوبية- الوجه الثالث- «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» كما سبق أن أوضحنا أن العالم كله تفصيل آدم، و آدم هو الكتاب الجامع، و ما علمت الملائكة من آدم إلا ظاهر نشأته، و جهلوا باطنه، و هو حقيقة ما خلقه اللّه عليه من الصورة، فلو علموا باطنه لرأوا الملائكة جزءا من خلقه، فجهلوا أسماءه الإلهية التي نالها بهذه الجمعية لما كشف له عنه فأبصر ذاته، فعلم مستنده في كل شي‏ء، و من كل شي‏ء، و كل تقتضي الإحاطة و هي الأسماء التي لها تعلق و توجه على إيجاد العالم العنصري و غيره، الذي هو آدم جامع لفطرته فهي الأسماء الإلهية التي وجدت عنها الأكوان كلها، و لها التأثير و الخاصية و لم تعطها الملائكة، فأعطاه علمها من حيث ما هي عليه من الخواص التي يكون عنها الانفعالات، فيتصرف بها في العالم تصرفها، فإن لكل اسم خاصة في الفعل في الكون، يعلمها من يعلم علم الحروف و ترتيبها،

______________________________
على الفساد و سفك الدماء أن لو لم يقع من بني آدم شي‏ء من ذلك، لا مشروع و لا غير مشروع، فكان ما أردناه أظهر في الترجمة، فأما قوله تعالى‏ «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) يعني أسماء الأشياء، «ثُمَّ عَرَضَهُمْ» يعني أعيان المسميات بتلك الأسماء، في حضرة من الحضرات الوجودية، و لكن‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 112

من حيث ما هي مرقومة، و من حيث ما هي متلفظ بها، و من حيث ما هي متوهمة في الخيال. «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ» يعني: الأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاد حقائق الأكوان، و من جملتها الأسماء الإلهية التي توجهت على الملائكة، و الملائكة لا تعرفها، ثم أقام المسمين بهذه الأسماء و هي التجليات الإلهية التي هي للأسماء كالمواد الصورية للأرواح‏ «فَقالَ» تعالى للملائكة: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ» يعني الصور التي تجلى فيها الحق، و الأسماء هنا: هي الأسماء الإلهية التي توجهت على الأشياء المشار إليها بقوله‏ «هؤُلاءِ» فالهاء للإشارة و التنبيه، و لا تقع الإشارة إلا على حاضر، فنقول إنه عاين المسميات لكن على صورة ما فأراد الحق بالأسماء هنا الأسماء الإلهية التي استند إليها المشار إليهم بهؤلاء في إيجادهم و أحكامهم، و المسميات هي التي عرضها على الملائكة و المشار إليها بقوله‏ «هؤُلاءِ» أي هل سبحتموني بها؟ و قدستموا لي؟ فإنكم زعمتم أنكم تسبحون بحمدي و تقدسون لي! إذ كان الإنباء بالأسماء عين الثناء على المسمى، و الناس يأخذون هذه الآية على أن الأسماء هي أسماء المشار إليهم من حيث دلالتها عليهم، كدلالة زيد في علميته على شخص زيد، و عمرو على شخص عمرو، و أي فخر في ذلك على الموصوفين بالعلم و هم الملائكة، و ما تفطن الناس لقولهم: «نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» و قد فاتهم من أسماء اللّه تعالى ما توجهت على هؤلاء المشار إليهم، و لذلك قال تعالى للملائكة: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في قولكم‏ «نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» هل سبحتموني بهذه الأسماء التي تقتضيها هذه التجليات التي أتجلاها لعبادي؟ و «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في قولكم: «وَ نُقَدِّسُ لَكَ» أي قدستموني بها أو «نُقَدِّسُ لَكَ» ذواتنا عن الجهل بك، فهل قدستم ذواتكم لنا من جهلكم بهذه التجليات، و ما لها من الأسماء التي ينبغي أن تسبحوني بها؟ فكان ذلك توبيخا من الحق للملائكة، و تقريرا، فإنهم زكوا نفوسهم، و جرحوا خليفة اللّه في أرضه، و لم يكن ينبغي لهم ذلك. فقالت الملائكة ما ذكر اللّه.

______________________________
لم يتبين لنا أية حضرة كانت، لكنه أخبر أنه وقعت الإشارة عليهم للملائكة، فدل على وجود أعيانهم للملائكة، و هل كانوا موجودين لهم من حيث أعيانهم؟ لم يتعرض لتعريف ذلك في هذه الآية، و لو قال عرضها لجاز يعني الأسماء، فيسألهم عن مدلولاتها من هم؟ و لكن ما ذكر إلا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 113

[سورة البقرة (2): آية 32]

قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

«قالُوا» أي قالت الملائكة: «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا» فمن علمهم باللّه أنهم ما أضافوا التعليم إلا إليه تعالى‏ «إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ» بما لا يعلم‏ «الْحَكِيمُ» بترتيب الأشياء مراتبها، فأعطيت هذا الخليفة ما لم تعطنا مما غاب عنا. و الأسماء الإلهية منها ما كانت الملائكة تعلمه، و ما اختص آدم إلا بالكل، و ما عرض من المسميات إلا ما كانت الملائكة تجهله، و ما صحت الخلافة للعبد الإنسان الكامل إلا بقبوله لجميع الأسماء الإلهية التي بأيدينا، و بها صحت الخلافة، و فضل على الملائكة، فالخليفة إن لم يظهر فيمن هو خليفة عليه بأحكام من استخلفه و صورته في التصرف فيه و إلا فما هو خليفة له، و استخلاف الرب عبده خلافة مقيدة بحسب ما تعطيه ذاته و نشأته، بعكس استخلاف العبد ربه لما اتخذه وكيلا، فهي خلافة مطلقة و وكالة مفوضة.

[سورة البقرة (2): آية 33]

قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

اعلم أن للأسماء أنوارا تظهر مسمياتها حقا و خلقا، و هذه الأنوار كانت لآدم عليه السلام‏

______________________________
أن المعروض هو المسميات، بقوله تعالى‏ «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ» (33) «قالُوا» قالت الملائكة «سُبْحانَكَ» أي أنت المنزه أن تتصف بجهل شي‏ء من المعلومات بمثل ما اتصفنا «لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ» بكل شي‏ء «الْحَكِيمُ» أي المرتب للأشياء على ما ينبغي لها أن تكون، و منها جعلك هذا الإنسان خليفة في الأرض، و لو لا قرائن الأحوال لكان قولهم‏ (أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) استعلاما من الحق عن ذلك لا على جهة الإنكار و الاعتراض، و لهذا عدلنا به إلى غلبة الغيرة عليهم، بما علموه من مخالفتهم لأوامر اللّه، و قد أرى اللّه الملائكة سفك الدماء في ذات اللّه، و الفساد في مرضاة اللّه، و أنزلهم يوم بدر مقاتلين فقاتلوا، فوقع منهم ما ذكروه مما يقع من الإنسان من سفك الدماء، و فساد الأعيان عن ترتيب ما كانت عليه بطريق مقرب إلى اللّه تعالى، فصدّقهم اللّه في الواقع لأنهم أهل علم و كشف، و غيّب عنهم كون ذلك يقع قربة إلى اللّه (34) «قالَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 114

حين علم جميع الأسماء بالوضع الإلهي لا بالاصطلاح، و في ذلك تكون الفضيلة و الاختصاص، فإن للّه أسماء أوجد بها الملائكة و جميع العالم، و للّه أسماء أوجد بها جامع حقائق الحضرة الإلهية و هو الإنسان الكامل، ظهر ذلك بالنص في آدم، و خفي في غيره فقال تعالى للملائكة في فضل آدم و في فضل هذا المقام و قد أحضر الملائكة المسميات أعني أعيانهم:

«أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» أي بالأسماء الإلهية التي صدروا عنها، فلم يعلموا ذلك فقال اللّه: «يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» أي بأسماء هؤلاء الذين عرضناهم عليهم، و هي الأسماء الإلهية التي أوجدتهم و استندوا إليها في إيجاد أعيانهم، لا أسماء الاصطلاح الوضعي الكوني فإنه لا فائدة فيه، فأنبأ آدم الملائكة بأسماء تلك التجليات فكان هؤلاء المسمون المعروضة على الملائكة تجليات إلهية في صورة ما في آدم من الحقائق، و جعل اللّه تعالى آدم أستاذا للملائكة فعلمهم الأسماء كلها، فلما علمهم آدم عليه السلام و هو قوله تعالى: «فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» «قالَ» أي قال لهم اللّه‏ «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ» و هو ما علا من علم الغيوب‏ «وَ الْأَرْضِ» و هو ما في الطبيعة من الأسرار «وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ» أي ما هو من الأمور ظاهر «وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» أي ما تخفونه على أنه باطن مستور. و اعلم أنه مع أنه ليس فوق مرتبة الإنسان مرتبة إلا مرتبة الملك في المخلوقات، و قد تلمذت الملائكة له حين علمهم الأسماء، فلا يدل هذا على أنه خير من الملك، و لكنه يدل على أنه أكمل نشأة من الملك‏

[سورة البقرة (2): آية 34]

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34)

ثم قال تعالى للملائكة بعد التعليم: «اسْجُدُوا لِآدَمَ» سجود المتعلمين للمعلم من أجل‏

______________________________
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ» يقول أعلمهم‏ «بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ» أعلمهم بأسمائهم‏ «قالَ» اللّه للملائكة «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» لكلام قد تقدم له سبحانه مع ملائكته لم يذكره لنا، ثم قال‏ «وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ» يقول ما تظهرون‏ «وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» يقول ما هو

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 115

ما علمهم، فلآدم هنا لام العلة و السبب أي من أجل آدم، فالسجود للّه من أجل آدم سجود شكر لما علمهم اللّه من العلم به، و بما خلقه في آدم عليه السلام، فعلموا ما لم يكونوا يعلمون فأمر اللّه سبحانه للملائكة بالسجود لمعلمهم سجود أمر- كسجود الناس إلى الكعبة- و تشريف، لا سجود عبادة، نعوذ باللّه فيكون في هذا العالم الإنساني ثمرة السجود، لا نفس السجود، و إنما هو التواضع و الخضوع و الإقرار بالسبق و الفخر و الشرف و التقدم له، كتواضع التلميذ لمعلمه. فنال آدم عليه السلام التقدمة عليهم بكونه علمهم، فهو أستاذهم في هذه المسألة، و بعده فما ظهرت هذه الحقيقة في أحد من البشر إلا في محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فقال عن نفسه: إنه أوتي جوامع الكلم، و هو قوله تعالى في حق آدم عليه السلام‏ «الْأَسْماءَ كُلَّها» و كلها بمنزلة الجوامع، و الكلم بمنزلة الأسماء، فنال التقدمة بها و بالصورة التي خلقه اللّه عليها، عند ذلك علمت الملائكة أن آدم عليه السلام خليفة اللّه في أرضه، لا خليفة عن سلف، ثم ما زال يتلقاها كامل عن كامل حتى انتهت إلى السيد الأكبر المشهود له بالكمال محمد صلّى اللّه عليه و سلم الذي عرف بنبوته و آدم بين الماء و الطين، و أوتي صلّى اللّه عليه و سلم جوامع الكلم، كما أوتي آدم جميع الأسماء، ثم علمه اللّه الأسماء التي علمها آدم، فعلم علم الأولين و الآخرين، فكان محمد صلّى اللّه عليه و سلم أعظم خليفة و أكبر إمام. «فَسَجَدُوا» و لم يزل حكم السجود فيهم لآدم و للكامل من أبنائه أبدا دائما، فإن الملأ الأعلى عنده ازدحام لرؤية الإنسان‏

______________________________
مكتوم فيكم مما لا تعلمونه أنتم، و ما هو مكتوم عندكم بعضكم من بعض، و هو قوله‏ (يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏) فالسر ما بين العبد و الحق، و الأخفى ما يعلمه سبحانه من العبد و لا يعلمه العبد من نفسه أنه يكون فيه، ثم أعلم سبحانه نبيه فقال أيضا (35) «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» الآية، تقدم قبل هذا أن ضمير الجماعة في جانب الحق يعود على الأسماء من جهة ما تطلبه الحقائق في تلك القصة، فقد أنعم على آدم بأشياء متعددة، بإيجاد عينه، و بما علّمه من العلم، مع أنه لا يقوى في تصفية نشأته تصفية الملائكة، فإنهم مخلوقون من نور، و آدم مخلوق من حمأ مسنون و من صلصال، ثم نفخ فيه روحا ملكيا في مثل هذه النشأة الترابية، و خلقها بيديه، و هذه كلها أسباب أسماء مختلفة النسب، فكل اسم له نسبة أثر في آدم، له أن يقول أنا، فإذا اجتمعت الأسماء صدق القائل أن يقول‏ «قُلْنا» فقال‏ «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» فأحدث لهم حرمة بالسجود للّه سبحانه من أجل خلق آدم، و ما أنعم به عليه، حيث أبدى لهم في وجوده من العلم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 116

الخليفة، و أمروا بالسجود فطأطئوا عن أمر اللّه، ناظرين إلى مكان هذا الخليفة حتى يكون السجود له، لأن اللّه أمرهم بالسجود له، فقال صلّى اللّه عليه و سلم: أطت السماء بعمارها و حق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا و فيه ملك ساجد للّه، و استصحاب سجود الملائكة للإمام دنيا و آخرة و نقول في الملائكة:

قدّسهمو أن يجهلوا حق من‏ قد سخر اللّه له العالمين‏
كيف لهم و علمهم أنني‏ ابن الذي قد خروا له ساجدين‏
و اعترفوا بعد اعتراض علي‏ والدنا بكونهم جاهلين‏
و أبلس الشخص الذي قد أبى‏ و كان للفضل من الجاحدين‏
قدّسهمو قدّسهمو أنهم‏ قد عصموا من خطأ المخطئين‏

[كيف توجه الخطاب على إبليس و هو ليس من صنف الملائكة؟]

و السؤال هنا: كيف توجه الخطاب على إبليس و هو ليس من صنف الملائكة؟ فقال تعالى: «إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ». فنقول إن معنى الملائكة: الرسل و هو من المقلوب، و أصله مألكة، و الألوكة الرسالة و المألكة الرسالة، فما تختص بجنس دون جنس، فالرسالة جنس حكم يعم الأرواح الكرام البررة السفرة، و الجن، و الإنس، فمن كل صنف من أرسل، و منه من لم يرسل، و لهذا دخل إبليس في الخطاب بالأمر بالسجود لما قال اللّه للملائكة: «اسْجُدُوا» لأنه ممن كان يستعمل في الرسالة، فهو رسول، فأمره اللّه فأبى و استكبر فكان ذلك سببا لبعده عن القرب الإلهي، فصح الاستثناء و جعله منصوبا بالاستثناء المنقطع، فقطعه عن الملائكة كما قطعه عنهم في خلقه من نار، و لكنه تعالى شرّك بينهم في‏

______________________________
بالأسماء ما لم يكونوا يعلمون، و السجود للّه، و جرت العادة في الملوك إذا أنعموا على شخص بحضور خاصته، أن يخدموه بما جرت العادة أن يخدموه به، و لا سيما إذا عاد عليهم من ذلك الشخص منفعة من جانب الملك لهم بسببه، فتكون تلك الخدمة من أجل ذلك الشخص للملك‏ «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ» و أبى إبليس و استكبر حسدا و ظلما و علوا للجنسية، فإنه رأى نفسه مخلوقا مثله من الطبائع الأربع، و رأى أن العنصر الذي غلب عليه أشرف من العنصر الذي غلب على نشأة الإنسان، فهذا استكباره، و أما إبايته فقد نبهنا أن النارية تقتضي له ذلك، و يكون الاستثناء متصلا بوجه، و منقطعا بوجه، فمن راعى نشأته و جنسه، قال: إنه استثناء منقطع، و من رأى أنه في الملائكة كالمستهلك فيهم لكثرتهم، و اتصاله بهم في جماعتهم في عباداتهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 117

الرسالة، فكأنه تعالى يقول: «إِلَّا إِبْلِيسَ» إلا من أبعده اللّه من المأمورين بالسجود «أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ» و قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»* ثم قال تعالى: «وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ» فطمع إبليس في الرحمة التي وسعت كل شي‏ء، و طمعه فيها من عين المنة لإطلاقها، لأنه علم في نفسه أنه موحد، و سماه اللّه كافرا فقال: «وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ» و لم يقل من المشركين لأنه يخاف اللّه رب العالمين و يعلم أن اللّه واحد، و قد علم مآل الموحدين إلى أين يصير، سواء كان توحيدا عن إيمان أو عن نظر من غير إيمان، و علم أن جهنم لا تقبل خلود أهل التوحيد و إنما سماه اللّه كافرا لأنه يستر عن العباد طرق سعادتهم التي جاء بها الشرع في حق كل إنسان.

[سورة البقرة (2): آية 35]

وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

سمي آدم بآدم لحكم ظاهره عليه فإنه ما عرف منه سوى ظاهره، فلا يعرف مخلوق من الإنسان سوى ظاهره، و أما باطنه فمجهول. و من هذه الآيات نعلم أن أول أمر ظهر في العالم الطبيعي هو قول اللّه تعالى لإبليس: اسجد لآدم، فظهر الأمر فيه، و أول نهي قوله تعالى لآدم و حواء: «لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» فظهر النهي فيهما، و قوله تعالى: «هذِهِ الشَّجَرَةَ»

______________________________
و مشاركته لهم فيها، جعله استثناء متصلا، و دل على أنه كان مأمورا بالسجود قوله تعالى‏ «أَبى‏» و لا يقع الامتناع إلا بعد توجه تكليف، و قد يجوز أن يكون السجود سجود تحية، كسجود أبوي يوسف و إخوته له، و الأول أوجه، يعضد ما قلناه الحديث الصحيح، قال عليه السلام:

لو أذن لأحد أن يسجد لأحد، لأذنت للمرأة أن تسجد لزوجها، و أما سجود التحية فغير منكور فيمن تقدم، و هو من فعل الأعاجم، و هو هذا الانحناء الذي يكون منهم عند التقاء بعضهم بعضا، و كون السجود مكروها لغير اللّه أو محرما هو أمر مشروع ليس لذاته بخلاف العبودية فإنه ممتنع بذاته أن يكون عبدا لغير اللّه حقيقة «وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ» هنا أي من الفاسقين الخارجين عن أمر اللّه بدليل قوله‏ (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) فسماه كافرا، ثم قال (36) «وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ» الآية، قال يا آدم اسكن‏ «أَنْتَ وَ زَوْجُكَ» يعني حواء، «الْجَنَّةَ» أي اتخذها مسكنا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 118

بحرف الإشارة تعيين لشجرة معينة، فتقدم الأمر لآدم عليه السلام بسكنى الجنة و الأكل منها حيث شاء، ثم نهاه عن قرب شجرة مشار إليها أن يقربها، فوقع التحجير و النهي في قوله حيث شئتما لا في الأكل، فما حجر عليه الأكل و إنما حجر عليه القرب منها الذي كان أطلقه في حيث شئتما، فما أكلا منها حتى قربا، فتناولا منها، فأخذا بالقرب، لا بالأكل، فالتكليف مقسم بين: أمر و نهي، و هما محمولان على الوجوب حتى تخرجهما عن مقام الوجوب قرينة حال- و إن كان مذهبنا فيهما التوقيف- فتعين امتثال الأمر و النهي فإن قلت: كيف اقتحم النهي على المعصية؟ قلنا: لظهور هذه الحكمة، و هي الخلافة في الأرض و تمييز القبضتين، لذلك لم يكن النجم، و كان الشجر، لوجود الخلاف الذي ظهر، فالشجر من التشاجر و الخلاف.

______________________________
و منزلا، و عطف زوجك على أنت، و إنما تعريف الجنة بالألف و اللام فيمكن أن يريد جميع الجنات، و يمكن أن يكون جنة معينة، و على أي وجه كانت فهو يتبوأ منها حيث يشاء، أي يسكن منها حيث شاء، «وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما» و حيث شئتما معمول لاسكن، يقول: اسكن أنت و زوجك الجنة حيث شئتما منها، و كلا رغدا أي اتسعا في عيشكما، لأن الرغد هو الاتساع في العيش، و هذا أوجه من أن يكون العامل في الظرف‏ «كُلا» و منها قد يكون متعلقا بكلا، و قد يكون بقوله اسكن، و أما في الأعراف فقد بيّن هنالك أن قوله فكلا هو العامل في قوله‏ (مِنْ حَيْثُ شِئْتُما) و الجمع بين الآيتين إن كانت القصة واحدة، أن المعنى اسكن من الجنة حيث شئت، و كلا من حيث شئتما من ثمرها، و هو معنى قوله في الزمر (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) فرفع التحجير، ثم قال‏ «وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» عيّنتها الإشارة، و الأظهر تعيين واحدة من الجنس، و دون هذا تعيين الجنس، و ما ذكر اللّه تعالى أية شجرة هي، و لا صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و مثل هذا لا يدرك بالاجتهاد، لكني أشير إلى اللفظ بهذا الاسم، و ذلك أن الشجرة مشتقة من التشاجر، لتداخل أغصانها بعضها على بعض، كالمتشاجرين يدخل كلام بعضهم في كلام بعضهم بالمخالفة و المنازعة، و ربما أنه ما في الجنة شجرة على هذه الصفة إلا هذه، و سائر شجر الجنة لا تدخل أغصانها بعضها على بعض، و لذلك ما ذكر اللّه تعالى في القرآن إلا ثمرات الجنة، فإنه جعلها منزل موافقة، فقد يكون أغصانها تخرج على الاعتدال و الاستقامة، و ذكر ذلك في النار فقال‏ (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) و قال‏ (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) فإن جهنم دار نزاع و تشاجر، قال تعالى‏ (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) فوصفهم بالمخاصمة و هي المشاجرة، و منها (قالت أولاهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص:119

 

[سورة البقرة (2): آية 36]

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ (36)

أضيف الزلل إلى الشيطان، و قد علم أنه ليس له على ذلك سلطان، لأن اللّه جعله في الشاهد صفة نقص، و دليل خسران، تنزه الجناب العالي أن يضاف إليه، أو إلى من شهد له بالكمال كالأنبياء صلوات اللّه عليهم. شرك اللّه بين إبليس و آدم و حواء من ضمير واحد، و هو كان أشد العقوبة على آدم، فقيل لهم: «اهْبِطُوا» بضمير الجماعة فكانت العقوبة في حق آدم في جمعه مع إبليس من الضمير، حيث خاطبهم الحق بالهبوط، بالكلام الذي يليق بجلاله، و لكن لا بد أن يكون في الكلام الصفة التي يقتضيها لفظ الضمير، فإن صورة اللفظ يطلب المعنى الخاص، و لم يكن الهبوط عقوبة لآدم و حواء، و إنما كان عقوبة لإبليس، فإن آدم أهبط لصدق الوعد، بأن يجعل في الأرض خليفة، بعد ما تاب عليه و اجتباه، و تلقي الكلمات من ربه تصديقا لما قاله تعالى للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، و أهبطت حواء للنسل، و أهبط إبليس للإغواء، ليحور عليه جميع ما يغوي به بني آدم.

______________________________
لأخراهم) (و قالت أخراهم لأولاهم) (و قال الذين استضعفوا للذين استكبروا) (و قال الذين استكبروا للذين استضعفوا) و لم يقل شي‏ء من هذا في أهل الجنة، فكأنه سبحانه أشار لهما بالشجرة النهي عن مخالفته فيما نهاهما عنه و موافقته، تنبيها لهما على ذلك، و أخبرهما أنهما إن خالفا أمره سبحانه كانا من الظالمين، فقال‏ «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» لأنفسهما حيث عرضا بأنفسهما للعقوبة، و هذا يدلك على أن لنفسك عليك حقا، و كذا قالا (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) و كان غرضنا أن نجمع في هذه السورة ذكر قصص آدم كلها في سائر السور، و هكذا كل قصة تكرر، ثم أني رأيت من الأدب أن اللّه فرّقها في السور لحكمة علمها، فينبغي لنا أن نذكر الترجمة عنها في المواضع التي ذكرها الحق من سور القرآن، حتى لا أحدث شيئا، و الاتباع أولى بأهل السعادة من الابتداع، فنقول قال تعالى (37) «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها» الآية، لما كان متعلق النهي القرب لا الأكل، لذلك عدل إبليس إلى الأكل، و لم يقل لهما اقربا منها، فيتذكران نهي اللّه عن القرب، و علم أنهما لا يقطعان منها ثمرة حتى يقربا، و هذا من علمه بمواقع‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 120

وصية- قال اللّه تعالى لإبراهيم الخليل عليه السلام،

[معصية الحبيب على الحبيب شديدة]

يا إبراهيم ما هذا الوجل الشديد الذي أراه منك؟ فقال له إبراهيم: يا رب كيف لا أوجل و لا أكون على على‏وجل، و آدم أبي كان محله من القرب منك، خلقته بيديك، و نفخت فيه من روحك، و أمرت الملائكة بالسجود له، فبمعصية واحدة أخرجته من جوارك، فأوحى إليه: يا إبراهيم أ ما علمت أن معصية الحبيب على الحبيب شديدة؟

______________________________
الشرور، و كانت الشجرة المنهي قربها كان ذلك سببا لوسوسة إبليس، فضمير «عَنْها» يعود على الشجرة، أي عنها صدرت الوسوسة من إبليس لعنه اللّه، كما سيأتي (أن حب الخير) لسليمان عن ذكر ربه، أي صدر ذلك الحب من سليمان عن ذكر ربه، و لذلك مسح بسوقها و أعناقها فرحا بها، و سيأتي ذلك في سورة ص، فقوله تعالى‏ «فَأَزَلَّهُمَا» أي ذهب بهما، و أزالهما انتزعهما، و المعنى متقارب‏ «فَأَخْرَجَهُما» يعني حواء و آدم‏ «مِمَّا كانا فِيهِ» من النعيم و الكرامة لسعادتهما و شقاوته‏ «وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» الضمير يعود على آدم و حواء و إبليس، و جمع بينهم في ضمير واحد لاشتراكهم في المخالفة، فإن إبليس خالف الأمر، و آدم و حواء خالفا النهي، و قد انحصر التكليف الذي يوجب الوعد و الوعيد فعله أو تركه بينهما، و اشتركوا في الهبوط، غير أن آدم هبط إلى الأرض للخلافة كما تقدم لا عقوبة، فإن المؤاخذة وقعت بظهور السوآت لهما، و هبطت حواء لأنها محل الولادة للتناسل، و أهبط إبليس عقوبة، لأنه لا يعود إليها و أن مصيره إلى دار الشقاء، و إن اشتركوا في الهبوط و لكن المقاصد مختلفة، و قوله‏ (جَمِيعاً) تأكيد، لم يتأخر بعضهم عن بعض، و لم نستوف تمام القصة هنا لأن اللّه تعالى ما استوفاها هنا، و يقع الاستيفاء لها بالوقوف على تكرار ذكرها في كل سورة إن شاء اللّه تعالى، و قوله‏ «بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» أي يعدو بعضكم على بعض، فيعدو الشيطان على بني آدم بتزيين مخالفة أوامر اللّه و نواهيه، و يعدو بنو آدم على الشيطان بأن يردوا وسوسته في نحره و كلامه في وجهه و يمتثلون أمر اللّه (و يجتنبون) نواهيه، فيغيظه ذلك، فهذه عداوة بني آدم لإبليس، و أما الذين يسمعون منه فهم أولياؤه و أحباؤه و رفقاؤه في النار، فالمؤمنون كلهم أعداؤه، و ما عدا المؤمنين كلهم أولياؤه، فالمخالفات الصادرة من المؤمنين غير مؤثرة في إيمانهم، لأنهم ليسوا على يقين من مؤاخذة اللّه بها، فإن اللّه قال‏ (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) و لو دخل المؤمن النار في الآخرة فكما يمرض في الدنيا و يتألم حسا و معنى، و مقره و مآله السعادة الأبدية في النعيم الدائم، و ليس مقصود إبليس هذه المخالفات الواقعة من المؤمنين، و إنما مقصوده الإشراك باللّه، و كل ما يؤديهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 121

[سورة البقرة (2): آية 37]

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

و هذه الكلمات هي قوله‏ «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» «فَتابَ عَلَيْهِ» بكله و ذريته فيه فأسعد اللّه الكل، فله النعيم في أي دار كان منهم ما كان، بعد عقوبة و آلام، تقوم بهم دنيا و آخرة «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» إذا اتفق أن يؤاخذ التائب فما يأخذه إلا الحكيم لا غير من الأسماء، فإذا لم يؤاخذ فإنما يكون الحكم فيه للرحيم، فإن اللّه تواب رحيم بطائفة و تواب حكيم بطائفة، فوصف الحق نفسه بأنه التواب الرحيم، أي الذي يرجع على عباده في كل مخالفة بالرحمة له، فيرزقه الندم عليها، فيتوب العبد بتوبة اللّه عليه لقوله‏ «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا»– إشارة- تاب الحق على آدم بتلقيه الكلمات العلية، لأنه تلقاها من حضرة الربوبية، حضرة الإصلاح.

______________________________
إلى الخلود معه في الشقاء في دار البوار، فأهل النار الذين هم أهلها هم أولياء الشيطان، و لهذا سماهم اللّه شياطين الإنس و الجن، و قال‏ (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) و قوله تعالى‏ «وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» يقول إقامة و قرار «وَ مَتاعٌ» يقول:

استمتاع، و هو كل ما يستمتع به من أكل و شرب و لباس و نعيم‏ «إِلى‏ حِينٍ» يقول: إلى حلول آجالكم، يقول: مدة أعماركم، فإن القبر أول منزل من منازل الآخرة، ثم قال (38) «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ» الآية، قرئ برفع آدم و نصب كلمات و بالعكس، أي من تلقاك فقد تلقيته، فإن الملاقاة فعل فاعلين، و الأولى بمنصب آدم أن تكون الكلمات تستقبله لوجهين، الوجه الواحد التعريف بعناية اللّه به حيث أعطاه ما أداه استعماله إلى إعادة السعادة إليه، و الوجه الثاني التعليم، لأنه ليس له أن يدعوه بنية التقريب و القربة إلا بوحي منزل عليه، فإذا رفعت آدم فمن حيث أنه استقبل الكلمات حين استقبلته من عند اللّه، و يحتمل عدم ذكر واسطة الملك أنه سبحانه أوحى اللّه بها منه إليه بلا واسطة، تشريفا له و تعريفا بالحال، أن الوصلة بيني و بينك ما انقطعت بمخالفتك نهيي، و الأظهر في ماهية الكلمات أنها المذكورة في سورة الأعراف‏ (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) فلما قال آدم الكلمات التي تلقاها من ربه أخبره تعالى أنه تاب عليه‏ «فَتابَ عَلَيْهِ» أي رجع عليه بالسعادة بأن مآله بعد موته إلى الجنة في جوار الرحمن‏ «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» الرجّاع بالرحمة على عباده، و هو الذي يكثر منه الرجوع في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 122

[سورة البقرة (2): آية 38]

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

قال تعالى: «اهْبِطُوا» فجمع و لم يثن و لا أفرد، فأهبط آدم و حواء و إبليس، فنزل آدم من الجنة إلى أصله الذي خلق منه، فإنه مخلوق من التراب، فأهبطه اللّه للخلافة، لقوله تعالى: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» فما أهبط عقوبة لما وقع منه، و إنما جاء الهبوط عقيب ما وقع منه، لأنه لما كانت نشأة الإنسان ظهرت في الجنان أولا اتفق هبوطها إلى الأرض من أجل الخلافة لا عقوبة المعصية، فإن العقوبة حصلت بظهور السوآت، و الاجتباء و التوبة قد حصلا بتلقي الكلمات الإلهية، فلم يبق النزول إلا للخلافة، فكان هبوط تشريف و تكريم، ليرجع إلى الآخرة بالجم الغفير من أولاده السعداء، من الرسل و الأنبياء، و الأولياء و المؤمنين، فكان هبوط آدم هبوط ولاية و استخلاف، لا هبوط طرد، فهو هبوط مكان، لا هبوط رتبة، و أهبط الحق تعالى حواء للتناسل، و أهبط إبليس عقوبة لا رجوعا إلى أصله، فإنها ليست داره و لا خلق منها، فسأل اللّه الإغواء أن يدوم له في ذرية آدم، لما عاقبه اللّه بما يكرهه من إنزاله إلى الأرض، و كان سبب ذلك في الأصل وجود آدم، لأنه بوجوده وقع الأمر بالسجود، و ظهر ما ظهر من إبليس، و كان من الأمر ما كان. «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» من قامت قيامته في حياته الدنيا، و استعجل حسابه، يأتي يوم القيامة آمنا لا خوف عليه و لا يحزن، لا في الحال‏

______________________________
مقابلة كل مخالفة تقع من العبد، لأن كل مخالفة خروج، فإذا عاد بالاستغفار و طلب الرحمة من اللّه عند كل ذنب، عاد الحق إليه بالرحمة و المغفرة، فلذلك جاء ببنية المبالغة في التواب، (39) قوله‏ «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً» الآية، كرر ذكر الهبوط، لأنه فصل بين الهبوط المذكور أولا و بين ما أهبط له من إتيان الهدى بالكلام الذي قد تقدم من العداوة و الاستقرار و التمتع، فطالت القصة و بعد الذي أهبط له منه، فكرر الهبوط، و ليدل أيضا على الفصاحة و الإعجاز حيث زاد الكلام تكراره جمالا و بلاغا، تعرف ذلك فصحاء الأعراب لا نحن، فقال تعالى‏ «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً» هذا شرط، و جوابه الشرط الثاني و جوابه و هو قوله‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 123

و لا في المستقبل، و لهذا أتى سبحانه بفعل الحال في قوله: «وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» فإن هذا الفعل يرفع الحزن في الحال و الاستقبال، بخلاف الفعل الماضي و المخلص للاستقبال بالسين أو سوف.

[سورة البقرة (2): الآيات 39 الى 40]

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)

«فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ» فالفاء جواب الشرط الأول، و قوله‏ «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» فالفاء جواب الشرط الثاني الذي هو من، فمعنى الكلام اهبطوا فإن جاءكم مني هدى و اتبعتموه فلا خوف عليكم، و الفاء في إما جواب الأمر، و جاء بلفظة الشك مع تحقق إتيان الهدى عند اللّه، لكن في نفس الأمر هو من الممكنات، فيستوي بالنظر إليه الطرفان، وجود الإتيان و عدمه، و تارة يرد الخطاب بما هو الكائن في علم اللّه، و تارة يرد الخطاب بما هو الأمر عليه في نفسه، فيؤذن بأن ذلك الإتيان ليس بواجب على اللّه، إذ لا يجب عليه شي‏ء، كما يقوله مخالفو أهل الحق، مع أنّا لا ننكر أن يوجب على نفسه، فمن جملة الهدى الذي جاء من عند اللّه تلقي الكلمات، و لذلك الهبوط الثاني هو الهبوط الأول عينه، ثم قال‏ «فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ» أي من اتبع ما شرعت له على حد ما شرعت له، ارتفع عنه خوف العذاب و لم يحزن‏ «وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» و لم يذكر الجنة و لا الخلود كما ذكر فيمن كفر و كذب بآياته، لأن أهل السعادة على قسمين، قسم يعملون لما يقتضيه حق الربوبية و هم الأعلون، و قسم يعملون لأجل الجنة و هم دونهم، و لهؤلاء خوف الحجاب، و لهؤلاء خوف فقد النعيم و حزنه فذكر ارتفاع الخوف و الحزن لكونه يعم الطائفتين و لم يذكر الجنة، لئلا ييأس الأعلون من الطائفتين، فتهمم الحقق بهم إذ كانوا الطبقة العليا، و الهدى هنا ما بينه لهم في التعريف المنزل المشروع لهم، ثم قال (40) «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا» أي ستروا، على ما تقدم في أول السورة في قوله‏ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) و قوله‏ «وَ كَذَّبُوا» يريد المعاندين و غير المعاندين‏ «بِآياتِنا» أي بالعلامات التي جعلناها و نصبناها أدلة على القربة إلينا و معرفتنا (و في كل شي‏ء له آية: تدل على أنه واحد) غير أن الآيات على قسمين: معتادة و غير معتادة، فأرباب الفكر و المستبصرون‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 124

«وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي» أوفوا بما عاهدتكم عليه في الدنيا في موطن التكليف‏ «أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» في الدارين معا، دنيا و آخرة و أدخلكم الجنة، و هو حق عرضي لا ذاتي، لأنه حق على اللّه أوجبه على نفسه لمن و فى بعهده، و من لم يف فليس له عند اللّه عهد، إن شاء عذبه و إن شاء أدخله الجنة، و أدخلنا تحت العهد إعلاما بأنا جحدنا عبوديتنا له، إذ لو كنا عبيدا

______________________________
الموفقون هي عندهم سواء، يتخذونها أدلة، و ما عدا هؤلاء فلا ينظرون إلا في الآيات غير المعتادة، فيحصل لهم استشعار الخوف، فيردهم ذلك القدر إلى اللّه، قال تعالى‏ (وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ) ثم إن الذين يتخذون غير المعتادة آية، منهم من يخلصها دليلا على اللّه، و منهم من يشرك‏ (وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ) لمعرفتهم بالأسباب المولدة لتلك الآيات، كالزلازل و الكسوفات و ما يحدث من الآثار العلوية، و اللّه ينور أبصارنا و يرزقنا التوفيق، قال تعالى‏ «أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» باقون، و قوله‏ «أَصْحابُ النَّارِ» أي أهلها، كما ورد في الصحيح (أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون) و قال في الذين يخرجون منها (و لكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، أو قال بخطاياهم، فأماتهم اللّه فيها إماتة) ثم ذكر خروجهم من النار- الحديث بكماله- فعمّ سبحانه بقوله‏ «الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا» جميع الأشقياء، و أما قوله‏ «اهْبِطُوا» فحظي إبليس من هذا الهبوط لما تكبر و علا عند نفسه، لأن أصله من لهب النار، و لهب النار يطلب العلو، فلهذا تكبر، و لما كان لهبا كان إذا جاءه الهواء من أعلاه عكس رأس اللهب إلى أسفل قسرا و قهرا، كذلك إبليس لما جاءه هواه من تكبره على آدم لنشأته، عكسه إلى الأرض، فأهبط، و لم يقف الأمر هنا، بل أهبط إلى أسفل سافلين في دار الخزي و الهوان، فهواه أهبطه، و لما كانت الملائكة نورا عمت جميع الجهات فلا أثر للهواء في النور، أ لا ترى النور الذي في الشمس و السراج و في كل جسم مستنير نسبته إلى العلو و السفل و الجنبات نسبة واحدة، و الملائكة مخلوقون من النور، فلا أثر للهوى فيهم، فلا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، و لما غلب على آدم في نشأته التراب و له السكون، بخلاف لهب النار، ثبت على عبوديته و تواضعه، فسعد، و كان هبوطه رجوعا إلى أصله، و سيأتي الكلام على نشأته في موضعها إن شاء اللّه، و كونه من حمأ مسنون، و لهذا يتغير كل ما يحل فيه من الأطعمة و الأشربة و يستحيل إلى الروائح القبيحة، و يندرج في هذا الكلام النشأة الأخراوية، و استحالة ما يحل فيها من الطعام و الشراب إلى الروائح الطيبة، و تحقيق ذلك في موضعه إن شاء اللّه، قوله (41) «يا بَنِي إِسْرائِيلَ» الآية، أضافهم إلى يعقوب، فهو إسرائيل، أي صفوة اللّه‏ «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ» و قد ذكر اللّه ما أنعم اللّه به على بني إسرائيل، من‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 125

لم يكتب علينا عهده، فإنا بحكم السيد، فلما أبقنا بخروجنا عن حقيقتنا و ادعينا الملك و التصرف، و الأخذ و العطاء، كتب بيننا و بينه عقودا، و أخذ علينا العهد و الميثاق، و أدخل نفسه معنا في ذلك، و العبد لا يكتب عليه شي‏ء و لا يجب له حق، فإنه ما يتصرف إلا عن إذن سيده، فإذا و فى العبد حقيقة عبوديته، لم يؤخذ عليه عهد و لا ميثاق، فمن أصعب آية تمر على العارفين كل آية فيها «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» أو العهود فإنها آيات أخرجت العبيد من عبوديتهم للّه. فإن قلت: كيف كلف الحق نفسه و قيدها، مع أنه مطلق، و المطلق، لا يقبل التقييد بوجه من الوجوه؟ قلنا: إن للمطلق أن يقيد نفسه إن شاء، و أن لا يقيدها إن شاء، فإن ذلك من صفة كونه مطلقا إطلاق مشيئة، و من هنا أوجب الحق على نفسه، و دخل تحت العهد لعبده فقال في الوجوب: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» أي أوجب فهو الموجب على نفسه، ما أوجب غيره عليه ذلك فيكون مقيدا بغيره، فقيد نفسه لعبيده رحمة بهم و لطفا خفيا، و قال في العهد: «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» فكلفهم، و كلف نفسه، لما قام الدليل عندهم بصدقه في قيله، ذكر لهم ذلك تأنيسا لهم سبحانه و تعالى، و لكن هذا كله أعني دخوله في التقييد لعباده من كونه إلها، لا من كونه ذاتا، فإن الذات غنية عن العالمين، و الملك ما هو غني عن الملك، إذ لو لا الملك ما صح اسم الملك، فالمرتبة أعطت التقييد، لا ذات الحق جل و تعالى- تنبيه- احذر أن تفي ليفي إليك، أوف أنت بعهدك و اتركه يفعل ما يريد، فإنه من و فى بعهده ليفي له الحق بعهده، لم يزده على ميزانه شيئا، حيث ورد في الحديث «كان له عند اللّه عهدا أن يدخله الجنة» لم يقل غير ذلك، و قد قال تعالى: «وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» و لم يطلب الموازنة و لا ذكرها هنا أنه ليفي له بعهده، و إنما قال: «فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» و ما عظمه الحق فلا أعظم منه، فاعمل‏

______________________________
المنّ و السلوى و تفجير الماء من الحجر و مشيهم على البحر و إنجائهم من عدوهم و تظليل الغمام و غير ذلك، فإن اللّه يمن على عباده بما يمتن عليهم من المنن الجسام، و لذا سميت مننا، و ليس للعباد أن يمتنوا، لأن النعم ليست إلا لمن خلقها، فلهذا كان المن من اللّه محمودا، لأنه ينبه عباده بما أنعم عليهم ليرجعوا إليه، و كان مذموما من العباد لأنه كذب محض، قال تعالى‏ (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) ثم قال تعالى لهم‏ «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» أي أوفوا بما أخذت عليكم من الميثاق، فأخبرنا بذلك لنسمع‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 126

على وفائك بعهدك من غير مزيد، فإن من طلب من الحق الوفاء، فقد ناط به الجفا، و ليس برب جاف بلا خلاف- إشارة-

[الرب رب، و العبد عبد]

الرب رب، و العبد عبد، و إن اشتركا في العهد.

فلا تنظر لما عندي‏ فإن الأمر من عندك‏
و لا تطلب وفى عهدي‏ إذا ما خنت في عهدك‏
فوعدي صادق مني‏ إذا صدقت في وعدك‏
و ما أتيت إلا من‏ فساد كان في عقدك‏

[سورة البقرة (2): الآيات 41 الى 42]

وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

العلم حاكم، فإن لم يعمل العامل بعلمه فليس بعالم، العلم لا يمهل و لا يهمل، العلم أوجب الحكم، لما علم الخضر حكم، و لما لم يعلم صاحبه اعترض عليه و نسي ما كان قد

______________________________
حتى نفي بما عاهدنا عليه اللّه، و هذا من لطفه سبحانه بنا في الخطاب، فهو مثل القائل (إياك أعني فاسمعي يا جاره) فهذا تكليف بتعريف، و قوله‏ «أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» جزاء بطريق المناسبة، وفاء بوفاء، فإنه عهد إلينا إذا آمنا به و وقفنا عند حدوده، أن يدخلنا دار كرامته في جواره و ينجينا من عذابه، قال عليه السلام (فمن جاء بهن- يعني الصلوات- لم يضع من حقهن شيئا، كان له عند اللّه عهد أن يدخله الجنة، و من لم يأت بهن استخفافا بحقهن، فليس له عند اللّه عهد، إن شاء عذبه و إن شاء أدخله الجنة) فجعل لعبده عهدا عنده سبحانه، و قوله‏ «وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ» من الرهب و الرهبانية، و إن كانتا ترجعان إلى معنى واحد، و إياي فخافوني و فاعبدوني، و لهذا رفع عنهم الخوف في قوله (لا خوف عليهم) و هو خصوص وصف في العبودية، ثم قال (42) «وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ» الآية، الضمير في آمنوا، يحتمل أن يعود علينا و على غيرنا من أهل الكتاب و غيرهم، لأنه قال‏ «وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ» مصدقا حال لأنزلت، فلنا من هذا الخطاب الإيمان بما أنزل من قبلنا مصدقا لما معنا، مما أنزل إلينا و هو القرآن، و لأهل الكتاب من هذا الخطاب، و آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقا لما معكم مما أنزلته عليكم، و لغير أهل الكتاب،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 127

التزمه فالتزم، لما علّم آدم الأسماء علم و تبرز في صدر الخلافة و تقدم، العلم بالأسماء كان العلامة، على حصول الإمامة:

العلم يحكم و الأقدار جارية و كل شي‏ء له حد و مقدار
إلا العلوم التي لا حد يحصرها لكن لها في قلوب الخلق آثار
فحدها ما لها في القلب من أثر و عينها فيه أنجاد و أغوار

[سورة البقرة (2): آية 43]

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

إقامة الصلاة- راجع آية رقم 4- «وَ آتُوا الزَّكاةَ» سميت الزكاة زكاة لما فيها من‏

______________________________
و آمنوا بما أنزلت من كل كتاب، مصدقا لما معكم من الأدلة و البراهين على وحدانيتي في ألوهيتي، و ما ينبغي لي من صفات الجلال، فيكون إيمانكم بما أنزلت مضافا لما معكم من العلوم المستفادة من البراهين، فهو خطاب يعم الجميع، و هذا من جوامع الكلم، و قوله‏ «وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ» صفة لمحذوف، يعني كل مخاطب به في كل زمان، حتى يبقى العموم في الضمير على أصله، فيكونون أولا في أهل زمانهم في الكفر به، أي بما أنزل، قال تعالى‏ (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) و إن كان له وجود قبل مجيئه إليهم، و قوله‏ «وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا» لما كانوا هم أهل الكتاب حيث أنزله الحق إليهم، فصار ملكا لهم، و لما كان الكتاب حاكما عليهم بالانقياد و السمع و الطاعة لمن جاء به و هم الرسل، و في المخاطبين رؤساء و أكابر و ممن يسمع له و يطاع، و صعب عليهم أن ينقادوا لما أمرهم به في الكتاب المنزل، فاستبدلوا به رئاسة الدنيا، فإن البيع و الشراء استبدال و معاوضة، فاختاروا برئاسة الدنيا على رئاسة الآخرة التي أعطتهم اتباع هذا الكتاب، فأقام الآيات مقام ما تدل عليه من رئاسة الآخرة و غيرها لمن عمل بها، فكانوا كمن اشترى الحصى بالياقوت، و التراب بالمسك و العنبر، و جعله ثمنا قليلا لكونه ينقطع بالموت أو بالعزل، و رئاسة الآخرة باقية دائمة، ثم قال‏ «وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ» أي اتخذوني وقاية، و هو قوله‏ (وَ اتَّقُوا اللَّهَ)* قال صلّى اللّه عليه و سلم (أعوذ برضاك من سخطك) فجعل الرضاء وقاية من السخط، و قال (و بمعافاتك من عقوبتك) فجعل المعافاة وقاية تحول بينه و بين العقوبة، و لما عزت أسماء الحق تعالى أن تنخرط مع الآثار في سلك واحد قال (و بك منك) و إنما أحدث لنا استعاذة أخرى، فقال عليه السلام (و أعوذ بك) فجعله وقاية، و ليس له سبحانه ما يقابله، و الاستعاذة تستدعي‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 128

الربو و الزيادة، و لذلك تعطي قليلا و تجدها كثيرا، و الزكاة طهارة للأموال من حيث إضافة المال إلى العبيد، و طهارة لأربابها من صفة البخل.

 

 

[سورة البقرة (2): آية 44]

أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (44)

العقل قيد و ما خاطب تعالى إلا العقلاء، و هم الذين تقيدوا بصفاتهم و ميزوها عن صفات خالقهم، و لهذا أدلة العقول تميز بين الحق و العبد، و الخالق و المخلوق، فقال تعالى:

«أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ» البر هو الإحسان و الخير «وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» و لا يتمكن لعبد التزم‏

______________________________
مستعاذا منه، فقال (منك) فجعله سبحانه في مقابلة نفسه إذ لا مثل له، و هو قوله تعالى‏ (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) فهو المتكبر سبحانه الجبار، و العبد إذا اتصف بما تناقض حقيقته من أوصاف العظمة و الكبرياء التي تستحقها الربوبية [يقع في سخط اللّه‏][1] فلهذا قال (منك) أي أن أكون متكبرا جبارا، فهو يستعيذ من كبريائه أن يقوم به بكبريائه سبحانه، ثم قال تعالى (43) «وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ» الآية، يقول: لا تخلطوا الحق بالباطل، و هو قوله سبحانه عنهم‏ (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) و هو الحق‏ (وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ) و هو الباطل فخلطوا بينهما «وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ» حال من الضمير و هو الأوجه، أي لا تلبسوا الحق بالباطل كاتمين للحق، و يؤيد هذا قوله‏ «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أنه الحق، قال تعالى‏ (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ) و هم هؤلاء (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ) يقول: إن الحق أبلج، لا لبس فيه لقوة الدلالة عليه، و لذلك قال‏ (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) أي لا شك و لا لبس، فهم يتخيلون أن الحق يختلط بالباطل و ليس كذلك، و لذلك كثيرا ما يصف سبحانه الآيات أنها بينات و مبينات، اسم فاعل و اسم مفعول، و هو قوله‏ «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أنه الحق و أنه لا يلتبس، فهما معلومان لهم، ثم قال (44) «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ» الآية، تقدم الكلام في إقامة الصلاة في أول السورة «وَ آتُوا الزَّكاةَ» المفروضة عليكم، التي يؤدي إعطاؤها إلى نمو أموالكم و زيادتها، و إلى تطهيركم مما يلزمكم من إمساكها، و قوله‏ «وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» أي صلوا في الجماعة، ففي ذلك الحث على حضور الجماعة في الصلاة، و إن كان الضمير يعود على أهل الكتاب، فإن صلاتهم على ما قيل لا ركوع فيها، فيقال لهم صلوا صلاة المسلمين، و قد يريد «ارْكَعُوا» أي انقادوا لهذا الدين كانقياد المؤمنين، إذ الركوع الانقياد و الخضوع، (45) «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ» الآية، خطاب لكل من أمر بالبر و لم يعمل به، البر الإحسان أجمعه، و كل من أحسن لمن أمر

______________________________
(*) […] ساقطة من الأصل.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 129

الحياء من اللّه أن يأمر أحدا ببر و ينسى نفسه منه، بل يبتدئ بنفسه، فقد قال له ربه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم: ابدأ بنفسك، و شرع له ذلك حتى في الدعاء إذا دعا اللّه لأحد أن يبدأ بنفسه، فإن جميع الخيرات صدقة على النفوس، أي خير كان حسا و معنى، فينبغي للمؤمن أن يتصرف في ذلك بشرع ربه لا بهواه، فإنه عبد مأمور تحت أمر سيده، فإن تعدى شرع ربه في ذلك لم يبق له تصرف إلا هوى نفسه، فسقط عن تلك الدرجة العلية إلى ما هو دونها عند العامة من المؤمنين، و أما عند الأكابر العارفين فهو عاص، فإذا خرج الإنسان بصدقته فأول محتاج يلقاه نفسه، قبل كل نفس محتاجة، و هو إنما أخرج الصدقة للمحتاجين، فإن تعدى أول محتاج فذلك لهواه لا للّه، فإن اللّه قال: ابدأ بنفسك و هو أول من يلقاه من أهل الحاجة، و قد شرع له في الإحسان أي يبدأ بالجار الأقرب فالأقرب، فإن رجح الأبعد في الجيران على الأقرب مع التساوي في الحاجة فقد اتبع هواه، و ما وقف عند حد ربه، و هذا سار في جميع أفعال البر، و سبب ذلك الغفلة عن اللّه تعالى، فأمر العبد بالصفة التي تحضره مع اللّه و هي الصلاة، فهي مناجاة العبد لربه، و تشير هذه الآية إلى توبيخ اللّه لمن أمر غيره بإقامة الصلاة، و إتمام نشأتها و نسي نفسه، و جعله إياه بمنزلة من لا عقل له. و البر من جملة أحوال الصلاة فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: أقرت الصلاة بالبر و السكينة «وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ» فإنكم تجدون فيه قوله‏ «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» و هذه حالة من أمر بالبر غيره و نسي نفسه، فالغافل القليل الحياء من اللّه يأمر غيره بالطاعات و هو على الفجور، و ينسى نفسه فلا يأمرها بذلك‏ «أَ فَلا تَعْقِلُونَ» يقول:

أ ما لكم عقول تنظرون بها قبيح ما أنتم عليه؟ فإذا قلت خيرا، أو دللت على خير، فكن أنت أول عامل به، و المخاطب بذلك الخير، و انصح نفسك فإنها آكد عليك، فإن نظر الخلق إلى فعل الشخص أكثر من نظرهم إلى قوله، و الاهتداء بفعله أعظم من الاهتداء بقوله، فإن اللّه تعالى يقول في نقصان عقل من هذه صفته: «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏

______________________________
بالإحسان إليه فقد أحسن لنفسه، و الأمر بالإحسان من الإحسان، فقال تعالى منكرا على من يأمر بالإحسان و لا يأتيه‏ «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ» أي غيركم‏ «بِالْبِرِّ» بالأفعال الحسنة «وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» أي و تتركون أنفسكم، يقول: أ لا تأمرون أنفسكم بالفعل الحسن‏ «وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ» أي تجدون في الكتاب إذا قرأتموه أنكم مخاطبون بأن تأتوا البر في كل حال، «أَ فَلا تَعْقِلُونَ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 130

وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» فإذا تلا الإنسان القرآن و لا يرعوي إلى شي‏ء منه، فإنه من شرار الناس بشهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن الرجل يقرأ القرآن و القرآن يلعنه، و يلعن نفسه فيه، يقرأ «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» و هو يظلم فيلعن نفسه، و يقرأ «لعنة اللّه على الكاذبين» و هو يكذب فيلعنه القرآن، و يلعن نفسه في تلاوته، و يمر بالآية فيها ذم الصفة و هو موصوف بها فلا ينتهي عنها، و يمر بالآية فيها حمد الصفة فلا يعمل بها و لا يتصف بها، فيكون القرآن حجة عليه لا له، قال صلّى اللّه عليه و سلم في الثابت عنه: «القرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها».

 

 

[سورة البقرة (2): آية 45]

وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45)

فأمر من هذه صفته بأن يستعين بالصبر يعني بالصبر على الصلاة، فقدّم حبس النفس عليها، ثم ذكر الصلاة فقال: «وَ الصَّلاةِ» فإن المصلي يناجي ربه، فإذا ما حصل العبد في محل المناجاة مع ربه استلزمه الحياء من اللّه فلا يتمكن له أن يأمر أحدا ببر و ينسى نفسه منه، بل يبتدئ بنفسه. ثم ذكر خشوع الصلاة فقال: «وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ» يعني الصلاة ثقيلة شاقة «إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ» و خشوع كل خاشع على قدر علمه بربه، و قد جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الخشوع للقلب و لا سيما في الصلاة فقال: لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، و الخشوع لا يكون إلا للّه فمن لم يخشع في صلاته فما صلى.

______________________________
يقول: ليس لكم عقل تفهمون به عن اللّه ما أنزله في كتابه إليكم، و النسيان الترك عن غفلة، فكأنه يقول: و تغفلون عن أنفسكم، و إذا لم يكن عن غفلة فهو التناسي (46) «وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ» الآية، لما كان من قول العبد فيما شرع له‏ (وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بيّن الحق له ما يقع له به المعونة على عدوه إبليس، فقال لعباده‏ «وَ اسْتَعِينُوا» على عدوكم‏ «بِالصَّبْرِ» يقول:

بحبس نفوسكم على طاعتي و امتثال ما أمرتكم به و نهيتكم عنه مطلقا، فإن ذلك مما يقمع عدوكم‏ «وَ الصَّلاةِ» فإنه ما ثم عبادة ذكر فيها أنه فيها مناج ربه غير الصلاة، فلهذا خصها بالذكر دون جميع الأعمال، ليثابر العبد عليها، فيكون ممن قال اللّه‏ (الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) و في موضع آخر (عَلى‏ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) فإن الشيطان لا يتمكن له التمكن من قلب العبد في حال مناجاته، لأن أنوار هيبة الحضرة تحرقه، و لقد نشاهد هذا فيمن يحادث منا ملكا عظيما ذا جلال و كبرياء،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 131

[سورة البقرة (2): آية 46]

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46)

فظن خيرا تلقه، فإن اللّه ما يوجد إلا عند ظن العبد به فليظن به خيرا.

[سورة البقرة (2): الآيات 47 الى 48]

يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

و هي فروض الأعيان لا تجزى نفس عن نفس شيئا، فإن الفروض حقوق اللّه، و حق اللّه أحق بالقضاء.

______________________________
لا يقدر أحد يقطع عليه كلامه، و لا يدخل بينه و بين الملك، لما تقتضيه الحضرة من الهيبة و الجلال، فجناب الحق أولى بهذه الصفة، و لهذا جاء إبليس لعنه اللّه إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم بقبس من نار فرماه في وجهه و هو في الصلاة، لما لم يكن له سبيل إلى قلبه لما ذكرناه من حضوره مع الحق و مناجاته، ثم قال‏ «وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ» يقول: إن المتكبرين يستكبرونها حيث تنزلهم عن كبريائهم، و أما الخاشع فما تطأمن و خضع و ذل إلا لتجلي الحق على قلبه في كبريائه و عظمته، فلا يكبر على الخاشع الوقوف عند أوامر سيده، ثم وصفهم فقال (47) «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ» الآية، العلم القطع على أحد الأمرين، و الشك التردد بين الأمرين من غير ترجيح، و الظن ترجيح أحد الأمرين من غير قطع، و الظن هنا على بابه، و له وجهان هنا، الوجه الواحد أن المؤمنين قاطعون بأنهم إلى ربهم راجعون، فإنه قال‏ (وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) و الكافر و المؤمن كلهم يرجعون إلى اللّه، غير أنه ما كل من يرجع إليه يلقاه، قال تعالى‏ (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فلذا قيل فيهم‏ «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ» أي يغلب على ظنهم أن اللّه بكرمه يختم لهم بما هم عليه من أعمال أهل السعادة، فيكونون ممن يلقى ربه، و الوجه الآخر أنهم يظنون أنهم ملاقوا ربهم من حيث هذا الاسم، فإن العبد المطيع لسيده يغلب على ظنه أن سيده لا يلقاه بمكروه، فإن مدلول هذا الاسم خير كله، فإنه يجوز أن يلقوا يوم القيامة الاسم المنتقم أو الضار، فالأدب و المعرفة حكمت عليهم بأن يظنوا «وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ» فإن عاد الضمير في «إليه»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 132

[سورة البقرة (2): الآيات 49 الى 52]

وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

الشكر هنا: هو الثناء على اللّه بما يكون منه خاصة، لصفة هو عليها من حيث ما هو مشكور، فإن شكر المنعم يجب عقلا و شرعا، و لا يصح الشكر إلا على النعم.

______________________________
إِلَيْهِ راجِعُونَ» فتكون واو العطف تشرك في الظن، و إن كان الضمير يعود عليه من كونه إلها، فيكون‏ «وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ» الواو بمعنى مع، أي مع علمهم بأنهم إليه راجعون، و قد تكون الجملة في موضع الحال، تقدير الكلام: يظنون أنهم ملاقوا ربهم في حال رجوعهم إليه الذي لا بد منه، ثم قال (48) «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا» الآية- ذكرهم بهذا النسب نعمته عليهم فيه حيث نسبهم بالبنوة إلى صفوته و هو يعقوب، و حظنا من التعريف أن نذكر نعمته علينا أيضا، فلهذا عرفنا فقال‏ «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ» و لها وجهان، الأول اذكروا أي تذكروا و لا تغفلوا و لا تنسوا ذلك، و الوجه الآخر اذكروا، من الذكر، أن تحدّثوا بما أنعمت عليكم، قال تعالى‏ (وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) و النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل مذكورة في القرآن، فلا أحتاج إلى ذكرها، و قوله‏ «وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» فيه إنباه لنا أن نذكر ذلك في قوله‏ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) و أما قوله لبني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، أي زادهم أمورا ظهرت عامة، لم يعط عمومها لسائر الملل، و إن لخواص هذه الأمة ما أعطى سائر الأمم، من الكشف و طي الأرض و المشي على الماء و في الهواء و تظليل الغمام و الطير و تسخير الرياح و تفجير المياه، و قد رأينا كثيرا من هذا على المنقطعين من عباد اللّه في حال سياحاتي و طلبي الاجتماع بهم، و كان ذلك في بني إسرائيل يظهر للعام و الخاص، فالفضيلة في هذا، ثم قال (49) «وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي» الآية، الخطاب عام لجميع العباد، فالضمير عام، و قوله‏ «يَوْماً» يريد يوم القيامة، و في الحقيقة الأيام كلها بهذه المثابة، و أنه ما أراد اللّه إمضاءه في خلقه لا تقتضيه نفس عن نفس شيئا، و قوله‏ «لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً» هو قوله‏ (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) بل كل نفس بما

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 133

[سورة البقرة (2): الآيات 53 الى 55]

وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)

الصواعق أهوية محترقة لا شعلة فيها فما تمر بشي‏ء إلا أثرت فيه.

______________________________
كسبت رهينة، (وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى‏ حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏) و قوله‏ (وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ) فذلك يوم يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه و صاحبته و بنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، و قوله‏ «وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ» أي من شفع من أجلها لا تقبل شفاعته فيها، فإنهم في ذلك اليوم يعرفون- بل عند موتهم- أنهم ليسوا ممن يقبل كلامهم، فثبت ما قلناه، و هو قوله‏ (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ)، و قوله‏ «وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ» يقول: فداء، تعريفا لهم هنا، و هو قوله‏ (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى‏ بِهِ) و قوله‏ (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، و قوله‏ «وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ» هو قوله‏ (وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى‏ لَهُمْ) أي لا ناصر لهم، فإن الآخذ هو اللّه و لا مقاوم له سبحانه‏ (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ)* (50) «وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» الآية، ثم رجع إلى ذكر ما أنعم به عليهم، فقال: و اذكروا «إِذْ نَجَّيْناكُمْ» قوله‏ (يا بَنِي إِسْرائِيلَ) و ضمير الخطاب، يحتمل أن يكون من اللّه إخبارا لنا على الحكاية بما خاطبهم به في زمانهم بما أنعم عليهم، و يمكن أن يكون الضمير يعود على بني إسرائيل الحاضرين في زمان النبي عليه السلام، يعدد عليهم ما أنعم به على أسلافهم و من مضى من آبائهم في زمان موسى عليه السلام، و قد يكون للحاضرين هذا الخطاب حيث أنعم عليهم إذ لم يوجدهم في زمان من أولى أسلافهم سوء العذاب، و قد يكون ذلك كله مرادا للّه تعالى في الخطاب، و اللّه أعلم، و قوله تعالى‏ «مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» و لم يقل من فرعون، لأن آله كانوا المباشرين لعذابهم، و لم يكن لفرعون إلا الأمر بذلك، و كذا جرت العادة في الرؤساء و الملوك و لهذا جوزوا، فقال تعالى‏ (أَدْخِلُوا آلَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 134

[سورة البقرة (2): الآيات 56 الى 57]

ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

يعني يظلمون أنفسهم بما كانوا عليه في سابق العلم.

______________________________
فرعون) الذين تولوا عذابهم‏ (أَشَدِّ الْعَذابِ)* في مقابلة سوء، و قرئ بكسر الخاء، فقد يمكن أن يقال لبني إسرائيل يوم القيامة ذلك ليولوهم أشد العذاب بأنفسهم، كما فعلوا هم بهم في الدنيا حين ساموهم سوء العذاب، و آل الرجل أهله و خوله و أنصاره و أتباعه، سمعت شيخنا الإمام أوحد زمانه في معرفة كلام العرب، أبا ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخطيب يقول: الآل لا يضاف إلا للأكابر الزعماء، و أما من دونهم فيقال أهل فلان، و قوله‏ «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ» يقول يولونكم ما يسوؤكم من‏ «الْعَذابِ» فمن ذلكم قتل أولادهم ذبحا، و جعل إبقاء النساء عذابا لهم، مع أن إبقاءهم ينبغي أن يكون من فرعون نعمة عليهم، و ذلك أن الرجل في الغالب يسرع إليه ذهاب الحزن منه بخلاف النساء، فأبقى النساء حتى يتجدد على الآباء العذاب بما يجدونه من الحزن لحزن نسائهم و بكائهم على أولادهم دائما، و شغلهم بذلك عن مصالح أزواجهم، فيتجدد العذاب عليهم، هذا يسوغ في إبقاء الأمهات، و أما إبقاء الإناث فيزيد بذلك من قتل ولده حسرة إلى حسرته، و حزنا إلى حزنه، قال تعالى‏ «يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ» قال تعالى‏ «وَ فِي ذلِكُمْ» خطاب لنا «بَلاءٌ» أي ابتلاء «مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ»، نشكر أو نكفر، كما قال سليمان عليه السلام‏ (لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) فكل عذاب في الدنيا يكون بلاء إذ كانت دار اختبار (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) و أما في الدار الآخرة فلا يقال له بلاء و إنما هو عذاب خالص. و لهذا ما أظن و اللّه أعلم أن اللّه ذكر عذاب الآخرة بلفظ البلاء، على أني ما بحثت على ذلك، لما لم تكن دار تكليف، و كان سبب قتل الأبناء أنه رأى و رئي له أن مولودا من بني إسرائيل يولد في دولته يكون هلاكه و هلاك أتباعه على يديه، ثم من نعمة اللّه على بني إسرائيل قوله (51) «وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ» الآية، و هذا يؤيد ما ذكرناه أنه سبحانه يحكي ما خاطبهم به في زمانهم من تقرير النعم عليهم، فمن ذلك‏ «وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ» أي بسببكم‏ «الْبَحْرَ» لتنجوا من عدوكم، فزال البحر بعضه عن بعض و افترق، فظهرت الأرض و سكن البحر عن جريته‏ «فَأَنْجَيْناكُمْ» بما أهلكنا به‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 135

[سورة البقرة (2): الآيات 58 الى 60]

وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

[فى (اثنتا عشرة عينا)]

إشارة- علم الاثنتي عشرة عينا التي في العلم بها العلم بكل ما سوى اللّه، و هو علم‏

______________________________
عدوكم، فإن رؤيتهم لذلك الطريق غرهم فاتبعوكم حتى غشيهم من اليم ما غشيهم، فانطبق البحر عليهم فأهلكهم‏ «وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ، وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» و أنتم تشهدون ذلك، و لنا وجه في‏ «أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» و هو أن خرج من الحكاية إلى خطاب الحاضرين من بني إسرائيل و ذلك بأن يكون‏ «تَنْظُرُونَ» بمعنى تنتظرون، فقال لهم و أنتم تنظرون أي تنتظرون أن يحل بكم إن لم تؤمنوا بمحمد عليه السلام ما حل بآل فرعون لما لم يؤمنوا بموسى عليه السلام، و أما نسب موسى، فهو موسى ابن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم خليل اللّه، و قيل سمّي موسى لأنه وجد التابوت الذي كان فيه بين الشجر في الماء، و المو بالقبطية الماء، و السا الشجر، فركبوا من ذلك اسم موسى، و أما فرعون فقالوا اسمه الوليد بن مصعب، و قالوا مصعب بن الريّان، ثم ذكر من النعم قوله (52) «وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» الآية، لما كان من نعم اللّه عليهم ما أنعم به على رسولهم، إذ لهم الشرف بذلك، ذكر من جملة النعم مواعدته لموسى في مناجاته، فقال‏ «وَ إِذْ واعَدْنا» فعل فاعلين، و هو أتم في التشريف حيث قرنه بنفسه في المواعدة، و كذا أنزلت و تليت، و قد قرأنا «وعدنا» بغير ألف، فهو الوعد من جانب الحق تعالى خاصة، و هذا أنزه، و الأول أشرف في حق موسى، و قوله‏ «أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» يمسكه عنده فيها مناجيا مقربا، و يحتمل أنه بعد انقضاء الميقات يكون الكلام، ليس في هذه الآية دليل على ترجيح أحد الوجهين، و قوله‏ «ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ» أي من بعد ما فارقكم و جاء لميقاتنا الذي وعدناه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 136

الحياة التي يحيا بها كل شي‏ء، و هو العلم المتولد بين النبات و الجماد من المولدات بصفة القهر، فإن العيون الاثنتي عشرة إنما ظهرت بضرب العصا الحجر، فانفجرت منه بذلك الضرب‏

______________________________
«وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ» أنفسكم، أي ظلم بعضكم بعضا، حيث لم يأخذ بعضكم على بعض، و لا نهى بعضكم بعضا في اتخاذكم العجل إلها من دون اللّه (53) «ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» إشارة إلى الاتخاذ، أي لم ندخر لكم العقوبة إلى الآخرة، و جعلنا عقوبتكم في الدنيا، و فرضنا لكم التوبة، و هو الرجوع من شرككم إلى توحيد اللّه كما سيأتي، ثم قال‏ «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» على هذه النعمة في قبول التوبة و رفع العقوبة عنكم في الآخرة، و قد ندخل نحن في قوله‏ «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» حيث قصصنا عليكم ما كان منا في حق الأمم من قبلكم، فتشكرون نعمة اللّه عليكم حيث عافيناكم مما ابتلينا به من كان قبلكم، و سنأتي على شرح هذه القصة في مكانها من الأعراف و طه، ثم قال (54) «وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» الآية، و من النعم أيضا على نبيكم موسى و عليكم، أن آتيناه، أي أعطيناه و أنزلنا عليه الكتاب، يعني التوراة، يقول: الجامعة لما فيه سعادتكم إن عملتم بها «وَ الْفُرْقانَ» فيها، أي و كتبت الفرقان فيها، و هو من بعض ما فيها، يقول: جعلت لكم ما تفرقون به بين الحق و الباطل‏ «لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» تتبينون ذلك عند تلاوتكم إياها فتعملون عليه، ثم من نعمه قوله تعالى (55) «وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ» الآية، فنبههم على ذنبهم و على ما شرع الحق في ذلك، فقال‏ «وَ إِذْ قالَ» أي يا بني إسرائيل و اذكروا أيضا إذ قال‏ «مُوسى‏ لِقَوْمِهِ» الذين عبدوا العجل، فأضافهم إليه و إن كانوا قد كفروا و خالفوا دينه‏ «يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ» أي ظلم بعضكم بعضا حيث لم يرده عما شرع فيه من مخالفة أمر اللّه‏ «بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ» إلها من دون اللّه، فهؤلاء كفار و ليسوا مشركين إن كانوا لم يتخذوه شريكا، ثم قال‏ «فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ» فارجعوا إلى الذي خلقكم و برأكم، فإن العجل ما يخلق شيئا، فذكر أخص وصف الإله، ليدل أن الخلق لا يكون إلا للّه، خلافا لمخالفي أهل الحق الذين ينسبون الخلق إلى غير اللّه‏ «فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» أي فتوبتكم أن يقتل بعضكم بعضا عقوبة لكم مناسبة كما لم يرد بعضكم بعضا عن عبادة العجل، و كما لم يرد بعضكم بعضا في ذلك لظلمة الجهل التي أعمت بصائركم، كذلك أنزل عليكم ظلمة حتى يقتل بعضكم بعضا فيها، فأرسل اللّه عليهم ظلمة بحيث لا يبصر بعضهم بعضا، و تقاتلوا فيها حتى رفع اللّه عنهم ذلك، و قصتهم في التاريخ مذكورة، و غرضنا التنبيه و الإيجاز و ما يدل عليه اللفظ و كيفية الوقائع موقوف على كتب التواريخ، و لو وصلت إلينا من طريق صحاح ربما ذكرناها، و مما ظهر لنا أيضا في إرسال الظلمة عليهم في وقت قتالهم لئلا يدرك الرجل رأفة في أبيه أو ابنه أو أخيه أو ذي قربى، فيؤديه ذلك إلى الفتور في إقامة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 137

اثنتا عشرة عينا، يريد علوم المشاهدة عن مجاهدة، بسبب الضرب، و علوم ذوق، لأن الماء من الأشياء التي تذاق، و يختلف طعمها في الذوق، فيعلم بذلك نسبة الحياة كيف‏

______________________________
حد اللّه الذي شرع لهم، كما ورد في شرعنا في جلد الزاني و الزانية (وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) و هذا أيضا من أكبر النعم على بني إسرائيل، و قال تعالى‏ «ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ» أي التوبة و القتل خير لكم عند بارئكم، فأضافهم إلى البارئ عقيب القتل، ليتنبهوا على الإعادة و رجوع الحياة إليهم، و نبههم أيضا بذلك على أنهم شهداء، فهم أحياء عند ربهم يرزقون‏ «فَتابَ عَلَيْكُمْ» أي رجع عليكم برحمته التي كان الكفر قد سلبها عنكم‏ «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ» الرجّاع‏ «الرَّحِيمُ» بالرحمة إليكم، و قد تقدم تفسير التواب في قصة آدم، ثم أردف أيضا هذه النعم بنعمة أخرى فقال تعالى و جل (56) «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ» الآية، إلى قوله‏ «تَشْكُرُونَ» قص اللّه علينا هذه الأمور ليري اللّه تعالى نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم ما قاسى موسى من أمته فيعزي نفسه بذلك، قال تعالى‏ (وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) و قال‏ (وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏) لنا لنشكر اللّه على ما أولانا من نعمه حيث آمنا و استسلمنا، و لم نكلف نبينا أن يسأل ربه شيئا، مثل ما كلفت الأمم رسلها، فنشكره سبحانه على هذه النعمة، إذ لو شاء لألقى في قلوبنا ما ألقاه في قلوب الأمم قبلنا، و لهذا نشرك أنفسنا معهم في الضمير المذكور في قوله‏ (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فقال تعالى إخبارا عن بني إسرائيل، و العامل في إذ كما في أمثاله‏ «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ» أي لن نصدق بك‏ «حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» فالعامل في جهرة يحتمل أن يكون قلتم، و يحتمل أن يكون العامل نرى، و هذا من أعظم ما اجترءوا به على اللّه تعالى، و أعظم ما كلفوه لموسى، فعاقبهم اللّه بأن أرسل عليهم صاعقة، أمرا من السماء هائلا أصعقهم لم ينقل إلينا من طريق صحيحة ما كان ذلك الأمر «فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ» أي فأخذتهم الصاعقة جهرة، و هو قوله‏ «وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» قال (57) «ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ» أي من بعد ما صعقتم، فقد يكون موت غشي، و قد يكون موتا حقيقة، و الأقرب أن يكون موت غشي و صعق، لأن اللّه يقول‏ (لا يَذُوقُونَ فِيهَا) يعني في الجنة (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى‏) فأفردها، و ليس بنص، و لكن يتقوى به وجه التأويل على هذا المعنى، و سنومئ في إحياء من مات في ضرب الميت بالبقرة فحيي، ما كانت تلك الحياة، و في كل حي يحيى في الدنيا بعد موته قبل حياة البعث، فإنه سر لطيف لا يدرك إلا من جهة الكشف، ثم قال‏ «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» خطابا لنا و لهم، فهذا تعريف يتضمن تكليفا بالشكر، و من النعم قوله (58) «وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ» الآية، لما دعا موسى على قومه بالتيه حين قالوا ما ذكر في سورة المائدة، قال أصحابه المؤمنون به: ما يقينا من حر الشمس في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 138

اتصف بها المسمى جمادا، حتى أخبر عنه الصادق أنه يسبح بحمد اللّه، لأن الحق أضاف ذلك إلى الحجر بقوله «منه»، و من لا كشف له و لا إيمان لا يثبت للجماد حياة، فكيف‏

______________________________
هذا التيه؟ فظلل اللّه عليهم الغمام، و هو الضباب أو السحاب، فقالوا: ما نأكل؟ فأنزل اللّه عليهم المن، و هو هذا الذي ينزل على الشجر و يجمعه الناس، جعل اللّه لهم فيه غذاء و هو المعروف عندنا، و قد قيل فيه إنه شي‏ء شبه الخبز النقي، و قيل شبه الذرة، و أما السلوى فهو طائر واحده سلواة، فقال تعالى‏ «وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» من جعل من للتبيين جعل الطيبات الحلال من الرزق، و أطلق الرزق على الحلال و الحرام، و من جعل من للتبعيض يريد التقليل من الأكل و هو مشروع، جعل الرزق هنا الحلال، فإن اللّه نهى عن أكل الحرام في غير ما موضع من كلامه في كل كتاب، و قوله‏ «وَ ما ظَلَمُونا» أي و ما تضررنا بمعصيتهم و لا بمخالفتهم، إذ كان كل مظلوم متضررا «وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» أي ما يكون من الضرر في ذلك يعود عليهم، و هذا يدلك أيضا على أنه لنفسك عليك حق، و هو أن تسلك بها سبيل النجاة، فإذا لم تفعل فقد ظلمتها و أورثتها الضرر و الشقاء، ثم قال تعالى (59) «وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ» الآية، و من نعمه أيضا عليهم بعد أن فرغوا من إقامتهم في التيه أن قال لهم‏ «ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ» يعني بيت المقدس أو أريحا، ما ثبت عندنا أية قرية هي، غير أنا زرنا قبر موسى عليه السلام على قرب من أريحا على قارعة الطريق الكبرى و قرب من الكثيب الأحمر، بأرض يقال لها البريصا، ظاهر حجارتها بيض و باطنها أسود نفطية، كنا نوقدها كما يتقد النفط، و رائحتها كرائحته و فيها دهن، و القبر على يمين الطريق إذا طلبت أريحا، ثم قال‏ «فَكُلُوا مِنْها» الضمير يعود على القرية «حَيْثُ شِئْتُمْ» أي مما فيها، فأباح لهم الدخول و الأكل كيف شاءوا و مما شاءوا و حيث شاءوا «رَغَداً» في اتساع عيش من غير تضييق و لا تحجير «وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً» كلفهم التواضع عبادة بالسجود عند الدخول‏ «وَ قُولُوا حِطَّةٌ» بالرفع، أي قولوها كما أمرتم حكاية على الرفع، و حطة مثل قعدة و جلسة، و قد يكون دعاء، أي حط عنا ذنوبنا حطة، و قد يكون المعنى إذا دخلتم سجدا و فرغتم من عبادتكم فحطوا، أي أنزلوا رحالكم حطة، و معناه يتداعوا بها على الرفع بينهم: حطة حطة، ليحطوا، فإذا فعلتم ذلك‏ «نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ» جمع خطيئة، و هو ما كان منكم مما تقدم مما ذكرناه من الذنوب، «وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ» إحسانا على إحساننا لهم، لكونهم ما خالفوا أمر اللّه و احترموا جانب الحق، قال تعالى‏ (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ) فإن تركهم للمخالفة زيادة عمل مشروع إذا اقترنت به نية الترك، و سواء كان الترك لمباح أو ندب أو فرض، على أنه عندنا إذا أتى المباح من حيث أنه مباح شرعا أجر (60) «فَبَدَّلَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 139

تسبيحا، فيعلم بهذا الكشف نسبة الحياة أيضا إلى النبات، لأن الضرب كان بالعصا، و هي من عالم النبات، و بضربه بها ظهر ما ظهر، و من لا كشف له لا يعلم أن النبات حي، إلا من يصرف الحياة إلى النمو، فعلم الاثنتي عشرة عينا على الكشف و المشاهدة هو علم ما يتعلق بمصالح العالم‏ «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» من تلك العيون، فمن علمها علم حكم الاثنى عشر برجا، و علم منتهى أسماء الأعداد و هي اثنا عشر، و علم الإنسان بما هو ولي للّه تعالى.

______________________________
الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» الآية، قيل لهم قولوا: حطة، فبدلوا، قيل المعنى فاستهزءوا، و قيل اللفظ، فقالوا: حطا سمقا، بالقبطية معناه حنطة حمراء استهزاء، فعاقبهم اللّه على ذلك، فقال‏ «فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ» بيّن أن الرجز إنما نزل بالظالمين، و لم يقل عليهم لئلا يدخل فيه غير الظالمين، لأن العذاب قد ينزل فيعم الصالح و الطالح، و يحشر كل إنسان على عمله، فلهذا أخبر اللّه أن الرجز الذي هو العذاب اختص بالذين ظلموا «بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» أي بخروجهم عن أمرنا فيما بدلوه من قولنا قولوا حطة، و من نعمه أيضا قوله (61) «وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ» الآية، لما أعطاهم ما يقيهم من حر الشمس و ما يأكلون طلبوا ما يشربون، فاستسقى اللّه لهم موسى‏ «فَقُلْنَا» فقال له ربه‏ «اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ»* فإن الحجارة في الغالب موضع تفجير الماء «فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً» و كانوا اثني عشر سبطا، لكل سبط عين، و الحجر قد يكون الألف و اللام لحجر بعينه، و كذا ذكر في التاريخ، و أنه كان صغيرا يحمله في مخلاة، فحيثما نزلوا من التيه أخرجه و ضربه بعصاه، فتفجر عيونا اثنتي عشرة، و قد يحتمل أن يكون للجنس، و قوله‏ «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» كان لكل سبط عين تخصه، و كل سبط يرجع إلى ولد من أولاد يعقوب، و هم الأسباط، فسبط يرجع إلى روبيل و معناه بالعربية الأبيض، و سبط يرجع إلى يهود و معناه بالعربية شاكر، و سبط يرجع إلى شمعون و هو بالعربية سمعان، و سبط يرجع إلى نفنوان و معناه المنطيق، و سبط يرجع إلى رنوان و يقال فيه ربالون و لم نر له تفسيرا، و سبط يرجع إلى آشر و معناه الطيب، و سبط يرجع إلى أنساخر و معناه المتأخر، و سبط يرجع إلى جاد و معناه الفياض، و سبط يرجع إلى دان و معناه بالعربية الحكم، و سبط يرجع إلى يوسف و معناه يزيد، و سبط يرجع إلى لاوى و معناه العطاف، و سبط يرجع إلى بنيامين و معناه شداد، و كلهم أولاد يعقوب و هو إسرائيل و معناه صفوة اللّه، ثم قال لهم‏ «كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ» تقدم الكلام في الرزق‏ «وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» اسم فاعل من أفسد يفسد فهو مفسد، يقال عاث في الأرض إذا أفسد فيها، و به سمى العوث و هي الدودة التي تأكل الثياب‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 140

 

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=