تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آیه ۲39-286
[سورة البقرة (2): الآيات 239 الى 242]
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)
فإن العاقل يستبرئ لنفسه، فإن كان عالما حكم بما علم، و إن لم يكن عالما بتلك الواقعة ما حكمها حكم عليه عقله أن يسأل من يدري الحكم الإلهي المشروع في تلك النازلة، فإذا عرفه حكم فيها، فهذا فائدة العقل، فإن كثيرا ممن ينتمي إلى الدين و العلم الرسمي تحكم
______________________________
من الفرائض، إذ كان وقتها أخفى الأوقات كلها، لأنه قال: [و الشمس مرتفعة بيضاء نقية] قبل أن تدخلها الصفرة، فما فوقها في البيان كوقت الصبح بطلوع الفجر، و صلاة الظهر بزوال الشمس، و المغرب بغروب الشمس، و العتمة بمغيب الشفق، فجميع الأوقات في غاية البيان، فلهذا أكد بذكر صلاة العصر في مصحف عائشة، و هو المحافظة على معرفة وقتها، ثم قال تعالى: «وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ» يعني فيها، معناه ساكنين، فإنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية، قال الراوي: فأمرنا بالسكوت و نهينا عن الكلام في الصلاة، و إن كان القنوت الطاعة للّه، فقوله: «وَ قُومُوا لِلَّهِ» بها على حد ما أمركم اللّه به و ما علمكم، أي من أجل اللّه، ثم قال: (240) «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» و هذا من المحافظة على الصلوات أن تقام على جميع الأحوال و على قدر الاستطاعة، و لا سبيل إلى تركها، و لو صلاها إيماء بعينيه، فقال تعالى: فإن كنتم في حال خوف من عدو لا تستطيعون أن تؤدوها و أنتم قائمون على الأرض فلتصلّوها و أنتم تمشون إن كنتم رجالا، أي على أرجلكم، أو ركبانا، يقول: على رواحلكم إذا لم تستطيعوا النزول على الأرض، ثم قال: «فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» يقول: فإذا ارتفع الخوف و كان الأمن فصلوا كما علمكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من أعمال الصلاة من القيام على الأرض و الركوع و السجود، و ليس في هذه الآية ما يدل على النقص من أعداد ركعات الصلاة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 361
شهوتهم عليهم، و العاقل ليس كذلك، فإن العقل يأبى إلا الفضائل، فإنه يقيد صاحبه عن التصرف فيما لا ينبغي، و لهذا سمي عقلا من العقال، و قوة العقل و الدليل الواضح قاما للعقل على تصديق الرسول الذي بعثه إلينا في إخباره الذي يخبر به عن ربه بما يكون منه سبحانه
______________________________
كما ورد في السنة من أنه فرض الخائف ركعة، و هي مسألة خلاف بين الناس، و قد يمكن أن يكون قوله: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ» تحريض على شكره سبحانه كما علمنا كيف نؤدي هذه الصلاة في حال الخوف و في حال الآمن و على كل حال، ثم قال: (241) «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» الوجه عندي في تأويل هذه الآية أنه إخبار من اللّه بما كان الأمر عليه في زمان الجاهلية، و استمرار ذلك في أول الإسلام، من غير أن يرد من اللّه في ذلك حكم يرفعه، و لا حكم يقره، بل بقي الأمر على ما هو عليه من أن المرأة إذا مات عنها زوجها و هي في عصمته، أنه كان يوصي لها بالنفقة و السكنى حولا كاملا، و لم يكن لها ميراث، فإن استعجلت المرأة الخروج قبل الحول سقطت نفقتها و سكناها، و لم ينزل اللّه عليهم في حق من تركها تخرج و لا في حقهن إذا خرجن إثما، بل كان الأولياء و المؤمنون يتركونهن، و كانت النساء يزلن الإحداد و يتزين و يتعرضن للخطاب و التزويج، و لا حرج في ذلك عليهم، و لا عليهن من اللّه، إلى أن نزلت آية الميراث و التربص أربعة أشهر و عشرا، فلم يكن الحول و لا النفقة فيه و لا السكنى شرعا مقررا من عند اللّه، و يؤيد هذا أنه لما نزلت عدة المتوفى أربعة أشهر و عشرا، و ظهر من الناس في ذلك ما ظهر من أنه يشق على النساء، قال عليه السلام:
[قد كانت إحداكن في الجاهلية تقعد حولا في شر ثيابها] الحديث- و لم يقل عليه السلام فيه إن ذلك كان شرعا من عند اللّه، و قاله منكرا عليهن، و أن الذي نزل عليه في ذلك أخف مما كان الأمر عليه، و هن يضقن به ذرعا، فإذا كانت هذه الآية إخبارا من اللّه تعالى بما كان الأمر عليه، فلا يكون ما نزل من الحكم في ذلك بالأربعة أشهر و العشر الليالي و آية الميراث ناسخا لهذا الخبر، لأن الخبر لا ينسخ، و إنما الحكم الذي وقع الخبر عنه ارتفع بما نزل في ذلك، و الذي ذهب إليه المفسرون أن هذه الآية خرجت مخرج الحكم من اللّه في أول الإسلام، ثم نسخها ما ذكرنا، و هو بعيد للإنكار الوارد من النبي عليه السلام الذي ذكرناه، و قوله هنا: «وَ اللَّهُ عَزِيزٌ» أي غالب بما قهرهم من الموت، منيع الحمى أن يحال بينه و بين ما يريد، فإن اللّه توفاهم، و قوله: «حَكِيمٌ» أي عليم بالوقت الذي أنزل فيه رفع هذه المشقة، فإن الحكيم هو الذي لا يتعدى بالأشياء ميقاتها، لعلمه بذلك و لا نعلمه نحن، ثم قال: (242) «وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 362
في خلقه، و بما يكون عليه سبحانه في نفسه و مما يصف به نفسه مما يحيله عليه العقل إذا انفرد بدليله دون الشارع، فالعاقل الحازم يقف ذليلا مشدود الوسط في خدمة الشرع، قابلا لكل ما يخبر به عن ربه سبحانه و تعالى مما يكون عليه و منه.
[سورة البقرة (2): آية 243]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)
المراد هنا الفضل العام و الخاص لما كان الناس يفضل بعضهم بعضا و الرسل تفضل بعضهم بعضا «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» فإن عين الشكر عين النعم، و من النعم دفع النقم، كم نعمة للّه أخفاها شدة ظهورها، و استصحاب كرورها على المنعم عليه و مرورها، و هم في غفلة معرضون، و لكن أكثر الناس لا يعلمون، بل لا يشعرون بل لا يشكرون.
______________________________
يقول: إن حكم المطلقة ما هو حكم المتوفى عنها زوجها، و هو عموم في جميع المطلقات، و هذه مسألة خلاف بين العلماء، فمن الناس من قال: إن المتاع هنا نفقة العدة، و منهم من قال: هي في غير المدخول بها كما تقدم، و منهم من قال: واجبة في كل مطلقة، و قوله تعالى: «حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» أي واجبة على من يتقي اللّه فيفعل ما أوجب اللّه فعله عليه، و الظاهر لو أراد بهذه الآية ما أراد بالأولى التي هي غير المدخول بها التي لم يفرض لها لكانت خلية عن الفائدة، فالأوجه أن يكون مثل الأولى في الوجوب في غير المدخول بها، و في المدخول بها على الاستحباب و الندب من اللّه إلى ذلك، و التقي يبادر إلى ما ندبه اللّه إليه مبادرته إلى الواجب على السواء، إيثارا لما اختاره اللّه له و إن لم يجب عليه، فإن المتقي يوجبه على نفسه، و من ألزم نفسه طاعة ألزمه الشارع إياها فلذلك قال: «حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» أي واجبا، و ما كل مؤمن ذا تقوى، و في غير المدخول بها واجب و لا بد، ثم قال: (243) «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ» أي يظهر لكم «آياتِهِ» أي العلامات التي تستدلون بها على الأحكام، أو يقول: كما بينت لكم الأحكام بما أنزلته عليكم في الكتاب، مثل ذلك يبين اللّه لكم آياته التي جاءت بها الأنبياء دلالات على صدقهم، و قوله: «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» أي تقيّدون أنفسكم بالعمل بها، مأخوذ من العقال، فلا تسرحوا إلا فيما سرحكم الشرع فيه، ثم قال: (244) «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 363
[سورة البقرة (2): الآيات 244 الى 245]
وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
فقالت طائفة من اليهود إن رب محمد يطلب منّا القرض، و ما طلب اللّه منك القرض و أنت تعلم أنه ما طلبه منك إلا ليعود به و بأضعافه عليك من جهة من تعطيه إياه من المخلوقين، فمن أقرض أحدا من خلق اللّه فإنما أقرض اللّه، و ليس الحسن في القرض إلا أن ترى يد اللّه هي القابضة لذلك القرض لا غير، فتعلم عند ذلك في يد من جعلت ذلك، و هو الحفيظ الكريم، و ما خرج عن الملك شيء حتى يحكم فيه القبض، و إنما يقال ذلك بالفرض، ما خرج شيء عنه، فالكل به و إليه و منه، الحق له الغنى، و من أقرضه بلغ المنى، ودع اللجاج، فما هو محتاج، أنت من جملة خزائنه، فما خرج الشيء عن معادنه، فما أعطى إلا من خزانته، لما أعطته حقيقة مكانته، و حصلت أنت على الأجر، إن فهمت الأمر «و اللّه يقبض و يبسط» إن للّه يدين مباركتين مبسوطتين فيهما الرحمة، فلم يقرن بهما شيئا من العذاب، فيعطي رحمة يبسطها و يعطي رحمة يقبضها، فإن القبض ضم إليه، و البسط
______________________________
ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» في هذه الآية رد على الأشاعرة في استدلالهم على رؤية اللّه بالأبصار بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) أن الرؤية إذا اقترنت بها كلمة [إلى] كانت بالبصر، تقول: نظرت إلى كذا، أي شاهدته ببصري، و نظرت في كذا، أي فكرت فيه، و نظرت لكذا، أي رحمته، و نظرت كذا، أي قابلته، و احتجوا بذلك على نفاة الرؤية، فقد جاءت الرؤية هنا بإلى و ليست هنا الرؤية بالبصر بلا شك، فإنه خطاب لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم و من خوطب، عن أمم قد مضوا، و ما رأيناهم حال خروجهم و لا حال موتهم و لا حال إحيائهم، و كذلك قوله: (أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) فجاء بإلى و معناه هنا الفكر، أن يتفكر في ذلك مع وجود [إلى] فإنه معلوم في هذه الآية أن واحدا منا ما رأى ربه و هو يمد الظل، فيعرف كيفية ذلك المد بوساطة مشاهدة البصر، فبطل ما استشهدوا به من هذه الآية لتقييدها بحرف [إلى] فالرؤية في هذه الآية بمعنى التعجب و الاعتبار إذا فكرت فيهم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 364
انفساح فيه، و اللّه يقبض بمنع غضبه، و يبسط ببسط رحمته، و يقول أبو عبد اللّه[1]: و اللّه يقبض القرض، و يبسط الأجر، و اعلم أن الفرق بين الحضرتين القبض و البسط، أن القبض لا يكون أبدا إلا عن بسط، و البسط قد يكون عن قبض و قد يكون ابتداء، فالابتداء سبق الرحمة الإلهية الغضب الإلهي، و الرحمة بسط، و الغضب قبض، و البسط الذي يكون بعد قبض كالرحمة التي يرحم اللّه بها عباده بعد وقوع العذاب بهم، فهذا بسط بعد قبض، و هذا
______________________________
و علمت قصتهم و حديثهم، فإن الخبر الصدق و المعاينة على السواء في التصديق بذلك، و لا أصدق من اللّه حديثا، و هو المخبر بقصة هؤلاء الذين أخبر عنهم، فلا فرق عندنا بين أن نشهدهم بأعيننا في هذه الآية و بين هذا الخبر الإلهي، بل أتم و أوضح، و قوله: «وَ هُمْ أُلُوفٌ» أي متألفون، جمع ألف، كجالس و جلوس، و قد يمكن أن يكون من العدد، و يكون الأمران معا، فأخبر اللّه تعالى أنهم خرجوا فرارا من الموت، و هو أن الطاعون كان نزل بهم، فأراهم اللّه أنه لا ينجي حذر من قدر، قال تعالى: (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) «فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا» فماتوا ميتة رجل واحد «ثُمَّ أَحْياهُمْ» ليعتبروا، فإن الأجل المسمى ما كان وصل وقته، و إنما كان هذا موت اعتبار و إحياء اعتبار لهم و لنا من بعدهم، ليعلموا أن اللّه على كل شيء قدير، و أنه لا راد لأمره، و يخرج على هذا قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) يريد في الأولى التي هي الدار الدنيا، فحذف حرف الجر، فإن هؤلاء حصل لهم في الدنيا موتتان، و لأمثالهم، ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ» منه هذا و أمثاله «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» أي يكفرون بنعم اللّه عليهم، هؤلاء القوم الذين أخبر اللّه عنهم كانوا من بني إسرائيل، و كان ذو الكفل نبيهم الذي بعث إليهم، و هو حزقيل بن روم، و قيل حزقيا بن روم، و كان اللّه قد أمره أن يخرج بقومه لقتال عدوهم، و كان الطاعون كثيرا، ما يكون بأرض عدوهم، فخاف قومه من القدوم على تلك الأرض، فأبوا عليه، فابتلاهم اللّه بالطاعون، فخرجوا من مدينتهم حذر الموت، فدعا اللّه حزقيل عليه السلام ربه أن يريهم آية يعرفون بها أنه لا ينجيهم حذرهم من قدر اللّه، فقال لهم اللّه: موتوا، فماتوا ميتة رجل واحد، و جيفوا و انتثرت لحومهم عن عظامهم، ثم دعا اللّه حزقيل أن يحييهم فأحياهم، فلما رأوا ذلك تحققوا أن الفرار من قدر اللّه لا ينجيهم، ثم قال تعالى: (245) «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» يحتمل أن يكون المخاطب هؤلاء القوم بالقتال، فيكون إخبارا لنا من الحق بتمام القصة و بما أمرهم به، و يحتمل أن يكون المؤمنون المخاطبين بهذه الآية بعد فراغ القصة، تحريضا للمؤمنين على جهاد عدوهم، و لا يقولوا مثل ما قال هؤلاء الذين أبوا على نبيهم، فإن اللّه «سَمِيعٌ» لكل ما يتكلمون
______________________________
(1) أبو عبد اللّه هو الجامع لهذا التفسير.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 365
لبسط الثاني محال أن يكون بعده ما يوجب قبضا يؤلم العبد، و من يدعو إلى اللّه على بصيرة يدعو من باب البسط من يعلم أن البسط يعين على الإجابة من المدعو، و يدعو من باب
______________________________
به، «عَلِيمٌ» بما يضمرونه في صدورهم و إن لم يتكلموا به، و قد يكون قوله: «عَلِيمٌ» إعلام بما هي الحقائق عليه، فإن السمع متعلقه الكلام من حيث ما هو كلام لا من حيث ما يدل عليه من المعاني، فيكون قوله: «عَلِيمٌ» بما دل عليه الكلام المسموع، فجعل له تعلقين: تعلق السمع و العلم (246) «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» نزلت في أبي الدحداح عمرو بن الدحداح من الأنصار، لما سمع النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقول: من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة، و كان لأبي الدحداح حديقة، فقال: يا رسول اللّه إن تصدقت بحديقتي فلي مثلها؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: نعم، قال: و أم الدحداح معي؟ قال: نعم، قال: و الصبية؟ قال: نعم، قال: فتصدق بحديقته، فأنزل اللّه هذه الآية فيه، و ضاعف اللّه أجره على صدقته، فقال: «مَنْ ذَا الَّذِي» يقول: أي إنسان كان من المؤمنين لم يخص به واحدا دون آخر «يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» القرض السلف، لما كان السلف يعود إلى معطيه بعد ذلك جعل الحق سبحانه ما يتصدق به من أجله قرضا، لأنه يعيد مثله و أكثر من ذلك على من أقرضه، و لو قال ذلك بغير لفظة القرض ما أعطى هذا المعنى، و إذا علم المعطي أن متاعه يعود إليه مضاعفا سارع إلى إعطائه لمن يسأل منه ذلك، و قوله: «حَسَناً» يقول طيبة بذلك نفسه، ببسط وجه للسائل و بشاشة و فرح، كان الحسن صلوات اللّه عليه إذا وقف السائل ببابه يسارع بالصدقة إليه بيده فرحا مستبشرا به، و يقول: مرحبا بحامل زادي إلى الآخرة، و من القرض الحسن رؤية النعمة من اللّه عند العطاء، و قوله: «قَرْضاً حَسَناً» أي من وجه، من المال يجوز له التصدق به مما ملكه اللّه إياه بوجه صحيح يرضاه اللّه، و قوله:«فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً» هو قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) و قوله عليه السلام: [إن الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله] و من القرض الحسن أن لا يتبعه أذى و لا منة، قال تعالى: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً) و قال: (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى) و الشيء إذا كثره اللّه فلا أكثر منه، و أقل الكثرة دوامه، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجود الكثرة في الأمثال، مثل قوله: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) لكان مبالغة في الكثرة «و اللّه يقبض و يبسط» يريد هنا في الرزق، يوسع الرزق على قوم و يضيقه على قوم بقدر ما يعلمه من المصلحة في حق ذلك العبد، و إن كان شقيا فإنه مرحوم به في شقائه بوجه ما، فإن رحمته وسعت كل شيء، قال تعالى:(وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ) يعني الرزق، و قال: (وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) فمن أعطاه اللّه
[1] أبو عبد اللّه هو الجامع لهذا التفسير.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 366
القبض من يعلم أن القبض يعين على إجابة المدعو، فيدعو بالقبض و البسط، فإنه يراعي المصلحة و يدفع بالتي هي أحسن في حق المدفوع عنه و في حق نفسه، و البسط مطلب النفوس فليحذر غوائلها «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».
[سورة البقرة (2): الآيات 246 الى 247]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَ ما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247)
لما كانت الحضرة الإلهية لا تقتضي التكرار لما هي عليه من الاتساع، و كان العلم صفة
______________________________
علم ذلك فقد اعتنى به، و قد علم شيئا من سر القدر، ثم قال: «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ليوفيكم ما أقرضتموه في دار الكرامة، و ليندم من لم يقرضه في هذه الدار حين طلب منهم ذلك بالوجه الذي يصح فيه التصرف، فهو قوله: (يَوْمُ التَّغابُنِ) للمعطي و المانع، و المعطي من غير وجهه، فيود المعطي المقبول لو أعطى جميع ما عنده، و يود المانع لو أعطى و ما منع، و يود المعطي من غير وجهه أنه أعطى من الوجه الذي يليق و يكون معه القبول كما تقدم، و لما خرج أبو الدحداح عن حديقته صدقة للّه تعالى، جاء إلى حديقته التي تصدق بها ليسلمها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فوجد أم الدحداح و الصبية فيها، فامتنع من الدخول فيها، فقال: يا أم الدحداح، قالت له لبيك، قال إني جعلت حديقتي هذه صدقة و اشترطت مثلها في الجنة و أنت و أولادنا معنا فيها، فقالت له أم الدحداح: بارك اللّه لك فيما شريت و فيما اشتريت، فخرجوا منها و سلم أبو الدحداح الحديقة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 367
إحاطته، قرن معه السعة، و اشتق له اسما منها كما اشتق من العلم، فقال تعالى: «وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» فإن الحق له الاتساع الذي لا ينبغي إلا له، و الاسم الواسع من أعظم الأسماء إحاطة،
______________________________
للنبي صلّى اللّه عليه و سلم، كم نخلة مدلى عذوقها لأبي الدحداح في الجنة، ما رأيت أعرف من أم الدحداح حيث دعت بالبركة فيما باع و ما اشترى، فأما البركة فيما باعه، فهو قوله عليه السلام في الصدقة، تقع بيد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تصير مثل جبل أحد و إن كانت غاية في الصغر، فهذه بركته فيما باع، فإن الجزاء يقع عليها يوم يقع على قدر ما انتهت إليه من العظم في التربية الإلهية، لا على قدر الوقت الذي أعطاها، و البركة التي تكون في المشتري هو ما لم يدخل تحت التعريف، مضافا إلى القدر الذي زاد على ما كان جزاء للصدقة في أول إعطائها قبل التربية، فهذا من أدل دليل على علمها بذلك، و من جملة القرض النفقة في سبيل اللّه لتجهيز الضعفاء الذين لا مال لهم إلى قتال عدوهم في قوله: «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»* و نفقتهم على أنفسهم في ذلك، فوقعت النسبة بين الآيتين، ثم قال: (247) «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى» الآية، يقول أ لم تعلم بما أخبرتك به مما كان من وجوه بني إسرائيل من بعد موت موسى ابن عمران «إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ» قيل هو شموئيل، و هو بالعربية إسماعيل بن بالي بن علقمة بن برخام بن البهر بن يهرص بن علقمة بن ناحب بن عموط بن عزريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، و قيل هذا النبي هو شمعون، و قيل هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل، قالوا له: «ابْعَثْ لَنا مَلِكاً» يقولون يتقدم علينا و يملك أمرنا و نسمع له و نطيع ليجمعنا على قتال عدونا الذي جلانا عن أهلنا و بلادنا، و هو جالوت و أصحابه، فهو قوله:
«نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» «قالَ» فقال لهم نبيهم: «هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا» كما قال تعالى لنا: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) و عسى من اللّه و من رسوله واجبة، لأن الأنبياء قلوبهم محفوظة من الخواطر المذمومة، فما يقع في قلوبهم إلا الحق، و كذلك كان، لما كتب عليهم القتال تولوا و أعرضوا إلا قليلا منهم، كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر خاصة، فالمعنى يقول لهم نبيهم: الأقرب من أحوالكم إن كتب عليكم القتال أنكم لا تقاتلون و تكرهون ذلك، لأن كلمة عسى من أفعال المقاربة «قالوا» فقالوا في جواب قوله: «وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» يقولون و ما يمنعنا من ذلك و نحن نطلب ثأرا من عدونا، فقالوا: «وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا» لما ظهر علينا عدونا جالوت، قال: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا» أي أعرضوا كما ظنه فيهم نبيهم صلّى اللّه عليه و سلم «إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» فكأن فعل المقاربة إنما دخل من أجل من أطاع منهم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 368
و هو الاسم الذي يتضمن الأسماء الإلهية التي تطلبها الأكوان كلها لاتساعه، و هي أكثر من أن تحصى كثرة.
______________________________
و لم يتول عن القتال، فكأنهم قاربوا أن يتولوا بأجمعهم لو لا أن اللّه اعتنى بالطائفة التي استثنى منهم، قال: «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» و عيد و تهديد، و تحقيق أن اللّه يعلم ما يكون من الظالم من الظلم قبل وقوعه، فأنطق اللّه بذلك نبيه عليه السلام، و عرفنا اللّه بهذا كله تنبيها لنا و تذكرة لئلا نكون مثلهم فيما يأمرنا به سبحانه، و تعزية للنبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و تثبيتا لفؤاده إن وقع منا في أمر اللّه ما وقع من هؤلاء، قال تعالى: (وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) ثم قال: (248) «وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً» يقول: لما سأل ملأ بني إسرائيل نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه عدوهم، قيل أوحى اللّه إلى نبيه بقارورة فيها دهن مقدس، فقال له ربه: إذا دخل عليك رجل فينشّ الدهن عند دخوله فذلك هو الملك الذي نبعثه لهم، فدخل عليه طالوت يوما يرجو بركة دعائه في أن يرد اللّه عليه حمرا ضلت له، فلما دخل نش الدهن في القارورة، فدهنه به، و كان رجلا دباغا حقيرا في قومه من سبط بنيامين، و لم يكن في ذلك السبط نبوة و لا ملك، و كان طالوت من أدنى بيت فيه، و سمي طالوت لفضله عليهم في العلم و الجسم من الطول و هو الفضل، و اسمه بالسريانية شانك بن قيس بن إنبال بن ضرار ابن يحرب بن أفثح بن إيش بن يامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، فقال له شمويل:
إن اللّه قد أمرني أن أبعثك ملكا لهؤلاء القوم تقاتل بهم عدوهم، و دهنه بدهن القدس، و أعلمه أن اللّه يوحي إليه إذا كان في مكان كذا و كذا، ثم قال لقومه: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً» «قالُوا أَنَّى يَكُونُ» يقولون كيف يكون: «لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا» و ليس هو من سبط فيه نبوة و لا ملك «وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ» يقولون و ما له مال واسع يكون به ملكا «قالَ» 247 لهم نبيهم «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ» أي اختاره «عَلَيْكُمْ» يقول: يكون ملكا عليكم يملك أمركم «وَ زادَهُ» عليكم «بَسْطَةً» أي اتساعا «فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ» أي منظره عظيم حسن، و مخبره مثل ذلك، و أحسن الناس من عظم منظرا و مخبرا، و قيل كان سقاء يستقي الماء على حمار له «وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ» يقول: الملك للّه سبحانه ليس لكم فيعطيه لمن يشاء من عباده، قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) ثم قال: «وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» لما قالوا: و لم يؤت سعة من المال، أخبرهم اللّه بأني واسع العطاء إذا شئت أغنيته بالمال، و قوله: «عَلِيمٌ» في هذا الموضع، يقول: عليم بمن يصلح من عبادي للنيابة عني في خلقي و التقدم عليهم، و لما أخبرهم نبيهم بأن اللّه اصطفى عليهم طالوت بالملك، قالوا: ما آية ذلك؟
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 369
[سورة البقرة (2): آية 248]
وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
اعلم أن المعاني التي تتصف بها القلوب قد يجعل اللّه علامة على حصولها في نفوس من شاء من عباده أن يحصلها، فيه علامات من خارج، تسمى تلك العلامة باسم ذلك المعنى الذي يحصل في نفسه من اللّه، و إنما يسميه به ليعلم أن تلك العلامة لحصول هذا المعنى
______________________________
(249) «وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ» فقال لهم: «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ» أي علامة إعطاء اللّه له الملك «أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ» و كان عند أنبياء بني إسرائيل تابوتا قد جعل اللّه لهم فيه آية يسكنون إليها تدل على نصرهم على عدوهم، فكانوا إذا قاتلوا عدوهم قدموا التابوت أمام الجيش و استنصروا به ربهم، فيعطيهم النصر، فهذا معنى قوله: «فِيهِ سَكِينَةٌ» كما يقال: اقبل هذا الأمر فإن فيه فرجا لك، و كان اللّه قد رفع التابوت من بني إسرائيل لما فشت فيهم المخالفات و الكفر، فقيل أخذه منهم عدوهم، و قيل بل رفعه اللّه إليه، و لا شك أن هذا الملأ من بني إسرائيل إنما أوتوا في إنكارهم الملك على طالوت لكونهم ما طلبوا قتال عدوهم لأن تكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الذين كفروا هي السفلى إيثارا لجناب الحق تعالى، و اللّه أغنى الشركاء عن الشرك، فقالوا: (و ما لنا أن لا نقاتل في سبيل اللّه و قد أخرجنا من ديارنا و أبنائنا) فذكروا العلة فما قاتلوا إلا لحظوظ نفوسهم لا لجناب اللّه، فبعدوا من اللّه فضعفوا في نفوسهم، فلم يقبلوا فرض القتال عليهم، و نازعوا اللّه في ولاية طالوت عليهم، فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء و الأرض و هم ينظرون إليه حتى أنزلته في بيت طالوت، فحينئذ سمعوا له و أطاعوا رغبة في النصر على عدوهم، و قوله: «فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» أي فيه آية تدل على النصر، فيسكن إليه من كان عنده في حال قتال عدوه، يقال سكن إلى هذا الأمر يسكن سكونا و سكينة، على أنه قد قيل في هذه السكينة أقوال، كلها ترجع إلى ما ذكرناه، فقالوا كانت السكينة التي فيه ريحا هفافة، لها وجه كوجه الإنسان، و قيل غير ذلك، و سميت سكينة لما ذكرناه، و لا فرق بين أن تكون الآية حضور التابوت عندهم أو تكون ما ذكروه، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) و يحتمل أن تكون السكينة عبارة عن الملائكة الذين مع التابوت ينصرهم اللّه بهم مددا و دعاء، فإنه قد ورد في الصحيح أن بعض الصحابة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 370
نصبت، مثل قوله تعالى في تابوت بني إسرائيل إن اللّه قد جعل فيه سكينة، و هي صورة على شكل حيوان من الحيوانات، اختلف الناس في أي صورة حيوان كانت، و لا فائدة لنا في ذكر ما ذكروه من صورتها، فكانت تلك الصورة إذا هفت أو ظهرت منها حركة خاصة بصروا، فسكن قلبهم عند رؤية تلك العلامة من تلك الصورة التي سماها سكينة، و أن السكينة المعلومة إنما محلها القلوب، و لم يجعل لهذه الأمة المحمدية علامة خارجة عنهم على حصولها، فليس لهم علامة في قلوبهم سوى حصولها، فهي الدليل على نفسها، ما تحتاج إلى دليل من خارج كما كان في بني إسرائيل.
______________________________
كان يقرأ القرآن و له فرس فجعلت الفرس تضرب بيديها و تنفر، فنظر الرجل فإذا غمامتان قد نزلتا من السماء، فلما سكت عن القراءة ارتفعتا، فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: تلك السكينة نزلت للقرآن و كانت الملائكة في الغمامتين، و قوله: «وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ» يعني الأنبياء «تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ» فيقال كان فيه عصا موسى و عمامته و شيء من التوراة و ثياب موسى و رضراض الألواح و الطست الذي كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، ثم قال: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» و هذا دليل على مغايرة العلم للإيمان كما قدمنا، فإن الدليل يعطي العلم لذاته و لا يعطي الإيمان، فالإيمان نور يقذفه اللّه في قلب من خصه من عباده، و قوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي مصدقين بأن النصر يكون مع التابوت، و الآية كانت في إتيانه لا فيه، فقوله:
«ذلِكَ» إشارة إلى الإتيان، فجعله دليلا على صدق شمويل أن اللّه بعث لهم طالوت ملكا، فأضيفت الآية للملك المضاف إلى طالوت لأنه محل النزاع، و قوله: «لَآيَةً لَكُمْ» يدل على أنه علم سبحانه أنهم اتخذوا الإتيان دليلا، لأنه من لم يتقرر عنده كون هذا الأمر دليلا على كذا لا يكون عنده دليلا، و إن كان في نفس الأمر دليلا، و لكن هنا غموض، فإنه إذا حصل هذا الدليل عند الناظر فيه من جميع وجوهه باستيفاء أركانه، فلا بد أن يكون عنده دليلا لأنه لذاته يدل، و يرتبط بمدلوله، فليس الدليل بالإضافة، فالجهل إنما حصل من كون الناظر ما استوفى النظر فيه، و لهذا انقسم الناظرون في آيات الأنبياء إلى قسمين: قسم لم يحصل لهم العلم بالدليل فكفروا بالمدلول، و قسم حصل لهم العلم بذلك فجحدوا بالآية و استيقنتها أنفسهم، فيختلف الحكم عليهم في الآخرة من عند اللّه لاختلاف أحوالهم و إن جمعهم اسم الكفر، فلما رأت بنو إسرائيل إتيان الملائكة بالتابوت إلى بيت طالوت على حد ما ذكره نبيهم سمعوا له و أطاعوا، فخرج بهم طالوت لقتال عدوهم، و هو قوله: (250) «فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ» من خرج من
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 371
[سورة البقرة (2): آية 249]
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
من ذلك يعلم أن الصدق سيف اللّه في الأرض، ما قام بأحد و لا اتصف به إلا نصره اللّه، لأن الصدق نعته و الصادق اسمه، فينصر اللّه المؤمن الذي لم يدخله خلل في إيمانه على
______________________________
شيء فقد فصل عنه فصولا، فقال تعالى: «فَلَمَّا فَصَلَ» أي خرج من بيته بجنوده يطلب عدوه، و كان في زمان الحر، «قالَ» لهم: «إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ» قيل هو نهر الأردن الخارج من بحيرة طبرية الواقعة في بحيرة لوط، فابتلاهم اللّه أي اختبر صدقهم في اتباع طالوت بالشرب من النهر، إذ التكليف إنما يقع و يتعلق بفعل المكلف «فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ» يقول: من كرع فيه فشرب منه أكثر مما يسد به عطشه خاصة، و هو الضروري من ذلك، الذي تبقى به حياة الإنسان و إن أحس بالعطش، يقول: فمن فعل ذلك «فَلَيْسَ مِنِّي» يقول: «وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ» و صبر على عطشه «فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ» و هو قدر الضرورة الداعية إليه فإنه مني، و قوله: «فَلَيْسَ مِنِّي» أي الشرب منه ليس من سنتي، كما ورد [من غشنا فليس منا] أي ليس من سنتنا الغش، قال: «فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» و كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و ما عدا هؤلاء فإنهم شربوا حتى رووا منه، قال تعالى: «فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ» يعني طالوت «و الذين معه» يعني عسكره، أبصروا عسكر جالوت و كثرته و شدة بأسه، و نظروا إلى ضعفهم و قلتهم «قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ» و هؤلاء القائلون منهم هم الذين شربوا و هم الذين وقع عليهم الشرط بقوله:
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) و هم الذين قالوا: (وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا) فكرهوا أن يخرجوا من أنفسهم أيضا بالقتل، فجبنوا عن قتال عدوهم، و ضعفوا عن الإيمان بالنصر المقترن بحضور التابوت، فما كان فيه في حق هؤلاء سكينة، لأن نفوسهم ما سكنت إليه في ذلك
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 372
من دخله خلل في إيمانه، فإن اللّه يخذله على قدر ما دخله من الخلل، أي مؤمن كان من المؤمنين، فالمؤمن الكامل الإيمان منصور أبدا، و لهذا ما انهزم نبي قط و لا ولي، أ لا ترى يوم حنين لما ادعت الصحابة رضي اللّه عنهم توحيد اللّه، ثم رأوا كثرتهم فأعجبتهم كثرتهم فنسوا اللّه عند ذلك، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، مع كون الصحابة مؤمنين بلا شك، و لكن دخلهم الخلل باعتمادهم على الكثرة، و نسوا قول اللّه «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» فما أذن اللّه هنا إلا للغلبة فأوجدها، فغلبتهم الفئة القليلة بها عن إذن اللّه-
[الا من اغترف غرفة]
إشارة- لما جرى نهر البلوى، بين العدوتين الدنيا و القصوى، و كان الاضطرار، وقع الابتلاء و الاختبار، لما كان الظما، اختبر الإنسان بالماء، فلم يحصل له أمان الغرفة، إلا من قنع في شربه بالغرفة، فمن اغترف نال الدرجات، و من شرب ليرتوي عمر الدركات، فما ارتوى من شرب، و روي من اغترف غرفة بيده و طرب، فمن رضي بالقليل، عاش في ظل ظليل، في خير مستقر و أحسن مقيل.
[سورة البقرة (2): الآيات 250 الى 251]
وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251)
الحكمة هي علم النبوة، و الحكماء على الحقيقة هم العلماء باللّه و بكل شيء و منزلة ذلك
______________________________
«قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ» فقال القليل منهم، و هم الذين يظنون أنهم ملاقوا اللّه، و قد تقدم الكلام في الظن في هذه السورة «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً» الفئة الجماعة، و قوله: «بِإِذْنِ اللَّهِ» أي الغلب لا يقع إلا بإذن اللّه، أي بأمره، فإنه شيء، و قد قال: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) و قال تعالى: (وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى) و قوله: «وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» قد تقدم الكلام عليه في هذه السورة ثم قال: (251) «وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 373
الشيء المعلوم، و هم على الحقيقة الرسل و الأولياء «وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» و لبطلت السنة و الفرض.
[سورة البقرة (2): الآيات 252 الى 253]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253)
الرسل ثلاثمائة و ثلاثة عشر رسول، منهم الفاضل و الأفضل، و إن سبح الكل في فلك الرسالة، لأن كل صنف أشخاصه يفضل بعضهم بعضا، و لا تفاضل إلا بالعلم، فهؤلاء
______________________________
يقول: و لما برزوا أي ظهروا إلى عدوهم، دعوا اللّه أن يصب عليهم الصبر و الثبات في الحرب، و النصر على الأعداء، و كيف يسألون النصر و هم قد علموا وقوع النصر لهم على أعدائهم بكون التابوت معهم؟ فالجواب من وجهين: الوجه الواحد، الأدب مع الحق و الاعتماد عليه لا على الأسباب، و ما هم على يقين أن التابوت يكون معه النصر كما كان لمن تقدم، لتغير الأحوال، و مجيئه إنما كان آية على ملك طالوت لا على نصره على عدوهم، و ما يقتضيه أيضا جبلة الإنسان من الجبن، فاستعان بالدعاء للهلع الذي قام به، قال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً)، و الوجه الآخر، منقول عن السكينة، فإنهم قالوا إنها كانت آية لها رأس كرأس الهر، فإذا صاحت علموا أنهم قد نصروا، و إذا سكتت علموا أنهم لا ينصرون، و هم لا يدرون هل تصيح فينصرون أم لا؟ فاستعانوا بالدعاء للّه و التضرع في النصر على أعدائهم، فأجاب اللّه دعاءهم، فأخبر تعالى و قال: (252) «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ» كما قال أولا بإذن اللّه، تصديقا لهم حيث قالوا: (غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) «وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ» يريد داود النبي صلّى اللّه عليه و سلم و جالوت هو الملك «وَ آتاهُ اللَّهُ» يعني داود «الْمُلْكَ» الذي كان لطالوت «وَ الْحِكْمَةَ» الزبور الذي أنزل عليه «وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ» ما أراده من العلوم التي فيها سعادته و شرفه «وَ لَوْ لا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 374
مع اجتماعهم في الرسالة و الكمال يفضل بعضهم بعضا فيما لهم من الأخلاق الخاصة بهم، و هي مائة و سبعة عشر خلقا،
[مكانه محمد (ص)]
و قد جمعها كلها محمد صلّى اللّه عليه و سلم، جمعت له عناية أزلية، فإن اللّه تعالى لما خلق الخلق خلقهم أصنافا، و جعل في كل صنف خيارا، و اختار من الخيار خواصا و هم المؤمنون، و اختار من المؤمنين خواصا و هم الأولياء، و اختار من هؤلاء الخواص خلاصة و هم الأنبياء، و اختار من الخلاصة نقاوة و هم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم، و اختار من النقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النقاوة المروقة و هم الرسل أجمعهم، و اصطفى واحدا من خلقه هو منهم و ليس منهم، هو المهيمن على جميع الخلائق، جعله عمدا
______________________________
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» أي و لو لا دفاع اللّه الناس بعضهم ببعض، أي و لو لا أن اللّه يدفع بأوليائه شر أعدائه و فسادهم الذي يرمونه في دين اللّه و أوليائه «لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» أي لظهر الفساد في الأرض «وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» أي ذو منة و عناية على العالمين، يعني عباده، ثم قال لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم: (253) «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ» يعني جميع ما ذكره من هذه القصة «نَتْلُوها عَلَيْكَ» أي نعرفك بها «بِالْحَقِّ» أنها حق «وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» يقول: كما أرسل هؤلاء، و أنك ستلقى مثل ما لقي هؤلاء، و تعزية له لما لقيه من بني قريظة و النضير، و لما كانت الأنبياء قد جعلها اللّه صنفين: صنف أرسلهم إلى الخلق مبشرين و منذرين، و صنف لم يرسلهم بل نبأهم و جعلهم على شريعة من عنده تعبدهم بها، قال لمحمد عليه السلام: «وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» منهم، أي من الصنف الذي أرسل، و كان صلّى اللّه عليه و سلم أعظم الرسل، إذ كان الرسالة إلى كافة الناس، فجميع بني آدم من زمان رسالته إلى يوم القيامة من أمته، من آمن منهم و من كفر، فميزانه أرجح الموازين، و سواد أمته أكثر سوادا يوم القيامة من سائر الأمم، فهو المكاثر الذي لا يكاثر، ثم نرجع إلى ذكر القصة بعد انقضاء التفسير فنقول: إن بني إسرائيل لما استولى عليهم جالوت و أخرجهم من ديارهم و حال بينهم و بين أبنائهم بالأسر و الجلاء و القتل، و أخذ التابوت الذي كانت تستنصر به الأنبياء على أعدائها في القتال، و كان موسى لما مات في التيه ترك التابوت عند يوشع بن نون بن أفراييم ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، و أوصاه به، و ما زال التابوت ينتقل من نبي إلى نبي بالوصية عليه، إلى أن كفرت بنو إسرائيل و ضلوا، سلط اللّه عليهم جالوت فاتكا فيهم، فقيل إن التابوت رفعه اللّه، و قيل إن جالوت استولى عليه و أخذه منهم و بقي عنده ما شاء اللّه، و لما رأت بنو إسرائيل ما جرى عليها، اجتمع وجوههم إلى النبي الذي كان عندهم في ذلك الوقت و هو شمويل، فقالوا له: إن عدونا استولى علينا و ليس لنا ملك و لا رأس نرجع له و نسمع له
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 375
أقام عليه قبة الوجود، جعله أعلى المظاهر و أسناها، صح له المقام تعيينا و تعريفا، فعلمه قبل وجود طينة البشر، و هو محمد صلّى اللّه عليه و سلم، لا يكاثر و لا يقاوم، هو السيد و من سواه سوقة، قال عن نفسه: أنا سيد الناس و لا فخر، بالراء و الزاي، روايتان، أي أقولها غير
______________________________
و نطيع، فكان يغزو بنا عدونا و لا نبقى ضميمة يفتك بنا بسيفه و رجاله، فقال لهم نبيهم:
أنا أسأل اللّه في ذلك، و لكني أخاف عليكم إن فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا، و كانت الأمم تنزل عليهم الأحكام على قدر سؤالاتهم، فقالوا لشمويل: يا رسول اللّه و كيف نتخلف عن قتال عدونا و قد أخرجنا من ديارنا و حال بيننا و بين أبنائنا؟ و ذهلوا عن الذي قال لهم شمويل من فرض القتال عليهم لما كانوا فيه من شدة الحرص على قتال عدوهم، فما طلبوا إلا ملكا يدبر أمرهم، لا أن يفرض عليهم القتال فيعصون بتركه، فلما أجاب اللّه نبيه شمويل فيما سأل من ذلك، فرض اللّه عليهم القتال، فقال لهم نبيهم شمويل: إن اللّه قد فرض عليكم قتال عدوكم، فلما سمع القوم بأن ذلك على جهة الفرض صعب عليهم لما في التكليف من المشقة، فأعرض أكثرهم و رجع عن سؤاله، و آمنت طائفة بما فرض اللّه عليها من قتال عدوها، فكان الذين آمنوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر، ثم قال لهم شمويل صلوات اللّه عليه: إنني سألت اللّه في أن يبعث لكم ملكا يرجع أمركم في قتال عدوكم إليه، فأوحى اللّه إلى شمويل و نزل عليه جبريل بقارورة فيها دهن القدس، و قال له: يا شمويل انظر إلى هذا الدهن في هذه القارورة فأي رجل دخل إليك و نش هذا الدهن لدخوله، فهو الملك الذي قد قضيت أن أبعثه لبني إسرائيل، و كان في زمن شمويل رجل يسقي الماء على حمار له، و قيل بل كان دباغا و لم يكن من بيت فيه نبوة و لا ملك و لا من أشراف بيته، و قد ذكرنا نسبه و بيته، فضاع حماره فخرج في طلبه، فمر بمنزل شمويل، فدخل عليه يرجو بركة دعائه في وجدان حماره، فلما دخل عليه نش الدهن في القارورة، فنظر إليه شمويل و قال له:
ادنه، فدنا منه طالوت، فدهن رأسه بذلك الدهن و برّك عليه، و قال له: يا طالوت إن اللّه قد أعطاك ملك بني إسرائيل و قدمك عليهم، و كان طالوت ذا منظر حسن و هيبة و امتداد قامة، و كان قد آتاه اللّه علما بالحروب و ترتيب الجيوش و المكايد التي يحتاج إليها في الحرب، فقال شمويل لبني إسرائيل: إن اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا، و كانوا يعرفون طالوت بينهم و أنه فقير حقير مهان في عشيرته، و عشيرته في العشائر حقيرة غير معتبرة، فأنفوا أن يتقدم عليهم مثل ذلك، و قالوا لشمويل: نحن أحق بالملك منه، فإنه رجل لا أصل له فينا يرجع إليه من ملك و لا نبوة، و لا مال له ينفقه فينا، فقال لهم شمويل: إن اللّه قد فضله عليكم بما تحتاجون إليه في قتال عدوكم و بما ينبغي أن يكون عليه الملك، و أعطاه اللّه العلم بالقتال و المغالبة و الحروب، و أعطاه البسطة و الجمال في
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 376
متبجح بباطل، أي أقولها و لا أقصد الافتخار على من بقي من العالم، و إن كنت أعلى المظاهر الإنسانية فأنا أشد الخلق تحققا بعيني «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» فمن حيث ما هي رسالة فلا فضل إذ الاسم يعم هذه الحالة، و من حيث ما هي رسالة بأمر ما وقع
______________________________
صورته بحيث إذا رآه عدوه هابه، و أما المال فإنّ اللّه بيده خزائن الأرض و مقاليدها، فهو يعطيه و يهبه ما ينفقه فيكم، فقالوا له: إن كان اللّه اختاره لنا و بعثه ملكا علينا كما زعمت فما علامة ذلك، و كانت بنو إسرائيل كثيرا ما تطلب الآيات من أنبيائها، فقال لهم: إن علامة ملكه فيكم أن يرجع إليكم التابوت الذي أخذ منكم، و تأتي به الملائكة تحمله في الهواء و أنتم تنظرون إليه حتى تنزله في بيت طالوت، ففرحوا برد التابوت و رضوا بهذه الآية، فبينما هم جلوس و إذا بالتابوت بين السماء و الأرض تحمله الملائكة و هم ينظرون إليه، حتى نزلت به الملائكة في بيت طالوت، و كان في التابوت صورة يقال لها السكينة، لها رأس كرأس الهر و وجه كوجه الإنسان و جناحان، فإذا لقوا العدو نظروا إليها و هي في التابوت، فإذا أنّت و صوتت و فتحت جناحيها أيقنوا بالنصر، و سار التابوت بحركتها قدما تجاه العدو، و سار الجيش خلف التابوت، فيدبر عدوهم منهزما، فلما رأت بنو إسرائيل التابوت قد نزل عند طالوت علموا أن اللّه قد أعطاه الملك عليهم، فسمعوا له و أطاعوا و اجتمعوا عليه، فخرج بهم يطلب جالوت، و كان عدوهم بين فلسطين و ديار مصر، و كان من عبدة الأوثان، فلما جاء الغور و كان زمان قيظ و اشتد عليهم الحر، و أخذهم العطش، أخرج اللّه لهم نهرا من بحيرة طبرية يجري مع طول الغور إلى أن يصب في بحيرة لوط، يقال له الأردن، فقال لهم طالوت: إن اللّه يختبركم بهذا النهر مع عطشكم، فمن لم يطعمه صحبني و كان معي، و من شرب منه و أخذ منه فوق حاجته فليس يتبعني و لا يكون معي، إلا من أخذ منه قدر الحاجة، و هي الغرفة بيده ليسد بها رمقه إذا خاف الهلاك من العطش، فشرب منه كل من تولى حين فرض عليهم القتال، و لم يشرب منه الثلاثمائة و الثلاثة عشر، فلما جاوز النهر طالوت و عسكره و لحقوا بجالوت و عسكره، قال أصحاب طالوت الذين شربوا من النهر: لا طاقة لنا اليوم بجالوت و جنوده، لما رأوه من العدة و العدد، فقال الثلاثمائة و الثلاثة عشر: لا تقولوا هكذا فإن النصر من عند اللّه، ما هو بكثرة الجموع، فكم رأينا و سمعنا من جماعة قليلة ضعيفة في العدة و العدد هزمت بإذن اللّه- لما ثبتت و صبرت- جماعة كثيرة قوية في العدة و العدد، و اللّه مع من يثبت في الحرب، و لا يبرح معين له و ناصر، و كان طالوت لما بشره شمويل بالملك قال له: إني أعطيك درعا يكون معك، تخلعه على قاتل جالوت، و تزوجه بنتك و تعطيه نصف ملكك، و إن هذا الدرع لا يلبسه و يكون على قده إلا قاتل جالوت، و هذه علامة لك على ذلك، و كان داود عليه
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 377
التفاضل، و وقع التفاضل بين الرسل و هم الخلفاء لاختلاف الأزمان و اختلاف الأحوال، و لهذا اختلفت آيات الأنبياء باختلاف الأعصار «مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» فآية كل خليفة و رسول من نسبة ما هو الظاهر و الغالب على ذلك الزمان و أحوال علمائه، أي شيء كان من طب أو سحر
______________________________
السلام يرعى غنما، و كان داود بن إيشا بن عويذ بن غابر بن يسلمون بن يخسون بن عميذاب ابن رام بن حصرون بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، و كان أبوه إيشا و إخوته في عسكر طالوت، و أراد داود الغزو معه فأودع غنمه ربه تعالى و انحدر يريد الجيش، فخاطبه حجر و قال له: خذني يا داود فإني أقتل جالوت، فكم قتل بي هارون عليه السلام من أعداء اللّه، فقل للريح تعينني على إزالة البيضة من رأس جالوت، حتى أنفذ إلى رأسه فأشدخه، فأخذه فجعله في مخلاة له، ثم انصرف، فناداه حجر آخر: يا داود أنا حجر موسى، كم قتل بي من عدو اللّه، فخذني حتى تستعين بي على قتل عسكر جالوت، فأخذه و جعله في مخلاته، ثم انصرف، فناداه حجر ثالث كذلك، فأخذه فجعله في مخلاته، فلما دخل على طالوت، قال له داود: يا طالوت إني قاتل جالوت و لي عليك شرط إذا قتلته أن تزوجني بنتك و تقاسمني في ملكك، فقال له طالوت و تذكر ما عهد إليه شمويل في ذلك: يا داود إن لي علامة فيك و هو هذا الدرع، فإن هو استوى عليك و لم يقصر عنك و لا طال عليك فأنت قاتل جالوت، و كان ذلك الدرع ما يلبسه أحد إلا طال عليه أو قصر، فأفرغه على داود فطال عليه فانتقص فيه فتقلص حتى استوى عليه، فكان تقلصه من أكبر الآيات، حتى لا يقال إنه وقع له بحكم الموافقة، فعلم طالوت أن ذلك آية كما كان التابوت له آية، ثم إن الجمع التقى و جاء داود حيال جالوت، فقال له جالوت: ما تريد؟ قال: أنا قاتلك، فازدراه جالوت و حقره لقلة سلاحه و لذاته و ما رأى عنده إلا الدرع عليه و مخلاة و مقلاعا، فأدخل يده داود في مخلاته فإذا الأحجار الثلاثة قد التأمت بإذن اللّه و صارت واحدا، فجعل الحجر في المقلاع، و أمر اللّه الريح أن تلقي البيضة عن رأس جالوت، فهبت هبوبا شديدا حتى ألقت البيضة عن رأس جالوت، و رمى داود عليه السلام بالمقلاع الحجر كما رمى النبي عليه السلام التراب في وجوه الأعداء يوم حنين، فانقسم الحجر في الهواء ثلاثة أقسام، فطار حجر منه إلى رأس جالوت فنفذه، و الحجر الآخر أخذ يمين الجيش، و أخذ الحجر الثالث ميسرة الجيش، فانهزم جالوت و جنوده، و سقط جالوت قتيلا، و هزمهم اللّه عن آخرهم، و استبشر الناس، و جاء داود إلى طالوت و طالبه بالشرط، فصعب على طالوت أن يكون ملكا و يعطيه ابنته و هو رجل راعي غنم، فقال يا داود: ما كان لمثلك أن يخطب بنات
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 378
أو فصاحة أو ما شاكل هذا، و أعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم جميع ما فضلت به الرسل بعضهم على بعض ليتبين شرفه و ما فضله اللّه به على غيره في الدنيا بما اختص به، و في البرزخ و القيامة و الجنة و الكثيب و أيد عيسى عليه السلام بالروح، لأنه ما رقمه قلم في لوح، فقذف في الرحم من غير شهوة، فلم يكن له عن طرح الأكوان سلوة.
______________________________
الملوك؟ و فرح الناس بداود، و حسده طالوت، فأراد أن يوقع به، فلم يعن عليه، و هرب داود أمامه، و ندم طالوت على ما جرى منه في حق داود، فتاب إلى اللّه من ذلك، و وجه إلى داود و أعطاه ابنته و نصف ملكه، و أوحى اللّه إلى طالوت فيما حكي أن توبتك عندي أن تأتي أرض البلقاء وحدك فتقاتلهم، فإما أن تفتحها و إما أن تقتل بها، فتلك توبتك، فنهض طالوت إلى بلقاء و ما زال يقاتلها وحده حتى قتل، و اجتمعت الأسباط كلها على داود، و ملكها و انقادت، و لم تكن قبل ذلك تجتمع على ملك واحد، بل كان لكل سبط ملك منهم، إلا داود فآتاه اللّه الملك، و أنزل عليه الزبور، و أقام فيهم إلى حين موته، و اللّه يختص برحمته من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.
انتهى الجزء الثامن من إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن، و يتلوه في التاسع قوله تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» و هذا الأصل الأول بخط يدي من غير مسودة، و كتب محمد ابن علي بن محمد بن أحمد بن العربي الحاتمي الطائي المترجم في يوم الجمعة الثاني و العشرين من ذي القعدة سنة إحدى و عشرين و ستمائة، و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على محمد خاتم النبيين و على آله أجمعين آمين.
تم استنساخه بخط الفقير إليه تعالى كامل بن محمد السمسمية مساء يوم السبت الواقع في التاسع و العشرين من رمضان المبارك سنة ألف و ثلاثمائة و إحدى و سبعين عن نسخة بخط الحكيم محمد سعيد السيوطي و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.
تم استنساخه بخط الفقير إلى اللّه تعالى محمود بن محمود الغراب مساء يوم الثلاثاء العاشر من ذي القعدة سنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و ثمانين هجرية الموافق للثامن و العشرين من كانون الثاني سنة ألف و تسعمائة و تسع و ستين ميلادية و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.
تم مراجعة هذه النسخة بوساطة الكاتب و السيد رضا العظمة على النسخة الخطية للسيد حسني ابن محمود بيك العظمة و هي النسخة المنقولة من نسخة شيخ الإسلام الأسبق السيد عبد الرحمن أفندي نسيب، تم ذلك في يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول سنة ألف و ثلاثمائة و تسع و ثمانين هجرية.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 379
[سورة البقرة (2): الآيات 254 الى 255]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
ورد أن آية الكرسي سيدة آي القرآن، فقد ثبت في الأخبار تفاضل سور القرآن و آيه بعضه على بعض في حق القارئ بالنسبة لما لنا فيه من الأجر، فكانت آية الكرسي سيدة آي القرآن، لأنه ليس في القرآن آية يذكر اللّه فيها بين مضمر و ظاهر في ستة عشر موضعا منها إلا آية الكرسي، و لما كانت الآيات العلامات، و لا شيء أدل على الشيء من نفسه، و آية الكرسي كلها أسماؤه و صفاته، لا يوجد ذلك في غيرها من الآيات، فدل على نفسه بنفسه،
[توحيد ألوهية]
فقال: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» فنفى و أثبت بضمير غائب على اسم حاضر له مسمى غيب، و ما نفى الحق إلا الألوهة أن تكون نعتا لأكثر من واحد «الْحَيُّ» صفة شرطية في وجود ما له من الأسماء، فإنه لما لم يتمكن أن يتقدم الاسم الحي الإلهي اسم من الأسماء الإلهية، كانت له رتبة السبق، فهو المنعوت على الحقيقة بالأول، فكل حي من العالم- و ما في العالم إلا حي- فهو فرع عن هذا الأصل، فالحي اسم ذاتي للحق سبحانه، لم يتمكن أن يصدر عنه إلا حي، فالعالم كله حي، إذ عدم الحياة و وجود موجود من العالم غير حي لم يكن له مستند إلهي في وجوده البتة، و لا بد لكل حادث من مستند «الْقَيُّومُ» على كل ما سواه بما كسب، فإنه أعطى كل شيء خلقه، و لما كانت القيومية من لوازم الحي استصحبها في الذكر مع الحي، قال عزّ و جل: (وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) فكانت القيومية من نعوت الحي، و استصحبته فلا تذكر إلا معه، فالاسم القيوم أخو الاسم الحي
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 380
الملازم له، فما جاء الاسم الحي إلا و القيوم معه «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» صفة تنزيه عما يناقض حفظ العالم الذي لو لا قيوميته ما بقي لحظة واحدة، فنعت الحق نفسه بصفة التنزيه عن حكم السنة و النوم، لما يظهر به من الصور التي يأخذها السنة و النوم، كما يرى الإنسان ربه في المنام على صورة الإنسان التي من شأنها أن تنام، فنزه نفسه و وحدها في هذه الصورة و إن ظهر بها في الرؤيا حيث كانت، فما هي ممن تأخذها سنة و لا نوم، فهذا هو النعت الأخص بها في هذه الآية، و قدم الحي القيوم لأن النوم و السنة لا يأخذ إلا الحي القائم، أي المتيقظ، إذ كان الموت لا يرد إلا على حي، فلهذا قيل في الحق إنه الحي الذي لا يموت، كذلك النوم و السنة، و السنة أول النوم كالنسيم للريح، فإن النوم بخار و هو هواء، و النسيم أوله، و السنة أول النوم، فلا يرد إلا على متصف باليقظة، فهذا توحيد التنزيه عمن من شأنه أن يقبل ما نزه عنه، هذا الحي القيوم، و هو توحيد الهوية توحيد الابتداء، لأن اللّه فيه مبتدأ و نعته في هذه الآية بصفة التنزيه، فهو تعالى لا يغيبه شهود البرازخ عن شهود عالم الحس عن شهود عالم المعاني الخارجة عن المواد في حال عدم حصولها في البرازخ و تحت حكمه «لَهُ» الضمير يعود عليه و هو ضمير غيب «ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» السموات هنا ما علا و الأرض هو ما سفل، فله ما في السموات و ما في الأرض ملكا له و عبدا، معين الحفظ لبقاء الحكم بالألوهة «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ» شفعية الوتر بالحكم «عِنْدَهُ» ضمير غيب «إِلَّا بِإِذْنِهِ» عدم الاستقلال بالحكم دونه، فلا بد من إذنه إذ كان ثم شفيع أو شفعاء، و الشفاعة لا تقع إلا فيمن أتى كبيرة تحول بينه و بين سعادته، فيعلم ما في السموات و ما في الأرض من الشفعاء و المشفوع فيهم «يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» و هو ما هم فيه «وَ ما خَلْفَهُمْ» و هو ما يؤولون إليه «وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ» بالأشياء «إِلَّا بِما شاءَ» منها لا بكلها، فبيّن الحق في هذه الآية أن العقل و غيره ما أعطاه من العلم إلا ما شاء، و ما ذكر عن أحد من نبي و لا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل نفس نفس إلى موته، بل يعلم بعضا و لا يعلم بعضا، مع علمنا بأن اللّه عزّ و جل أوحى في كل سماء أمرها، و أن اللّه أودع اللوح المحفوظ علمه في خلقه بما يكون منهم إلى يوم القيامة، و لو سئل اللوح المحفوظ ما فيك أو ما خط القلم فيك من علم اللّه عزّ و جل؟ ما علم، فإن اللّه أودع ذلك كله في نظره لمن هو دونه، و لا يعلم ما يكون عن الأثر إلا اللّه، فإن الأثر
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 381
ما يظهر عن النظر بل عن استعداد القابل، فلا يعلم الأمور على التفصيل إلا اللّه وحده، فإن اللّه ستر العلوم و الأسرار الراجعة إليه تعالى و إلى أسمائه و إلى العالم عن الخلق كلهم بالمجموع، فلا يعلم المجموع و لا يعلم واحد من الخلق، لكن له العلم بالآحاد، فعند واحد ما ليس عند الآخر، فهو بالمجموع حاصل لا حاصل، فهو حاصل في المجموع غير حاصل عند واحد، و هو قوله: «وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ» فجاء بباء التبعيض، فعند واحد من العلم ما ليس عند الآخر «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ» قال بعض أهل المعاني يريد العلم، و نقلوه لغة، فإن الكرسي لغة عبارة عن العلم، أي وسع علمه «السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» إلا أنه في هذه الآية ليس إلا جسم محسوس، هو في العرش كحلقة ملقاة في فلاة، فهو مخلوق فوق السموات و دون العرش، و هو محصور موجود متناهي الأجزاء، و هو موضع القدمين الواردتين في الخبر كالعرش لاستواء الرحمن، و له ملائكة قائمون به، و المراد بالسماوات و الأرض من العلو و السفل «وَ لا يَؤُدُهُ» يثقله «حِفْظُهُما» يعني السموات و هم العالم الأعلى، و الأرض و هم العالم الأسفل، و ما ثمّ إلا أعلى و أسفل، فوصف الحق نفسه بأنه لكل شيء حفيظ، لأنه حفظ ذاتي معنوي و إمداد غيبي، و خلق دائم في سفل و علو «وَ هُوَ» ضمير غيب «الْعَلِيُّ» بغناه عن خلقه من ذاته، فإن أعلى الموجودات و أعظمها من وجب له الوجود لنفسه استقلالا، و كان له الغنى صفة ذاتية لم يفتقر إلى غيره، و كان بالاسم «الْعَلِيُّ» أولى و أحق «الْعَظِيمُ» في قلوب العارفين بجلاله فله الهيبة فيها، و العظمة حال المعظّم اسم فاعل، لا حال المعظّم اسم مفعول، إلا أن يكون الشيء يعظم عنده ذاته فعند ذلك تكون العظمة حال المعظم لأن المعظم اسم فاعل ما عظمت عنده إلا نفسه، فهو من كونه معظما نفسه كانت الحال صفته، و ما عظم سوى نفسه، فالعظمة حال نفسه، و عظمة الحق في القلوب لا توجبها إلا المعرفة في قلوب المؤمنين، و هي من آثار الأسماء الإلهية، فإن الأمر يعظم بقدر ما ينسب إلى هذه الذات المعظمة من نفوذ الاقتدار، و كونها تفعل ما تريد، و لا راد لحكمها، و لا يقف شيء لأمرها، فبالضرورة تعظم في قلب العارف بهذه الأمور، و هي العظمة الأولى الحاصلة لمن حصلت عنده من الإيمان، و المرتبة الثانية من العظمة هو ما يعطيه التجلي في قلوب أهل الشهود، بمجرد التجلي تحصل العظمة في نفس من يشاهده، و هذه العظمة الذاتية و لا تحصل إلا لمن شاهده به لا بنفسه، و هو الذي يكون الحق بصره،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 382
و لا أعظم من الحق عند نفسه، فلا أعظم من الحق عند من يشهده في تجليه ببصر الحق لا ببصره، فما أحسن ما جاء هذا الاسم، حيث جاء في كلام اللّه ببنية فعيل فقال:
«عظيم» و هي ببنية لها وجه إلى الفاعل، و وجه إلى المفعول، و لما كان الحق عظيما عند نفسه، كان هو المعظم و المعظم، فأتى بلفظ يجمع الوجهين.
| علا الحق في الإدراك عن كل حادث | و هل يدرك التنزيه ما قيد الطبع |
| علاه بها عقلا و ليس بذاته | و ليس لمخلوق على حمله وسع |
| عظيم على من؟ أو جليل من أجل من؟ | تعالى فلا فطر لديه و لا صدع |
و آية الكرسي آية ذكر اللّه فيها ما بين اسم ظاهر و مضمر في ستة عشر موضعا، لا تجد ذلك في غيرها من الآيات، منها خمسة أسماء ظاهرة اللّه الحي القيوم العلي العظيم، و منها تسعة ضميرها ظاهر، فهي مضمرة في الظاهر، و منها اثنان مضمران في الباطن لا عين لها في الظاهر، و هما ضمير العلم و المشيئة، و كذلك علمه و مشيئته لا يعلمها إلا هو، فلا يعلم أحد ما في علمه و لا ما في مشيئته إلا بعد ظهور المعلوم بوقوع المراد لا غير، فلذلك لم يظهر الضمير فيها، و معلوم عند الخاص و العام أن ثمّ اسما عاما يسمى الاسم الأعظم يعمل بالخاصية، و هو في آية الكرسي و أول سورة آل عمران، و مع علم النبي عليه السلام به ما دعا به تأدبا بالأدب الإلهي، لأنه صلّى اللّه عليه و سلم لا يعلم ما في نفس اللّه، فلعل الذي يدعو فيه ما له فيه خيرة، فعدل الأنبياء عليهم السلام إلى الدعاء فيما يريدون من اللّه بغير الاسم الخاص بذلك، فإن كان للّه في علمه فيه رضى و للداعي فيه خيرة أجاب في عين ما سئل فيه، و إن لم يكن عوّض الداعي درجات أو تكفيرا في السيئات، فلهذا ما دعا به صلّى اللّه عليه و سلم، و لو دعا به أجابه اللّه في عين ما سأل فيه، و علم اللّه في الأشياء لا يبطل، فلهذا أدب اللّه أهله- بحث في الكرسي- الكرسي على شكل العرش في التربيع لا في القوائم، و هو في العرش كحلقة ملقاة، و مقعره على الماء الجامد، و في جوف هذا الكرسي جميع المخلوقات من سماء و أركان، هي فيه كهو في العرش سواء، و له ملائكة من المقسمات، و الجسم المسمى الكرسي تدلت إليه القدمان فهو موضعهما، و فيه انقسمت الكلمة الرحمانية الواحدة التي هي في العرش أحدية الكلمة، إلى رحمة و غضب مشوب برحمة، فإنه لما تدلت القدمان
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 383
استقرت كل قدم في مكان ليس هو المكان الذي استقرت فيه الأخرى، و هو منتهى استقرارها، فسمي المكان الواحد جهنما و الآخر جنة، و ليس بعدهما مكان تنتقل إليه هاتان القدمان، و هاتان القدمان لا يستمدان إلا من الأصل الذي منه ظهرت و هو الرحمن، فلا يعطيان إلا الرحمة، فإن النهاية ترجع إلى الأصل بالحكم، غير أنه بين البدء و النهاية طريق، ميز ذلك الطريق بين البداية و الغاية، و لو لا تلك الطريق ما كان بدء و لا غاية، أ لا ترى إلى صدق ما قلناه أن النار لا تزال متألمة لما فيها من النقص و عدم الامتلاء، حتى يضع الجبار فيها قدمه، و هي إحدى تينك القدمين المذكورتين في الكرسي، و القدم الأخرى التي مستقرها الجنة قوله: (وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) فالاسم الرب مع هؤلاء و الجبار مع الآخرين، لأنها دار جلال و جبروت و هيبة، و الجنة دار جمال و أنس و تنزل إلهي لطيف، فقدم الصدق إحدى قدمي الكرسي، و هما قبضتان الواحدة للنار و لا يبالي و الأخرى للجنة و لا يبالي، لأنهما في المآل إلى الرحمة، فلذلك لا يبالي فيهما، و لو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم المبالاة، ما وقع الأخذ بالجرائم و لا وصف اللّه نفسه بالغضب و لا كان البطش الشديد، فهذا كله من المبالاة و التهمم بالمأخوذ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب و لا استعد له، و قد قيل في أهل التقوى إن الجنة أعدت للمتقين، و قيل في أهل الشقاء (أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) فلولا المبالاة ما ظهر هذا الحكم، و القدمان عبارة عن تقابل الأسماء الإلهية، فبالقدمين أغنى و أفقر، و بهما أمات و أحيا، و بهما أهل و أقفر، و بهما خلق الزوجين الذكر و الأنثى، و بهما أذل و أعز، و أعطى و منع، و أضر و نفع، و لولاهما ما وقع شيء في العالم مما وقع، فالقدمان في الأسماء الإلهية مثل الأول و الآخر و الظاهر و الباطن، و مثل ذلك ظهر عنها في العالم الغيب و الشهادة و الجلال و الجمال، و القرب و البعد، و الهيبة و الأنس، و الدنيا و الآخرة، و الجنة و النار.
| من لا تنام له عين و ليس له | قلب ينام فذاك الواحد الأحد |
| مقامه الحفظ و الأعيان تعبده | و لا يقيده طبع و لا جسد |
| هو الإمام و ما تسري إمامته | في العالمين فلم يظفر به أحد |
| كرسيه تخزن الأكوان فيه و لا | يؤده حفظ شيء ضمه عدد |
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 384
فالحمد للّه الذي وسع كرسيه السموات و الأرض، و وضع فيه ميزان الرفع و الخفض، و دلى إليه قدمي النهي و الأمر، و صيره طريق روحانيات التدبير في السر و الجهر.
[سورة البقرة (2): آية 256]
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
و هؤلاء هم السعداء الذين حق على اللّه نصرهم بقوله تعالى: (وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
[سورة البقرة (2): آية 257]
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257)
«اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا» نسب اللّه لنفسه الولاية بتعلق خاص للمؤمنين خاصة، و ذلك من اسمه المؤمن، و المؤمن من يعطي الأمان في نفوس العالم بإيصال حقوقهم إليهم، فهم في أمان منه من تعديه فيها، و متى لم يكن كذا فليس بمؤمن، و المؤمن من أعطى الأمان في الحق إن أمنه، فلا يضيف إليه ما لا يستحق جلاله أن يوصف به مما ذكر تعالى أن ذلك ليس له بصفة، كالذلة و الافتقار، و هذه أرفع الدرجات أن نصف العبد بأنه مؤمن، فالمؤمن اسم للّه تعالى و المؤمن اسم للإنسان، و قد عم في الولاية بين المؤمنين، فهو ولي الذين آمنوا بإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، و ليس إلا إخراجهم من العلم بهم إلى العلم به، فإنه يقول: من عرف نفسه عرف ربه، فيعلم أنه الحق، فيخرج العارف المؤمن الحق بولايته التي أعطاه اللّه من ظلمة الغيب إلى نور الشهود، فهو نور العيان و هو عين اليقين، فيشهد ما كان غيبا له، فيعطيه كونه مشهودا، و لم يكن له هذا الحكم من هذا الشخص قبل هذا،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 385
فكون الشخص مؤمنا سبب إخراجه من الظلمات إلى النور، و لو لا أنهم كانوا في ظلمة بالطبع ما امتن عليهم بإخراجهم منها إلى ما أدخل عليهم من نور اليقين، و كذلك جاء الخبر أن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه اهتدى و من أخطأه ضل، و اعلم أن أشد الظلمات ظلمة الإمكان، فإنها عين الجهل المحض، فإذا تولى اللّه عبده أخرجه من ظلمة الجهل الذي هو الإمكان، و ليس إلا نظره لنفسه معرى عن نظره للذي تولاه، فيخرجه بهذا التولي من ظلمة إمكانه إلى نور وجوب وجوده به- إشارة- هل تعرف من هم أصحاب الظلم، الناظرون في العلم باللّه بالدليل النظري، و المهواة الشبهة، فما يحركهم مع هذا إلا نعمة الإيمان، فانتقلوا إلى التقليد، فتحركوا بنور الشرع المطهر، فأبصروا محجة بيضاء، لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، و لا تخاف فيها دركا و لا تخشى «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ» و ما أفرد اللّه الطاغوت في قوله: «يُخْرِجُونَهُمْ» لأن الأهواء مختلفة، و أفرد نفسه لأنه واحد، و الطاغوت من طغى، إذا ارتفع، فهم يعتقدون في الطاغوت الألوهية، فلذلك رفعوه.
[سورة البقرة (2): آية 258]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)
لما كان القوم يرجعون في عبادتهم لما نحتوه آلهة لا إلى نمروذ بن كنعان، فإن الأنوار التي أشار إليها إبراهيم لم تكن آلهتهم، و لا كان النمروذ إلها لهم، لذلك قال إبراهيم عليه السلام: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ» لم يجرأ نمروذ أن ينسب الإحياء و الإماتة لآلهتهم التي وضعها لهم لئلا يفتضح، فقال: «أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ» فعدل إلى نفسه تنزيها لآلهتهم عندهم، حتى لا يتزلزل الحاضرون، فإنه يقال فيمن أبقى حياة الشخص عليه إذا استحق قتله، أن يقال أحياه، و لم يكن مراد الخليل إلا ما فهمه نمروذ، و لما علم إبراهيم عليه السلام قصور أفهام الحاضرين عما جاء به لو فصله، و طال المجلس، فعدل إلى الأقرب في أفهامهم و هو
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 386
أخفى في نفس الأمر و أبعد، و هو أوضح عند الحاضرين، فقال: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» و هو أمر إمكاني فابتلى اللّه نمروذ لما ادعى ما ليس له من الألوهية بهذا الأمر الإمكاني، فاختبره «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» و الباهت مقطوع الحجة دارس المحجة، فقامت الحجة عليه و افتضح كذبه في المسألة الأولى، و هو قوله يحيي و يميت، فإن البهت عجز، و من عجز فقد وقف على حقيقته، و هو بالبهت ليس بكافر لأنه علم الحق، و لو لا شروق الشمس ما كان الشرق مشرقا، فلو أتى بها، أي لو شرقت من المغرب لكان مشرقا، فما شرقت إلا من المشرق، فبهت الكافر و هو موضع البهت، لأنه علم أنه حيث كان الشروق لها اتبعه اسم المشرق، فليس للمغرب سبيل في نفس الأمر، فما بهت الكافر إلا من عجزه كيف يوصل إلى أفهام الحاضرين- مع قصورهم- موضع العلم فيما جاء به إبراهيم الخليل عليه السلام، فأظلم عليه الأمر و تخبط في نفسه، فبهت الذي كفر في أمر إبراهيم، كيف عدل إلى ما هو أخفى في نفس الأمر و أبعد لإقامة الحجة، و قامت له الحجة عليه عند قومه، فكان بهته في هذا الأمر المعجز الذي أعمى بصائر الحاضرين عن معرفة عدوله من الأوضح إلى الأخفى، فحصل من تعجبه و بهته في نفوس الحاضرين عجزه، و هو كان المراد، فظهرت حجة إبراهيم الخليل عليه السلام على نمروذ أمام الحاضرين، و لم يقدر نمروذ على إزالة ذلك مع ما حصل في قلوب العارفين الحاضرين من ذلك، فعلم صدقه، و إنما نسب الكفر إليه بالمسألة الأولى، فإنه علم ما أراده الخليل بقوله: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ» فستره فسمي كافرا، فلما ارتفع الستر كان تجلي الأمر على ما هو عليه فأعطي العلم، فبهت الذي ستر عنه الأمر قبل تجليه، فآمن به في نفسه و لا بد، و إن لم يتلفظ به، و كيف يتلفظ به و قد غاب عن الإحساس بعين ما هو به محس، و لكن اللّه ما هداه، أي ما وفقه للإيمان «وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» أي لا يبين لهم في حال سترهم و حجابهم، فإن الإبانة بالعلم ترفع ستور الجهل بذلك المعلوم، و الإعجاز من اللّه كون النمروذ بهت فيما له فيه، مقال و إن كان فاسدا، لأنه لو قاله قيل له فقد كانت الشمس طالعة من المشرق و أنت لم تكن، و أكذبه من تقدمه بالسن على البديهة، أما المقال الفاسد فقد كان يقول ما نفعل الأمر بحكمك و لا نبطل الحكمة لأجلك، فكان بهت النمروذ إعجازا من اللّه سبحانه حتى علم الحاضرون أن إبراهيم عليه السلام على الحق، و لم يكن لنمروذ أن يدعي الألوهية.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 387
[سورة البقرة (2): آية 259]
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
يقال إن هذه القرية وادي القرى، صبّح اللّه عروشها خاوية حين لم يغير الناس بها المنكر، و عم بلاء اللّه سكانها فأهلك المقبل و المدبر، و يقال إن الذي سأل هذا السؤال هو العزير عليه السلام، و كان العزير رسول اللّه عليه السلام كثير السؤال عن القدر، إلى أن قال له الحق تعالى: يا عزير لئن سألت عنه لأمحون اسمك من ديوان النبوة، لأن علم القدر له نسبة إلى ذات الحق و نسبة إلى المقادير، و النسب معقولة غير موجودة و لا معلومة، لذلك امتنع العلم به أو تصوره، فلا ينال أبدا، و كان مما انفرد اللّه بعلمه، فمن علم اللّه علم القدر، و من جهل اللّه جهل القدر، و اللّه سبحانه مجهول فالقدر مجهول، فمن المحال أن يعرف المألوه اللّه، و ما من وجه من المعلومات إلا و للقدر فيه حكم لا يعلمه إلا اللّه، لأن القدر لو علم علمت أحكامه، و لو علمت أحكامه لاستقل العبد في العلم بكل شيء، و ما احتاج إلى الحق في شيء، و كان الغنى له على الإطلاق، فلمّا كان الأمر بعلم القدر يؤدي إلى هذا، طواه اللّه عن عباده فلا يعلم.
[سورة البقرة (2): آية 260]
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 388
[تنزيه الأنبياء]
يجب تنزيه الأنبياء مما نسب إليهم المفسرون من الطامات مما لم يجئ في كتاب اللّه، و هم يزعمون أنهم قد فسروا كلام اللّه فيما أخبر به عنهم، نسأل اللّه العصمة في القول و العمل، فلقد جاءوا في ذلك بأكبر الكبائر، و كل ذلك نقل عن اليهود و استحلوا أعراض الأنبياء و الملائكة بما ذكرته اليهود، الذين جرحهم اللّه و ملئوا كتبهم في تفسير القرآن العزيز بذلك، و ما في ذلك نص في كتاب و لا سنة، فاللّه يعصمنا و إياكم من غلطات الأفكار و الأقوال و الأفعال، آمين بعزته و قوته، مثال ذلك في تفسير هذه الآية ما نسبوا إلى إبراهيم الخليل عليه السلام من الشك، و ما نظروا في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: نحن أولى بالشك من إبراهيم، فإن إبراهيم عليه السلام ما شك في إحياء الموتى، و لكن لما علم أن لإحياء الموتى وجوها متعددة مختلفة، لم يدر بأي وجه منها يكون يحيي اللّه به الموتى، و هو مجبول على طلب العلم، فكان طلب رؤية الإحياء مع ثبوت الإيمان ليجمع بين العلم و العيان فعيّن اللّه له وجها من تلك الوجوه حتى سكن إليه قلبه، فعلم كيف يحيي اللّه الموتى، و كذلك قصة يوسف و لوط و موسى و داود و محمد عليهم السلام، و كذلك ما نسبوه في قصة سليمان إلى الملكين يقول تعالى: «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» فطلب إبراهيم عليه السلام كيفية إحياء الموتى لاختلاف الوجوه في ذلك لا إنكار إحياء الموتى «قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى» يقول بلى آمنت و لكن وجوه الإحياء كثيرة كما كان وجود الخلق، فمن الخلق ما أوجدته عن كن، و منهم من أوجدته بيدك، و منهم من أوجدته بيديك، و منهم من أوجدته ابتداء، و منهم من أوجدته عن خلق آخر، فتنوع وجود الخلق، و إحياء الخلق بعد الموت إنما هو وجود آخر في الآخرة، فقد يتنوع و قد يتوحد، فطلب العلم بكيفية الأمر هل هو متنوع أو واحد؟ فإن كان واحدا، فأي واحد من هذه الأنواع، لذلك قال: «وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» أي يسكن، فإذا أعلمتني به اطمأن قلبي و سكن بحصول ذلك الوجه، و الزيادة من العلم مما أمرت به، و الطمأنينة بدء السكينة التي هي مطالعة الأمر بطريق الإحاطة من كل وجه، فإن وجوه الإحياء كانت تجاذبه من كل ناحية، و السكون صفة مطلوبة للأكابر، لذلك قال إبراهيم عليه السلام: «بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» أي يسكن إلى الوجه الذي يحيي به الموتى و يتعين لي إذ الوجوه لذلك كثيرة و معلوم أن اليقين كان عنده، و الطمأنينة كانت المطلوبة، التي تعطيها العين، فإن السكون أمر زائد على اليقين، فجاز أن يطلب،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 389
فأحاله اللّه على الكيفية بالطيور الأربعة، التي هي مثال الطبائع الأربع فقال: «فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ» إخبارا بأن وجود الآخرة طبيعي، يعني حشر الأجساد الطبيعية، إذ كان ثمّ من يقول لا تحشر الأجسام و إنما تحشر النفوس بالموت إلى النفس الكلية مجردة عن الهياكل الطبيعية، فأخبر اللّه إبراهيم أن الأمر ليس كما زعم هؤلاء، فأحال على أمر موجود عنده تصرف فيه، إعلاما أن الطبائع لو لم تكن مشهودة معلومة مميزة عند اللّه لم تتميز، فما أوجد العالم الطبيعي إلا من شيء معلوم عنده مشهود له، نافذ التصرف فيه، فجمع بعضها إلى بعض، فأظهر الجسم على هذا الشكل الخاص، فأبان لإبراهيم بإحالته على الأطيار الأربعة وجود الأمر الذي فعله الحق في إيجاد الأجسام الطبيعية و العنصرية، إذ ما ثمّ جسم إلا طبيعي أو عنصري، فأجسام النشأة الآخرة في حق السعداء طبيعية، و أجسام أهل النار عنصرية، فالأربعة الطبيعية الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و الأربعة العنصرية هي النار و الهواء و الماء و التراب، و أما حشر الأرواح التي يريد أن يعقلها إبراهيم من هذه الدلالة التي أحالها الحق عليها في الطيور الأربعة، فهي في الإلهيات كون العالم يفتقر في ظهوره إلى إله قادر على إيجاده، عالم بتفاصيل أمره، مريد إظهار عينه، حي لثبوت هذه النسب التي لا تكون إلا لحي، فهذه أربعة لا بد في الإلهيات منها، فإن العالم لا يظهر إلا ممن له هذه الأربعة، فهذه دلالة الطيور له عليه السلام في الإلهيات في العقول و الأرواح و ما ليس بجسم طبيعي، كما هي دلالة على تربيع الطبيعة لإيجاد الأجسام الطبيعية و العنصرية «فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ» أي ضمهن، و الضم جمع عن تفرقة، و بضم بعضها إلى بعض ظهرت الأجسام «ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» و هو ما ذكرناه من الصفات الأربع الإلهيات، و هي أجبل لشموخها و ثبوتها «ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً» و ما كان أذهب منهن شيئا إلا فساد عين التركيب، و أما الأجزاء فهي باقية بأعيانها، و لا يدعى إلا من يسمع و له عين ثابتة، فأقام له الدعاء بها مقام قوله كن من قوله: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فلما أشهد اللّه خليله إبراهيم عليه السلام الكيفية سكن عما كان يجده من القلق لتلك الجذبات التي للوجوه المختلفة، و سكن سكونا لا يشوبه تحير و لا تشويش في معرفة الكيفية، و زاد يقينه طمأنينة بعلمه بالوجه الخاص من الوجوه الإمكانية، و هنا دقيقة، و هي أن تعلق القدرة الأزلية بالإيجاد حارت فيها المشاهد و العقول، و قد قال تعالى لإبراهيم عليه السلام حين قال:
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 390
«رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» لما أراه آثار القدرة لا تعلقها، عرف كيفية الأشياء و التحام الأجزاء حتى قام شخصا سويا، و لا رأى تعلق قدرة و لا تحققها، قال له الخبير العليم: «وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» لما تقدمه في صور الأطيار و تفريقه الأطوار.
[سورة البقرة (2): آية 261]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261)
إذا أدخل الحق صورة العمل الصالح الميزان و وزنه بصورة الجزاء رجحت عليه صورة الجزاء أضعافا مضاعفة و خرجت عن الحد و المقدار منة من اللّه و فضلا، قال تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) و قال: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ» بالزيادة من النعم، فلم يجعل للتضعيف في الخير مقدارا يوقف عنده، بل وصف نفسه بالسعة فقال: «وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» فإن أسرار اللّه في الأشياء لا تنحصر، و لهذا تقول الخواص ما ثمّ تكرار للاتساع الإلهي و إنما أمثال تحجب بصورها القلوب عن هذا الإدراك، فتتخيل العامة التكرار، و اللّه واسع عليم، فمن تحقق بوجود هذا الاسم الواسع، لم يقل بالتكرار، بل هم في لبس من خلق جديد.
[سورة البقرة (2): الآيات 262 الى 263]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 391
[سورة البقرة (2): آية 264]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)
احذر من المن في العطاء، فإن المن في العطاء يؤذن بجهل المعطي من وجوه، منها رؤيته نفسه بأنه رب النعمة التي أعطى، و النعمة إنما هي للّه خلقا و إيجادا، و الثاني نسيانه منة اللّه عليه فيما أعطاه و ملكه من نعمه و أحوج هذا الآخر لما في يده، و الثالث نسيانه أن الصدقة التي أعطاها إنما تقع بيد الرحمن، و الآخر ما يعود عليه من الخير في ذلك، فلنفسه أحسن و لنفسه سعى، فكيف له بالمنة على ذلك، إنه ما أوصل إليه إلا ما هو له، إذ لو كان رزقه ما أوصله إليه، فهو مؤد أمانة من حيث لا يشعر، فجهله بهذه الأمور جعله يمتن بالعطاء على من أوصل إليه راحة، و أبطل عمله، و المنعم إذا أبطل نعمته بالمن و الأذى لا يكون مشكورا عند اللّه على ذلك، و إن شكره المنعم عليه لمعرفته بذلّه و فقره إليه، فمن مكارم الأخلاق أن لا يمن المنعم بما أنعم عليه و لا سيما مع شكره على ذلك فمن أمراض الأقوال، الامتنان و التحدث بما يفعله من الخير مع الشخص على طريق المن، و المن الأذى، دواؤه لما كان يسوءه ذلك و يحبط أجر رب النعمة، فإن اللّه تعالى قد أبطل ذلك العمل بقوله:
«لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى» و أي أذى أعظم من المن، فإنه أذى نفسي، و دواؤه أنه لا يرى أوصل إليه مما كان في يديه إلا ما هو له في علم اللّه، و أن ذلك الخير كان أمانة بيده، ما كان له، لكنه لم يكن يعرف صاحبها، فلما أخرجها بالعطاء لمن عين اللّه في نفس الأمر، حينئذ يعرف صاحب تلك الأمانة، فشكر اللّه على أدائها، و من أعطي هذا النظر فلا تصح منه منة أصلا «وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» أي لا يبين لهم في حال سترهم و حجابهم، فإن الإبانة بالعلم ترفع ستور الجهل بذلك المعلوم.
[سورة البقرة (2): آية 265]
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)
الوابل المطر الغزير، و فيه رائحة اشتقاق من الاستبلال، و الطل هو أول نشيء المطر،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 392
فهو ضعيف، فما نزل بالنهار سمي شذا، و ما نزل من الطل بالليل سمي ندى.
[سورة البقرة (2): الآيات 266 الى 268]
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268)
اعلم أن النفس جبلت على الشح، و الإنسان ما دامت حياته مرتبطة بجسده فإن حاجته بين عينيه و فقره مشهود له، و به يأتيه اللعين في وعده، فقال تعالى: «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ» فلا يغلب نفسه و لا الشيطان إلا الشديد بالتوفيق الإلهي، فإنه يقاتل نفسه و الشيطان المساعد لها عليه، و لهذا سماها، الشارع صدقة لأنها تخرج عن شدة و قوة، يقال رمح صدق أي قوي شديد، فلو لم يأمل البقاء و تيقن بالفراق هان عليه إعطاء المال، لأنه مأخوذ عنه بالقهر شاء أم أبى، و من إسراف إبليس، أنه يعدنا الفقر و يأمرنا بالفحشاء، أي بإظهارها، يعني بذلك وقوعها، لما علم أن الإنسان قد رفع عنه الحق ما حدث به نفسه و ما هم به من السوء إلا أن يظهر ذلك على جوارحه بالعمل، و هو الفحشاء، فقال تعالى: «وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا» فجعل اللّه ذلك للمؤمن إرغاما للشيطان الذي يزين للإنسان سوء عمله، فجعل اللّه كل مخالفة تكون من الإنسان من إلقاء العدو، و ليحور على إبليس جميع ما يغوي به بني آدم، و وعد اللّه بالمغفرة في مقابلة الفحشاء التي يأمر بها الشيطان إذا وقعت منا، و المغفرة هي الستر الذي يجعله اللّه بين المؤمن العاصي و بين الكفر الذي يرديه عند وقوع
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 393
المعصية، فيعتقد أنها معصية و لا يبيح ما حرم اللّه، و ذلك من بركة ذلك الستر، ثم ثمّ مغفرة أخرى و هو ستر خلف سترين، ستر عليه في الدنيا، لم يمض فيه حد اللّه المشروع في تلك المعصية، و إن ستر عليه في الآخرة لم يعاقبه عليها، فالستر الأول محقق في الوقت، و الثاني لطائفة لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم، فلا تمسهم النار بما تاب اللّه عليهم، و استغفار الملأ الأعلى لهم، فقال تعالى: «وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ» لما وقع منكم من الفحشاء التي أمركم بها الشيطان «وَ فَضْلًا» فجعل فضله في مقابلة ما وعد به الشيطان من الفقر الذي هو به مأمور في قوله تعالى: (وعدهم) فأراح اللّه المؤمن حيث ناب عنه الحق سبحانه في مدافعة ما أراد الشيطان إمضاءه في المؤمن، فدفع اللّه عن عبده المؤمن وعدا إلهيا دفع به وعدا شيطانيا، و اللّه لا يقاوم و لا يغالب، فالمغفرة متحققة و الفضل متحقق، و باء الشيطان بالخسران المبين، و لهذه الحقيقة أمرنا اللّه أن نتخذه وكيلا في أمورنا، فيكون الحق هو الذي يتولى بنفسه دفع مضار هذه الأمور عن المؤمنين، و ما غرض الشيطان المعصية لعينها، و إنما غرضه أن يعتاد العبد طاعة الشيطان، فيستدرجه حتى يأمره بالشرك الذي فيه شقاوة الأبد، و هذه الآية أعظم آية و أشدها مرت على سمع إبليس، فإنه علم أنه لا ينفعه إغواؤه، و لهذا لا يحرص إلا على الشرك خاصة، لكونه سمع الحق يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)* و تخيل أن العقوبة على الشرك لا ينتهي أمدها، و اللّه ما قال ذلك، فلا بد من عقوبة المشرك و من سكناه جهنم، فإنه ليس بخارج من النار، فهو مؤبد السكن، و لم يتعرض لانتهاء مدة العذاب فيها بالشقاء، و ليس الخوف إلا من ذلك لا من كونها دار إقامة لمن يعمرها، فصدق اللّه بكون المشرك مأخوذا بشركه، فهو بمنزلة إقامة الحد على من تعين عليه، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فهي حدود إلهية يقيمها الحق على عبده إذا لم يغفر له أسبابها، و جهل إبليس انتهاء مدة عقوبة المشرك من أجل شركه، لذلك قال تعالى:
«وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» فإن الأمر بالفحشاء من الفحشاء، فدخل إبليس تحت وعد الحق بالمغفرة فزاده طمعا و إن كانت دار النار مسكنه، و لا يعظم الفضل الإلهي إلا في المسرفين و المجرمين، و أما المحسنين فما على المحسنين من سبيل، فإن الفضل الإلهي جاءهم ابتداء، و به كانوا محسنين، و ما بقي الفضل الإلهي إلا في غير المحسنين.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 394
[سورة البقرة (2): آية 269]
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269)
الحكمة علم بمعلوم خاص، و هي صفة تحكم و يحكم بها و لا يحكم عليها، و اسم الفاعل منها حكيم، فلها الحكم، و اسم الفاعل من الحكم الذي هو أثرها حاكم و حكم، و بهذا سمي الرسن الذي يحكم به الفرس حكمة، فكل علم له هذا النعت فهو الحكمة، و ما يعلم الحكمة إلا من أوتيها، فهي هبة من اللّه تعالى، و لما كانت الحكمة إعطاء كل ذي حق حقه، و لا يفعل صاحب الحكمة حتى يعلم ما يستحقه كل ذي حق من الحق، و ليس إلا بتبيين الحق، لذلك أضافها الحق إليه، فالعلم الإلهي هو الذي كان اللّه سبحانه معلمه بالإلهام و الإلقاء و بإنزال الروح، فهو سبحانه معلم الإنسان، و لذلك جاء بمن و هي نكرة، ردا على من اعتقد أن اللّه لا يعلّم من ليس بنبي و لا رسول، فقال: «مَنْ يَشاءُ» فنكر الأمر و لم يعرفه، فهو نكرة في معرفة يعلمها هو لا غيره، لأن الأمور معينة عنده مفصلة، ليس في حقه إجمال و لا يصح، و لا مبهم في علمه بالمجمل في حق من يكون في حقه الأمر مجملا و مبهما، و الحكمة في الأشياء كلها و الأمور أجمعها إنما هو للمراتب و الأعيان، و أعظم المراتب الألوهية، و أنزل المراتب العبودية، فما ثمّ إلا مرتبتان، فما ثمّ إلا عبد و رب، فمن يؤت الحكمة يعلم ترتيب الأشياء و إعطاء كل شيء حقه و إنزاله منزلته، فاللّه سبحانه حكيم، فما وضع شيئا إلا في موضعه، و لا أنزله إلا منزلته، و الحكيم من العباد هو الذي ينزل كل شيء منزلته و لا يتعدى به قدره و مرتبته، و يعطي كل ذي حق حقه، لا يحكم في شيء بغرضه و لا هواه، لا تؤثر فيه الأغراض، و هو من حكمته الحكمة فصرّفته، لا من حكم الحكمة، فإن من حكم الحكمة له المشيئة فيها، و من حكمته الحكمة فهي المصرفة له، و إذا قامت الصفة بالموصوف أعطته حكمها عطاء واجبا، فالحكيم من قامت به الحكمة فكان الحكم لها به، كما كان الحكم له بها، فهو عينها و هي عينه، فالحكمة عين الحاكم عين المحكوم به عين المحكوم عليه، فينظر الحكيم إلى هذه الدار التي أسكنه اللّه فيها إلى أجل، و ينظر إلى ما شرع اللّه له من التصرف فيها من غير زيادة و لا نقصان، فيجري على الأسلوب الذي قد أبين له، و لا يضع من يده الميزان الذي قد وضع له في هذا الموطن، فإنه إن وضعه
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 395
جهل المقادير، فإما يخسر في وزنه، أو يطفف، و قد ذم اللّه الحالتين، و جعل تعالى للتطفيف حالة تخصه يحمد فيها التطفيف، فيطفف هناك على علم، فإنه رجحان الميزان و يكون مشكورا عند اللّه، فإذا علم هذا و لم يبرح الميزان من يديه لم يخط شيئا من حكمة اللّه في خلقه، و يكون بذلك إمام وقته، فمن الميزان مثلا أن لا يعرض الحكيم بذكر اللّه و لا بذكر رسوله و لا أحد ممن له قدر في الدين عند اللّه في الأماكن التي يعرفها هذا الحكيم إذا ذكر اللّه أو رسوله أو أحدا ممن اعتنى اللّه به كالصحابة عند الشيعة، فإن ذلك داع إلى ثلب المذكور و شتمه و إدخال الأذى في حقه، ففي مثل هذا الموطن لا يذكره «وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» و ما كثره اللّه لا تدخله قلة، كما أن ما عظم اللّه ما يدخله احتقار «وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» فإن الإنسان قد يغفل عن أشياء كان علمها من نفسه ثم يذكرها، و لب الشيء سره و قلبه، و اللب نور في العقل كالدهن في اللوز و الزيتون، و التذكر لا يكون إلا عن علم منسي.
[سورة البقرة (2): آية 270]
وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270)
التطوع قد يكون واجبا بإيجاب اللّه إذا أوجبه العبد على نفسه كالنذر، فإن اللّه أوجبه بإيجاب العبد.
[سورة البقرة (2): آية 271]
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)
الكامل يعلن في وقت في الموضع الذي يرى أن الحق رجح فيه الإعلان، و يسر بها في وقت الموضع الذي يرى أن الحق يرجح فيه الإسرار و هذا هو الأولى بالكمل، فيعطي بالحالتين ليجمع بين المقامين، و يحصل النتيجتين، و ينظر بالعينين، و يسلك النجدين، و يعطي باليدين، و أما من راعى صدقة السر فلأجل ثناء الحق على ذلك في الحديث الحسن الذي يتضمن قوله: «ما تدري شماله ما تنفق يمينه»، و ما جاء في صدقة السر أنها تطفئ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 396
غضب الرب، و اعتناء اللّه بذلك، فيسر بها لعلم اللّه بما أنفق، و من راعى الإعلان يعلن بها للتأسي وراثة نبوية، و إعلانا بالطاعة للّه حتى تكون كلمة اللّه هي العليا، كما يعلن أصحاب المعاصي بالمعاصي و المخالفات و إظهار المنكرات و لا يستحيون من اللّه، و معلوم أن هناك خلافا في الصدقة المكتوبة و صدقة التطوع.
[سورة البقرة (2): آية 272]
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)
«لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ» فيما يجري منهم من خير و شر، أي ليس عليك أن توفقهم لقبول ما أرسلتك به و أمرتك بتبيانه «وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي» أي يوفق «مَنْ يَشاءُ» و هو أعلم بالمهتدين، فاللّه سبحانه من حيث هو الهادي له الإبانة و التوفيق، و ليس للهادي الذي هو مخلوق إلا الإبانة خاصة «وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» اعلم أن اللّه وصف نفسه بالغيرة، و علم من أكثر عباده أنهم يهبون جزيل المال و أنفسه في هوى نفوسهم و أغراضهم، فإذا أعطى أكثرهم للّه أعطى كسرة باردة، و فلسا و ثوبا خلقا، و أمثال هذا، هذا هو الكثير و الأغلب، فإذا كان يوم القيامة و أحضر اللّه ما أعطى العبد من أجله، بينه و بين عبده حيث لا يراه أحد، فأعطى ما أعطى لغير اللّه، فيقول له: يا عبدي أ ليست هذه نعمتي التي أنعمت بها عليك؟
أين ما أعطيت لمن سألك بوجهي؟ فيعيّن ذلك الشيء التافه الحقير، و يقول له: فأين ما أعطيت لهوى نفسك؟ فيعين جزيل المال من ماله، فيقول: أ ما استحييت مني أن تقابلني بمثل هذا و أنت تعلم أنك ستقف بين يدي، و سأقررك على ما كان منك؟ فما أعظمها من خجلة، ثم يقول له: قد غفرت لك بدعوة ذلك السائل لفرحه بما أعطيته، لكني قد ربيتها لك، و قد محقت ما أعطيته لهوى نفسك، فإن صدقتك أخذتها و ربيتها لك، فيحضرها أمام الأشهاد و قد رجع الفلس أعظم من جبل أحد، و ما أعطى لغير اللّه قد عاد هباء منثورا، فالعارفون باللّه لا يعطون للّه إلا أنفس ما عندهم، لا أحقر ما عندهم، فكلهم للّه، و كل ما عندهم للّه، العبد و ما يملكه لسيده، فيعطون بيد اللّه و يشاهدون يد اللّه هي الآخذة،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 397
و هم مبرءون في العطاء و الأخذ مع غاية الاستقامة و المشي على سنن الهدى و الأدب المشروع، فيكونون عند الحق بمنزلة ما هو الحق في قلوبهم.
[سورة البقرة (2): الآيات 273 الى 275]
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275)
البيع شراء و معاوضة، و لا يعلم قدر ذلك إلا اللّه، لذلك قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: سعر لنا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إن اللّه هو المسعر و أرجو أن ألقى اللّه و ليس لأحد منكم علي طلبة، فإن الوزن بين الشيئين بالقيمة مجهول لا يتحقق، فما بقي إلا المراضاة بين البائع و المشتري ما لم يجهل أمر السوق بالوقت و الزمان، و أحوال الناس في ذلك، فإن الأحكام و الأسعار تختلف باختلاف الأوقات لما يختلف من الأحوال بسلطان الوقت، فأخبر صلّى اللّه عليه و سلم أن الحق ألسنة العالم في أثمان الأشياء التي تدخل البيع و الشراء، فمن سام فليعرف من يسم، و لا تسم على سوم أخيك و لا تبع على بيعه.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 398
[سورة البقرة (2): آية 276]
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)
«وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ» فتزكو، و اختصت بهذا الاسم لوجود معناه فيها، ففي الزكاة البركة في المال، و طهارة النفس، و الصلابة في دين اللّه، فالزكاة من حيث اسمها صدقة شديدة على النفس، فإذا أخرج الإنسان الصدقة تضاعف له الأجر، فإن له أجر المشقة و أجر الإخراج، و إن أخرجها عن غير مشقة فهذا فوق تضاعف الأجر بما لا يقاس و لا يحد، و الزكاة بمعنى التطهير و التقديس، لما أزال اللّه عن معطيها اسم البخل و الشح عليه، فلا حكم للبخل و الشح فيه، و بما في الزكاة من النمو و البركة سميت زكاة لأن اللّه يربيها- تراجع الآية 245- و مذهب الجماعة في الأدب من المتصدق أن يضع الصدقة في كف نفسه و ينزل بها حتى تعلو يد السائل إذا أخذها على يد المعطي، حتى تكون هي اليد العليا، و هي خير من اليد السفلى، و اليد العليا هي المنفقة، فيأخذها الرحمن لينفقها له تجارة حتى تعظم، فيجدها يوم القيامة قد نمت و زادت، و أما مذهبنا فليس كذلك، إنما السائل إذا بسط يده لقبول الصدقة من المتصدق جعل الحق يده على يد السائل، فإذا أعطى المتصدق الصدقة وقعت بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل كرامة بالمتصدق، و يخلق مثلها في يد السائل لينتفع بها السائل، و يأخذ الحق عين تلك الصدقة فيربيها فتربو حتى تصير مثل جبل أحد في العظم، و هذا من باب الغيرة الإلهية حيث كان العطاء من أجله، لما يرى أن الإنسان يعطي من أجل هواه ما يعظم شأنه من الهبات، و يعطي من أجل اللّه أحقر ما عنده، هذا هو الغالب في الناس، فيغار اللّه لجنابه أن لا يرى في مقام الاستهضام، فيربي تلك الصدقة حتى تعظم، فإذا جلاها في صورة تلك العظمة حصل المقصود، فيد المعطي تعلو على يد الآخذ، و لهذا قال: تقع، و الوقوع لا يكون إلا من أعلى، فكما ينسب العلو إلى اللّه في الاستواء على العرش، فهو في التحت أيضا، كما هو بكل شيء محيط.
[سورة البقرة (2): آية 277]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 399
[سورة البقرة (2): الآيات 278 الى 280]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ (279) وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)
هذه الآية حث على إنظار المعسر إلى ميسرة، و إن وضعت عنه فهو أعظم لأجرك، قال صلّى اللّه عليه و سلم: من انظر معسرا أو وضع عنه أظله اللّه في ظله، و إن اللّه يوم القيامة يتجاوز عمن يتجاوز عن عباده، و قال: من سرّه أن ينجيه اللّه من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه، فقال تعالى: «وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» أي يؤخر إلى أن يجد ما يؤدي و أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ».
[سورة البقرة (2): آية 281]
وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)
«وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» لا يصح أن يرجع إلى اللّه إلا من جهل أن اللّه معه على كل حال، و ما خاطب الحق بقوله: «تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» إلا من غفل عن كون اللّه معه على كل حال؛ كما قال: (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) فالرجوع إلى اللّه في الحقيقة من حال أنت عليها لحال ما أنت عليها، و لما كانت الأحوال كلها بيد اللّه أضيف الرجوع إلى اللّه على هذا الوجه، أي بالبناء للمجهول «ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» الأعمال مكاسب، و لهذا أقيم الكسب مقام العمل، و العمل مقام الكسب، فجاء في آية (و توفى كل نفس ما عملت) و في آية (ما كَسَبَتْ) فسمي العمل كسبا، و ناب كل واحد منهما مناب صاحبه.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 400
[سورة البقرة (2): آية 282]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» العدل هو الميل، يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه، و عدل إليه إذا مال إليه، و سمي الميل إلى الحق عدلا، كما سمي الميل عن الحق جورا «وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» المرأة أنسى من الرجل و لهذا قامت المرأتان في الشهادة مقام الرجل الواحد، و ذلك أن المرأة شق الرجل، فالمرأتان شقان، و شقان نشأة كاملة، فامرأتان رجل واحد، فهي ناقصة الخلق معوجة في النشء لأنها ضلع، قال صلّى اللّه عليه و سلم:
النساء شقائق الرجال- و من وجه آخر، قال صلّى اللّه عليه و سلم: نسي آدم فنسيت ذريته، فنسيان
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 401
بني آدم ذرية عن نسيان آدم، على أن الحق ما وصف إحدى المرأتين إلا بالحيرة فيما شهدت فيه «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما» ما وصفها بالنسيان، و الحيرة نصف النسيان لا كله، و نسب النسيان على الكمال للرجال، فقال: (فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) فقد يمكن أن ينسى الرجل الشهادة رأسا و لا يتذكرها، و لا يمكن أن تنسى إحدى المرأتين، و هي المذكرة لا على التعيين، فتذكر التي ضلت عما شهدت فيه، فإن خبر اللّه صدق بلا شك، و هو قد أخبر في هذه الآية أن إحداهما تذكر الأخرى، فلا بد أن تكون الواحدة لا تضل عن الشهادة و لا تنسى، و هذا جبر لقلب المرأة الذي يكسره من لا علم له من الرجال بالأمر، و من لحوق النساء بالرجال، بل تقوم المرأة في بعض المواطن مقام رجلين، إذ لا يقطع الحاكم بالحكم إلا بشهادة رجلين، فقامت المرأة في بعض المواطن مقامهما، و هو قبول الحاكم قولها في حيض العدة، و قبول الزوج قولها في أن هذا ولده مع الاحتمال المتطرق إلى ذلك، و قبول قولها إنها حائض، فقد تنزلت هنا منزلة شاهدين عدلين، كما تنزل الرجل في شهادة الدين منزلة امرأتين، فتداخلا في الحكم «وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً، أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ، ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ، وَ أَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها، وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ، وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ، وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» و اتقوا اللّه بما علمكم من أعلمته بطريق التقوى، فللإنسان أن يسأل أمثاله عن حد التقوى المشروع، فيتعلم منه ليتقي اللّه فقال تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» بالأعمال المنتجة للعلوم «وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» فكان سبحانه هو المعلم، فبالتقوى تزيد علما لم يكن عندك، يعلمك إياه الحق تشريفا منحك إياه التقوى، و قد كان هذا العلم مغيبا عنك، فأعطاك العلم به به زيادة الإيمان بالغيب الذي لو عرض على أغلب العقول لردته ببراهينها، فالمعرفة باللّه ذوقا و تعليما إلهيا فيما لا يكون ذوقه إلا من فتوح المكاشفة لا من طريق الأدلة بالبراهين هو قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» و أكثر الناس يتخيلون أن العلوم الحاصلة عن التقوى علوم وهب، و ليست كذلك، و إنما هي علوم مكتسبة بالتقوى، فإن التقوى جعلها اللّه طريقا إلى حصول هذا العلم، و العلم الوهبي لا يحصل عن سبب بل من لدنه سبحانه، فالنبوات كلها علوم وهب، لأن النبوة ليست مكتسبة، و الشرائع كلها من علوم الوهب
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 402
عند أهل الإسلام الذين هم أهله، و أريد بالاكتساب في العلوم ما يكون للعبد فيه تعمل، كما أن الوهب ما ليس للعبد فيه تعمل، فإن القلب المؤمن باللّه التقي الورع قد وسع الحق، فتولى اللّه تعالى تعليم عباده المتقين الذين قال فيهم: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» و معناه أن يفهمكم اللّه معاني القرآن، فتعلموا مقاصد المتكلم به، لأن فهم كلام المتكلم ما هو بأن يعلم وجوه ما تتضمنه تلك الكلمة بطريق الحصر مما تحوي عليه مما تواطأ عليه أهل اللسان، و إنما الفهم أن يفهم ما قصده المتكلم بذلك الكلام، هل قصد جميع الوجوه الذي يتضمنها ذلك الكلام أو بعضها، فينبغي لك أن تفرق بين الفهم للكلام، أو الفهم عن المتكلم و هو المطلوب، فالفهم عن المتكلم ما يعلمه إلا من أنزل القرآن على قلبه، و فهم الكلام للعامة، فكل من فهم عن المتكلم فقد فهم الكلام، و ما كل من فهم الكلام فهم عن المتكلم ما أراد به على التعيين، إما كل الوجوه أو بعضها، جعلنا اللّه ممن رزق الفهم عن اللّه، و لهذا قيل: ما اتخذ اللّه وليا جاهلا قط، فإن اللّه يتولى بالفعل تعليم أوليائه بما يشهدهم إياه في تجلياته، فهذه الآية حظّ الورثة من النبوة، بأن يتولى اللّه تعليم المتقي من عباده، فيقرب سنده، فيقول أخبرني ربي بشرع نبيه الذي تعبده به ممن أخذه و أوحى به إليه، فهو عال في العلم، تابع في الحكم، و هم الذين ليسوا بأنبياء و تغبطهم الأنبياء عليهم السلام في هذه الحالة، لأنهم اشتركوا معهم في الأخذ عن اللّه، و كان أخذ هذه الطائفة عن اللّه بعد التقوى بما عملوا عليه مما جاءهم به هذا الرسول، فهم و إن كانوا بهذه المثابة و أنتج لهم تقواهم الأخذ عن اللّه في موازين الرسل و تحت حيطتهم و في دائرتهم، و وقع الاغتباط من كونهم لم يكونوا رسلا، فبقوا مع الحق دائما على أصل عبودية لم تشبها ربوبية أصلا، فمن هنا وقع الغبط لراحتهم، و إن كانت الرسل أرفع مقاما منهم «وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» بنية فعيل ترد بمعنى الفاعل و بمعنى المفعول، فعليم بمعنى عالم و بمعنى معلوم، و كلا الوجهين سائغ في هذه الآية، إذا كانت الباء من قوله: «بِكُلِّ» بمعنى الفاء فهو في كل شيء معلوم، و لما صح بالاستواء نزوله تعالى كل ليلة إلى السماء، و مع هذا فهو مع عباده أينما كانوا، و لما علم أن بعض عباده يقولون في مثل هذا بعلمه، أعلم في هذه الآية أنه بكل شيء عليم، ليغلب على ظن السامع أنه ليس على ما تأولوه، فإنا لا نشك أنه يحيط بنا علما أينما كنا، و كيف لا يعلم ذلك و هو خلقنا و خلق الأينية التي نحن فيها، فذكر اللّه ذلك عن نفسه بطريق المدحة لذاته.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 403
[سورة البقرة (2): الآيات 283 الى 284]
وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
كم بين الرغبة عنه و الرغبة فيه، عبد مصطفى و عبد لا يصطفيه، عناية أزلية، بسعادة أبدية، و خذلان سبق، و كل ذلك حق، أحق ما قال العبد، و كلنا لك عبد، فجمع بين المطرود و المجتبى، و من أطاع و من أبى في عبودية القصاص، لا في عبودية الاختصاص، عبد يصلح اللّه بينه و بين خصمه فيسعده، و عبد يأمر به إلى النار بعدله، فيبعده، مع القول بعدم الاستحقاق، و مفارقة الوفاق، و كلاهما عاصيان، و ما هما سيان، يا ليت شعري لم كان ذلك؟ عاص ناج و عاص هالك، عبدان لملك واحد، و ما ثمّ أمر زائد، إن كان لعمارة الدار فلما ذا يخرج بالشفاعة، و لا يبقى مع الجماعة، ما ذاك إلا لما قيل في بعض الأشعار (ماء و نار … ما التقيا إلا لأمر كبّار) «يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» فذكر اللّه عن نفسه اختيار مشيئته بين المغفرة و العذاب، فهو غير قاطع بأحد الأمرين، و هذا هو ما جرأ النفوس الأمارة بالسوء على ما ارتكبوه من المخالفات و تعدوه من الحدود و انتهكوه من المحارم، فلو قطعوا بالمؤاخذة على ما صدر منهم إن ماتوا على غير توبة ما فعلوا ما لا يرضي سيدهم «وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» يخرج على أنه عين قوله للأشياء (كُنْ) إذا أراد تكوينها، فإن اللّه ما جعل سبب إيجاد الكائنات الممكنات سبحانه و تعالى إلا الإرادة و الأمر الإلهي، و هو قوله تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ) فأتى في الإرادة و الأمر، و لم يذكر معنى ثالثا يسمى القدرة، و التحقيق أن القدرة ما لها أثر سوى إعطاء الوجود لكل عين يريد الحق وجودها من الممكنات، فيقول لها: (كُنْ) و أخفى الاقتدار بقوله:
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 404
(كُنْ) و جعله سترا على الاقتدار، فكان الممكن عن الاقتدار الإلهي من حيث لا يعلم الممكن، و سارع الممكن إلى التكوين فكان، فظهر منه عند نفسه السمع و الطاعة لمن قال له كن، و أخفى عزّ و جل اقتداره و جاء بالقول بصيغة الأمر ليتصف الممكن بالسمع و الطاعة، فلا تزال عين الحق تنظر إليه بالرحمة و تراعي منه هذا الأصل، مع أن القول لا حكم له في المعدوم، و لا سيما فيمن ليس له اقتدار بالأصالة، فأشبه صورة التكليف و الفعل للّه.
[سورة البقرة (2): آية 285]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)
«آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ» منزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الإيمان منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء، فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح، فلا يأخذون التشريع إلا من الروح الذي ينزل به على قلوبهم، و هو تنزيل خبري لا علمي، فلا يتلقونه إلا بصفة الإيمان، و لا يكشفونه إلا بنوره، فهم صدّيقون للأرواح التي تنزل عليهم بذلك «وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ» و نحن أمرنا بالإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم و بجميع الرسل و الكتب، و أخبر الحق عنا بذلك، و خبره صدق، فاستحال في أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم أن يؤمن المؤمن منهم ببعض و يكفر ببعض، فهذه عناية إلهية حيث أخبر بعصمتنا من ذلك، فهي بشرى لنا، و قال صلّى اللّه عليه و سلم لليهود: نحن أولى بموسى منكم، فكنى بنحن عن نفسه و أمته، فكنا أولى بموسى عليه السلام من اليهود، لأنهم لم يؤمنوا بكل ما أتى به موسى، و نحن آمنا به و بما أنزل عليه، و لا يلزم الإيمان بالشيء العمل به إلا حتى يكون فيما أنزل العمل بما أنزل أو ببعض ما أنزل، فالتصديق يعمّ، فنحن آمنا بما أنزل من قبلنا من حيث ما أنزل على نبينا لا من حيث ما نقل إلينا «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» مع علمنا بأن اللّه فضل بعضهم على بعض رسلا و أنبياء، ثم نهانا أن نفضل بين الأنبياء قياسا و نظرا، فإن العبد
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 405
لا يحكم على اللّه بشيء، فيطلب منا الإيمان باللّه و بما جاء من عنده و بالرسول و بالرسل، فإن اللّه أوجب الإيمان علينا بنفسه، و من نفسه أسماؤه «وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ» فلا يستخدم العقل في الإلهيات إذا ورد النص المتواتر من الشرع الذي لا يدخله احتمال و لا إشكال فيه، فإن الإيمان بالنص يعطي العلم الحق و الكشف «وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا»:
| على السمع عولنا فكنا أولي النهى | و لا علم فيما لا يكون عن السمع |
| إذا كان معصوما و قال فقوله | هو الحق لا يأتيه مين على القطع |
| فعقل و شرع صاحبان تألفا | فبورك من عقل و بورك من شرع |
فالعاقل يقول بالسمع و الطاعة لأمر اللّه و هذه حالة معجلة و راحة «غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ».
[سورة البقرة (2): آية 286]
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286)
أصل التكاليف مشتق من الكلف و هي المشقات «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و هو ما آتاها من التمكن الذي هو وسعها، فقد خلق سبحانه لنا التمكن من فعل بعض الأعمال، نجد ذلك من نفوسنا و لا ننكره، و هي الحركة الاختيارية، كما جعل سبحانه فينا المانع من بعض الأفعال الظاهرة فينا، و نجد ذلك من نفوسنا، كحركة المرتعش الذي لا اختيار للمرتعش فيها، و بذلك القدر من التمكن الذي يجده الإنسان في نفسه صح أن يكون مكلفا، و لا يحقق الإنسان بعقله لما ذا يرجع ذلك التمكن، هل لكونه قادرا أو لكونه مختارا؟ و إن كان مجبورا في اختياره، و لا يمكن رفع الخلاف في هذه المسألة، فإنها من المسائل المعقولة و لا يعرف الحق فيها إلا بالكشف، و إذا بذلت النفس الوسع في طاعة اللّه لم يقم عليها حجة،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 406
فإن اللّه أجلّ أن يكلف نفسا إلا وسعها، و لذلك كان الاجتهاد في الفروع و الأصول «لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» لما كانت النفوس ولاة الحق على الجوارح، و الجوارح مأمورة مجبورة غير مختارة فيما تصرف فيه، مطيعة بكل وجه، و النفوس ليست كذلك، فإذا عملت لغير عبادة لا يقبل العمل من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة، لكن من حيث أن العمل صدر من الجوارح أو من جارحة مخصوصة، فإنها تجزى به تلك الجارحة، فيقبل العمل لمن ظهر منه و لا يعود منه على النفس الآمرة به للجوارح شيء إذا كان العمل خيرا بالصورة كصلاة المرائي و المنافق و جميع ما يظهر على جوارحه من أفعال الخير الذي لم تقصد به النفس عبادة، و أما أعمال الشر المنهي عنها فإن النفس تجزى بها للقصد، و الجوارح لا تجزى بها لأنها ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات، فإنها مجبورة على السمع و الطاعة لها، فإن جارت النفوس فعليها، و للجوارح رفع الحرج، بل لهم الخير الأتم، و إن عدلت النفوس فلها و للجوارح، لذلك قال تعالى: «لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» فميز اللّه بين الكسب و الاكتساب باللام و على، و هذه الآية بشرى من اللّه حيث جعل المخالفة اكتسابا و الطاعة كسبا، فقال: «لَها ما كَسَبَتْ» فأوجبه لها، و قال في المعصية و المخالفة: «وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» فما أوجب لها الأخذ بما اكتسبته، فالاكتساب ما هو حق لها فتستحقه، فتستحق الكسب و لا تستحق الاكتساب، و الحق لا يعامل إلا بالاستحقاق، و العفو من اللّه يحكم على الأخذ بالجريمة «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا» اعلم أن الرحمة أبطنها اللّه في النسيان الموجود في العالم، و أنه لو لم يكن لعظم الأمر و شق، و فيما يقع فيه التذكر كفاية، و أصل هذا وضع الحجاب بين العالم و بين اللّه في موطن التكليف، إذ كانت المعاصي و المخالفات مقدرة في علم اللّه فلا بد من وقوعها من العبد ضرورة، فلو وقعت مع التجلي و الكشف لكان مبالغة في قلة الحياء من اللّه حيث يشهده و يراه، و القدر حاكم بالوقوع فاحتجب رحمة بالخلق لعظيم المصاب، قال صلّى اللّه عليه و سلم:
إن اللّه إذا أراد نفاذ قضائه و قدره سلب ذوي العقول عقولهم، حتى إذا أمضى فيهم قضاءه و قدره ردها عليهم ليعتبروا، و قال صلّى اللّه عليه و سلم: رفع عن أمتي الخطأ و النسيان، فلا يؤاخذهم اللّه به في الدنيا و لا في الآخرة، فأما في الآخرة فمجمع عليه من الكل، و أما في الدنيا فأجمعوا على رفع الذنب، و اختلفوا في الحكم، و كذلك في الخطأ على قدر ما شرع الشارع في
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 407
أشخاص المسائل، مثل الإفطار ناسيا في رمضان و غير ذلك من المسائل، فإن اللّه تعالى الذي شرع المعصية و الطاعة و بيّن حكمهما، رفع حكم الأخذ بالمعصية في حق الناسي و المخطئ «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ» و هذا تعليم من الحق لنا أن نسأله في أن لا يقع منه في المستقبل ما لم يقع في الحال، «وَ اعْفُ عَنَّا» أي كثر خيرك لنا و قلل بلاءك عنا، أي قلل ما ينبغي أن يقلل و كثر ما ينبغي أن يكثر، فإن العفو من الأضداد يطلق بإزاء الكثرة و القلة، و ليس إلا عفوك عن خطايانا التي طلبنا منك أن تسترنا عنها حتى لا تصيبنا، و هو قولنا: «وَ اغْفِرْ لَنا» أي استرنا من المخالفات حتى لا تعرف مكاننا فتقصدنا «وَ ارْحَمْنا» برحمة الامتنان و رحمة الوجوب، أي برحمة الاختصاص.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 408