تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره آل عمران آیه 85-125
[سورة آلعمران (3): آية 85]
وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85)
لأنه حرم نفسه أجر الآخرة.
[سورة آلعمران (3): الآيات 86 الى 91]
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91)
هو قوله تعالى (وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) و قوله (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا).
[سورة آلعمران (3): آية 92]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يشتري السكر و يتصدق به و يقول: إني أحبه، عملا بهذه الآية، و أحب ما للإنسان نفسه، فإن أنفقها في سبيل اللّه، نال بذلك ما في موازنتها، فإنه من استهلك شيئا فعليه قيمته، و الحق قد استهلك نفس هذا العبد، فإنه أمرك بإنفاق ما تحبّ، و ما لها قيمة عنده إلا الجنة، و لهذا إذا لم تجد شيئا وجدت اللّه، فإنه لا يوجد إلا عند عدم الأشياء التي يركن إليها، و نفس الإنسان هي عين الأشياء كلها، و قد هلكت، فقيمتها ما ذكرناه.
[سورة آلعمران (3): الآيات 93 الى 95]
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)
امرنا الحق أن نتبع ملة إبراهيم، لأن العصمة مقرونة بها، فكان الخليل حنيفا أي مائلا إلى الحق، مسلما منقادا إليه.
[سورة آلعمران (3): آية 96]
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ (96)
البيت المكي أول بيت وضع للناس معبدا، و الصلاة فيه أفضل فيما سواه، و هو أقدم المساجد بالزمان، و كان البيت مذ خلق اللّه الدنيا، فهذا البيت هو الذي اصطفاه اللّه على سائر البيوت، و له سرّ الأولية في المعابد «مُبارَكاً» أي جعلت فيه البركة و الهدى، فقد طاف به مائة ألف نبي و عشرون ألف نبي، سوى الأولياء، و ما من نبي و لا ولي إلا و له همة متعلقة بهذا البيت و هذا البلد الحرام، فإن مكة خير وسيلة عبادية و أشرف منزلة جمادية ترابية، فكما تتفاضل المنازل الروحانية، كذلك تتفاضل الجسمانية، فكثير بين مدينة يكون أكثر عمارتها الشهوات، و بين مدينة يكون أكثر عمارتها الآيات البينات، لذلك كانت مكة أشرف بقاع الأرض، فإنها موطن لظهور يمين الحق و حضرة المبايعة.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لمكة: [إنك و اللّه لخير أرض اللّه و أحب أرض اللّه إلى اللّه، و لو لا أني أخرجت منك ما خرجت] فمن رأى البيت و لم يجد عنده زيادة إلهية فما نال من بركة البيت شيئا، لأن البركة الزيادة «وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ» و الهدى و هو البيان، أي يتبين له ذلك الذي زاده به من العلم به، فما جعلت البركة في البيت إلا أن يكون يعطي خازنه للطائف به القادم عليه، خلع البركة و القرب و العناية، و البيان الذي هو الهدى في الأمور المشكلة في الأحوال و المسائل المبهمات الإلهية في العلم باللّه ما يليق بمثل ذلك البيت المصطفى، محل يمين الحق، المبايع المسجود عليه، فإن هذا البيت خزانة اللّه من البركات و الهدى، فإنّ داخل مكة قادم على اللّه في حضرته، و من المحال أن ينزل أحد على كريم غني و يدخل بيته و لا يضيفه، فمن لا يجد هذه الزيادة فما له سوى أجر الأعمال الظاهرة في الآخرة في الجنان، و هو الحاصل لعامة المؤمنين، فإن جاور جاور الأحجار، و إن رجع إلى بلده رجع بخفي حنين دون زيادة علم باللّه.
[سورة آلعمران (3): آية 97]
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)
«فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ» فإن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا، و لو وجد القلب في أي موضع كان الوجود الأعم، فوجوده بمكة أسنى و أتم، فمن لا يجد الفرق في وجود قلبه بين السوق و المساجد، فهو صاحب حال لا صاحب مقام، و من تلك الآيات البينات أن الملائكة، و إن عمرت جميع الأرض مع تفاضلهم في المعارف و الرتب، فإن أعلاهم رتبة و أعظمهم علما و معرفة عمرة المسجد الحرام، و على قدر جلسائك يكون وجودك، فإن لهمم الجلساء في قلب الجليس لهم تأثيرا، و هممهم على قدر مراتبهم، و لذلك فإن وجود القلب في مكة ليس للتراب، و لكن لمجالسة الأتراب من الملائكة المكرمين، أو الجن الصادقين، أو من همة من كان يعمره و فقد، و بقيت آثارهم فيه، و من الآيات البينات الحجر و الملتزم و المستجار و مقام إبراهيم و زمزم إلى غير ذلك. فبيت اللّه الحرام أجمع للخيرات من سائر البيوت، و لهذا منع حمل السلاح في مكة.
«مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» من كل خوف، إلى غير ذلك من الآيات، فهو سلم كله، من دخله كان آمنا، فإنه أقدم الحرم، فله التقدم على كل بيت، و يحتوي على أفعال و تروك لا تكون في غيره من العبادات و لا في بيت من البيوت، فإنه محلّ الحج. «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» لا خلاف في وجوب الحج بين علماء المسلمين، فهو عندنا واجب على كل مستطيع من الناس، صغير و كبير، ذكر و أنثى، حر و عبد، مسلم و غير مسلم، و لا يقع بالفعل إلا بشروط معينة، فإن الإيمان و الإسلام واجب على كل إنسان، و الأحكام كلها الواجبة واجبة على كل إنسان، و لكن يتوقف قبول فعلها أو فعلها من الإنسان على وجود الإسلام، فلا يقبل تلبسه بشيء منها إلا بشرط وجود الإسلام عنده، فإن لم يؤمن أخذ بالواجبين جميعا يوم القيامة: وجوب الشرط المصحح لقبول هذه العبادات، و وجوب المشروط التي هي هذه العبادات، فإنه ما قال «على المسلمين» و لا ذكر صفة زائدة على أعيانهم، فأوجبها على الأعيان وجوبا إلهيا، و الطفل الرضيع يصح حجه، و لو مات عندنا قبل البلوغ كتب اللّه له تلك الحجة عن فريضته- إشارة-
[ «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ»]
«وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ» إشارة إلى النسيان و لم يقل على بني آدم «حِجُّ الْبَيْتِ» و قرئ بكسر الحاء و هو الاسم، و بفتحها هو المصدر، يعني قصد هذا المكان من كونه بيتا، ليتنبه باسمه على ما قصد به دون غيره، لما فيه من اشتقاق المبيت. فكأنه إنما سمي بيتا للمبيت فيه، فإنه الركن الأعظم في منافع البيت، فراعى حكم المبيت، و المبيت لا يكون إلا ليلا، و الليل محل التجلي فيه، فإن الحق ما جعل تجليه لعباده في الحكم إلا في الليل، فإن فيه ينزل ربنا، و من فتح الحاء وجب أن يقصد البيت ليفعل ما أمره اللّه به أن يفعله عند الوصول إليه، في المناسك التي عيّن اللّه له أن يفعلها. و من قرأ بالكسر و أراد الاسم، فمعناه أن يراعي قصد البيت، فيقصد ما يقصده البيت، و بينهما بون بعيد.
فإن العبد بفتح الحاء يقصد البيت، و بكسرها يقصد قصد البيت، و قصد البيت قصد حالي، لأنه يطلب بصورته الساكن، و ما أمرك بالقصد إلى البيت لا إليه إلا لكونه جعله قصدا حسيا، فيه قطع مسافة أقربها من بيتك الذي بمكة إلى البيت، و هو معك أينما كنت. فلا يصح أن تقصد بالمشي الحسي من هو معك.
«مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» أي من قدر على الوصول إليه، و حد الاستطاعة يدخل فيها كل ما يؤدي الحاج إلى السكون من الأسباب، كالزاد و الراحلة في المباشرة و ما قرره الشرع بالحكم. فينبغي للإنسان أن يكون مثبتا للأسباب، فاعلا بها غير معتمد عليها، لأن التجرد عنها خلاف الحكمة، و الاعتماد عليها خلاف العلم، و الاستطاعة بالنيابة مع العجز عن المباشرة ثبتت شرعا عندنا، بالأمر بالحج عمن لا يستطيع لوليه، أو بالإجارة عليه من ماله إن كان ذا مال. و من شرط النائب في الحج إن كان وليّا أن يكون قد قضى فريضته. و أما إذا كان النائب بالإجارة فله حكم آخر.
و أما العبد فواجب عليه الحج، و إن منعه سيده مع القدرة على تركه لذلك، كان السيد عندنا من الذين يصدون عن سبيل اللّه. و قد ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن العبد إذا حج عبدا ثم مات قبل العتق كتب اللّه له ذلك الحج عن فريضته، و المرأة إن منعها زوجهافهو من الذين يصدون عن سبيل اللّه إن كان لها محرم تسافر معه، إذا كانت آفاقية. و أما إن كانت من أهل مكة، فلا تحتاج إلى إذن زوجها، فإنها في محل الحج، كما لا تستأذنه في الصلاة و لا في صوم رمضان و لا في الإسلام و لا في أداء الزكاة، و هذه العبادة عندنا على الفور عند الاستطاعة.
«وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» اعلم أن اللّه ما هو غني عن العالم إلا لظهوره بنفسه للعالم، فاستغنى أن يعرف بالعالم، فلا يدل عليه الغير، بل هو الدليل على نفسه بظهوره لخلقه، فلا دليل عليه سواه. فإنه لا شيء أدلّ من الشيء على نفسه، فهو غني عن العالمين، أي سواء ظهوركم و عدمكم، فهو غني عن الدلالة، كأنه يقول: ما أوجدت العالم ليدل عليّ و لا أظهرته علامة على وجودي، و إنما أظهرته ليظهر حكم حقائق أسمائي، و ليست لي علامة عليّ سوائي، فإذا تجليت عرفت بنفس التجلي، و العالم علامة على حقائق الأسماء لا عليّ، و علامة أيضا على أني مستنده لا غير، فإن كل حكم في العالم لا بد أن يستند إلى نعت إلهي، إلا النعت الذاتي الذي يستحقه الحق لذاته، و به كان غنيا عن العالمين، و النعت الذاتي الذي للعالم بالاستحقاق و به كان فقيرا، بل عبدا، فإنه أحق من نعت الفقر، و إن كان الفقر و الذلة على السواء، فالحق تعالى هو المنزه عن أن تدل عليه علامة، فهو المعروف بغير حد، المجهول بالحد، و لهذا فإن التجلي الإلهي لا يكون إلا للإله و للربّ، و لا يكون للّه أبدا، فإن اللّه هو الغني، و كذا الاسم الإلهي الأحد، فلا يتجلى في هذا الاسم، و لا يصح التجلي فيه، و ما عدا هذين الاسمين من الأسماء المعلومات لنا، فإن التجلي يقع فيها، و العالمون هنا هو الدلالات على اللّه، فهو غني عن الدلالات عليه، فرفع أن يكون بينه و بين العالم نسبة و وجه يربطه بالعالم، من حيث ذلك الوجه الذي هو منه غني عن العالمين، و هو الذي يسميه أهل النظر وجه الدليل. يقول الحق: ما ثمّ دليل عليّ فيكون له وجه يربطني به، فأكون مقيدا به، و أنا الغني العزيز، الذي لا تقيدني الوجوه، و لا تدلّ عليّ أدلة المحدثات، فالواجب الوجود غني على الإطلاق، فلا شيء واجب الوجود لنفسه إلا هو، فهو الغني بذاته على الإطلاق عن العالمين بالدليل العقلي و الشرعي، إذ لو أوجد العالم للدلالة عليه لما صح له الغنى عنه، فهو أظهر و أجلى من أن يستدل عليه بغير، أو يتقيد تعالى بسوى، إذ لو كان الأمر كذلك، لكان للدليل بعض سلطنة و فخر على المدلول، فكان يبطل الغنى، فما نصب الأدلة عليه، و إنمانصبها على المرتبة، ليعلم أنه لا إله إلا هو، و لهذا لا يصح أن يكون عليه، و إليه الدلالة بقوله صلّى اللّه عليه و سلم: [كان اللّه و لا شيء معه]، فهو غني عن الدلالة.
و اعلم أن معقولية كون اللّه ذاتا، ما هي معقولية كونه إلها، و هي مرتبة، و ليس في الوجود العيني سوى العين، فهو من حيث هو غني عن العالمين، و من حيث الأسماء التي تطلب العالم لإمكانه لظهور آثارها فيه، يطلب وجود العالم، فلو لا الممكن ما ظهر أثر للأسماء الإلهية، فللأسماء الإلهية أو المرتبة التي هي مرتبة المسمى إلها التصريف و الحكم فيمن نعت بها، فبها يتصرف، و لها يتصرف، و هو غني عن العالمين في حال تصرفه، لا بد منه، فالألوهية مرتبة للذات، لا يستحقها إلا اللّه، فطلبت مستحقها، ما هو طلبها، و المألوه يطلبها و هي تطلبه، و الذات غنية عن كل شيء.
فاللّه من حيث ذاته و وجوده غني عن العالمين، و من كونه ربّا يطلب المربوب بلا شك، فهو من حيث العين لا يطلب، و من حيث الربوبية يطلب المربوب وجودا و تقديرا، فالوجود الحادث و القديم مربوط بعضه ببعضه ربط الإضافة و الحكم، لا ربط وجود العين، و ذلك تنزيه أن يقوم بالحق فقر، أو يدل عليه دليل غير نفسه، فإن اللّه و إن كان في ذاته غنيا عن العالمين، فمعلوم أنه منعوت بالكرم و الجود و الرحمة، فلا بد من مرحوم و متكرم عليه، فأوجد العالم من جوده و كرمه، و هذا لا يشك فيه عاقل و لا مؤمن، و أن الجود له نعت نفسي، فإنه جواد كريم لنفسه، فلا بد من وجود العالم، و ما حكم العلم بكونه يستحيل عدم كونه، فهو تعالى المطلوب للعالم، و الطلب يؤذن بالافتقار في حق المحدثات، و هو المطلوب، فهو الغني.
فمن كونه مطلوبا للموجودات صح افتقارها إليه، و الممكن في حال عدمه أشد افتقارا إلى اللّه منه في حال وجوده، و لهذا لا تصحب الممكن دعوى في حال عدمه كما تصحبه في حال وجوده، فإفاضة الوجود عليه في حال عدمه أعظم في الجود و الكرم، و بذلك صح غناه تعالى عن العالم. فقبوله عليه قبول جود و كرم، و متعلق غناه تعالى هو فيما بقي من الممكنات مما لم يوجد، فإنها غير متناهية بالأشخاص، فلا بد من بقاء ما لم يوجد، فبه تتعلق صفة الغنى الإلهي عن العالم، فإن بعض العالم يسمى عالما.
فمن فهم الغنى الإلهي هكذا فقد علمه، و أما تنزيه الحق عما تنزهه عباده مما سوى العبودية، فلا علم لهم بما هو الأمر عليه، فإنه يكذب ربه في كل حال يجعل الحق فيه نفسه مع عباده، و هذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع اللّه، أن ينزهه عما نسبه سبحانه إلى نفسه بما نسبه إلى نفسه، و هذه الآية تشير من وجه أن الحق في نفسه على ما علم، و له في نفسه ما لا يصح أن يعلم، فهو غني عن العالمين.
[لم وجد العالم مع كونه غنيا؟]
فإن قلت: فلم وجد العالم؟ قلنا: ما أظهر العالم مع الاستغناء عنه إلا لتظهر مرتبة قوة الاثنين، لئلا يقال ما في الوجود إلا اللّه مع ظهور الممكنات و المخلوقين، فيعلم أن اللّه غني عن العالمين مع وجود العالمين، و الاستغناء عنه معقول لبيان غنى الحق عن العالم، و ذلك معناه أن الحق غني عن وجود العالم لا عن ثبوته، فإن العالم في حال ثبوته يقع به الاكتفاء و الاستغناء عن وجوده، لأنه وفّى الألوهية حقها بإمكانه، و لو لا طلب الممكنات و افتقارها إلى ذوق الحالات، و أرادت أن تذوق حال الوجود كما ذاقت حال العدم، فسألت بلسان ثبوتها واجب الوجود أن يوجد أعيانها، ليكون العلم لها ذوقا، فأوجدها لها لا له، فهو الغني عن وجودها، و عن أن يكون وجودها دليلا عليه و علامة على ثبوته، بل عدمها في الدلالة عليه كوجودها. فأي شيء رجح من عدم أو وجود حصل به المقصود من العلم باللّه، فلهذا علمنا أن غناه سبحانه عن العالم عين غناه عن وجود العالم، فهو غني عن العالمين، و العالم ليس بغني عنه جملة واحدة، لأنه ممكن، و الممكن فقير إلى مرجح- إشارة و اعتبار- «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» اعلم أيدك اللّه أن الحج في اللسان تكرار القصد إلى المقصود، و العمرة الزيارة، و قد جعل تعالى بيته في مكة نظيرا لعرشه، و جعل الطائفين به من البشر كالملائكة الحافين من حول العرش، يسبحون بحمد ربهم، أي بالثناء على ربهم تبارك و تعالى، فقلب العبد المؤمن أعظم علما و أكثر إحاطة من كل مخلوق، فإنه محل لجميع الصفات، و ارتفاعه بالمكانة عند اللّه لما أودع فيه من المعرفة به، و لما كان للبيت أركان أربعة،
[الخواطر الأربعة]
فللقلب خواطر أربعة، خاطر إلهي و هو ركن الحجر، و خاطر ملكي و هو الركن اليمني، و خاطر نفسي و هو الركن الشامي، و هذه الثلاثة الأركان هي الأركان الحقيقية للبيت من حيث أنه مكعب الشكل، و على هذا الشكل قلوب الأنبياء مثلثة الشكل، ليس للخاطر الشيطاني فيها محلّ، و لما أراد اللّه ما أراد من إظهار الركن الرابع، جعله للخاطر الشيطاني، و هو الركن العراقي، و إنما جعلنا الخاطر الشيطاني للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده (أعوذ باللّه من الشقاق و النفاق و سوء الأخلاق) و بالذكرالمشروع في كل ركن تعرف مراتب الأركان، و على هذا الشكل المربع قلوب المؤمنين و ما عدا الرسل و الأنبياء المعصومين، ليميز اللّه رسله و أنبياءه من سائر المؤمنين بالعصمة التي أعطاهم و ألبسهم إياها، فليس لنبي إلا ثلاثة خواطر، إلهي و ملكي و نفسي، و كما أن اللّه تعالى أودع في الكعبة كنزا، كذلك جعل اللّه في قلب العارف كنز العلم باللّه، فشهد للّه بما شهد به الحق لنفسه، من أنه لا إله إلا اللّه، و نفى هذه المرتبة عن كل ما سواه، فقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ) فجعلها كنزا في قلوب العلماء باللّه، فاللّه بيته قلب عبده المؤمن، و البيت بيت اسمه تعالى، و العرش مستوى الرحمن، فبين القلب و العرش في المنزلة ما بين الاسم اللّه و الاسم الرحمن، فإن مشهد الألوهية أعمّ، لإقرار الجميع، فما أنكر أحد اللّه، و أنكر الرحمن، فإنهم قالوا: (وَ مَا الرَّحْمنُ) و لما كان الحج لبيت اللّه الحرام تكرار القصد في زمان مخصوص، كذلك القلب تقصده الأسماء الإلهية في حال مخصوص، إذ كل اسم له خاص يطلبه، فمهما ظهر ذلك الحال من العبد طلب الاسم الذي يخصه، فيقصده ذلك الاسم، فلهذا تحج الأسماء الإلهية بيت القلب، و قد تحج إليه من حيث أن القلب وسع الحق، و الأسماء تطلب مسماها، فلا بد لها أن تقصد مسماها، فتقصد البيت الذي ذكر أنه وسعه السعة التي يعلمها سبحانه، «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» لما كان قصد البيت قصدا حاليا، لأنه يطلب بصورته الساكن، فللّه على الناس أن يجعلوا قلوبهم كالبيت، تطلب بحالها أن يكون الحق ساكنها، و هذا معنى من قرأ بكسر الحاء، و هو الاستعداد بالصفة التي ذكر اللّه أن القلب يصلح له تعالى بها، و من قرأ بفتح الحاء، فوجب عليه أن يطلب قلبه ليرى فيه آثار ربه، فيعمل بحسب ما يرى فيه من الآثار الإلهية و العمرة التي هي الزيارة بمنزلة الزور الذي يخص كل إنسان، فعلى قدر اعتماره تكون زيارته لربه، فالزيارة من غير تسميتها بالعمرة تكون لكل زائر حيث كان، و كذلك الحج، فهي زيارة مخصوصة كما هو قصد مخصوص، و لما فيها من الشهود الذي يكون به عمارة القلوب تسمى عمرة، و أما العمرة بلسان الشرع فلا تصح إلا بمكة، و كذا الحج.
[سورة آلعمران (3): آية 98]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98)
فاللّه هو الشهيد الذي لا يقبل الرشا، و البصير لا يقوم ببصره غشا.
[سورة آلعمران (3): آية 99]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَداءُ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)
و هذه مراقبة الحق عباده مراقبة كبرياء و وعيد.
[سورة آلعمران (3): الآيات 100 الى 101]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
[سورة آلعمران (3): آية 98]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98)
فاللّه هو الشهيد الذي لا يقبل الرشا، و البصير لا يقوم ببصره غشا.
[سورة آلعمران (3): آية 99]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَداءُ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)
و هذه مراقبة الحق عباده مراقبة كبرياء و وعيد.
[سورة آلعمران (3): الآيات 100 الى 101]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
الاعتصام ضربان اعتصام باللّه، و اعتصام بحبل اللّه، فإن كنت من أهل الحبل فأنت من أهل السبب؛ و إن اعتصمت باللّه كنت من أهل اللّه، فإن للّه من عباده أهلا و خاصة.
[سورة آلعمران (3): آية 102]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)
[ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ»]
خاطبنا اللّه بهذه الآية من حيث كوننا مؤمنين فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ» و تقوى اللّه حق تقاته هو رؤية المتقي التقوى منه، و هو عنها بمعزل، ما عدا نسبة التكليف به، فإنه لا ينعزل عنها لما يقتضيه من سوء الأدب مع اللّه، فحال المتقي للّه حق تقاته كحال من شكر اللّه حق الشكر، و هو أن يرى النعمة منه سبحانه، و هذه الآية من أصعب آية مرت على الصحابة، و تخيلوا أن اللّه خفّف عن عباده بآية الاستطاعة في التقوى، و ما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشد، و كنا نقول بما قالوه، و لكن اللّه لما فسّر مراده بالحقية في أمثال هذا، و هو حديث شكر اللّه حق شكره، هان علينا الأمر في ذلك، و علمنا أن تقوى اللّه بالاستطاعة أعظم في التكليف، ففي حق تقاته أثبت للعبد النظر إليه في تقواه و هو أهون عليه، فما كان شديدا عندهم كان في نفس الأمر أهون، و عند من فهم عن اللّه، و ما كان هينا عندهم كان في نفس الأمر شديدا و عند من فهم عن اللّه، جعلنا اللّه ممن فهم عنه خطابه، فحقيقة حق تقاته تبري العبد من الدعوى، و هو قوله! لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم- الوجه الثاني- أن العبد يرى ما يستحقه جلال اللّه من التعظيم و يرى ما للّه عليه من الحقوق، فيجهد نفسه في أداء ذلك، لأداء حق ما تعين عليه للّه و ما تعطيه مرتبة العبد من سيّده.
[سورة آلعمران (3): آية 103]
وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
حبل اللّه هو الطريق الذي يعرج بك إليه مثل قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) فليس حبله سوى ما شرعه، و هو السبب الموصل إلى إدراك السعادة، فجعل اللّه بينه و بين عباده حبلا منه إليهم، و هو الشرع يعتصمون به و يتمسكون، ليصح الوصلة بينهم و بين اللّه سبحانه، فإن الحبل الوصل و به يكون الاعتصام كما هو باللّه فأعطى الحبل منزلته في قوله تعالى (وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ)* و تفاضل فهم الناس فيه، فمنهم و منهم، و لذلك فضل اللّه بعضهم على بعض، فمن لم يخطئ طريقه فهو المعصوم، و التمسك به هو الاعتصام، و عليه حال المؤمنين الذين بلغوا الكمال في الإيمان، و مثل هؤلاء يعتصمون باللّه في اعتصامهم بحبل اللّه، ثم قال «جَمِيعاً» فإن الأمر الشديد على الواحد إذا انقسم على الجماعة هان، فأمر الجماعة بالاعتصام به حتى يهون عليهم، فقال تعالى «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» فأمر الجماعة بالاعتصام بحبل اللّه، و هو عهده و دينه المشروع فينا الذي لا يتمكن لكل واحد منا على الانفراد الوفاء به فيحصل بالمجموع لاختلاف أحوال المخاطبين. «وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» ورد في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: لأصحابه من الأنصار في واقعة وقعت في فتح مكة في غزوة حنين، فقال لهم: [أ لم تكونوا ضلالا فهداكم اللّه بي] فذكر نفسه [و وجدتكم على شفا حفرة من النار فأنقذكم اللّه بي] و هذا معنى و أصل قول الناس هذا ببركة فلان، و هذا بهمة فلان، و لو لا همته ما جرى كذا و ما دفع اللّه عنا كذا، و قولهم اجعلني في خاطرك و في همتك و لا تنساني و أشباه هذا. «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».
[سورة آلعمران (3): آية 104]
وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)
«يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ» و هو الأمر بما هو معلوم له «وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» المنكر فعل ما أمر بتركه أو ترك ما أمر بفعله، و لا يوصف بأنه أتى منكرا حتى يعلم أنه مأمور به ذلك العمل أو منهي عنه «وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الناجون بفعلهم من عذابه، الباقون في نعيمه.
[سورة آلعمران (3): الآيات 105 الى 106]
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)
«فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ» أي ذواتهم، فلا نور لهم يكشفون به الأشياء، بل هم عمي فلا يبصرون «أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» و لم يكن لهم إيمان تقدم إلا إيمان الذر زمان الأخذ من الظهر، فنسي ذلك العقد لما قدم العهد، و لو لا البيان و الإيمان ما أقر به الإنسان، فتظهر العناية الإلهية بالمقرب الوجيه يوم تبيض وجوه و تسود وجوه، و النميمة و الغيبة و إفشاء السر و ما شاكل هذا كله حق مكروه، و هو يؤدي إلى اسوداد الوجوه.
[سورة آلعمران (3): الآيات 107 الى 109]
وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
ثم شهد الحق في القرآن و عرّف بفضل هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم فقال.
[سورة آلعمران (3): آية 110]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110)
إذا حملنا قوله تعالى «أُمَّةٍ» على أمة الدعوة لا أمة الإجابة، كان المؤمن بإيمانه و الكافر منهم بكفره هما خير من كل مؤمن من غير هذه الأمة و كافر، أي مؤمن هذه الأمة خير من مؤمن غيرها من الأمم، و كافر هذه الأمة خير من كافر غيرها من الأمم- الوجه الثاني- إذا حملت الأمة على أمة الإجابة كانت الأمة المحمدية المتأخرة المنعوتة بالخيرية على جميع الأمم السالفة مؤمنيهم و كافريهم، فكافرهم شر من كافري الأمم، و مؤمنهم خير من مؤمني الأمم، فلهم التقدم، كما ورد في الخبر في قريش [إنهم المقدّمون على جميع القبائل في الخير و الشر]
[ «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»]
«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» لظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بصورته فيها، و كذلك القرن الذي ظهر فيهم خير القرون لظهوره فيه بنفسه، و ما كنا خير أمة أخرجت للناس، إلا و كان نبينا صلّى اللّه عليه و سلم سيد ولد آدم من غير شك و لا التباس، فهو بنا و نحن به، و ليس خيرا من كل أمة إلا نبيها و نحن خير الأمم، فنحن و الأنبياء في هذه الخيرية في سلك واحد منخرطين، لأنه ما ثم مرتبة بين النبي و أمته، و محمد صلّى اللّه عليه و سلم خير من أمته كما كان كل نبي خيرا من أمته، فهو صلّى اللّه عليه و سلم خير الأنبياء، قال صلّى اللّه عليه و سلم [ليتمنين اثنا عشر نبيا أن يكونوا من أمتي] تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون باللّه» و إن كانت كل أمة تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر و يؤمنون باللّه، فقد خصّت هذه الأمة المحمدية بأمور لم يخص بها أمة من الأمم، و لها أجور على ما خصصت به من الأعمال مما لم يستعمل فيها غيرهم من الأمم، فتميزوا بذلك يوم القيامة، و ظهر فضلهم، و الفضل الزيادة، و بالزيادة كانت خير أمة أخرجت للناس أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، عناية منه تعالى لحضوره صلّى اللّه عليه و سلم و ظهوره فيها، و إن كان العالم الإنساني و الناري كله أمته، فإنه المرسل إلى الناس كافة، و لكن لهذه الأمة خصوص وصف، فجعلهم تعالى خير أمة أخرجت للناس؛ هذا الفضل أعطاه ظهوره صلّى اللّه عليه و سلم بنشأتيه، فكان من فضل هذه الأمة على الأمم أن أنزلها صلّى اللّه عليه و سلم منزلة خلفائه الأنبياء في العالم قبل ظهوره، إذ كان أعطاهم التشريع، فأعطى، هذه الأمة الاجتهاد في نصب الأحكام، و أمرهم أن يحكموا بما أداهم إليه اجتهادهم فأعطاهم التشريع، فلحقوا بمقامات الأنبياء في ذلك، و جعلهم ورثة لهم لتقدمهم عليهم، فإن المتأخر يرث المتقدم بالضرورة، و كل من دخل في زمان هذه الأمة بعد ظهور محمد صلّى اللّه عليه و سلم من الأنبياء و الخلفاء الأول فإنهم لا يحكمون في العالم إلا بما شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم في هذه الأمة و تميز في المجتهدين و صار في حزبهم مع إبقاء منزلة الخلافة الأولى عليه، فله حكمان، يظهر بذلك في القيامة، ما له ظهور بذلك هنا، و كل وارث علم في زمان إنما يرث من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام لا من تأخّر عنه، فوراثة عالم كل أمة كانت لنبي قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم وراثة جزئية، و هذه الأمة المحمدية لما كان نبيها محمد صلّى اللّه عليه و سلم آخر الأنبياء، و كانت أمته خير الأمم، صح للوارث منهم أن يرثه، و يرث جميع الأنبياء عليهم السلام و لا يكون هذا أبدا في عالم أمة متقدمة قبل هذه الأمة فلهذا كانت أفضل أمة أخرجت للناس، لأنها زادت على الوارثين بأمر لم ينله إلا هذه الأمة. قال صلّى اللّه عليه و سلم: [العلماء ورثة الأنبياء] و قال: [نحن معاشر الأنبياء لا نرث و لا نورث، ما تركناه صدقة] يعني الورث، أي ما يورث من الميت من المال، فلم يبق الميراث إلا في العلم و الحال و العبارة و عما وجدوه من اللّه في كشفهم، فكنّا للناس مثل النبي للناس، قال تعالى: (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي خيارا (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) فجعل حكمنا و منزلتنا في غيرنا من الأمم منزلة الرسول منا، فنحن في حقهم رسل، و لهذا قال عليه السلام:
[علماء هذه الأمة أنبياء سائر الأمم] في هذه المنزلة و المرتبة.
[سورة آلعمران (3): الآيات 111 الى 113]
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ (113)
[سورة آلعمران (3): آية 114]
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)
لما كانت المغفرة لا تصح إلا بعد حصول فعل الخير الموجب لها، قال تعالى «وَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ» فجعل المسابقة في الخيرات إلى المغفرة، و لذلك قال في موطن آخر (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) و المسارعون في الخيرات هم المسارعون إلى إجابة الحق، فينبغي للعاقل أن لا يستعجل في أمر له فيه أناة، و لا يتأنى في أمر يكون الحق في المبادرة إليه و الإسراع في تحصيله، هذا فائدة العقل في العاقل:
[سورة آلعمران (3): آية 115]
وَ ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)
في هذه الآية إضافة العمل من اللّه إلى العبد، و لو لا ذلك ما صح التكليف، يقول صلّى اللّه عليه و سلم: [إنما هي أعمالكم ترد عليكم].
[سورة آلعمران (3): الآيات 116 الى 117]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)
الصر و الصرير الصوت.
[سورة آلعمران (3): الآيات 118 الى 122]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَ لا يُحِبُّونَكُمْ وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَ إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)
التوكل اعتماد القلب على اللّه تعالى فيما يجريه أو وعد به، مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم، التي من شأن النفوس أن تركن إليها، فإن اضطرب فليس بمتوكل، و هو من صفات المؤمنين، و إن كان التوكل لا يكون للعالم إلا من كونه مؤمنا كما قيده اللّه به- و ما قيده سدى- فلو كان من صفات العلماء و يقتضيه العلم النظري ما قيده بالإيمان، فلا يقع في التوكل بمشاركة من غير المؤمن بأي شريعة كان، و سبب ذلك أن اللّه تعالى لا يجب عليه شيء عقلا إلا ما أوجبه على نفسه، فيقبله بصفة الإيمان لا بصفة العلم، فإنه فعال لما يريد، فلما ضمن ما ضمن و أخبر بأنه يفعل أحد الممكنين، اعتمدنا عليه في ذلك على التعيين و صدقناه، و عدم اضطرابنا عند فقد الأسباب إنما هو من إيماننا بضمانه.
[سورة آلعمران (3): الآيات 123 الى 125]
وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)
لما كان أهل بدر قليلين و المشركون كثيرين، أنزل اللّه الملائكة مددا لنصر المؤمنين على الأعداء في القتال يوم بدر، فنزل الملائكة مقاتلين خاصة. و كونهم مسومين أي أصحاب علامات يعرفون بها أنهم من الملائكة، فبوجود المدد الملكي و الأثر الفلكي كانت النصرة، و رجعت على الأعداء الكرة، أقدم حيزوم، لنصرة دين الحي القيوم، و لما فيه من تقوية القلوب، عند أهل الإيمان بالغيوب، و ما كان عند أهل الغيب إيمانا، كان لأهل الشرك عيانا، و ذلك الشهود خذلهم، فلم تقتلوهم و لكن اللّه قتلهم، قتلهم بالملك، للأمر الذي أوحاه في السماء و أودعه حركة الفلك، فما انحجب عن المؤمن لإهانته، كما أنه ما كشفه للمشرك لمكانته، لكن ليثبت ارتياعه، و يتحقق انصداعه و اندفاعه، فخذله اللّه بالكشف، و هو من النصر الإلهي الصرف، نصر به عباده المؤمنين على التعيين، فإنه أوجب سبحانه على نفسه نصرتهم، فرد عليهم لهم كرتهم، فانهزموا أجمعين و كان حقّا علينا نصر المؤمنين، و المؤمن الإله الحق، و قد نصره الخلق.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 465