تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّساء آیه86-176
[سورة النساء (4): الآيات 84 الى 85]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ اللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)
القاضي حاكم و المقدّر مقيت، فالقدر التوقيت في الأشياء من اسمه المقيت.
[سورة النساء (4): آية 86]
وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86)
لا يجوز تأخير رد التحية بدليل قوله تعالى «فَحَيُّوا» فجاء بالفاء و لم يخصّ صلاة من غيرها، فيجوز للمصلي أن يرد السلام على من يسلم عليه، فإنه يجوز التلفظ به في الصلاة و غيرها، و هو ذكر للّه، فكيف و رد السلام واجب.
و عند أهل الإيمان فإن المصلي إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام في صلاة الصبح و العصر يقول: و عليكم السلام و رحمة اللّه و بركاته، لأنهم في ذلك الوقت تنصرف عنهم الملائكة التي كانوا فيهم، و ترد عليهم الملائكة الذين يأتون إليهم، فلا تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا معهم و لا تأتيهم الملائكة الأخر إلا عند شروعهم في الصلاة، سواء قاموا إليها في أول الوقت أو في آخره، كل إنسان لا تنصرف عنه الملائكة إلا كما قلنا، و هم عند إتيانهم يسلمون على العبد، و عند انصرافهم يسلمون أيضا، و اللّه قد أمرنا بقوله «وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها». فوجب على كل مؤمن عند حق إيمانه و حقيقته أن يرد في ذلك الوقت السلام عليهم، و إلا فهو طعن في إيمانه إن حضر مع هذا الخبر.
[سورة النساء (4): آية 87]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)
هذا التوحيد السادس في القرآن،
[توحيد الهوية المنعوت بالاسم الجامع للقضاء و الفصل]
توحيد الابتداء، و هو توحيد الهوية المنعوت بالاسم الجامع للقضاء و الفصل. فمن رحمة اللّه أنه قال «لَيَجْمَعَنَّكُمْ» فما نجتمع إلا فيما نفترق فيه، و هو الإقرار بربوبيته سبحانه. و إذا جمعنا من حيث إقرارنا له بالربوبية فهي آية بشرى، و ذكر خير في حقنا بسعادة الجميع، و إن دخلنا النار، فإن الجمعية تمنع من تسرمد الانتقام لا إلى نهاية، لكن يتسرمد العذاب و تختلف الحالات فيه؛ فإذا انتهت حالة الانتقام و وجدان الآلام، أعطى من النعيم و الاستعذاب بالعذاب ما يليق بمن أقر بربوبيته ثم أشرك ثم وحد في غير موطن التكليف. و التكليف أمر عرض في الوسط بين الشهادتين لم يثبت، فبقي الحكم للأصلين الأول و الآخر.
[سورة النساء (4): الآيات 88 الى 90]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ لا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90)
[سورة النساء (4): الآيات 91 الى 92]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92)
ما في الخلق من يملك سوى الإنسان، و ما سوى الإنسان من ملك و غيره لا يملك شيئا، و ما ثم موجود من يقرّ له بالعبودية إلا الإنسان، فيقال: هذا عبد فلان و لهذا شرع اللّه له العتق و رغّبه فيه.
[سورة النساء (4): آية 93]
وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93)
غضب اللّه لا يخلص عن رحمة إلهية تشوبه، فغضبه في الدنيا ما نصبه من الحدود و التعزيرات، و غضبه في الآخرة ما يقيم من الحدود على من يدخل النار، فهو و إن كان غضبا، فهو تطهير لما شابه من الرحمة في الدنيا و الآخرة، لأن الرحمة لما سبقت الغضب في الوجود عمّت الكون كله و وسعت كل شيء، و يخرج تخليد من قتل مؤمنا متعمدا أي قصد قتله لإيمانه: «وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» أي جازاه جزاء المغضوب عليه، فإن غضب اللّه تعالى منزه عن غليان دم القلب طلبا للانتصار، لأنه سبحانه يتقدس عن الجسمية و العرض، فذلك قد يرجع إلى أن يفعل فعل من غضب ممن يجوز عليه الغضب، و هو انتقامه سبحانه من الجبارين و المخالفين لأمره و المتعدين حدوده، فالمجازي يكون غاضبا؛ فظهور الفعل أطلق الاسم.
[سورة النساء (4): آية 94]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94)
[سورة النساء (4): آية 95]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95)
المقصود من الجهاد هو إعلاء كلمة اللّه في الأماكن التي يعلو فيها ذكر غير اللّه ممن يعبد من دون اللّه قال صلّى اللّه عليه و سلم: [سياحة هذه الأمة الجهاد] و اعلم أيدك اللّه أنّ المجاهدين هم أهل الجهد و المشقة و المكابدة، و المجاهدة مقام مستصحب للتكليف، فما دام التكليف موجودا كانت المجاهدة قائمة العين، فإذا زال حكم التكليف زالت المجاهدة،
[المجاهدون أربعة أصناف]
و المجاهدون أربعة أصناف: مجاهدون من غير تقييد بأمر، و هو قوله تعالى: «وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ» و مجاهدون بتقييد في سبيل اللّه و هو قوله «وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، و مجاهدون فيه و هو قوله (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) و مجاهدون في اللّه حق جهاده.
و لما كان إتلاف المهج أعظم المشاق على النفوس، لهذا سمي جهادا، فإن النفوس نفسان: نفس ترغب في الحياة الدنيا لألفتها بها، فلا تريد المفارقة و تشق عليها، و نفس ترغب في الحياة الدنيا لتزيد طاعة و أفعالا مقربة و ترقيا دائما مع الأنفاس، فشقّ عليها مفارقة الحياة الدنيا، فلهذا سمي جهادا: «وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً» و ما عظم اللّه لا يقدر قدره.
[سورة النساء (4): آية 96]
دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96)
«دَرَجاتٍ مِنْهُ» و ما جعلها درجة واحدة، فإن جهادهم مطلق غير مقيد، كما قال في المجاهدين في سبيل اللّه، و هو جهاد مقيد حيث جعل لهم درجة واحدة، ثم زادهم ما ذكر في تمام الآية «وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» كان حرف وجودي، و يطلق من الوجه الذي لا يقبل به ظرفية الزمان على اللّه، فيقال «وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً».
[سورة النساء (4): آية 97]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً (97)
قال تعالى: «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» و لم يقل منها و لا إليها، فهي أرض اللّه سواء سكنها من يعبده أو من يستكبر عن عبادته، فإن مكة أشرف البقاع و ذكر في تمام الآية «وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» كان حرف وجودي، و يطلق من الوجه الذي لا يقبل به ظرفية الزمان على اللّه، فيقال «وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً».
[سورة النساء (4): آية 97]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً (97)
قال تعالى: «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» و لم يقل منها و لا إليها، فهي أرض اللّه سواء سكنها من يعبده أو من يستكبر عن عبادته، فإن مكة أشرف البقاع و إنها بيت اللّه الذي يحج إليه من مشارق الأرض و مغاربها، و مع ذلك أمر و عظم الأجر لمن يهاجر منها من أجل ساكنيها، فلما فتحها اللّه و أسكنها المؤمنين من عباده قال صلّى اللّه عليه و سلم: [لا هجرة بعد الفتح] و لما قال تعالى: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» أي حكم، فما عبد من عبد غير اللّه إلا لهذا الحكم، فلم يعبد إلا اللّه و إن أخطئوا في النسبة، إذ كان للّه في كل شيء وجه خاص، به ثبت ذلك الشيء، فما خرج أحد عن عبادة اللّه.
و لما أراد اللّه أن يميّز بين من عبده على الاختصاص و بين من عبده في الأشياء، أمر بالهجرة من الأماكن الأرضية التي يعبد اللّه فيها في الأعيان، ليميز اللّه الخبيث من الطيب، فالخبيث هو الذي عبد اللّه في الأغيار، و الطيب هو الذي عبد اللّه لا في الأغيار.
فعليك بالهجرة، و لا تقم بين أظهر الكفار، فإن في ذلك إهانة دين الإسلام و إعلاء كلمة الكفر على كلمة اللّه، فإن اللّه ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى. و إياك و الإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت.
و اعلم أن المقيم بين أظهر الكفار مع تمكنه من الخروج من بين ظهرانيهم لا حظّ له في الإسلام، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد تبرأ منه، و لا يتبرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من مسلم، و قد ثبت عنه أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين] فما اعتبر له كلمة الإسلام.
و قال اللّه تعالى فيمن مات و هو بين أظهر المشركين «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ»قال اللّه لهم «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً».
و لهذا حجرنا في هذا الزمان على الناس زيارة بيت المقدس و الإقامة فيه لكونه بيد الكفار، فالولاية لهم و التحكم في المسلمين، و المسلمون معهم على أسوأ حال نعوذ باللّه من تحكم الأهواء، فالزائرون اليوم البيت المقدس و المقيمون فيه من المسلمين هم من الذين قال اللّه فيهم (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً).
[سورة النساء (4): الآيات 98 الى 99]
إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99)
العفو يجمع بالدلالة بين القليل و الكثير، هكذا هو في أصل وضع اللسان. و اتصاف الحضرة الإلهية بالعفو أنها تعطي ما تقتضيه الحاجة، لا بد من ذلك. من كونه سخيا حكيما، ثم يزيد في العطاء في كونه منعما مفضلا غير محجور عليه، و لا تقضي عليه الحاجات بالاقتصار على ما يكون به الاكتفاء. و أما في المؤاخذة على الذنوب فهو عفو بما يعطي من قليل العذاب، و هو عفو بما يعطي من كثير المغفرة و التجاوز، ثم يغفر اللّه و يجود بالإنعام و رفع الآلام.
[سورة النساء (4): آية 100]
وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100)
الهجرة هي الاغتراب عن الأوطان، و ممن أجره على اللّه، المهاجر يموت قبل وصوله إلى المنزل الذي هاجر إليه، فإن أجره على اللّه على قدر الباعث الذي بعثه على الهجرة، و الناس في ذلك متفاضلون. ثم إن اللّه ينوب عن رسوله فيما يعطيه من الأجر، فإنه خرج مهاجرا إلى اللّه و رسوله، ثم إن له أجر الفوت بالموت الذي أدركه و ذلك من اللّه، فإنه الذي رزأه و حال بينه و بين الوصول إلى مهاجره، فالدية عليه.
فإن كان هذا الذي يموت عالما عاقلا فأعظم من لقاء اللّه و رؤيته فما يكون، و قد حصل له ذلك بالموت، فهو أفضل في حقه من أن يعيش حتى يصل، فإنه لا يدري ما دام في الحياة الدنيا ما يتقلب عليه من الأحوال، فإنّه في محل خطر سريع التبديل.
و صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في هذا الباب ما خرّجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [إنما الأعمال بالنيات، و إنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله، فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه] ثم يضاف إلى هذه الأجور قدر كرم المعطي و غناه، و هذا يدخل تحت قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر] يعني من المجزيين. و قد أكد اللّه تعالى هذا الأجر على غيره ممن له أجر على اللّه بالوقوع و هو الوجوب، فإن الأجر قد يقتضيه الكرم من غير وجوب و قد يقتضيه الوجوب، و الذي يقتضيه الوجوب أعلى.
و المهاجر من ترك ما أمر اللّه و رسوله بتركه و بالغ في ترك ذلك للّه خالصا من كل شبهة، عن كرم نفس و طواعية لا عن كره و إكراه و لا رغبة في جزاء، بل كرم نفس بمقاساة شدائد يلقاها من المنازعين له في ذلك، و يسمعونه ما يكره من الكلام طبعا، فيتغير عند سماعه، و يكون ذلك كله عن اتساع في العلم، و الدءوب على مثل هذه الصفة، و تقيده في ذلك كله بالوجوه المشروعة لا بأغراض نفسه، و يكون به كمال مقامه.
فإذا اجتمعت هذه الصفات في الرجل فهو مهاجر، فإن فاته شيء من هذه الفصول و النعوت فاته من المقام بحسب ما فاته من الحال. و إنما قلنا هذا كله و اشترطناه لما سماه اللّه مهاجرا، و اللّه بكل شيء عليم، فكل ما يدخل تحت هذا اللفظ مما ينبغي أن يكون وصفا حسنا للعبد فيسمى به صاحب هجرة اشترطناه في المهاجر، لانسحاب هذه الحقيقة اللفظية في نفس الوضع على ذلك المعنى الذي اشتق من لفظه هذا الاسم.
[سورة النساء (4): آية 101]
وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101)
[قصر الصلاة]
السفر يؤثر في الصلاة القصر باتفاق، إلا عائشة رضي اللّه عنها قالت: لا يجوز القصر إلا للخائف لقوله عزّ و جل «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا». و الذي أقول به إن القصر للمسافر فرض متعين في كل سفر، قريبا كان أو بعيدا. فالمعتبر فيه اللسان، قربة كان أو مباحا أو معصية.
و مدة القصر الأولى عندي فيها أن ينظر في مدة إقامة النبي صلّى اللّه عليه و سلم بمكة إلى أن رجع إلى المدينة، فإنه كان يقصر في تلك المدة. و اتفق العلماء كلهم على الجمع بين الظهر و العصر في أول الظهر يوم عرفة، و على الجمع بين المغرب و العشاء بتأخير المغرب إلى وقت العشاء بالمزدلفة، فلا يصح الجمع بين الصلاتين إلا فيما ذكرناه من عرفة و جمع
[السفر]
– إشارة- السفر حال لازم لكل ما سوى اللّه في الحقائق الإلهية، بل لكل من يتصف بالوجود، و هو سفر الأكابر من الرجال، فهو سفر بالعلم و التحقق، و سفر في الأسماء الإلهية بالتخلق، و هو سفر حاله نازل عن الحال الأول، و سفر ثالث في الأكوان بالاعتبار، و هو حال دون الحالين، و سفر جامع لهذه الأسفار كلها في أحوالها، و هو أعظم أسفار الكون، و الأول أعظم الأسفار و أجلها، و القصر في الخوف، فإن العبد مطلوب في كل نفس بمراقبة الحق في حكمه تعالى في ذلك النفس بما شرع له تعالى فيه خاصة، و ما كل أحد يقدر على مراعاة هذا المقام مع الحق، فلا يزال في خوف دائما، فالعارف إذا حصل فيه و خاف أن يلتبس عليه مناجاة الحق في الأنفاس، اقتصر من المناجاة على ما يختص بذلك النفس، فكان الخوف سببا للقصر.
[سورة النساء (4): آية 102]
وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102)
و أما صلاة الخوف فالذي أذهب إليه أن الإمام مخيّر في الصورة التي ثبتت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فبأي صورة صلاها أجزأته صلاته و صحت صلاة الجماعة، إلا الرواية التي فيها الانتظار بالسلام، فإن عندي فيها نظر، لكون الإمام يصير فيها تبعا تابعا، و قد نصبه اللّه متبوعا، و سبب توقفي في ذلك دون جزم من طريق المعنى؛ فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أمر الإمام أن يصلي بصلاة المريض و أضعف الجماعة، و الخلاف في صورة صلاة الخوف مسطور في كتب الحديث. و أما الصلاة عند المسايفة فالذي أذهب إليه أن العبد مأمور في ذلك الوقت بالصلاة على قدر ما يمكنه أن يفعله منها.
[سورة النساء (4): آية 103]
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103)
«كِتاباً مَوْقُوتاً» أي مفروضة في وقت معيّن، سواء كان موسعا أو مضيقا، فإنه معيّن و لا بد، بقوله موقوتا. فمن أخرج صلاة مفروضة عن وقتها المعيّن له، كان ما كان، من ناس أو متذكر، فإنه لا يقضيها أبدا و لا تبرأ ذمته، فإنه ما صلى الصلاة المشروعة، إذ كان الوقت من شروط صحة الصلاة. فليكثر النوافل بعد التوبة، و لا قضاء عليه عندنا لخروج وقتها الذي هو شرط في صحتها.
و وقت الناسي و النائم وقت تذكره و استيقاظه من نومه، و هو مؤد و لا بدّ، و لا يسمى قاضيا على الاعتبار الذي يراه الفقهاء، لا على ما تعطيه اللغة، فإن القاضي و المؤدي لا فرق بينهما في اللسان، فكل مؤد للصلاة فقد قضى ما عليه، فهو قاض بأدائه ما تعيّن عليه أداؤه من اللّه.
و اتفق علماء الشريعة أن وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال؛ جاء في الحديث الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى] يعني في الأربع صلوات، فإنه إذا خرج وقت الصبح لم يدخل وقت الظهر حتى تزول الشمس، بخلاف الظهر و العصر و المغرب و العشاء، و جاء في الحديث الثابت في إمامة جبريل النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، و في حديث ثابت آخر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [آخر وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر] فحديث إمامة جبريل يعطي الاشتراك في الوقت،و الحديثان الآخران يعطي الزمان الذي ينقسم، فيرتفع الاشتراك.
و القول هنا أقوى من الفعل، لأن الفعل يعسر الوقوف على تحقيق الوقت به، و هو قول الصاحب على ما أعطاه نظره. و قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم يخالف ما قال الصاحب و حكم به على فعل صلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلّى اللّه عليه و سلم؛ فيكون كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مفسرا للفعل الذي فسره الراوي.
و الأخذ بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هو الذي أمرنا اللّه أن نأخذ به، فكان ينبغي في مسئلة آخر وقت الظهر و أول وقت العصر و أمثالها أن لا يتصور خلاف، و لكن اللّه جعل هذا الخلاف رحمة لعباده و اتساعا فيما كلفهم به من عبادته. و آخر وقت الظهر أن يكون ظل كل شيء مثله، و هو أول وقت العصر. و آخر وقت العصر عندنا قبل أن تغرب الشمس بركعة.
و المغرب وقته موسع و هو ما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق. و قد ورد في إمامة جبريل عليه السلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد في أول فرض الصلوات، و المغرب وتر صلاة النهار كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و ذلك قبل أن يزيدنا اللّه وتر صلاة الليل [إن اللّه قد زادكم صلاة إلى صلاتكم] و ذكر صلاة الوتر [فأوتروا يا أهل القرآن] فشبهها بالفرائض و أمر بها.
و لما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بعد إمامة جبريل عليه السلام به صلّى اللّه عليه و سلم عن وقت الصلاة، صلى بالناس يومين، صلى في اليوم الأول في أول الأوقات، و صلى في اليوم الثاني في آخر الأوقات، الصلوات الخمس كلها و فيها المغرب، ثم قال للسائل [الوقت ما بين هذين] فجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات، فوسع وقتها كسائر الصلوات، و هو الذي ينبغي أن يعول عليه، فإنه متأخر عن إمامة جبريل، فوجب الأخذ به، فإن الصحابة كانت تأخذ بالأحدث، فالأحدث من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و إن كان صلّى اللّه عليه و سلم كان يثابر على الصلاة في أول الأوقات فلا يدل ذلك على أن الصلاة ما لها وقتان، و ما بينهما، فقد أبان عن ذلك و صرح به، و ما عليه صلّى اللّه عليه و سلم إلا البلاغ و البيان، و قد فعل صلّى اللّه عليه و سلم. و أول وقت العشاء مغيب حمرة الشفق، و آخر وقتها طلوع الفجر.
و اتفق الجميع على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر و آخره طلوع الشمس، و اختلفوا في الإسفار و التغليس بصلاة الصبح، و التغليس بها أفضل عندنا. و قد كتب اللّه تعالى الصلاة على المؤمنين دون العالم لعموم الإيمان فإنه يشمل المقلد و العالم، فلو كتبها اللّه على العلماء دون المؤمنين لما وجبت على المقلدين، و العلماء لهم صفة الإيمان، فكتب على الوصف العام.
[سورة النساء (4): الآيات 104 الى 105]
وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105)
ما ثم شارع إلا اللّه تعالى قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم: «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ» و لم يقل بما رأيت بل عتبه سبحانه و تعالى لما حرم على نفسه باليمين في قضية عائشة و حفصة، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ» فكان هذا مما أرته نفسه. فهذا يدلك أنّ قوله تعالى «بِما أَراكَ اللَّهُ» أنه ما يوحي به إليه لا ما يراه في رأيه.
فلو كان الدين بالرأي، لكان رأي النبي صلّى اللّه عليه و سلم أولى من رأي كل ذي رأي فإذا كان هذا حال النبي صلّى اللّه عليه و سلم فيما أرته نفسه فكيف رأي من ليس بمعصوم و من الخطأ أقرب إليه من الإصابة. فدل أن الاجتهاد الذي ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، إنما هو طلب الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة لا في تشريع حكم في النازلة، فإن ذلك شرع لم يأذن به اللّه.
فالمؤمنون يؤمنون بأن رأيه صلّى اللّه عليه و سلم شرع، و أن اللّه أراه ذلك، فإنه لا ينطق عن الهوى، فحكمه حكم اللّه، و هو ناقل عن اللّه و مبلغ عنه بما أراه اللّه، و هو سرّ السنة في إثبات الحكم.
[سورة النساء (4): الآيات 106 الى 108]
وَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَ لا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108)
ما أحسن ما قال تعالى «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ» فإنهم مجبولون على النسيان «وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ» الذي لا يضلّ و لا ينسى. و كان الأولى لو صح عكس القضية إلا أنه لا يصح أن يستخفي شيء عن اللّه، و السبب الموجب للاستخفاء عن الناس هو حبّ الثناء و طلب المحمدة.
فإذا أطلع الناس على العمل الذي يخفيه سقطت حرمة العامل من قلب الذي يراه و قام عليه لسان الذمّ منه و سبب ذلك الجنسية، و لا يستخفي إلا مؤمن فإنه يكره فعل ما يستخفى منه بأن هذا لا يجوز عمله شرعا. «إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ» و هو الجهر بالسوء من القول «وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً». ينبه أن هذا العمل قد أحاط اللّه به علما.
[سورة النساء (4): الآيات 109 الى 110]
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110)
الظالم نفسه طلب منه الاستغفار مع أنه يغفر له، و إن لم يستغفر، و إنما أمره الحق بالاستغفار ليقيمه إذا جنى ثمرة ذلك من مقام الإدلال لما له في ذلك من الكسب؛ فإن الذي يأخذ من جهة الهبة قصير اليد، و الذي يأخذ من كسبه طويل اليد، فإنه طالب حق و مستحقه.
[سورة النساء (4): الآيات 111 الى 113]
وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (112) وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)
و علمك ما لم تكن تعلم به، فعرفته في موطن الإنكار و لذلك عظّم اللّه هذا الفضل فقال «وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» ثم نبه تعالى على طهارة الفم المعنوية بقوله:
[سورة النساء (4): آية 114]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)
«لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ» و لها مواطن مخصوصه، و هو أن يأمره في السر لا في الجهر، فإن الجهر علة لا يشعر بها. لأنه قد يعطيها لغير اللّه. ثم قال «أَوْ مَعْرُوفٍ»، و قول المعروف هو القول في موطنه الذي عينه اللّه، و يرجو حصول الفائدة به في حق السامع، فهذا معنى «أَوْ مَعْرُوفٍ». فمن لم يفعل فهو جاهل و إن ادعى العلم.ثم قال «أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ»، فيعلم أنّ مراد اللّه التوادد و التحابب فيسعى في ذلك.
و إن لم يجعل الكلام في موضعه أدى إلى التقاطع و التنافر و التدابر. ثم بعد هذا كله قال في حق المتكلم «و من لم يفعل ذلك ابتغاء مرضات اللّه» و لا يكون ذلك إلا ممن يعلم ما يرضي اللّه، و لا يعلم ما يرضي اللّه إلا بالعلم بما شرع اللّه في كتابه و على لسان رسوله، فيرى عند ما يريد أن ينطق بالأمر هل نطقه به في ذلك الموطن يرضي اللّه من جميع الوجوه؟ فإن وجد وجها يقدح فيه، فالكل غير مقبول و غير مرضي عند اللّه، فإنه لا يحتمل التجزي و لا الانقسام.
و اعلم أن من شعب الإيمان قول الخير و الصمت عن الشر؛ قال صلّى اللّه عليه و سلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر. و قال صلّى اللّه عليه و سلم: من صمت نجا. فصمت اللسان مفردا للعامة يخفف الأوزار، و صمت القلب مفردا ينتج النطق بالحكمة، و من صمت عن شر، نطق بخير قطعا.
[سورة النساء (4): الآيات 115 الى 116]
وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً (115) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116)
إذا كان الحق حرّم على نفسه المغفرة للمشرك، وجبت المؤاخذة في الشرك و لا بدّ.و اعلم أن اللّه لم يغفر للمشركين و لا لأهل التبعات، بل ضمن التباعات، و جعل مغفرتهم موقوفة على رضا المظلومين، فيصلح بينهم يوم القيامة. جاء في الخبر أن اللّه تعالى يقول يوم القيامة لأهل الحشر «يا عبادي ما كان بيني و بينكم فقد غفرته لكم فانظروا فيما بينكم فإنّه لا يجاوزني ظلم ظالم».
و يظهر في الشرك أنه فيما بينه و بينهم فلما ذا أخذ به و لم يغفره؟ فاعلم وفقك اللّه أن الشرك باللّه باب من التباعات و ظلم الغير و لهذا أخذ اللّه به، فإن التباعات على ضروب في الدماء و الأموال و الأعراض، و الشرك من باب تباعات الأعراض، و هو من باب الفرية، و أن يقال في الشيء ما ليس فيه، و هو البهتان. و ليس الشرك من الأمور التي بين اللّه و بين العبد.
و هو من أكبر الكبائر. فإذا كان يوم القيامة و حشر الناس في صعيد واحد و ضج المظلومون عند معاينة ما لا طاقة لهم بحمله من الأهوال؛ ضجت الأصناف الذين اتخذوا آلهة من دون اللّه من حجر و شجر و حيوان و إنسان و كوكب و روحاني و قالوا:
يا ربنا خذ لنا حقنا ممن افترى علينا، و نسب إلينا ما ليس فينا و قال: إنا آلهة فعبدونا، و نحن لا نضر و لا ننفع، و ليس لنا من الأمر شيء، فخذ لنا حقنا.
و هنا يقع تفصيل، فأمّا كل من عبد من دون اللّه من حجر و شجر و إنسان مشرك أشرك نفسه مع اللّه و حيوان و روحاني مشرك أيضا، فإنهم يدخلون مع الذين عبدوهم في نار جهنم ليكون أنكى لهم إذا عاينوهم؛ و من كان ارتضى منهم ما ينسب إليه كفرعون و غيره، فهو مشارك لهم في عذابهم.
و مثل الأحجار و الأشجار، فلم تدخل للعذاب، و لكن دخلت لنكايتهم أن تكون معهم آلهتهم كما قال اللّه تعالى «إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ». و يقول المشركون هناك «لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ».
و قال تعالى «وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ»* و هم المشركون، و هم الأصنام المعبودون من دون اللّه، و نفى الأصناف الذين سبقت لهم الحسنى و كانوا عن النار مبعدين، و هم الذين اتخذوا مثلة على صورتهم عبدوها كالصليب للنصارى و الصور التي يصورونها للمشركين التي صنعوها على صورة هذا المعصوم السعيد كائنا من كان؛ فتلك الأمثال تدخل معهم النار، و هذا ينكيهم جدا.
و وجه آخر من نكاية اللّه لهم: إن لأهل الجنة اطلاعا على أهل النار يعاين هؤلاء هؤلاء و هؤلاء هؤلاء، فيزيد نعيم هؤلاء و يزيد عذاب هؤلاء؛ يقول اللّه تعالى «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ» «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَ ضَلالًا بَعِيداً» لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم و علموا أنه لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم من اللّه شيئا، فهي شهادة من اللّه بقصور نظرهم و عقولهم.
[سورة النساء (4): آية 117]
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117)
الشيطنة البعد يقال ركية شطون إذا كانت بعيدة القعر.
[سورة النساء (4): الآيات 118 الى 125]
لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122)
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (123) وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125)
ما سمى إبراهيم عليه السلام بالخليل إلا بسلوكه سواء السبيل. نزل ضيف من غير ملة إبراهيم عليه السلام بإبراهيم عليه السلام، فقال له إبراهيم عليه السلام: وحّد اللّه حتى أكرمك و أضيفك فقال يا إبراهيم من أجل لقمة أترك ديني و دين آبائي؟ فانصرف عنه. فأوحى اللّه إليه يا إبراهيم صدقك؛ لي سبعون سنة أرزقه، و هو يشرك بي فتريد أنت منه أن يترك دينه و دين آبائه لأجل لقمة؟ فلحقه إبراهيم عليه السلام، و سأله الرجوع إليه ليقريه و اعتذر إليه.
فقال له المشرك يا إبراهيم ما بدا لك؟ فقال إن ربي عتبني فيك، و قال لي: أنا أرزقه منذ سبعين سنة على كفره بي، و أنت تريد منه أن يترك دينه و دين آبائه لأجل لقمة؟ فقال المشرك أو قد وقع هذا؟ مثل هذا ينبغي أن يعبد. فأسلم و رجع مع إبراهيم عليه السلام إلى منزله. ثم عمّت كرامته خلق اللّه من كل وارد ورد عليه، فقيل له في ذلك فقال: تعلمت الكرم من ربي، رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم. فأوحى اللّه إليه: أنت خليلي حقّا.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل
[الخلة]
– الخلة- اعلم أن المخاللة لا تصحّ إلا بين اللّه و بين عبده، و لا تصح المخاللة بين المخلوقين المؤمنين، فإن شروط الخلة لا تصح بين المؤمنين و لا بين النبي و تابعيه، فإذا لم تصح شروطها، لا تصح هي في نفسها، فإن النبي و المؤمن بحكم اللّه لا بحكم خليله و لا بحكم نفسه.
و من شروط الخلة أن يكون الخليل بحكم خليله، و هذا لا يتصور مطلقا بين المؤمنين و لا بين الرسل و أتباعهم في الدار الدنيا. و المؤمن تصح الخلة بينه و بين اللّه، و لا تصح بينه و بين الناس. فالنبي ليس له خليل و لا هو صاحب لأحد سوى نبوته، و كذلك المؤمن ليس له خليل و لا صاحب سوى إيمانه.
فمن لا يتصرف إلا عن أمر إلهي لا يكون خليلا لأحد و لا صاحبا أبدا. فمن اتخذ خليلا غير اللّه، فقد جهل مقام الخلة، فلا خليل إلا اللّه. قال صلّى اللّه عليه و سلم: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن صاحبكم خليل اللّه.
فإذا علمت أن اللّه لا يستحيل عليه خلة عباده، فاجهد أن تكون أنت ذلك الخليل بأن تنظر إلى ما يؤدي إلى تحصيل هذه الخلة الشريفة، فإنك لا تجد لها سببا إلا الموافقة، و لا علم لنا بموافقتنا الحق إلا موافقتنا شرعه؛ فما حرّم حرّمناه، و ما أحلّ أحللناه، و ما أباحه أبحناه، و ما كرهه كرهناه، و ما ندب إليه ندبنا إليه، و ما أوجبه أوجبناه، فإذا عمك هذا في نفسك، و كانت هذه صفتك، و قمت فيها مقام حق، صحت لك الخلة لا بل المحبة التي هي أعظم و أخص من الخلة، لأن الخليل يصحبك لك، و المحب يصحبك لنفسه، فشتان ما بين الخلة و المحبة.
فالخليل يعتضد بخليله و الحبيب يبطن في محبه فيقيه بنفسه. فالحق مجنّ المحبوب، و الخليل مجنّ خليله. فينبغي للإنسان الطالب مقام الخلة أن يحسن عامة لجميع خلق اللّه كافرهم و مؤمنهم طائعهم و عاصيهم، و أن يقوم في العالم مع قوته مقام الحق فيهم مع شمول الرحمة و عموم لطائفه من حيث لا يشعرهم أن ذلك الإحسان منه، و يوصل الإحسان إليهم من حيث لا يعلمون.
فإذا كان العبد بهذه المثابة، صحت له الخلة، و إذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود، أمدهم بالباطن، فدعا لهم في نفسه بينه و بين ربه، هكذا تكون حالة الخليل فهو رحمة كله. فالخليل على عادة خليله و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: المرء على دين خليله أي على عادة خليله. فمن كانت عادته في خلق اللّه ما عودهم اللّه من لطائف مننه، و أسبغ عليهم من جزيل نعمه، و أعطف بعضهم على بعض، فلم يظهر في العالم غضب لا تشويه رحمة و لا عداوة لا تتخللها مودة، فذلك مستحق اسم الخلة لقيامه بحقها و استيفائه شروطها.
[سورة النساء (4): آية 126]
وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126)
أي له في كل شيء إحاطة، بما هو ذلك المعلوم عليه، و يريد هنا شيئية الوجود لا شيئية الثبوت، فإن الأمر هناك لا يتصف بالإحاطة. فالوجود في نقطة دائرة هذا الاسم «اللَّهُ» ساكن و قد اشتمل عليه بحقيقته اشتمال الأماكن على المتمكن الساكن، فليس لشيء خروج عنه تعالى، فهو مستو على عرشه الأعلى، و لو دليتم بحبل لهبط على اللّه.
اجتمع أربعة من الأملاك على الكعبة: واحد نازل من السماء، و آخر عرج من الأرض السفلى، و الثالث جاء من ناحية المشرق، و الرابع من ناحية المغرب، فسأل كل واحد منهم صاحبه من أين جئت، فكلهم قالوا: من عند اللّه. و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: إن اللّه في السماء كما هو في الأرض، و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم. فهو تعالى- جل جلاله عن التقييد- القبلة المعتبرة للقلوب. لا تقيده الجهات و لا تحصره الأينيات و هو بالعين في كلّ أين، ليس ذلك لسواه، و لا يوصف به موجود إلا إياه.
[سورة النساء (4): آية 127]
وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127)
[سورة النساء (4): آية 128]
وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128)
و أحضرت الأنفس الشح لأنها من الطبيعة و من حكمها الشح و البخل فيمن تركب منها، و سببه فينا أن الفقر و الحاجة ذاتي لنا و لكل ممكن، فالمكون عن الطبيعة شحيح بخيل بالذات كريم بالعرض.
[سورة النساء (4): آية 129]
وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129)
الأحكام للمواطن التي تملك، و ما لا يملك منها إذا وقع فيها الجور، فإن صاحبه لا يهلك، القسمة بين الأزواج، في النفقة و النكاح على السواء، و ما يقع به الالتذاذ من طريق الأشباح، و القسمة في الوداد، خارجة عن مقدور العباد، فلا حرج و لا جناح، في جور الأرواح. الودّ للمناسبة، فزالت فيه المعاتبة. لا يقال: لم لم تحبني؟ و يقال: لم لا تقربني؟
قربة الأجساد مقدور عليه في المعتاد و قرب الفؤاد لا يكون إلا بحكم الوداد.
[سورة النساء (4): الآيات 130 الى 132]
وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَ كانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132)
[سورة النساء (4): آية 133]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133)
يتضح من هذه الآية أن الاقتدار يأبى إلا الوجود، و علق الإرادة و المشيئة بالإعدام فقال «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ» أي يردكم إلى الحالة التي كنتم موصوفين فيها بالعدم و علق الاقتدار بإيجاد قوم آخرين فقال: «و يأت بقوم آخرين» «وَ كانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ» و لم يقل ذينك على التثنية؛ فكانت الإشارة من حيث أحديتها للأقرب، و هو الذي أتى به «قَدِيراً»، فإن اللّه تعالى هو الوجود، فلا يعطي إلا الوجود لأن الخير كله بيديه، و الوجود هو الخير كله، و الحقّ لا يعدم عدم العين، و لكن يكون عنه العدم الإضافي و هو الذهاب و الانتقال، فينقلك أو يذهبك من حال إلى حال مع وجود عينك في الحالين و من مكان إلى مكان مع وجود عينك في كل واحد منهما و بينهما؛ فالإتيان بصفة القدرة و الذهاب بالإرادة من حيث ما هو ذهاب خاصة، فالحق مذهب الأشياء لا معدمها، فهو و إن أذهب الأشياء من موطن كان لها وجود في موطن آخر. فالموت إذهاب لا إعدام، فإنه انتقال من دنيا إلى آخرة، التي أولها البرزخ.
فلما كان الإذهاب من صفات الحق لا الإعدام، قال تعالى «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ» أيها الناس «وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ» و لم يقل يعدمكم «وَ كانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً».
[سورة النساء (4): الآيات 134 الى 135]
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)
[سورة النساء (4): آية 136]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)
[ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا»]
– الوجه الأول- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» في الأخذ الميثاقي «آمَنُوا» لقول الرسول إليكم من عندنا، فلولا أن الإيمان كان عندهم ما وصفوا به، فما ثم إيمان محدث بل هو مكتوب في قلب كل مؤمن، فإن زال في حقّ المريد الشقاء، فإنما تزول وحدانية المعبود لا وجوده، و بالتوحيد تتعلق السعادة، و بنفيه يتعلق الشقاء المؤبد.
فما في العالم إلا مؤمن، لأن ما في العالم إلا من هو ساجد للّه إلا بعض الثقلين من الجن و الإنس، فإن الإنسان الواحد منهم كثيرا ممن يسبح اللّه و يسجد للّه و فيه من لا يسجد للّه و هو الذي حق عليه العذاب.
فقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فسماهم مؤمنين و أمرهم بالإيمان؛ فالأول عموم الإيمان، فإن اللّه قال في حق قوم و الذين آمنوا بالباطل، و الثاني خصوص الإيمان و هو المأمور به، و الأول إقرار منهم من غير أن يقترن به تكليف، بل ذلك عن علم، و أيسره في بني آدم حين أشهدهم على أنفسهم فقال «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى»، فخاطبهم بالمؤمنين حين أيه بهم، ثم أمرهم بالإيمان في هذه الحالة الأخرى. و قوله «آمِنُوا بِاللَّهِ» و لم يقل بتوحيد اللّه، فمن آمن بوجود اللّه فقد آمن، و من آمن بتوحيده فما أشرك. فالإيمان إثبات، و التوحيد نفي الشريك.
– الوجه الثاني- تدل هذه الآية على إطلاق لفظة الإيمان من حيث الإطلاق و عدم التقييد على كل من آمن بالباطل فإنه قال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فأطلق اللّه الإيمان و لم يقيده، فإنه قال في المشركين «وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ» و قال «وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا»، فسمى المشرك مؤمنا، و ما كانوا مؤمنين إلا بالباطل.
فهؤلاء هم المؤمنون الذين أيه اللّه بهم في قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ» فميزهم عن أهل الكتاب و الكتب، و ما ثم مخبر جاء بخبر إلا الرسل، فتعين أن المؤمنين الذين أمروا بالإيمان أنهم الذين آمنوا بالباطل و آمنوا بالشريك، و دلّ على أنه ما خاطب أهل الكتاب فقط، فإنه أمرهم بالإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل، و لا شك أنهم به مؤمنون أعني علماء أهل الكتاب، ثم قيد الكفر في هذه الآية و لم يقيد الإيمان فقال «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ» فقيد في الذكر ما أمر به عبده أن يؤمن به، و ما تعرض في الذكر للكفر المطلق، كما أطلق الإيمان و نعتهم به في قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» و ما كانوا مؤمنين إلا بالباطل، فإن المؤمن باللّه لا يقال له: آمن باللّه فإنه به مؤمن، و إن احتمل أن يؤمن به لقول هذا الرسول الخاص على طريق القربة، و لكن التحقيق في ذلك ما ذهبنا إليه و لا سيما و الحق قد أطلق اسم الإيمان على من آمن بالباطل، و اسم الكفر على من كفر بالطاغوت- الوجه الثالث- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» يريد أهل الكتاب حيث قالوا ما قالوه لأمر نبيهم عيسى أو موسى أو من كان من أهل الإيمان بذلك من الكتب المتقدمة، و لهذا قال لهم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ثم قال لهم «آمَنُوا» بأنبيائي، قولوا لا إله إلا اللّه لقول محمد صلّى اللّه عليه و سلم لا لعلمكم بذلك و لا لإيمانكم بنبيكم الأول، فتجمعوا بين الإيمانين فيكون لكم أجران.
و من هنا يعلم الفرق بين العلم بالشيء و بين الإيمان به، و أنّ السعادة في الإيمان و هو أن تقول ما تعلمه، و ما قلته لقول رسولك الأول لقول هذا الرسول الثاني الذي هو محمد صلّى اللّه عليه و سلم لا لعلمك و لا للقول الأول، فحينئذ يشهد لك بالإيمان و مآلك السعادة، و إذا قلت ذلك لا لقوله، و أظهرت أنك قلت ذلك لقوله، كنت منافقا، فما اختبر اللّه العالم إلا ليعلم ما هو به عالم فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا: هذا ذلك من وجه، فهذا مؤمن كلف أن يؤمن بما هو به مؤمن. لذلك قال «آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ»، و لا يؤمن بالرسول إلا ما خاطبه الحق في سرّه، و إن لم يشعر به المخاطب و لا يعرف، و لكن يجد التصديق به في قلبه. فلولا تجلي الحق لقلب المؤمن و تعريفه إياه بغير واسطة ما آمن بالرسول و لا صدّق.
و كذلك في إيمان المؤمن بما جاء به الرسول و هو قوله «وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ»، لو لا تجلي الرسول بقلبه و تعريفه إياه بغير واسطة ما آمن بما جاء به و لا صدق و إن لم يشعر المؤمن و لا يدري كيف آمن، فما كل مؤمن يعرف من أين حصل له الإيمان- الوجه الرابع- لما كان التأيه و النداء مؤذنا بالبعد عن الحالة التي يدعو إليها من يناديه من أجلها فيقول «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا» فلبعدهم مما أيه بهم أن يؤمنوا به، لذلك أيه بهم، فإن كانوا موصوفين في الحال بما دعاهم إليه فيتعلق البعد بالزمان المستقبل في حقهم، أي اثبتوا على حالكم الذي ارتضاه الدين لكم في المستقبل كما قال يعقوب لبنيه «فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» في حال حياته، فأمرهم بالإسلام في المستقبل أي بالثبوت عليه، و الاستقبال بعيد عن زمان الحال، فيكون التأيه أيضا بما هو موجود في الحال أن يكون باقيا في المستقبل.
و اعلم أن النداء الإلهي يعمّ المؤمن و الكافر و الطائع و العاصي و الأرواح و الروحانيين، فمن أجاب سمي مطيعا و كان سعيدا، و إن لم يجب سمي عاصيا و كان شقيا. و نداء الحق لا يكون إلا بما يكون في إجابته السعادة للعبد.
[سورة النساء (4): الآيات 137 الى 140]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَ الْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140)
من لم يحضر عند الكلام بسمعه لم يعرف هل كفر به أو لم يكفر؟ و لا يصدق في دعواه أنه سمع فإنه لا يغنيه سماع الأذن من اللّه تعالى شيئا، فلا يعقل إلا من سمع، و لا يسمع إلا من حضر.
فلما أخبر سبحانه أن الذين يخوضون في آيات اللّه إذا قعد معهم سامع لهم أنه في مقامهم و أنه يجازى من حيث هم للاشتراك، أوصانا و حذرنا بقوله تعالى «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» إذا أقمتم معهم و هم بهذه المثابة، و إن لم نخض معهم فإنه لا يرضى بهذه المنزلة إلا منافق، و لهذا قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَ الْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» فالكافر الخائض و المنافق الجليس له و المستمع لخوضه، فيخاض بهم حيث يكرهون كما خاضوا هنا حيث يكره الحق منهم.
[سورة النساء (4): آية 141]
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَ إِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)
[سورة النساء (4): آية 142]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142)
ما يخادع اللّه إلا جاهل باللّه غاية الجهل. و قوله تعالى «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ» أي خداعهم هو خداع اللّه بهم فهو خادعهم بعين اعتقادهم أنهم يخادعون اللّه. و قال تعالى «وَ هُوَ خادِعُهُمْ» و لم يقل مخادعهم، فإنه يخدعهم حقيقة، و هم لا يقدرون أن يخدعوه.
«وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ» فهم في بواطنهم على خلاف ما يبدو للناس.
[سورة النساء (4): الآيات 143 الى 145]
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)
إذا كان يوم القيامة يحشر اللّه هذه الأمة و فيها منافقوها، فإذا انبعثت كل أمة إلى ما كانت تعبد، و دخلت الأمم النار، و نصب الصراط على جسر جهنم، أتي بالمنافقين الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم و صلوا و صاموا، و قاموا بفروع الشريعة في الصورة الظاهرة كما قام المؤمنون، أتى بهم اللّه تعالى حتى انفهقت لهم الجنة بما تحويه من الخير و السرور، فتنعموا برؤيتها و ظنوا أنهم داخلوها، فكانت تلك النظرة و الفرح الذي قام لهم بالطمع بدخولها جزاء لما جاءوا به من الأعمال الظاهرة ظاهرا بظاهر، عدلا منه سبحانه.
فإذا طابق الجزاء أعمالهم و أخذوا حقّهم، و هم لا يعلمون أنهم يصرفون عنها، ضرب اللّه بينهم و بين الجنة سورا، باطنه الجنة، و ظاهره من قبله العذاب، فيؤمر بهم إلى النار، فهذا هو استهزاء اللّه بهم و سخرية اللّه بهم، فجمع سبحانه في هذا الفعل الواحد بين العدل و الاستهزاء كما جمعوا بين الإسلام و الكفر.
و ليس للمنافقين من النار إلا الدرك الأسفل و هي النار التي تطلع على الأفئدة لما هم عليه من إصرار الكفر، و ليس لهم في أعلاها مكان إلا على قدر معاصيهم الظاهرة و لما أتوا به من الأعمال الظاهرة. و الكافر يتعذب في النار علوا و سفلا بخلاف المنافق، فما عنده من يعصمه من نار اللّه و لا من جهنم، و كلهم في جهنم جميعا: و من أعجب ما روينا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان قاعدا مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدة عظيمة فارتاعوا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أ تعرفون ما هذه الهدة؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم قال حجر ألقي من أعلى جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها.
فكان وصوله إلى قعرها و سقوطه فيها هذه الهدة. فما فرغ من كلامه صلّى اللّه عليه و سلم إلا و الصراخ في دار منافق من المنافقين، قد مات و كان عمره سبعين سنة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: اللّه أكبر فعلم علماء الصحابة أن هذا الحجر هو ذاك المنافق و أنه منذ خلقه اللّه يهوي في نار جهنم و بلغ عمره سبعين سنة، فلما مات حصل في قعرها، فكان سماعهم تلك الهدة التي أسمعهم اللّه ليعتبروا. فانظر ما أعجب كلام النبوة، و ما ألطف تعريفه، و ما أحسن إشارته، و ما أعذب كلامه صلّى اللّه عليه و سلم.
و اعلم أن جهنم كلها مائة درك من أعلاها إلى أسفلها نظائر درج الجنة التي ينزل فيها السعداء، فتساوى عدد الدرك و الدرج. و يقع الامتياز بأن امتازت النار عن الجنة بأنه ليس في النار دركات اختصاص إلهي و لا عذاب اختصاص إلهي من اللّه، فإن اللّه ما عرفنا قطّ أنه اختص بنقمته من يشاء كما أخبرنا أنه يختصّ برحمته من يشاء و بفضله، فأهل النار معذبون بأعمالهم لا غير، و أهل الجنة ينعمون بأعمالهم و بغير أعمالهم في جنات الاختصاص.
و لما كان مذهبنا أن جميع الناس كافة من مؤمن و كافر و منافق مكلفون مخاطبون بأصول الشريعة و فروعها و أنهم مؤاخذون يوم القيامة بالأصول و الفروع، لهذا كان المنافق في الدرك الأسفل من النار و هو باطن النار، و أن المنافق معذب بالنار التي تطلع على الأفئدة، إذ أتى في الدنيا بصورة ظاهر الحكم المشروع من التلفظ بالشهادة و إظهار تصديق الرسل و الأعمال الظاهرة، و ما عندهم في بواطنهم من الإيمان مثقال ذرة.
فبهذا القدر تميّزوا من الكفار و قيل فيهم: إنهم منافقون، و قال تعالى: إن المنافقين و الكافرين في جهنم جميعا، فذكر الدار. فالمنافقون يعذبون في أسفل جهنم، و الكافرون لهم عذاب الأعلى و الأسفل.
[سورة النساء (4): آية 146]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)
[سورة النساء (4): الآيات 146 الى 148]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148)
ما علم الحكم بكون القول سوءا إلا من القول إذ لو لا القول ما وصل علمه إلينا.
فالقول بالسوء بطريق التعريف أنه سوء قول خير يجب الجهر به لأنه تعليم حتى لا يجهر به عند الاستعمال إذا قضى اللّه على المكلف استعمال هذا. فنفى المحبة أن يكون متعلقها الجهر بالسوء من القول، و الجهر بالسوء قد يكون قولا، و قد يكون في الأفعال التي لا تكون قولا، فيريد بالجهر فيها ظهور الفحشاء من العبد، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم من بلي منكم بهذه القاذورات فليستتر؛ يعني لا يجهر بها.
و لما وقع الاصطلاح في اللسان على السيئ و الحسن، نزل الشرع من عند اللّه بحسب التواطؤ، فهم سموه سوءا، و قالوا: إن ثمّ سوءا فقال «إن اللّه لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» الذي سميتموه سوءا لكونه لا يوافق أغراضكم «إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» و الجهر بالسوء من القول و إن كان جزاء بقوله «إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» و لكن السكوت عنه أفضل «وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً».
[سورة النساء (4): آية 149]
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)
اعلم أن كل مخالف أمر الحق فإنه يستدعي بهذه المخالفة من الحق مخالفة غرضه، و لذلك لا يكون العفو و التجاوز و المغفرة من الحق جزاء لمخالفة العبد في بعض العبيد، و إنما يكون ذلك امتنانا من اللّه عليه، فإن كان جزاء فهو جزاء لمن عفا عن عبد مثله و تجاوز و غفر لمن أساء إليه في دنياه، فقام له الحق في تلك الصفة من العفو و الصفح و التجاوز و المغفرة مثلا بمثل يدا بيدها و ها، فما نهى اللّه عباده عن شيء إلا كان منه أبعد، و لا أمرهم بكريم خلق إلا كان الحق به أحق.
[سورة النساء (4): آية 150]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150)
[سورة النساء (4): آية 150]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150)
لذلك قال لهم الحق تعالى «وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ» فإنهم قالوا «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ» و هو الحق «وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ» و هو الباطل فخلطوا بينهما و يتخيلون أن الحق يختلط بالباطل و ليس كذلك «وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» أي يحدثوا طريقا أخرى من عند أنفسهم.
و اعلم أن جماعة من العقلاء جعلوا الشريعة بمعزل فيما زعموا؛ و الشريعة أبدا لا تكون بمعزل، فإنها تعم قول كل قائل و اعتقاد كل معتقد و مدلول كل دليل، لأنها عن اللّه المتكلم، فيه قد نزلت. و إنما قلنا في هذه الطائفة المعينة أنها جعلت الشريعة بمعزل مع كونها قالت ببعض ما جاءت به الشريعة؛ فما أخذت من الشريعة إلا ما وافق نظرها.
و ما عدا ذلك رمت به أو جعلته خطابا للعامة التي لا تفقه، هذا إذا عرفت و اعتقدت أن ذلك من عند اللّه لا من نفس الرسول، فقال تعالى عنهم على طريق الذم «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا».
و إن كان قد جاء الشرع بما هم عليه فما أخذوا ما أخذوا من كون الشرع جاء به و إنما قالوا به للموافقة احتجاجا. و الطائفة السعيدة لا ترمي من الشريعة شيئا، بل تترك نظرها و حكم عقلها بعد ثبوت الشرع لحكم ما يأتي به الشرع إليها، و يقضي به، فهم سادات العالم، و أما تنزيه الحق عما تنزهه عباده مما سوى العبودية، فلا علم لهم بما هو الأمر عليه، فإنه يكذب ربه في كل حال يجعل الحق فيه نفسه مع عباده، و هذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع اللّه أن ينزهه عما نسبه سبحانه إلى نفسه بما نسبه إلى نفسه، فهو يؤمن ببعض و هو قوله «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» و يكفر ببعض، فأولئك هم الكافرون حقّا، فجعل العبد نفسه أعلم منه بربه نفسه، و أكثر من هذا الجهل فلا يكون.
و العبد المؤمن ينبغي له أن ينسب إلى الحق ما نسبه الحق إلى نفسه على حد ما يعلمه اللّه من ذلك، إذا لم يكن ممن كشف اللّه عن بصيرته، حتى رأى الأمر على ما هو عليه. و هذا هو الشرك الخفي فإنه نزاع للّه تعالى خفي في العبد، لا يشعر به كل أحد و لا سيما الواقع فيه، و يتخيل أنه في الحاصل، و هو في الفائت. فهذا المنزه الجاهل ينزهه عن ذلك الوصف الذي وصف به الحق نفسه، و أخذ يثني عليه بما يرى أنه ثناء على اللّه، و اللّه ما أمره أن ينزهه إلا بحمده أي بما أثنى على نفسه به في كتبه و على ألسنة رسله.
فإذا أراد العبد نجاة نفسه و تحصيل أسباب سعادته، فلا يحمد اللّه إلا بحمده كان ما كان، على علم اللّه في ذلك من غير تعيين، فإن قبضه اللّه تعالى على ذلك اطلع على الأمر على ما هو عليه، إذا لم يكن من أهل الكشف في الحياة الدنيا، و إن لم يفعل و تأول فهو لما تأوله، و حرمه اللّه كل ما خرج عن تأويله، فلم يره فيه، و هذا أعظم الحرمان، و عند الكشف الأخروي يرى ما كان عليه من سوء الأدب مع اللّه و الجهل به، كما ورد أن أهل هذا المقام، إذا تجلى لهم الحق تعالى في الآخرة ينكرونه و لا يقرون به لأنهم ما عبدوا ربا إلا مقيدا بعلامة، فإذا ظهر لهم بتلك العلامة أقروا له بالربوبية و هو عين ما أنكروه، و أي جهل أعظم من أن يقر بما هو له منكر.
[سورة النساء (4): آية 151]
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151)
فرجح جانب الكفر في الحكم على جانب الإيمان، و إنما رجح حكم الكفر لأحدية المخبر و صدقه عنده فيما أخبر به مطلقا من غير تقييد لاستحالة الكذب عليه، و لأن الإيمان في نفسه لا يتكثر و إنما كثرته ظهوره في المواطن، فنفى عنهم الإيمان كله إذ نفوه من مرتبة واحدة، فهم أولى باسم الكفر الذي هو الستر، فإن الكافر الأصلي هو الذي استتر عنه الحق، و هذا عرف الإيمان و ستره، فإنه قال نؤمن ببعض فهو أولى باسم الكفر من الذي لا يعرفه، لذا قال «أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا».
[سورة النساء (4): الآيات 152 الى 153]
وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَ آتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153)
[سورة النساء (4): الآيات 154 الى 157]
وَ رَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَ قُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157)
قالت بنو إسرائيل «إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» فأكذبهم اللّه فقال «وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ». و قال «وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً» يريد ما هو مقتول في نفس الأمر لا عندهم بل شبه لهم، فهذا يقين مستقل، ليس له محل يقوم به، فإنهم متيقنون أنهم قتلوه، و هذا من باب قيام المعنى بالمعنى، فإن اليقين معنى، و القتل معنى، فالقتل قد تيقن في نفسه أنه ما قام بعيسى عليه السلام، فالقتل موصوف في هذه الآية باليقين، و أصدق المعاني ما قام بالمعاني، و هذه المسألة من محارات العقول.
[سورة النساء (4): الآيات 158 الى 159]
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159)
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ينزل فيكم عيسى ابن مريم حكما قسطا و في رواية مقسطا عدلا، فيكسر الصليب، و يقتل الخنزير. و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في عيسى عليه السلام إذا نزل «أنه لا يؤمنا إلا منا» أي بسنتنا.
[سورة النساء (4): الآيات 160 الى 162]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162)
[الزكاة]
«وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ» الزكاة واجبة بالكتاب و السنة و الإجماع فلا خلاف فيها، و اتفق العلماء على أنها واجبة على كل مسلم حرّ بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما، و الزكاة واجبة في المال لا على المكلّف، و إنما هو مكلف في إخراجها من المال، فالزكاة أمانة بيد من هو المال بيده لأصناف معينين، و ما هو مال للحر و لا للعبد، فوجب أداؤه لأصحابه ممن هو عنده و له التصرف فيه حرا كان أو عبدا من المؤمنين، و الأولى أن يكون كل ناظر في المال هو المخاطب بإخراج الزكاة منه، و على ذلك فإن الوصي على المحجور عليه يخرج عنه الزكاة و ليس له فيه شيء، و لهذا قلنا إنه حق في المال، فإن الصغير لا يجب عليه شيء، و قد أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة، و على ذلك فإن الصدقة أي الزكاة واجبة في مال اليتيم يخرجها وليه، و واجبة في مال المجنون المحجور عليه يخرجها وليه، و واجبة في مال العبد يخرجها العبد، أما أهل الذمة فالذي أذهب إليه أنه لا يجوز أخذ الزكاة من كافر و إن كانت واجبة عليه مع جميع الواجبات، لأنه لا يقبل منه شيء مما كلّف به إلا بعد حصول الإيمان به، فإن كان من أهل الكتاب ففيه عندنا نظر، فإن أخذ الجزية منهم قد يكون تقريرا من الشارع لهم على دينهم الذي هم عليه، فهو مشروع لهم، فيجب عليهم إقامة دينهم، فإن كان فيه أداء زكاة و جاءوا بها قبلت منهم، و ليس لنا طلب الزكاة من المشرك و إن جاء بها قبلناها، و الكافر هنا المشرك ليس الموحد، فلا زكاة على أهل الذمة بمعنى أنها لا تجزي عنهم إذا أخرجوها مع كونها واجبة عليهم كسائر فروض الشريعة؛ لعدم الشرط المصحح لها، و هو الإيمان بجميع ما جاءت به الشريعة لا بها و لا ببعض ما جاء به الشرع، فلو آمن بالزكاة وحدها أو بشيء من الفرائض أنها فريضة، أو بشيء من النوافل أنها نافلة، و لو ترك الإيمان بأمر واحد من فرض أو نفل لم يقبل منه إيمانه إلا أن يؤمن بالجميع، و مع هذا فليس لنا أن نسأل ذميا زكاته، فإن أتى بها من نفسه فليس لنا ردها، لأنه جاء بها إلينا من غير مسألة، فيأخذها السلطان منه لبيت مال المسلمين، لا يأخذها زكاة و لا يردها، فإن ردها فقد عصى أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و اتفق العلماء على أن الزكاة تجب في ثمانية أشياء محصورة في المولدات من معدن و نبات و حيوان، فالمعدن الذهب و الفضة، و النبات الحنطة و الشعير و التمر، و الحيوان و الإبل و البقر و الغنم، هذا هو المتفق عليه و هو الصحيح عندنا، و اعلم أن للزكاة نصابا و حولا أي مقدارا في العين و الزمان، أما من تجب لهم الصدقة فهم الذين ذكرهم اللّه في القرآن: الفقراء و المساكين و العاملون عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمون و المجاهدون في سبيل اللّه- إشارة و اعتبار- لما كان معنى الزكاة التطهير كان لها من الأسماء الإلهية الاسم القدوس و هو الطاهر، و ما في معناه من الأسماء الإلهية، و الزكاة في المال الظاهر معلومة يقابلها في الباطن زكاة النفوس، فإن النفوس لها صفات تستحقها، و هي كل صفة يستحقها الممكن، و قد يوصف الإنسان بصفات لا يستحقها الممكن من حيث ما هو ممكن، و لكن يستحق تلك الصفات إذا وصف بها ليميزها عن صفاته التي يستحقها، كما أن الحق سبحانه وصف نفسه بما هو حق للممكن تنزّلا منه سبحانه و رحمة بعباده؛ فزكاة نفسك إخراج حق اللّه منها فهو تطهيرها بذلك الإخراج من الصفات التي ليست بحق لها، فتأخذ ما لك منه و تعطي ما له منك، و لما كان الأصل الذي ظهرت عنه الأشياء من أسمائه القدوس و هو الطاهر لذاته من دنس المحدثات، فلما ظهرت الأشياء في أعيانها و حصلت فيها دعاوى الملّاك بالملكية، طرأ عليها من نسبة الملك إلى غير منشئها، ما أزالها عن الطهارة الأصلية التي كانت لها من إضافتها إلى منشئها، قبل أن يلحقها هذا الدنس العرضي بملك الغير لها، و كفى بالحدث حدثا، فأوجب اللّه على مالك الأصناف الثمانية الزكاة، و جعل ذلك طهارتها، فعين اللّه فيها نصيبا يرجع إلى اللّه عن أمر اللّه، لينسبها إلى مالكها الأصلي، فتكتسب الطهارة، فإن الزكاة إنما جعلها اللّه طهارة الأموال، أما اعتبار وجوب الزكاة، فالإجماع أجمع كل ما سوى اللّه على أن وجود ما سوى اللّه إنما هو باللّه، فردوا وجودهم إليه سبحانه لهذا الإجماع، و لا خلاف في ذلك بين كل ما سوى اللّه، فهو اعتبار الإجماع في الزكاة الوجود، فرددنا ما هو للّه إلى اللّه،فلا موجود و لا موجد إلا اللّه، و أما الكتاب ف (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) و ليس الوجه إلا الوجود، و هو ظهور الذوات و الأعيان، و أما السّنة (فلا حول و لا قوة إلا باللّه) و أما اعتبار من تجب عليه الزكاة، فالمسلم هو المنقاد إلى ما يراد منه، و قد ذكرنا أن كل ما سوى اللّه قد انقاد في ردّ وجوده إلى اللّه، و أنه ما استفاد الوجود إلا من اللّه، و لا بقاء له في الوجود إلا باللّه، و أما الحرية فمثل ذلك فإنه من كان بهذه المثابة فهو حرّ، أي لا ملك عليه في وجوده لأحد من خلق اللّه جل جلاله، و أما البلوغ فاعتباره إدراكه للتمييز بين ما يستحقه ربّه عزّ و جل و ما لا يستحقه، و إذا عرف مثل هذا فقد بلغ الحدّ الذي يجب عليه فيه ردّ الأمور كلها إلى اللّه تعالى، و أما العقل فهو أن يعقل عن اللّه ما يريد اللّه منه في خطابه إياه في نفسه بما يلهمه، أو على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، و من قيد وجوده بوجود خالقه فقد عقل نفسه.
و أما اعتبار ما تجب فيه الزكاة، فالزكاة تجب من الإنسان في ثمانية أعضاء: البصر و السمع و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب، ففي كل عضو و على كل عضو من هذه الأعضاء صدقة واجبة، يطلب اللّه بها العبد في الدار الآخرة، و أما صدقة التطوع فعلى كل عرق في الإنسان صدقة، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم: [يصبح على كل سلامي من الإنسان صدقة] فالزكاة التي في هذه الأعضاء هي حق اللّه تعالى الذي أوجبها على الإنسان في هذه الأعضاء الثمانية، فتعين على المؤمن أداء حق اللّه تعالى في كل عضو، فزكاة البصر ما يجب للّه تعالى فيه من الحق، كالغض عن المحرمات، و النظر فيما يؤدي النظر إليه من القربة عند اللّه، كالنظر في المصحف و في وجه العالم و في وجه من يسرّ بنظرك إليه من أهل و ولد و أمثالهم و كالنظر إلى الكعبة، و على هذا النحو تنظر في جميع الأعضاء المكلفة في الإنسان من تصرفها فيما ينبغي و كفّها عما لا ينبغي، و من جهة أخرى تعتبر الأعضاء الثمانية الأصناف التي تجب لهم الزكاة، فمن زكى نظره بنفسه أعطى الزكاة بصره، فعاد يبصر بربه بعد ما كان يبصر بنفسه، و كذلك من زكّى سمعه بنفسه أعطى الزكاة سمعه، فصار يسمع بربه، و هو قوله:
[كنت سمعه و بصره … الحديث] و يتقلب في أموره كلها بربه، و المعرفة مال العارف، و زكاة هذا المال التعليم، و من وجه آخر اعتبار الأصناف الثمانية، فالعلم و العمل بمنزلة الذهب و الفضة، و من الحيوان الروح و النفس و الجسم في مقابلة الغنم و البقر و الإبل، و من النبات الحنطة و الشعير و التمر، و هي في الاعتبار ما تنبته الأرواح و النفوس و الجوارح من العلوم و الخواطر و الأعمال، و جعلنا الغنم للأرواح فإنها جعلت فداء ولد إبراهيم عليه السلام، نبي ابن نبي، و جعلنا الإبل للأجسام لمناسبة الاسم، فإن الجسم يسمى البدن، و الإبل من أسمائها البدن، و كون البقر في مقابلة النفوس و هي دون الغنم في الرتبة و فوق الإبل، كالنفس فوق الجسم و دون العقل الذي هو الروح الإلهي، و الروح الذي هو العقل يظهر عنه مما زرع اللّه فيه من العلوم و الحكم و الأسرار ما لا يعلمه إلا اللّه، فهو بمنزلة الزكاة في الحنطة، لأنها أرفع الحبوب، و إن النفس يظهر عنها مما زرع اللّه فيها من الخواطر و الشبهات، ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى، فهذا نباتها و هو بمنزلة التمر، و أما الجوارح فزرع اللّه فيها الأعمال كلها فأنبتت الأعمال، و حظّ الزكاة منها الأعمال، و الورق العمل و الذهب هو العلم، و الزكاة في العمل المفروض منه، و الزكاة في العلم أيضا المفروض منه.
[سورة النساء (4): الآيات 163 الى 164]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ عِيسى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هارُونَ وَ سُلَيْمانَ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164)
كلم اللّه تعالى موسى عليه السلام بغير واسطة بكلامه سبحانه بلا ترجمان. و لذلك أكده في التعريف لنا بالمصدر لرفع الإشكال، و في ذلك إشارة إلى فضله على غيره بخطاب مخصوص على رفع الحجاب، لم يسمعه من ذلك المقام غيره، و كلّم اللّه تعالى موسى عليه السلام من حجاب النار و الشجرة و شاطئ الوادي الأيمن و جانب الطور الأيمن و في البقعة المباركة.
و اعلم أن الكلام و القول نعتان للّه، فبالقول يسمع المعدوم، و هو قوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و بالكلام يسمع الموجود، و هو قوله تعالى:
«وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً: و قد يطلق الكلام على الترجمة في لسان المترجم، و ينسب الكلام إلى المترجم عنه في ذلك. فالقول له أثر في المعدوم و هو الوجود، و الكلام له أثر في الموجود، و هو العلم، و الكلام الإلهي لا يحكى و لا يوصف بالوصف الذاتي؛ فإذا وقع التجلي الإلهي في أي صورة كانت، فلا يخلو أن كانت من الصور المنسوب إليها الكلام في العرف أ و لا تكون، فإن كانت من الصور المنسوب إليها الكلام، فكلامها من جنس الكلام المنسوب إليها لحكم الصورة على التجلي.
و إن كان مما لا ينسب إليه الكلام في العرف، فلا يخلو إما أن تكون مما ينسب إليها القول بالإيمان مثل قول الجلود و الجوارح «قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ»، و إما أن لا تكون ممن ينسب إليه قول و لا نطق، و هو الذي ينسب إليه التسبيح الذي لا يفقه، و التسبيح لو كان قولا أو كلاما لنفى عنه سمعنا، و إنما نفى عنه فهمنا و هو العلم، و العلم قد يكون عن كلام و قول و قد لا يكون.
فإذا تجلى في مثل هذه الصور، فيكون النطق بحسب ما يريده المتجلي مما يناسب تسبيح تلك الصورة لا يتعداه، فيفهم من كلام ذلك المتجلي تسبيح تلك الصورة، فيكون الكلام المنسوب إلى اللّه عزّ و جل في مثل هذه الصور بحسب ما هي عليه، هذا إذا وقع التجلي في المواد النورية و الطبيعية، فإذا وقع التجلي في غير مادة نورية و لا طبيعية و تجلّى في المعاني المجردة، فيكون ما يقال في مثل هذا أنه كلام من حيث أثره في المتجلى له لا من حيث أنّه تكلم بكذا.
و اعلم أن كلام اللّه تعالى علمه، و علمه ذاته، و لا يصح أن يكون كلامه ليس هو، فإنه كان يوصف بأنه محكوم عليه للزائد على ذاته، و هو لا يحكم عليه عزّ و جل. و كل ذي كلام موصوف بأنه قادر على أن يتكلم متمكن في نفسه من ذلك، و الحق لا يوصف بأنه قادر على أن يتكلم، فيكون كلامه مخلوقا، و كلامه قديم في مذهب الأشعري و عين ذاته في مذهب غيره من العقلاء، فنسبة الكلام إلى اللّه مجهولة لا تعرف كما أن ذاته لا تعرف، و لا يثبت الكلام للإله إلا شرعا، ليس في قوة العقل إدراكه من حيث فكره، ذكر أن موسى عليه السلام كلمه ربه باثني عشر ألف كلمة في كل كلمة يقول له: «يا مُوسى»،* و الكلام ما أثر و لا يدخله انقسام، فإذا دخله الانقسام، فهو القول، و فيه المنّة الإلهية و الطول. القرآن كله قال اللّه، و ما فيه تكلم اللّه، و إن كان قد ورد فيه ذكر الكلام، و لكن تشريفا لموسى عليه السلام، و لو جاء بالكلام ما كفر به أحد، لأنه من الكلم فيؤثر فيمن أنكره و جحد. أ لا ترى إلى قوله و كلّم اللّه موسى تكليما، كيف سلك به نهجا قويما، فأثر فيه كلامه و ظهرت عليه أحكامه؟ فإذا أثر القول فما هو لذاته بل هو من الامتنان الإلهي و الطول
[لم خصّ موسى بالكلام]
– إشارة- خصّ موسى بالكلام ليتقرر في نفسه نيل حظّه من ميراث محمد عليه السلام، و لذلك كان في ألواحه تفصيل كل شيء علم في مقابلة جوامع الكلم.
[سورة النساء (4): آية 165]
رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165)
اعلم يا ولي أن اللّه ما بعث الرسل سدى، و لو استقلت العقول بأمور سعادتها ما احتاجت إلى الرسل، و كان وجود الرسل عبثا. و لكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا و لا نشبهه و لو أشبهنا عينا ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا، فعلمنا قطعا علما لا يدخله شبهة في هذا المقام، أنه ليس مثلنا، و لا تجمعنا حقيقة واحدة.
فبالضرورة يجهل الإنسان مآله و إلى أين ينتقل و ما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه، لأنه يجهل علم اللّه فيه، لا يعرف ما يريد به، و لا لما ذا خلقه تعالى، فافتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي بذلك، فلو شاء تعالى عرّف كل شخص بأسباب سعادته، و أبان له عن الطريق التي ينبغي له أن يسلك عليها، و لكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولا من جنسها لا من غيرها، قدمه عليها و أمرها باتباعه و الدخول في طاعته ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في علمه فيها؛ ثمّ أيده بالبينة و الآية على صدقه في رسالته التي جاء بها ليقوم له الحجة عليها.
فأول ابتلاء ابتلى اللّه به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم، فإن الرسل حجبة، و حجبة الملك حجابه ليرى به بمن تتعلق أبصار الرعية، هل بالحجبة أو تعديها بطلب رؤية الملك؟ فالحجبة ابتلاء من اللّه، و الرسل يدعون إلى اللّه لا إلى أنفسهم.
[سورة النساء (4): آية 166]
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166)
الإنزال عمل أوجده العلم، فإن اللّه بكل شيء عليم فيعمل بما علم أنه يكون كونه، و ما علم أنه لا يكون لم يكونه فكان عمله بعلمه. و الملائكة يشهدون و كفى باللّه شهيدا.
[سورة النساء (4): الآيات 167 الى 171]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)
الغلو في الدين سبب، فيما فات الناس من خير كثير. و من الغلو في الدين ما توغلوا فيه من تنزيه الحق حتى أكذبوه؛ فالمتغالي في دينه و نزه الحق تعالى عما يستحقه فهو و إن قصد تعظيما بذلك الفعل في التغالي فقد وقع في الجهل و جاء بالنقص؛ قال تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ»، و ليس الحق إلا ما قاله عن نفسه: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ» فمن غلوهم في دينهم و تعظيمهم لرسلهم قالوا: إن عيسى هو اللّه، و قالت طائفة هو ابن اللّه، و قال من لم يغل في دينه هو عبد اللّه و كلمته، و العالم كله كلمات اللّه من حيث النفس الرحماني كما قال تعالى:
«وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ» و ليست غير عيسى عليه السلام لم يلق إليها غير ذلك و لا علمت غير ذلك. فلو كانت الكلمة الإلهية قولا من اللّه و كلاما لها مثل كلامه لموسى عليه السلام، لسرت و لم تقل «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا» فلم تكن الكلمة الإلهية التي ألقيت إليها إلا عين عيسى روح اللّه و كلمته و هو عبده، فنطق عيسى ببراءة أمه في غير الحالة المعتادة ليكون آية، فكان نطقه كلام اللّه في نفس الرحمن، فنفّس اللّه عن أمه بذلك ما كان أصابها من كلام أهلها بما نسبوها إليه مما طهرها اللّه منه: «وَ رُوحٌ مِنْهُ» و هو النفس الذي كانت به حياته، و سمّي عيسى عليه السلام بروح اللّه لأن جبريل عليه السلام و هو روح القدس هو الذي وهبه لأمه: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ» الأحدية أشرف صفة الواحد من جميع الصفات و هي سارية في كل موجود؛ و لو لا أنها سارية في كل موجود ما صح أن تعرف أحدية الحق سبحانه؛ فما طلب الحق من عباده إلا أن يعلموا أنه إله واحد لا شريك له في ألوهته: «سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» كما قال تعالى لم يلد، و قال سبحانه أن يكون له ولد؛ فليس الحق بأب لأحد من خلق اللّه و لا أحد من خلقه يكون له ولد سبحانه و تعالى. فكما قال تعالى في عيسى: «وَ رُوحٌ مِنْهُ»، فما شيء من الوجود إلا منه. قال تعالى: «و سخر لكم ما في السماوات و الأرض» جميعا منه «لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا».
[سورة النساء (4): آية 172]
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172)
«لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ» لكونه يحيي الموتى و يخلق و يبرئ «أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ»، ثم عطف فقال: «وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» و هم العالون عن العالم العنصري المولد، فهم أعلى نشأة، و الإنسان أجمع نشأة؛ فإن فيه الملك و غيره فله فضيلة الجمع، و لهذا جعله معلم الملائكة و أسجدهم له.
[سورة النساء (4): الآيات 173 الى 174]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (173) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174)
البرهان قوي السلطان، و لما أزال الحق بالقرآن شبه الضلالات و ظلمة الشكوك و أوضح به المشكلات سماه نورا، و كل ما جاء في معرض الدلالة فهو من كونه نورا، لأن النور هو المنفر الظلم، و القرآن ضياء لأن الضياء يكشف، فكل ما أظهره القرآن فهو من أثر ضيائه، فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم، و فيه ما ليس فيها.
فمن أوتي القرآن فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم؛ فعلوم الأنبياء و الملائكة و كل لسان علم فإن القرآن يتضمنه و يوضحه لأهل القرآن بما هو ضياء، فهو نور من حيث ذاته لأنه لا يدرك لعزته، و هو ضياء لما يدرك به و لما يدرك منه. فمن أعطي القرآن فقد أعطي العلم الكامل.
[سورة النساء (4): الآيات 175 الى 176]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَ إِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَ نِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
[وحدانية المرأة و فردانية الرجل و قوة المرأة و ضعف الرجل]
– تحقيق- أشار الحق بوحدانية المرأة و فردانية الرجل و قوة المرأة و ضعف الرجل بصورة الميراث، فأعطى الأكثر للأضعف كي يقوى من جهة الضعف و من جهة النشء، فإن الوحداني لا يقبل إلا مثله، فأعطي قسما واحدا، و الفرد إنما هو عين اثنين فهو ناظر لما هو عنه، فأخذ قسمين، فمن الوجهين معا للمرأة الثلث و للرجل الثلثان إذا لم يكن سواهما.
المراجع
1- الفتوحات المكية طبعة الميمنية.
2- إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن.
3- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية.
4- كتاب الجلال و الجمال.
5- التنزلات الموصلية.
6- كتاب المسائل.
7- ديوان الشيخ الأكبر.
8- كتاب الشاهد.
9- كتاب النجاة شرح الإسراء.
10- كتاب الإسراء إلى مقام الأسرى.
11- رسالة شعب الإيمان.
12- رسالة مراتب التقوى.
13- الإسفار عن معاني الأسفار.
14- كتاب مواقع النجوم.
15- كتاب رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات.
16- كتاب عقلة المستوفز.
17- كتاب تاج الرسائل.
18- كتاب فصوص الحكم.
19- تلقيح الأذهان.
20- كتاب الكتب.
21- كتاب الإعلام.
22- كتاب نقش الفصوص.
23- رسالة ابن سودكين.
24- رسالة اليقين.
25- كتاب عنقاء مغرب.
26- كتاب الألف.
27- كتاب منزل القطب.
28- كتاب التراجم.
29- كتاب القسم الإلهي.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1