تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الرّعد
(13) سورة الرّعد مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الرعد (13): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1)
أشار تعالى بقوله ذلِكَ الْكِتابُ في أول البقرة أولا لوجود الجمع أصلا قبل الفرق ثم أوجد الفرق فإن الكتاب للجمع و الآيات للتفرقة.
[سورة الرعد (13): آية 2]
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)
[ «اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها»]
الوجه الأول- «اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» يدل ذلك على أن هناك عمدا قائما عليه اعتماد السبع الشدائد لكنه عن البصر محجوب فهو ملحق بالغيوب، فقال من أوجد عينها، فأقامها بغير عمد ترونها، فما نفى العمد، لكن ما يراه كل أحد، فلا بد لها من ماسك، و ما هو إلا المالك، فمن أزالها بذهابه، فهو عمدها المستور في إهابه، و ليس إلا الإنسان الكامل، و هو الأمر الشامل، الذي إذا قال: اللّه، ناب بذلك القول عن جميع الأفواه، فهو المنظور إليه، و المعول عليه، فأقام سبحانه الصورة الإنسانية بالحركة المستقيمة صورة العمد الذي للخيمة، فجعله لقبة هذه السموات، فهو سبحانه يمسكها أن تزول بسببه، فعبرنا عنه بالعمد، فإذا فنيت هذه الصورة و لم يبق منها على وجه الأرض أحد يتنفس انشقت السماء فهي يومئذ واهية لأن العمد زال و هو الإنسان، و لما انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها و خربت الدنيا بانتقاله عنها، علمنا قطعا أن الإنسان هو العين المقصودة للّه من العالم، و أنه الخليفة حقا، و أنه محل ظهور الأسماء الإلهية، فالإنسان الكامل عمد السماء الذي يمسك اللّه بوجوده السماء أن تقع على الأرض، فإذا زال الإنسان و انتقل إلى برزخ دار الحيوان مارت قبة السماء و انشقت و هوت، فكانت شعلة نار سيال كالدهان، فالعمد لقبة السماء المعنى الماسك، فإن لم ترد أن يكون الإنسان فاجعله قدرة المالك.
«ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى» فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه، فإذا بلغ جريانه الأجل زال جريانه و إن بقي عينه، و لما كان الاسم الرب من خصائصه الإصلاح- فقد حد الاسم الرب الحدود و وضع المراسم لإصلاح المملكة و فعل ما تقتضيه المصلحة في بقاء أعيان الممكنات- اتخذ و زيرين يعينانه على ما أمر به، الوزير الواحد الاسم المدبر، و الوزير الآخر المفصل، فكان أصل وضع الشريعة في العالم و سببها طلب صلاح العالم و معرفة ما جهل من اللّه مما لا يقبله العقل، أي لا يستقل بإدراكه العقل من حيث نظره، فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة و نطقت بها ألسنة الرسل و الأنبياء عليهم السلام، لذلك قال تعالى «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» عامة «يُفَصِّلُ الْآياتِ» بالكلام «لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ»– الوجه الثاني- «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ» اعلم أن حكم المدبر في الأمور إحكامها في موضع الجمع و الشهود و إعطاؤها ما تستحقه، و هذا كله قبل وجودها في أعيانها و هي موجودة له، فإذا أحكمها كما ذكرناه أخذها المفصل و هذا الاسم مخصوص بالمراتب، فأنزل كل كون و أمر في مرتبته و منزلته، فالمعنى المراد من قوله تعالى «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ» هو التقدير و الإيجاد فالتدبير للتقدير، و التفصيل للإيجاد من فصلت الشيء عن الشيء إذا قطعته منه و فصلت بينه و بينه حتى تميز، فإن كان الفصل عن تقدير فهو على صورته و شكله، و إن كان عن غير تقدير فقد لا يكون على صورته و إن أشبهه في أمر ما-
الوجه الثالث- قوله تعالى «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» يعني أن الحق على الحقيقة هو مدبر العالم، و ما وصف الحق نفسه بأنه يدبر الأمر إلا أن يعرفنا أنه ما عمل شيئا إلا ما تقتضيه حكمة الوجود و أنه أنزله موضعه الذي لو لم ينزله فيه لم يوف الحكمة حقها، و هو الذي أعطى كل شيء خلقه «يُفَصِّلُ الْآياتِ» يعني الدلالات على توحيده، فيعطي كل خلق دلالة تخصّه على توحيد موجده، و يفصل الآيات أي يقسمها على خلقه بحسب ما فطرهم اللّه تعالى عليه، فإن الآيات معتادة و غير معتادة، فالخواص العالم كله عندهم آيات بينات، و العامة ليست الآيات عندهم إلا التي هي عندهم غير معتادة، فتلك تنبههم إلى تعظيم اللّه، و اللّه قد جعل الآيات المعتادة لأصناف مختلفين من عباده فمنها للعقلاء و آيات للموقنين و آيات لأولي الألباب، و آيات لأولي النهي و آيات للسامعين، و آيات للعالمين و آيات للعالمين و آيات للمؤمنين، و آيات للمتفكرين و آيات لأهل الذكر، فهؤلاء كلهم أصناف نعتهم اللّه بنعوت مختلفة و آيات مختلفة ذكرها لنا في القرآن إذا بحثت عليها و تدبرتها علمت أنها آيات و دلالات على أمور مختلفة ترجع إلى عين واحدة، غفل عن ذلك أكثر الناس، و لهذا عدد الأصناف، فيتلوها جميع الناس و لا يتنبه لها إلا الأصناف الذين ذكرهم في كل آية خاصة، فكأن تلك الآيات في حق أولئك أنزلت، و في حق غيرهم لمجرد التلاوة ليؤجروا عليها «لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ» أي انتقالكم من وجود الدنيا إلى وجود الآخرة أقرب في العلم إن كنتم توقنون من انتقالكم من حال العدم إلى حال الوجود، و توقنون أي تثبتون على موازين الحكم.
[سورة الرعد (13): آية 3]
وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)
[ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»]
و هو الاعتبار و النظر المأمور به شرعا «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» فيما أخفاه من غامض حكمته في أحكامه، فلو لا ما نصب اللّه الأدلة ما شرع للعقلاء التفكر و لا طالبهم، و كذلك في معرفتهم به سبحانه، فإذا تعدى بالفكر حدّه و فكر الإنسان فيما لا ينبغي له أن يفكر فيه عذب يوم القيامة بنار فكره، ثم إنّ الإنسان يشغله الفكر فيما لم يشرع له التفكر فيه عن شكر المنعم على النعم التي أنعم اللّه عليه بها، فيكون صاحب عذاب، عذاب الفكر فيما لا ينبغي و عذاب عدم الشكر على ما أنعم به عليه، فإن اللّه سبحانه قد شاء أن يبرز العالم في الشفعية لينفرد سبحانه بالوترية، فيصح اسم الواحد الفرد، و يتميز السيد من العبد، فقال «وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» فإذا أخذت في الفكر و الاعتبار في هذه الآية رأيت أن الإنسان من جملة الثمرات، ينمو كنمائها و يتغذى كغذائها، ثم ينتهي كنهايتها، و يؤخذ منه الفوائد كالأخذ منها، ثم يأخذ في النقص كنقصانها، ثم يهرم كهرمها، ثم يموت كموتها، ثم تراه يولد كتوليدها، فيؤخذ بذر منها فيزرع فيحدث فيه الشباب كذلك حتى يصير إلى مثل حالها، فقد يؤخذ منه كما أخذ منها و قد يترك فينقطع النسل من تلك الثمرة المعينة، و كذلك الإنسان في التوالد و التناسل على ذلك المهيع، فإن قلت: هذه شجرة، فأين أختها التي تصح بها شفعيتها و إطلاق هذه الآية عليهما فكرا و اعتبارا؟
فإذا تتبعت وجود الحكمة في الإنسان و تفضيله على سائر الحيوان و تقصيت أسراره و حكمه و لطائفه، رأيتها بأعيانها في العالم المحيط الأكبر قدما بقدم، حتى تجده كأنه هو، فتعلم أن الثمرة الواحدة العالم الكبير المحيط، و الثمرة الأخرى الإنسان الذي هو العالم الصغير، و على ذلك نبه الكتاب العزيز بقوله (وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ) و بقوله (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ) فانظر نوّر اللّه بصيرتك إلى ما تفرق في العالم الأكبر تجده في هذا العالم الإنساني، من ملك و ملكوت «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» اعلم أن اللّه تعالى ابتلى الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض ببلاء ما ابتلى به أحدا من خلقه،
إما لأن يسعده أو يشقيه على حسب ما يوفقه إلى استعماله، فكان البلاء الذي ابتلاه به أن خلق فيه قوة تسمى الفكر، و كلف العقل معرفته سبحانه ليرجع إليه في اقتناء العلوم لا إلى غيره، ففهم العقل نقيض ما أراد به الحق بقوله تعالى (أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا)* «لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»* فاستند إلى الفكر و جعله إماما يقتدى به، و غفل عن الحق في مراده بالتفكر أنه خاطبه أن يتفكر فيرى أن علمه باللّه لا سبيل إليه إلا بتعريف اللّه، فيكشف له عن الأمر على ما هو عليه، فلم يفهم كل عقل هذا الفهم إلا عقول خاصة اللّه من أنبيائه و أوليائه، يا ليت شعري هل بأفكارهم قالوا بلى حين أشهدهم على أنفسهم في قبضة الذرية من ظهر آدم؟ لا و اللّه، بل عناية إشهادهم إياه ذلك عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم، و لما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة اللّه لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة اللّه، و ذهبت كل طائفة إلى مذهب، و كثرت القالة في الجناب الإلهي الأحمى، و اجترءوا غاية الجرأة على اللّه، و هذا كله من الابتلاء الذي ذكرناه من خلقه الفكر في الإنسان، فالخاصة افتقروا إليه فيما كلفهم من الإيمان به في معرفته،
و علموا أن المراد منهم رجوعهم إليه في ذلك و في كل حال، فمنهم القائل، سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلّا العجز عن معرفته، و منهم من قال: العجز عن درك الإدراك إدراك، و قال صلّى اللّه عليه و سلم [لا أحصي ثناء عليك] و قال تعالى (وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) فرجعوا إلى اللّه في المعرفة به و تركوا الفكر في مرتبته و وفوه حقه، لم ينقلوه إلى ما لا ينبغي له التفكر فيه، و قد ورد النهي عن التفكر في ذات اللّه، فوهبهم اللّه من معرفته ما وهبهم، و أشهدهم من مخلوقاته و مظاهره ما أشهدهم، فعلموا أنه ما يستحيل عقلا من طريق الفكر لا يستحيل نسبة إلهية، فالفكر لا يتعدى النظر في الإله من كونه إلها، و فيما ينبغي أن يستحقه من له صفة الألوهية من التعظيم و الإجلال و الافتقار إليه بالذات، و هذا كله يوجد حكمه قبل وجود الشرائع، ثم جاء الشرع به مخبرا و آمرا، فأمر به و إن أعطته فطرة البشر، ليكون عبادة يؤجر عليها، و ليس للفكر حكم و لا مجال في ذات الحق لا عقلا و لا شرعا، فإن الشرع قد منع من التفكر في ذات اللّه، فالفكر يصيب العاقل به و يخطئ، و لكن خطأه أكثر من إصابته، لأن له حدا يقف عنده، فمتى وقف عنده أصاب و لا بد، و متى جاوز حدّه إلى ما هو لحكم قوة أخرى يعطاها بعض العبيد قد يخطئ و يصيب، عصمنا اللّه و إياكم من غلطات الأفكار.
[سورة الرعد (13): آية 4]
وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)
«وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَ غَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ» و الأرض تقلب ما يزرع فيها إلى طبيعتها، و تختلف الطعوم و الروائح، فإن الثمرة الطيّبة و الخبيثة من خبث مزاج البقعة أو طيبها، أو من خبث البذرة أو طيبها «وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ» مع كونها تسقى بماء واحد، و ما ثمّ آية أحق بما هو الوجود عليه من التفاضل من هذه الآية حيث قال «يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ» فظهر الاختلاف عن الواحد في الطعم بطريق المفاضلة، و الواقع من هذا كثير في القرآن من تفضيل كل جنس بعضه على بعض، و لما كان الماء واحدا، و الماء سبب في ظهور الروائح المختلفة و الطعوم المختلفة، قال «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» من العقل، و العقل القيد، فقيدهم من العقال و هو التقييد، و ما سميت العقول عقولا إلا لقصورها على العقال و هو التقييد، و ما سميت العقول عقولا إلا لقصورها على من عقلته من العقال، و العاقل يهوله المعتاد و غير المعتاد من الآيات، و لذلك قال في المعتاد «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» و السعيد من عقله الشرع لا من عقله غير الشرع.
إشارة- اللذات في المطاعم، و المطاعم في الثمر، و الثمر في الأغصان، و الأغصان تتفرع من الأصل، و الأصل واحد، و لو لا الأرض ما ثبت الأصل، و لو لا الأصل ما ثبت الفرع، و لو لا الفرع ما كان الثمر، و لو لا الثمر ما وجد الأكل، و لو لا الأكل ما وجدت اللذة، فالكل متعلق بالأرض، و الأرض مفتقرة إلى الماء، و الماء مفتقر إلى السحاب، و السحاب مفتقر إلى الريح، و الريح يسخرها الأمر، و الأمر من الحضرة الربانية يصدر، و من هنا ارق و انظر و تنزه و لا تنطق- إشارة- يسقى بماء واحد و فضل بعضها على بعض في الشاهد!! لأن للمزاج أثرا و الغذاء واحد، و تستمد منه القوى على اختلافها فيظهر في كل موطن بما تقتضيه حقيقة ذلك الموطن، و كل إناء بما فيه ينضح، انظر إلى بني آدم!!
[سورة الرعد (13): الآيات 5 الى 7]
وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5) وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7)
«وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» أي رسول من عند اللّه مبلغ عن اللّه، لا هاد بمعنى موفّق، فهو مبيّن فله الإبانة خاصة.
[سورة الرعد (13): آية 8]
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8)
إن اللّه تعالى وكّل ملائكة بالأرحام عند مساقط النطف، فيقلبون النطف من حال إلى حال كما قد شرع لهم اللّه، و قدر ذلك التنقل بالأشهر، و هو قوله تعالى «وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ» أي ما تنقص عن العدد المعتاد «وَ ما تَزْدادُ» عن العدد المعتاد «وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» فهو سبحانه يعلم شخصية كل شخص، و شخصية فعله و حركاته و سكونه، و ربط ذلك بالحركات الكوكبية العلوية، فنسب من نسب الآثار لها، و جعلها اللّه عندها لا لها، فلا يعلم ما في الأرحام و لا ما تخلّق مما لم يتخلّق من النطف على قدر معلوم إلا اللّه تعالى، و من أعلمه اللّه تعالى من الملائكة الموكلة بالأرحام «وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» فالأمور كلها بيديه، و مع هذا لو ارتفعت الحاجات، و زالت الفاقات و انعدمت الشهوات، و ذهبت الأغراض و الإرادات، لبطلت الحكمة، و تراكمت الظلمة، و طمست الأنوار و تهتكت الأستار، و لاحت الأسرار، و زال كل شيء عنده بمقدار، فذهب الاعتبار و هذا لا يرتفع و لا يندفع و بقي الحكم للأقدار، فكل شيء عنده بمقدار.
[سورة الرعد (13): آية 9]
عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (9)
«الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ» الذي لا يحدّه الحد، و لا يعرفه السيد و العبد، تقدست الألوهة أن تدرك، و في منزلها أن تشرك، فهو الكبير عن الاتصاف بمثل ما هو عليه الخلق، و هو تعالى كبير لنفسه «الْمُتَعالِ» على من أراد علوا في الأرض و ادعى ما ليس له بحق.
[سورة الرعد (13): الآيات 10 الى 11]
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ (10) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (11)
[المعقبات]
هؤلاء المعقبات ملائكة تسخير تكون مع العبد بحسب ما يكون العبد عليه، فهم تبع له، و يحفظونه من أمر اللّه، أي من حيث أن اللّه أمرهم بحفظه، أي من أجل أن أمرهم اللّه، فهو معصوم محفوظ، و قد يحفظونه من الأمر النازل به فيدفعونه، كما فعل بالزاني في حين زناه، أخرج عنه الإيمان حتى صار عليه كالظلّة، يحفظه من أمر اللّه النازل به حيث تعرض بالمخالفة لنزول البلاء، فهؤلاء المعقبات يتبعون العبد حيث تصرف، فهو مطلق التصريف في إرادته، و إن حجر عليه بعض التصرف، فإنه يتصرف فيما حجر عليه، و لا يستطيع الملك منعه من ذلك لأمرين: الواحد لكون الحق قد ذهب بسمع هذا العبد عن قوله و ببصره عن شهوده، و الأمر الآخر لكون الملك الحافظ الموكل به لا يمنعه لشهوده الحق معه في تصرفه الذي أمره بحفظه، فهؤلاء المعقبات يحفظون العبد في تصرفه «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» و هذا لمناسبة التحويل، فيطلب العباد التحويل بالتحويل، و لسان الأفعال أفصح من لسان الأقوال، و إلى هذه الآية يشار بتحويل الرداء في صلاة الاستسقاء، إشارة إلى تحويل الحال الذي أخرج العباد من الجدب إلى الخصب، و من حال شظف العيش إلى رغده، فإنّ تحول أهل المصر في خروجهم إلى الاستسقاء إنما هو تحول من حال البطر و الأشر و كفران النعم إلى حال التوبة و الافتقار و إظهار الفاقة و المسكنة، فطلبوا التحويل بالتحويل، فإنهم القائلون بهذا الفعل، أي ربنا إنا هدنا إليك و رجعنا عما كنا عليه من مخالفتك، فإن التنعم بالنعم و ما كنا فيه من الخصب على جهة البطر أوجب لنا الجدب و القحط، و نرجو بكرمك أن توجب لنا بالافتقار و الذلة و المسكنة و الخشوع الخصب «وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ» الوالي هو الذي يلي الأمور بنفسه، فإن وليها غيره بأمره فليس بوال و لا إمام، و إنّما الوالي و الإمام هو المنصوب للولاية، و إنما سمي واليا لأنه يوالي الأمر من غير إهمال لأمر ما مما له عليه ولاية، و إن لم يفعل فليس بوال، و الوالي لا يكون أبدا إلا في الخير، لا بد من ذلك، فإنه موجد على الدوام، فلا تراه أبدا إلا في فضل و إنعام و إقامة حد لتطهير، و التطهير خير، فإن الوالي على الحقيقة هو اللّه.
[سورة الرعد (13): الآيات 12 الى 13]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12) وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَ هُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13)
الملك المسمى بالرعد مخلوق من الهواء، كما خلقنا نحن من الماء، و ذلك الصوت المسمى عندنا بالرعد تسبيح ذلك الملك، و في ذلك الوقت يوجده اللّه، فعينه نفس صوته، و يذهب كما يذهب البرق و ذوات الأذناب «وَ هُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ» المحال الشدة و القوة.
[سورة الرعد (13): الآيات 14 الى 15]
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (14) وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ (15)
[سجود الظلال]
السجود من كل ساجد مشاهدة أصله الذي غاب عنه حين كان فرعا عنه، فلما اشتغل بفرعيته عن أصليته قيل له: اطلب ما غاب عنك، و هو أصلك الذي عنه صدرت، فسجد الجسم إلى التربة التي هي أصله، و سجد الروح إلى الروح الكل، و سجد السر إلى ربه الذي به نال المرتبة، و الأصول كلها غيب، أ لا تراها قد ظهرت في الشجر، أصولها غيب، كذلك الحق أصل وجود الأشياء، و هو غيب لها، و السجود تحية الملوك لما كان السوقة دون الملك، فالملك له العلو و العظمة، فإذا دخل عليه من دونه سجد له، أي منزلتنا منك منزلة السفل من العلو، فإنهم نظروا إليه من حيث مكانته و رتبته، و من سجد فقد تطأطأ، و التطأطؤ لا يكون إلا عن رفعة، و الرفعة في حق كل ما سوى اللّه خروج عن أصله،
فقيل له: اسجد، أي تطأطأ عن رفعتك المتوهمة، و اخضع من شموخك، بأن تنظر إلى أصلك فتعرف حقيقتك، فإنك ما تعاليت حتى غاب عنك أصلك، و من عرف أصله عرف عينه أي نفسه، و من عرف نفسه عرف ربه، و من عرف نفسه لم يرفع رأسه، فالسجود قربة تعريف و تنزيه بما يستحقه الإله من العلو و الرفعة عن صفات المحدثات، فأخبر تعالى بقوله «وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ» و هم الأعلون، قال صلّى اللّه عليه و سلم [أطت السماء و حق لها أن تئطّ، ما فيها موضع شبر إلا و فيه ملك ساجد للّه] «وَ الْأَرْضِ» أي و من في الأرض،و هم الأسفلون عالم الأجساد، الذين قاموا بالنشأة العنصرية «طَوْعاً وَ كَرْهاً» و يدخل في قوله تعالى «كَرْهاً» المنافقون فإنهم سجدوا كرها، و آمنوا كرها، لظهور أهل الإيمان بالسيف عليهم «وَ ظِلالُهُمْ»–
الوجه الأول في الظلال- الموجودات الممكنات التي أوجدها الحق تعالى هي للأعيان التي يتضمنها برزخ الممكن، أي حضرة الإمكان بمنزلة الظلالات للأجسام، بل هي الظلالات الحقيقية، و هي التي وصفها الحق سبحانه بالسجود له مع سجود أعيانها، فما زالت تلك الأعيان ساجدة له قبل وجودها، فلما وجدت ظلالها وجدت ساجدة للّه تعالى لسجود أعيانها التي وجدت عنها، و ظل الأشخاص أشكالها، فهي أمثالها، و هي ساجدة بسجود أشخاصها و السجود لا يكون إلّا مع الشهود و المعرفة، لا غير ذلك-
الوجه الثاني- من أسرار العالم أنه ما من شيء يحدث إلا و له ظل يسجد للّه ليقوم بعبادة ربه على كل حال، سواء كان ذلك الأمر الحادث مطيعا أو عاصيا، فإن كان من أهل الموافقة كان هو و ظله على السواء، و إن كان مخالفا ناب ظله منابه في الطاعة للّه، و الظلالات أبدا تابعة للصورة المنبعثة عنها حسا و معنى، فالحس قاصر، لا يقوى قوة الظل المعنوي للصورة المعنوية، لأنه يستدعي نورا مقيدا، لما في الحس من التقييد و الضيق و عدم الاتساع- الوجه الثالث- ظلال الأرواح أجسادها، فالأجساد ظلال الأرواح، فإنها لا تتحرك إلا بتحريك الأرواح إياها تحريكا ذاتيا، و أظهر اللّه الظلال عن أشخاصها بالأنوار المحصورة، ضرب مثال لأنوار العقائد المحصورة، فإله كل معتقد محصور في دليله، فأراد الحق منك أن تكون معه كظلك معك من عدم الاعتراض عليه فيما يجريه عليك، و التسليم و التفويض إليه فيما تصرف فيك به، و ينبهك بذلك أن حركتك عين تحريكه، و أن سكونك كذلك، ما الظل يحرك الشخص، كذلك فلتكن مع اللّه، فإن الأمر كما شاهدته، فهو المؤثر فيك، لذلك سجدت الظلال لمشاهدتها من خرجت عنه، و هي الأشخاص، يتستر ظل الشخص عن النور بأصله الذي انبعث عنه لئلا يفنيه النور، فلم يكن له بقاء إلا بوجود الأصل، فلا بقاء للعالم إلا باللّه، فأخبر تعالى عمّن ذكر أنهم يسجدون «طَوْعاً» للأرواح من حيث علمهم و مقامهم، فسجدت الملائكة لمرتبة العلم فكان سجودها (لا عِلْمَ لَنا) و للأجسام من حيث ذواتهم و أعيانهم «وَ كَرْهاً» في الأرواح من حيث ذواتهم، و في الأجسام من حيث رياستهم و تقدمهم على أبناء جنسهم، و لما كان هذا السجود سجود إخبار، تعيّن على العبد أن يصدّق اللّه في خبره عمن ذكر، فإنه من أهل الأرض بجسده و من أهل السموات بعقله، فيسجد لربه طوعا و كرها، من تقييده بجهة خاصة لا يقتضيها علمه، و إن كان ساجدا في نفس الأمر سجودا ذاتيا و إن لم يشعر بذلك، فيوقعها عبادة،
فإن ذلك أنجى له. و ذكر «بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ» لامتداد الظلال في هذه الأوقات، فجعل امتدادها سجودا، فهي في الغدو تتقلص رجوعا إلى أصلها الذي منه انبعثت، و في الآصال تمتد و تطول بالزيادات، و الغدو و الآصال من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فأخرج حكم السجود في هذه الأوقات عن حكم النافلة، و جعل حكمه حكم الفرائض، أو المقضي من النوافل، فتعيّن على التالي في هذه الآية السجود، فيجازى من باب من صدّق ربه تعالى في خبره، فهي سجدة تصديق بتحقيق- نكتة- أنفت الظلال من السجود للشمس لما هي عليه من شرف النفس، فاستدبرتها في هذه الأوقات، و امتدت ساجدة لمن بيده ملكوت الأرض و السموات، حين سجد لها من يزعم أنه من أهل التمكين، و تعبدت من يدعي العقل الرصين، أ لا ترى تبعية ظلال الأشخاص لها، ما أحسنها و ما أكملها، و لقد أخبر سبحانه عن الظلال أنها تسجد له بالغدو و الآصال، فمن أولى بهذه الصفة في علمك؟ أنت أم الظلال التي هي جماد في زعمك؟! هيهات، لشغلك بالترهات.
[سورة الرعد (13): آية 16]
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16)
كما لا تستوي الظلمات و لا النور، كذلك لا يستوي الأعمى و هو الذي لا يفهم فيعلم و لا البصير الذي يفهم فيعلم «أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ، قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» فما في الوجود إلا اللّه و نحن، و إن كنا موجودين فإنما كان وجودنا به، و من كان وجوده بغيره فهو في حكم العدم، لأن العالم من حيث ذاته عدم،و لا يكتسب الوجود إلا من كونه قابلا، و ذلك لإمكانه و اقتدار الحق المخصص المرجّح وجوده على عدمه، فلو زال القبول من الممكن لكان كالمحال لا يقبل الإيجاد، و قد اشترك المحال و الممكن قبل الترجيح بالوجود في العدم، كما أنه مع قبوله لو لم يكن اقتدار الحق ما وجد عين هذا المعدوم الذي هو الممكن، فلم تظهر الأعيان المعدومة للوجود إلا بكونها قابلة، فإذا اطلعت على حقيقتك وجدت نفسك عبدا محضا عاجزا ميتا ضعيفا عدما لا وجود لك، و أول اسم تلبسه الوجود، فتظهر موجودا لنفسك حتى تقبل جميع ما يمكن أن يقبله الموجود من حيث ما هو موجود، فتقبل جميع ما يخلع عليك الحق من الأسماء الإلهية، فتتصف عند ذلك بالحي و القادر و العليم و المريد و السميع و البصير و المتكلم و الشكور و الرحيم و الخالق و المصور و جميع الأسماء، و مع وجود هذه الصفات لا يزول عن الإنسان حقيقة كونه عبدا إنسانا مع وجود هذه الأسماء الإلهية فيه «وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» الواحد من حيث ألوهته، فلا إله إلا هو «الْقَهَّارُ» من نازعه من عباده بجهالة و لم يتب.
[سورة الرعد (13): آية 17]
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17)
«فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً» فجعله كالباطل كما قال (وَ زَهَقَ الْباطِلُ) «وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ» أي يثبت «فِي الْأَرْضِ» ضربه مثلا للحق «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» فالأمثال كلها للاعتبار ليست مرادة لأنفسها، و إنما هي مرادات لما رمزت له، ليعلم منها ما ضربت له و ما نصبت من أجله، و هذا المثل ضربه الحق للقلوب، مثلها بالأودية تسيل بقدرها في نزول الماء، ليقرب تصورها على من لا يتصور المعاني من غير ضرب مثل، فالعالم كله بما فيه ضرب مثل ليعلم أنه هو، فجعله دليلا عليه و أمرنا بالنظر فيه- إشارة- الوادي محل التكليم و المناجاة حيث وقع لموسى عليه السلام ما وقع، و ما سالت به الأودية إشارة إلى المعارف الإلهية القدسية الموسوية، فالوادي مسيل المعارف في قلوب العباد من حيث هم عباد.
[سورة الرعد (13): الآيات 18 الى 20]
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (18) أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20)
و هم الذين لا يغدرون إذا عهدوا، فلا ينقضون عهدا مع اللّه كان ما كان، من قليل الخير و كثيره، و لا لرخصة تظهر تسقط الإثم، فيوفي العهد و لا ينقضه تماما للمقام الأعلى و كمالا، فإن النفس إذا تعودت نقض العهد و استحلته لا يجيء منها شيء أبدا، و من جملة ما سأل قيصر ملك الروم عنه أبا سفيان بن حرب حين سأله عن صفة النبي صلّى اللّه عليه و سلم هل يغدر؟
فالوفاء من شيم خاصة اللّه، فمن أتى في أموره التي كلفه اللّه أن يأتي بها على التمام، و كثر ذلك في حالاته كلها، فهو وفيّ، و قد وفّى، يقال: وفى الشيء وفيّا، على فعول بضم فاء الفعل، إذا تم و كثر، و أوفى على الشيء إذا أشرف.
[سورة الرعد (13): آية 21]
وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21)
«وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» يعني من صلة الأرحام، و أن يصلوا من قطعهم من المؤمنين بما أمكنهم من السلام عليهم فما فوقه من الإحسان، و لا يؤاخذ بالجريمة التي له الصفح عنها و التغافل، و لا يقطعون أحدا من خلق اللّه إلا من أمرهم الحق بقطعه فيقطعونه، قال صلّى اللّه عليه و سلم [الرحم شجنة من الرحمن] أي هذه اللفظة أخذت من الاسم الرحمن، فمن وصلها وصله اللّه، و من قطعها قطعه اللّه، و قطعه إياها هو قطع اللّه، و قد ورد في الخبر [لا تحاسدوا و لا تدابروا و لا تقاطعوا و كونوا عباد اللّه إخوانا] فنهوا عن التقاطع، فالواصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ذلك عين وصلتهم باللّه تعالى، فأثنى عليهم.
[سورة الرعد (13): آية 22]
وَ الَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)
و لنا في الصبر و الرضا:
| إن التحرك عن ضجر | سخط على حكم القدر | |
| الساكنون لحكمنا | قوم أعزاء صبر | |
| فهمو لنا و أنا لهم | و هم المراد من البشر | |
| لا تركنن لغيرنا | و اصبر تعش مع من صبر | |
| إني لكل مسلّم | عرف الحقيقة فاعتبر | |
| في كل ما يجري عليه | من المكاره و الضرر | |
| قل للذين تحركوا | من حكمنا أين المفر؟ | |
| ما ثمّ إلا حكمنا | عند الإقامة و السفر | |
| فاربح قعودك تسترح | فتكون من أهل الظفر | |
| فاللّه ليس بغائب | و هو الكفيل لمن نظر | |
[سورة الرعد (13): آية 23]
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23)
الجنات الثمانية أعلاها جنة عدن، و هي قصبة الجنة و قلعتها، و حضرة الملك و خواصه، لا تدخلها العامة إلا بحكم الزيارة، فيها الكثيب الذي يكون اجتماع الناس فيه لرؤية الحق تعالى، و هي أعلى الجنة في الجنات، و هي في الجنات بمنزلة دار الملك، يدور عليها ثمانية أسوار، بين كل سورين جنة، فالتي تلي جنة عدن إنما هي جنة الفردوس، و هي أوسط الجنة التي دون جنة عدن و أفضلها، ثم جنة الخلد، ثم جنة النعيم، ثم جنة المأوى، ثم دار السلام، ثم دار المقامة، و أما الوسيلة فهي أعلى درجة في جنة عدن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
[سورة الرعد (13): آية 24]
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)
هذا الصنف المذكور هنا هم الصابرون أهل البلاء من البشر، و أما الملائكة التي تدخل على أصحاب النعيم الشاكرين فلم يجر لهم ذكر، مع أنه لا بد من دخول الملائكة عليهم من كل باب، و من رأى أن النعم التي أنعم اللّه بها على عباده في الدنيا ليست بخالصة من البلاء لما وجه عليهم من التكليف بالشكر عليها، و هو أعظم البلاء، إذ كانت النعم أشد في الحجاب عن اللّه من الرزايا، فدخل أهل النعيم على هذا في قول الملائكة «بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» أي حصلتم في دار نعيمها غير مشوب بتكليف و لا طلب حق، فلذلك لم يجر ذكر لأحوال الملائكة مع الشاكرين، و اقتصروا على ما جاء به الحق من التعريف و هو الصحيح، فإن الدار تعطي هذا، و جميع من في الدار الدنيا من مبتلى و منعم عليه له حال الصبر، فالصبر أعم من الشكر، و البلاء أعم من النعم في هذه الدار.
[سورة الرعد (13): الآيات 25 الى 26]
وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (26)
يختلف البسط لاختلاف المحالّ و الأحوال، فأما في محل الدنيا فلو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض، فأنزل بقدر ما يشاء، و أطلق في الجنة البسط، لكونها ليست بمحل تعنّ و لا تعدّ، فإن اللّه قد نزع الغل من صدور أهلها.
[سورة الرعد (13): الآيات 27 الى 28]
وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)
[ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب]
– الوجه الأول- «الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ» الذي ذكرها به «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ» الذي ذكرها به، إذا كانت مؤمنة «تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» في تقلبها فتسكن إلى التقليب مع الأنفاس، و تعلم أن الثبات على حال واحدة لا يصح، فهو كل يوم في شأن حيث كان، فما زال الأمر مذ كان من حال إلى حال، و القلب له عين تبصر، و من أبصر أمرا فقد علمه، و إذا علمه سكن إليه، فأبصر التقليب دائما، فعلمه دائما، فاطمأن به و سكن إليه، فهو في كل نفس ينظر إلى آثار ربه في قلبه- فيما يقيمه و فيما يخرج عنه- ما يعطيه فيه و ينبهه به عليه، فلا يزال صاحب هذا المقام في كل نفس في علم جديد-
الوجه الثاني- القرآن ذكر اللّه، و الطمأنينة سكينة أنزلها القرآن في قلوب المؤمنين، فكانت آيات بني إسرائيل ظاهرة، و آياتنا في قلوبنا، إذ قال اللّه تعالى في بني إسرائيل في آية طالوت (وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فكانت السكينة شهادة في غير هذه الأمة، غيبا في هذه الأمة، و بها و بأمثالها كانت الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، فعلامة هذه الأمة في قلوبهم.
و مقام الوارث المحمدي في تلاوته كلام ربه عزّ و جل، هو سكونه لما يتلوه من كشفه و اطلاعه على معانيه، فهو في حال تلاوته يستذكر ما عنده، فيطلع على نفسه، و يسمعه اللّه نثر كلامه بتأييد الروح القدسي، فكل من تلا و سكن لما تلا بصدق، بصورة ظاهر و حكمة باطن، فذلك تال و صاحب سكينة، فإن هو تلا و سكن ظاهرا و لم يسكن باطنا- و السكون الباطن فهم المعنى الساري في الوجود من تلك الآية المتلوة، لا يقتصر على ما تدل عليه في الظاهر خاصة- فمن تلا هكذا فليس بصاحب سكينة أصلا و لا هو وارث محمدي، و إن كان من أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فإن تلا و سكن باطنا و لم يسكن ظاهرا و تعدى الظاهر المشروع، فذلك ليس بوارث و لا محمّدي و لا بمؤمن، و هو أبعد الناس من اللّه، فإن الروح القدسي أول من يرميه و يرمي به، و النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم يقول لربه فيه يوم القيامة: سحقا سحقا. و اللّه عند ذلك لا يسعده و لا يساعده.
[سورة الرعد (13): آية 29]
الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ (29)
[شجرة طوبى]
شجرة طوبى غرسها الحق تعالى بيده في جنة عدن، و أطالها حتى علت فروعها سور جنة عدن، و تدلت مطلة على سائر الجنات كلها، و ليس في أكمامها ثمر إلا الحلي، و الحلل لباس أهل الجنة و زينتهم زائدا في الحسن و البهاء على ما تحمل أكمام شجر الجنات من ذلك، لأن لشجرة طوبى اختصاص فضل بكون اللّه خلقها بيده، فإن لباس أهل الجنة ما هو نسج ينسج، و إنما تشقق عن لباسهم ثمر الجنة كما تشقق الأكمام هنا عن الورد و عن شقائق النعمان و ما شاكلهما من الأزهار كلها، كما ورد في الخبر الصحيح كشفا و الحسن نقلا، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان يخطب بالناس فدخل رجل فقال: يا رسول اللّه، أو قام رجل من الحاضرين- الشك مني- فقال: يا رسول اللّه، ثياب أهل الجنة أ خلق تخلق أم نسج تنسج؟
فضحك الحاضرون من كلامه، فكره ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم منهم و قال: [أ تضحكون إن سأل جاهل عالما؟ يا هذا، و أشار إلى السائل بل تشقق عنها ثمر الجنة] و شجرة طوبى زينها بثمر الحلي و الحلل اللذين فيهما زينة للابسهما، و أعطت في ثمر الجنة كله من حقيقتها عين ما هي عليه، كما أعطت النواة النخلة و ما تحمله من النوى الذي في ثمرها، و كل من تولاه الحق بنفسه من وجهه الخاص بأمر ما من الأمور فإن له شفوفا و ميزة على من ليس له هذا الاختصاص و لا هذا التوجه.
[سورة الرعد (13): آية 30]
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتابِ (30)
«وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ» لأنه لم يكن عندهم هذا الاسم و لا سمعوا به قبل هذا، فلما قيل لهم (اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ) فزادهم هذا الاسم نفورا، فإنهم لا يعرفون إلا اللّه، الذين يعبدون الشركاء ليقربوهم إلى اللّه زلفى، و لما قيل لهم (اعْبُدُوا اللَّهَ)* لم يقولوا: و ما اللّه؟ و إنما أنكروا توحيده، و قد نقل أنهم كانوا يعرفونه مركبا (الرحمن الرحيم) اسم واحد كبعلبك و رام هرمز، فلما أفرده بغير نسب أنكروه، فقال لهم الداعي:
الرحمن «هُوَ رَبِّي» و لم يقل هو اللّه، و هم لا ينكرون الرب، و فسره بالرب لأنه المغذي، و بالغذاء حياتهم، فلا يفرقون من الرب و يفرقون من اللّه، و لهذا عبدوا الشركاء ليشفعوا لهم عند اللّه، إذ بيده الاقتدار الإلهي و الأخذ الشديد، و هو الكبير عندهم المتعالي، فهم معترفون مقرون به، فتلطف لهم بالعبارة بالاسم الرب ليرجعوا، فهو أقرب مناسبة بالرحمن، فأمر نبيه أن يقول بحيث يسمعون «قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» في أمركم «وَ إِلَيْهِ مَآبِ» أي مرجعي في أمركم، عسى يهديكم إلى الإيمان، فما أغلظ لهم، لتتوفر دواعي المخاطبين للنظر فيما خاطبهم به، إذ لو خاطبهم بصفة القهر، و هو غيب لا عين له في الوقت إلا مجرد إغلاظ القول، لنفرت طباعهم و أخذتهم حمية الجاهلية لما نصبوهم آلهة، فأبقى عليهم، و هذا هو التوحيد الرابع عشر في القرآن و هو توحيد الرجعة و هو توحيد الهوية.
[سورة الرعد (13): آية 31]
وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31)
قال تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً» فقال قرآنا بالتنكير دليل على أحد أمرين إما على آيات منه مخصوصة كما ضرط الجبار عند ما سمع (صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ) و إما أن يكون ثم أمر آخر ينطلق عليه اسم قرآن غير هذا لغة، و لو حرف امتناع لامتناع فهل هو داخل تحت الإمكان فيوجد أو ما هو ثم إلا بحكم الفرض، و عندنا كل كلام إلهي من كلمة مركبة من حرفين إلى ما فوق ذلك من تركيبات الحروف و الكلمات المنسوبة إلى اللّه بحكم الكلام فإنه قرآن لغة و له أثر في النزول في المحل المنزل عليه (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) و التقدير لكان هذا القرآن الذي أنزل عليك يا محمد فحذف الجواب لدلالة الكلام عليه و معنى ذلك لو أنزلناه على من ذكرناه لسارت الجبال و تقطعت الأرض و أجاب الميت،و ما ظهر شيء من ذلك فينا و قد كلمنا به، و هو يحيي الموتى بما فيه من العلم إن كان المقصود بالموت الجهل فإن من أصناف الموت الجهل يقول تعالى: (أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) و تقطع به الأرض و تسير الجبال بما فيه من الزجر و الوعيد و لذلك كان نزول القرآن شديدا على هذا الهيكل الإنساني، فكان الوحي يؤثر الغت و الغطّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، عند نزوله بالقرآن، و هذه الآية أيضا تدل على شرف الجماد على الإنسان و شرف الإنسان إذا مات و صار مثل الأرض في الجمادية على حاله حيا في الإنسانية (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) كل ما سوى الواجب الوجود لنفسه فهو للّه، حتى ما توصف أنت به و يوصف الحق به هو للّه كله و وجود ما سوى اللّه إنما هو باللّه فلا موجود و لا موجد إلا اللّه «أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً» فكان حكم هذه المشيئة في الدنيا بالتكليف و أما في الآخرة فالحكم لقوله تعالى: «يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» فله الإطلاق سبحانه.
[سورة الرعد (13): آية 32]
وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32)
العقاب هو ما يعقب الشر، و بذلك سمي العقاب عقوبة و عقابا، و هو سائغ في الخير و الشر من حيث أنه ما يعقب كل حال من الأحوال، غير أن العرف سماه في الخير ثوابا و في الشر عقابا.
[سورة الرعد (13): آية 33]
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَ صُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33)
«أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ» فهو قيامه بمصالح عباده و نظره لهم في قيامه بهم بعين الرحمة فيرزقهم و يحسن إليهم و هم به مشركون و كافرون و قل عن الأدباء ما شئت، و يدعوهم و هم عنه معرضون و على هواهم الذي اتخذوه إلها مقبلون، و في هذه الآية إشارة إلى أن الفعل للّه من خلف حجاب الأكوان التي هي محل ظهور الأفعال فيها «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ» يريد أسماء الاعلام و ذلك في معرض الدلالة فإذا سموهم قالوا هذا حجر، هذا شجر، هذا كوكب و الكل اسم عبد فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء اللّه فقال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم (قُلْ سَمُّوهُمْ) فتعرفوا عند ذلك الحق بيد من هو؟ هل هو بأيديكم أو بيدي؟
و قد قال الحق تعالى و أبان ذلك كله ليعقل عنه (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ) فلما عرفوا قوله و تحققوه علموا أنهم في فضيحة لأنهم إذا سموهم لم يسموهم باللّه بل آباؤكم نصبوهم آلهة، و هذا الإله الذي أدعوكم إليه تعرفونه و أن اسمه اللّه لا تنكرونه، و أنتم القائلون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى ثم وصفهم اللّه بأنهم في شركهم قد ضلوا ضلالا مبينا فقال: «وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» فما له من هاد معناه موفق، لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم و علموا أنه لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم من اللّه شيئا، فهي شهادة من اللّه بقصور نظرهم و عقولهم.
[سورة الرعد (13): الآيات 34 الى 35]
لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (34) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35)
«مَثَلُ الْجَنَّةِ» أي صفة الجنة التي وعد المتقون «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها» فإن الآخرة دار بقاء، فالإنسان في بقائه آكل لا صائم، فهو متغذ بالذات صائم بالعرض فالغذاء باق فأكلها دائم لا ينقطع و الدوام في الأكل إنما هو عين النعيم بما يكون به الغذاء للجسم فأهل الجنة يأكلون و يشربون عن شهوة لالتذاذ لا عن جوع فإنهم ما يتناولون الشيء المسمى غذاء إلا عن علم بأن الزمان قد حان (وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا) فلا يزال في لذة و نعيم لا يحوج الطبيعة إلى طلب و حاجة للكشف الذي هم عليه بخلاف أهل النار فإنهم يجوعون و يظمئون لأن المقصود منهم أن يتألموا.
[سورة الرعد (13): الآيات 36 الى 39]
وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَ لا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَ إِلَيْهِ مَآبِ (36) وَ كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا واقٍ (37) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً وَ ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (38) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39)
[ «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ»]
«يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ» فذكر المحو بعد الكتابة، فثبت المحو و هو المعبر عنه بالنسخ عند الفقهاء، فهو نسخ إلهي رفعه اللّه و محاه بعد ما كان له حكم في الثبوت و الوجود و هو في الأحكام انتهاء مدة الحكم، و في الأشياء انتهاء المدة فإنه تعالى قال: (كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه (وَ يُثْبِتُ) ما شاء مما كتبه، قال صلّى اللّه عليه و سلم في إسرائه إنه أسري به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فوصل إلى سماع أصوات الأقلام و هي تجري بما يحدث اللّه في العالم من الأحكام و هذه الأقلام رتبتها دون القلم الأعلى و دون اللوح المحفوظ فإن الذي كتبه القلم الأعلى لا يتبدل و سمي اللوح بالمحفوظ من المحو فلا يمحى ما كتب فيه و هذه الأقلام تكتب في ألواح المحو و الإثبات على قدر ما تأتي به إليهم رسل اللّه من عند اللّه من رأس الديوان و هو القلم الأعلى من إثبات ما شاء و محو ما شاء و هو قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ) و من هذه الألواح تنزل الشرائع و الصحف و الكتب على الرسل صلوات اللّه عليهم و سلامه و لهذا يدخل في الشرائع النسخ و يدخل في الشرع الواحد النسخ في الحكم و إلى هنا كان يتردد صلّى اللّه عليه و سلم في شأن الصلوات الخمسين بين موسى و بين ربه إلى هذا الحد كان منتهاه فيمحو اللّه عن أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم ما شاء من تلك الصلوات التي كتبها في هذه الألواح إلى أن أثبت منها هذه الخمسة و أثبت لمصليها أجر الخمسين و أوحى أنه لا يبدل القول لديه، فما رجع بعد ذلك من موسى في شأن هذا الأمر،
و من هذه الكتابة «ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» و من هذه الحقيقة التردد الكوني في الأمور و الحيرة فيها،و هو إذا وجد الإنسان أنّ نفسه تتردد في فعل أمر ما، هل يفعله أو لا يفعله؟ و ما تزال على تلك الحال حتى يكون أحد الأمور التي ترددت فيها فيكون و يقع ذلك الأمر الواحد و يزول التردد فذلك الأمر الواقع هو الذي ثبت في اللوح من تلك الأمور المتردد فيها و ذلك أن القلم الكاتب في لوح المحو يكتب أمرا ما و هو زمان الخاطر الذي يخطر للعبد فيه فعل ذلك الأمر ثم تمحى تلك الكتابة يمحوها اللّه فيزول ذلك الخاطر من ذلك الشخص لأنه ما ثم رقيقة في هذا اللوح تمتد إلى نفس هذا الشخص في عالم الغيب فإن الرقائق إلى النفوس من هذه الألواح تحدث بحدوث الكتابة و تنقطع بمحوها فإذا أبصر القلم موضعها في اللوح ممحوا كتب غيرها مما يتعلق بذلك الأمر من الفعل أو الترك فيمتد من تلك الكتابة رقيقة إلى نفس ذلك الشخص الذي كتب هذا من أجله فيخطر لهذا الشخص ذلك الخاطر الذي هو نقيض الأول،
فإذا أراد الحق إثباته لم يمحه، فإذا ثبت بقيت رقيقة متعلقة بقلب هذا الشخص و ثبتت، فيفعل ذلك الشخص ذلك الأمر أو يتركه بحسب ما ثبت في اللوح فإذا فعله أو ثبت على تركه و انقضى فعله محاه الحق من كونه محكوما بفعله و أثبته صورة عمل حسن أو قبيح على قدر ما يكون، ثم إن القلم يكتب أمرا آخر هكذا الأمر دائما، و هذه الأقلام هذه مرتبتها و الموكل بالمحو ملك كريم على اللّه تعالى هو الذي يمحو على حسب ما يأمر به الحق تعالى و الإملاء على ذلك الملك و من أحكام هذه الأقلام تكون جميع التأثيرات في العالم دائما و لا بد لها أن تكتب و تثبت انتثار الكواكب و انحلال هذه الأجرام الفلكية و خراب هذه الدار الدنياوية و انتقال العمارة في حق السعداء إلى الجنان العلية و في حق الأشقياء إلى جهنم و هي أسفل سافلين-
وجه آخر- للقلب وجهان ظاهر و باطن فباطنه لا يقبل المحو بل هو إثبات مجرد محقق و ظاهره يقبل المحو [و هو لوح المحو] و الإثبات فيه وقتا أمرا ما «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ» فقلب العبد هو محل الإلقاء الإلهي من خير و شر شرعا، و هو لوح المحو و الإثبات، فيخطر للعبد خاطر أن يفعل أمرا ما من الأمور، ثم ينسخه خاطر آخر، فيمحو الأول و يثبت الثاني، و هذا ما دام العبد مهتما لخواطره، محجوبا عن كشف الإلقاء الإلهي، فإذا أيّد بالعصمة إن كان نبيا، أو بالحفظ إن كان وليا، عاد قلبه لوحا محفوظا عن المحو، فإن ظهر ممن هذا مقامه محو في ظاهر الكون بعد إثبات، و هو عن أمر يقوم بالقلب من الحق، فلا يقال فيه إنه لوح محو و إثبات لأنه صاحب كشف،
و إنما وقع المحو في ظاهر الكون و بقيت حكمته في القلب «وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» فلو كان صاحب الكتاب مؤمنا بكل كتابه ما ضل أبدا- إشارة- «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ» يمحو الأسباب من قلوب الموحدين و يثبت نفسه، و يمحو الوحدانية من قلوب الناظرين و يثبت الأسباب «وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» و هي السابقة التي لا تتبدل و لا تمحى، فأم الكتاب هو الكتاب الذي فيه ما كان قبل إيجاده و ما يكون، كتاب ذو قدر معلوم فيه بعض أعيان الممكنات و ما يتكون عنها و فيه قضاء اللّه و حكمه و هو كتاب محصور لأنه موجود و علم اللّه في الأشياء لا يحصره كتاب مرقوم و لا يسعه رق منشور و لا لوح محفوظ و لا يسطره قلم عليّ، و من هذا الكتاب سمي الحق عليما و له القضاء الذي يحكم على القدر- الوجه الثاني- «وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»
اعلم أن تحقيق عندية كل شيء نفسه و العندية في اللسان ظرف مكان أو ظرف محلي كالجسم للعرض اللوني الذي يدركه البصر فهو أجلى فيما ترومه من الدلالة فهو بحيث محله و صاحب المكان ما هو بحيث المكان و العندية جامعة للأمرين «وَ عِنْدَهُ» أي الحق فهو «أُمُّ الْكِتابِ» و هو القرآن فإنه صفة الحق فالقرآن أم الكتاب الذي عنه خرجت الكتب المنزلة و اختلفت الألسنة به لقبولها إياه بحقيقته فقيل فيه: إنه عربي و إنه عبراني و إنه سرياني بحسب اللسان الذي أنزل به و القرآن من جملة الكتب إلا أن له الجمعية دون سائر الكتب.
[سورة الرعد (13): آية 40]
وَ إِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ عَلَيْنَا الْحِسابُ (40)
فإنما عليك البلاغ و قد فعل صلّى اللّه عليه و سلم و أبان «وَ عَلَيْنَا الْحِسابُ».
[سورة الرعد (13): آية 41]
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41)
«وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ» فإنه المقيت فقد ترتبت الأمور ترتيب الحكمة فلا معقب لحكمه فهو في كل حال يفعل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي فعل حكيم عالم بالمراتب.
[سورة الرعد (13): آية 42]
وَ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَ سَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42)
«فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً» يعني المكر المضاف إلى عباده و المكر المضاف إليه سبحانه فنفى المكر عنهم «يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ» فأتى بلفظ كل و هي حرف شمول فشملت كل نفس فما تركت شيئا في هذا الموضع «وَ سَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ» الكافر الذي ستر عنه هذا العلم في الحياة الدنيا «لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ» في الدار الآخرة حيث ينكشف الغطاء عن الأعين فيعلم من كان يجهل.
[سورة الرعد (13): آية 43]
وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 428