تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الحجر
(15) سورة الحجر مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الحجر (15): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)
[ «وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ» الآية]
من مال إلى الآمال اخترمته الآجال، للّه رجال أعطاهم التعريف طرح التسويف فأزال عنهم الحذر و الخوف السين و السوف، تعبدهم الحال في زمان الحال، ليس بالمؤاتي من اشتغل بالماضي و الآتي، إذا علم صاحب الأمل أن كل شيء يجري إلى أجل اجتهد في العمل، فإذا انقضى العدد، و انتهت المدد و طال الأمد، و جاء الرحيل، و وقف الداعي على رأس السبيل، لم يحز قصب السبق، إلا المضمر المهزول في الحق.
[سورة الحجر (15): الآيات 4 الى 6]
وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)
[أخفى اللّه تعالى في الدنيا ما يجب من تعظيم محمد صلّى اللّه عليه و سلم لعلو منزلته]
أخفى اللّه تعالى في الدنيا ما يجب من تعظيم محمد صلّى اللّه عليه و سلم لعلو منزلته، كما أخفى ما يستحقه جل جلاله من تعظيم عباده إياه و أطلق الألسنة عليه بأن له صاحبة و ولدا و ما وقع به التعريف مما لا يليق به، كذلك قيل فيه صلّى اللّه عليه و سلم إنه ساحر مجنون كذاب و غير ذلك، فإذا كان يوم القيامة، و ظهر الحق سبحانه في عزته و كبريائه، فذل كل موجود تحت عزته على الكشف، و ذهبت الدعاوى و تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ظهر أيضا في ذلك اليوم مقام محمد صلّى اللّه عليه و سلم و سيادته على الناس، و افتقار الخلق إليه من سائر الأمم في فتح باب الشفاعة، و بان فضله على سائر الأنبياء و الرسل، فعلم هنالك عظم منزلته عند ربه، كما تظهر عزة كل مقرب عند سلطان عند ظهور سلطانه و دولته.
[سورة الحجر (15): الآيات 7 الى 9]
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9)
[ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا) نون العظمة في الواحد]
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا) نون العظمة في الواحد قول من لا علم له بالحقائق و لا بلسان العرب، و اللّه كثير بالأحكام، فإن له الأسماء الحسنى، و كل اسم علامة على حقيقة معقولة ليست هي الأخرى، فمعقول نحن ما هو معقول إني، فالجمع على حقيقته من حيث الأسماء الإلهية، فالنون على بابها في الجمع، و غاية من قدر على معناها و قرب أن قال إذا قال بقوله جماعة لمكانته و شرفه و لا يرد له قول، فبذلك الاعتبار يكنى بالنون عن الواحد، و ليس كذلك و لكنه أقرب الوجوه، بل الوجه الصحيح أن الكناية هنا عن الأسماء التي عنها تقع الآثار على اختلافها، و إن جمعتها ذات واحدة، فهو العالم من حيث كذا، و القادر من حيث كذا، و المريد من حيث كذا، و الرازق من حيث كذا، فكثرت الوجوه و النسب فطلبت النون (الذِّكْرَ) يريد القرآن، فالذكر هو القرآن (وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) من التغيير و التبديل و التحريف، فهو محفوظ أن يزاد فيه أو ينقص منه بطريق التغيير لكونه معجزة، و لم يكن ذلك لغيره من الكتب، لأن سائر الكتب لم تنزل على طريق الإعجاز، فلذلك حرف فيها من حرف و بدل من بدل، و لما كان الحق في هذه الأمة سمع العبد و بصره و لسانه و يده تولى اللّه فينا حفظ ذكره، و استحفظ كتابه غير هذه الأمة فحرفوه.
[سورة الحجر (15): الآيات 10 الى 21]
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)
لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (16) وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (17) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18) وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)
وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (20) وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)
[ «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ» الآية]
إن هنا بمعنى ما، فعم بها و بشيء، و جعله مخزونا في خزائن غيبه، و لهذا قلنا إن الكون صادر من وجود، و هو ما تحويه هذه الخزائن إلى وجود، و هو ظهورها من هذه الخزائن لأنفسها بالنور الذي تكشف به نفسها، فإنها في ظلمة الخزائن محجوبة عن رؤية ذاتها، فهي في حال عدمها، و الحقيقة أنّا عن الحق صدرنا من كوننا عنده في الخزائن كما أعلمنا فعلمنا، فهو صدور لم يتقدمه ورود كما هو في بعض الأمور فمن قال إن الصدور بعد الورود فما عنده علم بحقائق الوجود، فلو لا نحن ثابتين في العدم ما صح أن تحوي علينا خزائن الكرم، فلنا في العدم شيئية غير مرئية، أما قوله: (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) فذلك إذ لم يكن مأمورا، فقيده بالذكر في محكم الذكر (إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) عندية اللّه على قسمين، أعني ما هو عنده، القسم الواحد ما هو عليه من الأمر الذي يعقل زائدا على هويته، و إن لم نقل فيه إنه غير و لا عينه أيضا، كالصفات المنسوبة إليه، لا هي هو و لا هي غيره، و قد يكون عنده ما يحدث فينا و لنا، و الكل عند اللّه، فما ثم معقول و لا موجود يحدث عنده، بل الكل مشهود العين له بعين ثبوت و وجود، فالثبوت خزائنه، و الوجود ما يحدثه عندنا من تلك الخزائن، و العندية أضيفت إلى الحق، فاختلفت إضافات العندية باختلاف ما أضيفت إليه من اسم و ضمير و كناية، و هي ظرف ثالث ليس بظرف زمان و لا ظرف مكان مخلص، بل ما هو ظرف مكانة جملة واحدة على الإطلاق-
الوجه الأول- الخزائن:ثم إن اللّه جعل عنديته ظرفا لخزائن الأشياء، و من هذه الخزائن تخرج الأشياء إلى وجود أعيانها، فهي في الخزائن محفوظة موجودة للّه، ثابتة لأعيانها غير موجودة لأنفسها، فالأشياء الموجودة بالنظر إلى أعيانها موجودة عن عدم، و بالنظر إلى كونها عند اللّه في هذه الخزائن هي موجودة عن وجود، فأعيان العالم محفوظون في خزائنه عنده، و خزائنه علمه، و مختزنه نحن، فنحن أثبتنا له حكم الاختزان، لأنه ما علمنا إلا منا، و معلوم أن اللّه يخلق الأشياء و يخرجها من العدم إلى الوجود، و هذه الإضافة تقتضي بأنه يخرجه من الخزائن التي عنده، فهو يخرجها من وجود لم تدركه إلى وجود تدركه، فما خلصت الأشياء إلى العدم الصرف، بل ظاهر الأمر أن عدمها من العدم الإضافي، فإن الأشياء في حال عدمها مشهودة له يميزها بأعيانها، مفصلة بعضها عن بعض، ما عنده فيها إجمال، فخزائنها أعني خزائن الأشياء التي هي أوعيتها المخزونة فيها إنما هي إمكانات الأشياء ليس غير ذلك، لأن الأشياء لا وجود لها في أعيانها، بل لها الثبوت، و الذي استفادته من الحق الوجود العيني، فتفصلت للناظرين و لأنفسها بوجود أعيانها، و لم تزل مفصلة عند اللّه تفصيلا ثبوتيا، ثم لما ظهرت في أعيانها و أنزلها الحق من عنده أنزلها في خزائنها، فإنّ الإمكان ما فارقها حكمه، فلو لا ما هي في خزائنها ما حكمت عليها الخزائن، فما لها خروج من خزائن إمكانها، و الخزائن لا تكون خزائن إلا بما يختزن بها، فالأشياء عند اللّه مختزنة في حال ثبوتها، فإذا أراد تكوينها لها أنزلها من تلك الخزائن و أمرها أن تكون، فتكتسي حلة الوجود فيظهر عينها لعينها، و لم تزل ظاهرة للّه في علمه أو لعلمه بها، فليست الخزائن إلا المعلومات الثابتة، فإنها عنده ثابتة يعلمها و يراها و يرى ما فيها، فيخرج منها ما شاء، و هي مع كونها في خزائن، فيتخيل فيها الحصر و التناهي،
و إنما هي غير متناهية،- الوجه الثاني- اعلم أن الخزائن التي عند الحق على نوعين، نوع منها خزائن الثبوت للممكنات، و النوع الثاني منها خزائن وجودية لمختزنات موجودة، كشيء يكون عند زيد، من جارية أو غلام أو فرس أو ثوب أو دار أو أي شيء كان، فزيد خزانته، و ذلك الشيء هو المختزن، و هما عند اللّه، فإن الأشياء كلها بيد اللّه، فيفتقر عمرو إلى اللّه تعالى في ذلك الذي عند زيد أن يكون عنده، كان ما كان، فيلقي اللّه في قلب زيد أن يهب ذلك الشيء أو يبيعه أو يزهد فيه و يكرهه فيعطيه عمروا، فمثل هذا من خزائن الحق التي عنده، و العالم على هذا كله خزائن بعضه لبعض، و هو عين المختزن، و العالم خزانة مخزون، و انتقال مختزن من خزانة إلى خزانة فما أنزل منه شيء إلى غير خزانة، فكله مخزون عنده، فهو خزانته على الحقيقة التي لا يخرج شيء عنها، و ما عدا الحق فإن المختزن يخرج عنها إلى خزانة أخرى، فالافتقار للخزائن من الخزائن إلى الخزائن، و الكل بيد اللّه و عنده، فهو الصمد الذي يلجأ إليه في الأمور و يعول عليه، و من هنا يتعلق المتوكلون في حال توكلهم على ما توكلوا عليه، فمنهم المتوكل على اللّه، و منهم المتوكل على الأسباب، غير أن الأسباب قد تخون من اعتمد عليها و لجأ إليها في أوقات، و الحق تعالى لا يسلم من توكل عليه و فوض أمره إليه.- الوجه الثالث-
في هذه الخزائن: هي الخزائن الموجودة في الفلك الأطلس فلك البروج، فإن لكل ملك من الأملاك الاثني عشر في كل برج ملكه إياه ثلاثين خزانة، تحتوي كل خزانة منها على علوم شتى يهبون منها لمن ينزل بهم على قدر ما تعطيه رتبة هذا النازل (وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) فله موازين، فما يتميز عنده إلا ما هو موجود له، و لا يجري القدر إلا في عين مميزة عن غيرها، و ليس هذا صفة المعدوم من كل وجه، فدل ذلك كله على وجود الأعيان للّه تعالى في حال اتصافها بالعدم لذاتها، و هذا هو الوجود الأصلي لا الإضافي و العدم الإضافي، كما يدل قوله تعالى (وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) على أن ترتيب الإيجاد يؤذن بالتوقيت على مقتضى الحكمة من اسمه الحكيم، فينزل الأرزاق بقدر معلوم في الدنيا، فإذا كان في الآخرة عاد الحكم فيما تحوي عليه هذه الخزائن التي عند اللّه إلى العبد العارف الذي كمل اللّه سعادته، فيدخل فيها متحكما فيخرج منها ما يشاء بغير حساب، و لا قدر معلوم، بل بحكم ما يختاره في الوقت، فإن المسعود في الآخرة يعطى التكوين، و يكشف له عن نفسه أنه عين الخزانة التي عند اللّه، فإنه عند اللّه، فكل ما خطر له تكوينه كونه، فلا يزال في الآخرة خلاقا دائما، فارتفع التقدير فهو يتبوأ من الجنة حيث يشاء.
[سورة الحجر (15): الآيات 22 الى 26]
وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22) وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ (23) وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)
[خلق الإنسان الأول]
لما خلق اللّه الإنسان من طين تركه مدة يختمر بما يمر عليه من الهواء الحار الذي يتخلل أجزاء طينته، فتخمر و تغيرت رائحته فكان حمأ مسنونا متغير الريح، ثم طبخت هذه الطينة بركن النار فظهرت فخارة الإنسان و التأمت أجزاؤه و قويت و صلبت، فكان صلصالا كالفخار.
[سورة الحجر (15): آية 27]
وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (27)
الجان خلقه اللّه قبل خلق آدم، و الجان مخلوق من الأركان، و جعل أغلب جزء فيه النار، كما جعل أعظم جزء في آدم التراب، لذا علا إبليس عند نفسه لأن أصله من اللهب، و لهب النار يطلب العلو، فلهذا تكبر، و لما كان لهبا كان إذا جاءه الهواء من أعلاه عكس رأس اللهب إلى السفل قسرا و قهرا، كذلك إبليس لما جاءه هواه من تكبره على آدم لنشأته عكسه إلى الأرض فأهبط، لا بل أهبط إلى أسفل سافلين.
[سورة الحجر (15): آية 28]
وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)
لما غلب على آدم في نشأته التراب، و له السكون بخلاف لهب النار، ثبت على عبوديته و تواضعه فسعد، و كونه (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) لهذا يتغير كل ما يحل فيه من الأطعمة و الأشربة و يستحيل إلى الروائح القبيحة، و يندرج في هذا الكلام النشأة الأخروية و استحالة ما يحل فيها من الطعام و الشراب إلى الروائح الطيبة.
[سورة الحجر (15): آية 29]
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29)
خلق الإنسان الأول- لما خلق اللّه العالم من أفلاك و سماوات و جان و معدن و نبات و حيوان أخذ التراب اللزج و خلطه بالماء، فصيره طينا بيديه تعالى كما يليق بجلاله، إذ ليس كمثله شيء، و تركه مدة يختمر بما يمر عليه من الهواء الحار الذي يتخلل أجزاء طينته، فتخمرو تغيرت رائحته فكان حمأ مسنونا متغير الريح، ثم طبخت هذه الطينة بركن النار، فظهرت فخارة الإنسان و التأمت أجزاؤه و قويت و صلبت، فقصرها بالماء الذي هو عنصر الحياة، فأعطاها الماء من رطوبته و ألان بذلك من صلابة الفخار ما ألان، فسرت فيه الحياة و أمده الركن الهوائي بما فيه من الرطوبة و الحرارة ليقابل بحرارته برد الماء، فامتنعا فتوفرت الرطوبة عليه فأحال جوهرة طينته إلى لحم و دم و عضلات و عروق و أعصاب و عظام، و هذه كلها أمزجة مختلفة لاختلاف آثار طبيعة العناصر الأربعة، و هي الماء و التراب و الهواء و النار و استعدادات أجزاء هذه النشأة، فلذلك اختلفت أعيان هذه النشأة الحيوانية فاختلفت أسماؤها لتتميز كل عين عن غيرها، فلما أكمل النشأة الجسمية النباتية الحيوانية و ظهر فيها جميع قوى الحيوان أعطاه الفكر من الاسم الإلهي المدبر، فإن الحيوان جميع ما يعمله من الصنائع و ما يعلمه ليس عن تدبير و لا روية، بل هو مفطور على العلم بما يصدر عنه، لا يعرف من أين حصل له ذلك الإتقان و الإحكام، كالعناكب و النحل بخلاف الإنسان،
فإنه يعلم أنه ما استنبط أمرا من الأمور إلا عن فكر و روية و تدبير، فيعرف من أين صدر، و بهذا القدر سمي إنسانا لا غير، و هي حالة يشترك فيها جميع الناس إلا الإنسان الكامل، فإنه زاد على الإنسان الحيواني بتصريفه الأسماء الإلهية التي أخذ قواها من خلقه على الصورة، فجعل الإنسان الكامل خليفة، و أما الإنسان الحيواني فحكمه حكم سائر الحيوان، إلا أنه يتميز عن غيره من الحيوان بالفصل المقوم له، كما يتميز الحيوان بعضه عن بعض بالفصول المقومة لكل واحد من الحيوان، فالإنسان الحيوان من جملة الحشرات، فإذا كمل فهو الخليفة فاجتمعا لمعان و افترقا لمعان، و بعد استعداد خلق الجسد نفخ فيه الحق من روحه فصار للإنسان نفس أصلها الطهارة من حيث أبوها، و لم يظهر لها عين إلا بوجود الجسد الطبيعي، فكانت الطبيعة الأب الثاني، فخرجت النفوس ممتزجة فلم يظهر فيها إشراق النور الخالص المجرد عن المواد و لا الظلمة الغائية التي هي حكم الطبيعة،
و اعلم أن النفس التي هي لطيفة العبد المدبرة هذا الجسم لم يظهر لها عين إلا عند تسوية هذا الجسد و تعديله، فحينئذ نفخ فيه الحق من روحه، فظهرت النفس بين النفخ الإلهي و الجسد المسوى، و لهذا كان المزاج يؤثر فيها، فالنفوس الإنسانية نتيجة عن هذه الأجسام العنصرية و متولدة عنها، فإنها ما ظهرت إلا بعد تسوية هذه الأجسام و اعتدال أخلاطها، فهي للنفوس المنفوخة فيها من الروح المضاف إليه تعالى كالأماكن، تطرح الشمس شعاعاتها عليها فتختلف آثارها باختلاف القوابل، أين ضوء الشمس في الأجسام الكثيفة منه في الأجسام الصقيلة؟
فلهذا تفاضلت النفوس لتفاضل الأمزجة، فترى نفسا سريعة القبول للفضائل و العلوم، و نفسا أخرى من الضد منها، و بينهما متوسطات، فكانت النفوس عن الطبيعة فهي أمها و أبوها الروح، و لا تتقوى النفس بأبيها إلا إذا أيدها اللّه بروح قدسي ينظر إليها، فحينئذ تقوى على حكم الطبيعة، فلا تؤثر فيها التأثير الكلي و إن بقي فيها أثر، فإنه لا يمكن زواله بالكلية، ففرّق الحق بين روح الأمر و بين روح ياء الإضافة، فجعل روح الأمر لما يكون به التأييد، و جعل روح الياء لوجود عين الروح الذي هو كلمة الحق المنفوخ في الطبيعة، فمن حيث النفخ الإلهي لا تفاضل، و إنما التفاضل في القوابل، فالنفس لها وجه إلى الطبيعة و وجه إلى الروح الإلهي، و أضاف الروح إلى نفسه بياء الإضافة ينبه على مقام التشريف، أي أنك شريف الأصل فلا تغفل إلا بحسب أصلك، لا تفعل فعل الأراذل، و سميت حقيقة الإنسان لطيفة لأنها ظهرت بالنفخ عند تسوية البدن للتدبير من الروح المضاف إلى اللّه، من قوله: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) و هو النفس الإلهي، فهي سر إلهي لطيف ينسب إلى اللّه على الإجمال من غير تكييف، و أعطيت هذه الحقيقة في هذا المركب الآلات الروحانية و الحسية لإدراك علوم لا يعرفها إلا بوساطة هذه الآلات، و هذا من كونه لطيفا أيضا، فإنه من الإمكان العقلي فيما يظهر لبعض العقلاء من المتكلمين أن يعرف ذلك الأمر من غير وساطة هذه الآلات، و هذا ضعيف في النظر، فإنا ما نعني بالآلات إلا المعاني القائمة بالمحل، فنحن نريد السمع و البصر و الشم، لا الأذن و العين و الأنف، و هو لا يدرك المسموع إلا من كونه صاحب سمع لا صاحب أذن، و كذلك لا يدرك المبصر إلا من كونه صاحب بصر لا صاحب حدقة و أجفان، فإذا إضافات هذه الآلات لا يصح ارتفاعها، و لما ظهر عين هذه اللطيفة التي هي حقيقة الإنسان كان هذا أيضا عين تدبيرها لهذا البدن من باب اللطائف، لأنه لا يعرف كيف ارتباط الحياة لهذا البدن بوجود هذا الروح اللطيف، لمشاركة ما تقتضيه الطبيعة فيه من وجود الحياة التي هي الروح الحيواني، فظهر نوع اشتراك، فلا يدري على الحقيقة هذه الحياة البدنية الحيوانية هل هي لهذه اللطيفة الظاهرة عن النفخ الإلهي المخاطبة المكلفة أو الطبيعة أو للمجموع إلا من علم ذوقا أنه ما في العالم إلا حي ناطق بتسبيح ربه تعالى بلسان فصيح ينسب إليه بحسب ما تقتضيه حقيقته،
و اعلم أنه لما خلق اللّه تعالى الإنسان من جملة خلقه، خلقه إماما و أعطاه الأسماء، و أسجد له الملائكة و جعل له تعليم الملائكة ما جهلوه، و لم يزل في شهود خالقه، فلم تقم به عزة بل بقي على أصله من الذلة و الافتقار، و لما حمل الأمانة عرضا و جرى ما جرى قال هو و زوجته إذ كانت جزءا منه (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) بما حملاه من الأمانة، ثم إن بنيه اعتزوا لمكانة أبيهم من اللّه لما اجتباه ربه و هدى به من هدى، و رجع عليه بالصفة التي كان يعامله بها، ابتداء من التقريب و الاعتناء الذي جعله خليفة عنه في خلقه و كمل به و فيه وجود العالم، و حصّل الصورتين، صورة خلقه على صورة الحق و صورة خلقه مجموعا لصورة العالم، ففاز بالسورتين أعني المنزلتين، منزلة العزة بالسجود له و منزلة الذلة بعلمه بنفسه، و جهل من جهل من بنيه ما كان عليه أبوه من تحصيل المنزلتين و الظهور بالصفتين، فراضهم الاسم المذل من حضرة الإذلال، فأخرجهم عن الإدلال بالدال اليابسة، و ذلك لما اعتنى اللّه به من بنيه فأشهدهم عبوديتهم فتقربوا إليه بها، و لا يصح أن يتقرب إلى اللّه إلا بها، و كان سبب ذلك ما حصل في نفوس البنين من العزة التي حصلت له من رتبة أبيه من خلقه على الصورة الإلهية، كما أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن اللّه خلق آدم على صورته، و اختلف في ضمير الهاء من صورته على من يعود، فهو على الصورة الإلهية و في رواية و إن ضعفت على صورة الرحمن، و لو علم من يجهل هذا أنه ما من شيء في العالم إلا و له حظ من الصورة الإلهية، و العالم كله على الصورة الإلهية، و ما فاز الإنسان الكامل إلا بالمجموع، و ما كملت الصورة من العالم إلا بوجود الإنسان، فامتاز الإنسان الكامل عن العالم، مع كونه من كمال الصورة للعالم الكبير بكونه على الصورة بانفراده من غير حاجة إلى العالم، فلما امتاز سرى العز في أبنائه، أي في بعض بنيه، فراضهم اللّه بما شرع لهم، فقال لهم إن كنتم اعتززتم بسجود الملائكة لأبيكم فقد أمرتكم بالسجود للكعبة، فالكعبة أعز منكم إن كان عزكم للسجود، فإنكم في أنفسكم أشرف من الملائكة التي سجدت لكم أي لأبيكم، و أنتم مع دعواكم في هذا الشرف تسجدون للكعبة الجمادية، و من عصى منكم عن السجود لها التحق بإبليس الذي عصى بترك سجوده لأبيكم، فلم يثبت لكم العز بالسجود مع سجودكم للكعبة و تقبيلكم الحجر الأسود على أنه يمين اللّه محل البيعة الإلهية كما أخبرتكم، و إن كنتم اعتززتم بالعلم لكون أبيكم علم الملائكة الأسماء كلها
[سر في السجود]
فإن جبريل عليه السلام من الملائكة و هو معلم أكابركم، و هم الرسل صلوات اللّه عليهم و سلامه، و النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم يقول حين تدلى إليه ليلة إسرائه رفرف الدر و الياقوت فسجد جبريل عليه السلام و لم يسجد النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و قال: فعلمت فضل جبريل علي في العلم عند ذلك، ثم إنكم عن لمة الملك تتصرفون في مرضاة اللّه، فهم الذين يدلونكم على طرق سعادتكم و التقرب، فبأي شيء تعتزون على الملائكة، فكونوا مثل أبيكم تسعدوا، و ما ثم فضل إلا بالسجود و العلم و قد خرج من أيديكم، و الذين لهم العزة من النبيين ليس إلا الرسل و المؤمنون، فمن ارتاض برياضة اللّه فقد أفلح و سعد- سر في السجود- قال تعالى في الملأ الأعلى إذ يختصمون، و لهذا أمروا بالسجود لآدم عليه السلام، فإن الاعتراض خصام في المعنى و الخصم قوي، فلما أعطي الإمامة و الخلافة و أسجدت له الملائكة، و عوقب من أساء الأدب عليه و تكبر عليه بنشأته، و أبان عن رتبة نفسه بأنها عين نشأته، فجهل أوّلا فكان بغيره أجهل، و لا شك أن هذا المقام يعطي الزهو و الافتخار لعلو المرتبة، و الزهو و الفخر داء معضل و إن كان باللّه تعالى، فأنزل اللّه لهذا الداء دواء شافيا، فأمر الإمام بالسجود للكعبة، فلما شرب هذا الدواء برىء من علة الزهو و علم أن اللّه يفعل ما يريد و ما تقدم على من تقدم عليه من الملائكة بالصفة التي أعطاه اللّه لعلو رتبته على الملائكة، و إنما كان ذلك تأديبا من اللّه لملائكته في اعتراضهم، و هو على ما هو عليه من البشرية، كما أنه قد علم أنه ما سجد للكعبة لكون هذا البيت أشرف منه،
و إنما كان دواء لعلة هذه الرتبة، فكأن اللّه حفظ على آدم صحته قبل قيام العلة به، فإنه من الطب حفظ الصحة، و هو أن يحفظ المحل أن يقوم به مرض لأنه في منصب الاستعداد لقبول المرض، و قد علم أنه و إن سجد للبيت فإنه أتم من البيت في رتبته، فعلم أن الملائكة ما سجدت له لفضله عليهم، و إنما سجدت لأمر اللّه، و ما أمرها اللّه إلا عناية بها لما وقع منهم مما يوجب وهنهم، و لكنهم لما لم يقصدوا بذلك إلا الخير اعتنى اللّه بهم في سرعة تركيب الدواء لهم بما علمهم آدم من الأسماء، و بما أمروا به من السجود له، و كل له مقام معلوم، فابتليت الملائكة بالسجود جبرا لما أخذت من طهارتها الدعوى (و هي قولها أ تجعل فيها …)، فكان ذلك للملائكة كالسهو في الصلاة للمصلي، فأمر أن يسجد لسهوه، كذلك أمرت الملائكة أن تسجد لدعواها، فإن الدعوى سهو في حقها، فكان ذلك ترغيما للدعوى لا لهم
[وجه: أول ما خلق اللّه العقل]
– وجه- اعلم أن أول ما خلق اللّه العقل، و هو الذي ظهرت منه هذه العقول بوساطة هذه النفوس الطبيعية، و سماه اللّه في كتابه العزيز الروح، و أضافه إليه فقال في حق النفوس الطبيعية و حق هذا الروح و حق هذه الأرواح الجزئية التي لكل نفس طبيعية (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) و هو هذا العقل الأكبر «فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ».
[سورة الحجر (15): آية 30]
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)
فما بقي ملك إلا سجد لأنهم الذين قال اللّه لهم اسجدوا لآدم، و الملائكة هي الرسل من الأرواح خاصة، فإن الألوكة هي الرسالة في لسان العرب، و السجود هو التطأطؤ في اللسان فأمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود لمعلمهم سجود أمر- كسجود الناس إلى الكعبة- و تشريف، لا سجود عبادة نعوذ باللّه، و هو التواضع و الخضوع و الإقرار بالسبق و الفخر و الشرف و التقدم له، كتواضع التلميذ لمعلمه، و إذا حصل موجود في مقام تتعلم منه الملائكة، فأحرى من دونهم، و ذلك تشريف من اللّه سبحانه، و دليل قاطع على ثبوت إرادته (يختص برحمته من عباده من يشاء)- إشارة- إن المقام المحمود يكون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الآخرة، و كان في الدنيا لآدم أبي البشر، و قام فيه حين سجدت له الملائكة، و ظهر آدم في ذلك المقام لكونه كان يتضمن جسده بشرية محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و آدم هو الأب الأعظم في الجسمية و المقرب عند اللّه، و أول هذه النشأة الترابية الإنسانية، فظهرت فيه المقامات كلها حتى المخالفة، إذ كان جامعا للقبضتين قبضة الوفاق و قبضة الخلاف.
[سورة الحجر (15): آية 31]
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)
و نصب إبليس على الاستثناء المنقطع لا المتصل، و لو لا ما ذكر اللّه إبليس بالإباية ما عرفنا أنه أمر بالسجود.
[سورة الحجر (15): الآيات 32 الى 35]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (35)
فأقّت اللّه اللعنة إلى يوم الدين، فإنه تعالى أخبر عنه حاكيا و أقره عليه و لم ينكره (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ …) الآية و أخبر عنه بقوله: (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ) الآية، فالشيطان جرم النار لو فهمت.
[سورة الحجر (15): الآيات 36 الى 39]
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)
«قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ» فالتزيين الذي جاء به من قوله تعالى (وَ عِدْهُمْ) فإنه يتضمنه و قوله (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) هو عن تخلق من قوله (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) و لو لا التكليف ما قرب شيطان إنسانا بإغواء أبدا، و اعلم أن إبليس يستدرج كل طائفة من حيث ما هو الغالب عليها، فإنه عالم بمواقع المكر و الاستدراج، فيرسل خواطره الشيطانية على العامة بالمحظور فعلا كان أو تركا، و بالمكروه فعلا كان أو تركا في حق العبّاد من العامة، و يأتي بالمباح في حق المبتدئ من أهل طريق اللّه، و يأتي بالمندوب في حق المتوسطين من أهل اللّه أصحاب السماع، و يأتي العارفين بالواجبات، فلا يزال بهم حتى نووا مع اللّه فعل أمر ما من الطاعات، و هو في نفس الأمر عهد يعهده مع اللّه، فإذا استوثق منه في ذلك و عزم و ما بقي إلا الفعل أقام له عبادة أخرى أفضل منها شرعا، فيرى العارف أن يقطع زمانه بالأولى و يشرع في الثاني، فيفرح إبليس حيث جعله ينقض عهد اللّه بعد ميثاقه و العارف لا خبر له بذلك، و كل متمكن من أهل اللّه من ورثة الأنبياء يراها مع كونها حسنة هي خواطر شيطانية.
[سورة الحجر (15): آية 40]
إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
و هم الذين أخلصهم اللّه إليه مما ألقى إليهم العدو و فيهم من نور الحفظ و العصمة.
[سورة الحجر (15): الآيات 41 الى 42]
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42)
«إِنَّ عِبادِي» فأضافهم إليه، و عبيد اللّه عبدان: عبد ليس للشيطان عليه سلطان، و هو عبد الاختصاص، و هو الذي لا ينطق إلا باللّه، و لا يسمع إلا باللّه، فالحجة للّه لا له، (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) فإنها حجة اللّه و من عبيد الاختصاص من ينطق عن اللّه و يسمع من اللّه، فهذا أيضا من أهل الحجة البالغة، لأنه لا ينطق عن الهوى (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) و العبد الثاني، عبد العموم، و هو الذي قال عنهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم (وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ) فأضافهم إليه «لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» أي قوة و قهر و حجة، لأن اللّه تولى حفظهم و تعليمهم بما جعل فيهم من التقوى، و ما تجد في القرآن عبادا مضافين إليه سبحانه إلا السعداء خاصة، و جاء اللفظ في غيرهم بالعباد، فكل عبد توجه لأحد عليه حق من المخلوقين فقد نقص من عبوديته للّه بقدر ذلك الحق، فإن ذلك المخلوق يطلبه بحقه و له عليه سلطان به، فلا يكون عبدا محضا خالصا للّه، فالمضاف إليه سبحانه من عباده الذين هم عباده، و هم الذين لا سلطان لمخلوق عليهم في الآخرة، و هم المعصومون المحفوظون القائمون بحدود سيدهم الواقفون عند مراسمه، و قطع اللّه بهذه الآية يأس إبليس من عباد اللّه المخلصين أن يكون له عليهم سلطان و حكم فيهم، فهم المعصومون و المحفوظون في الباطن و في الظاهر من الوقوع عن قصد انتهاك حرمة اللّه، فخواطر المعصومين و المحفوظين كلها ما بين ربانية أو ملكية أو نفسية، و علامة ذلك عند المعصوم أنه لا يجد ترددا في أداء الواجب بين فعله و تركه، و يجد التردد بين المندوب و المكروه، و لا في ترك واجب تركه، لا يجد فيه التردد، لأن التردد في مثل هذين هو من خواطر الشيطان، فمن وجد في نفسه هذه العلامة علم أنه معصوم.
[سورة الحجر (15): الآيات 43 الى 44]
وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)
اعلم أن جهنم تحتوي على السموات و الأرض و الكواكب كلها فيها طالعة و غاربة على أهل النار بالحرور و الزمهرير، و أبوابها سبعة بحسب أعضاء التكليف الظاهرة، لأن باب القلب مطبوع عليه لا يفتح من حين طبع اللّه عليه عند ما أقر له بالربوبية و على نفسه بالعبودية، فللنار على الأفئدة اطلاع لا دخول لغلق هذا الباب،
[أبواب جهنم السبعة]
و أسماء أبواب النار السبعة: باب جهنم، باب الجحيم، باب السعير، باب سقر، باب لظى، باب الحطمة، باب سجين، و قيل باب الحامية و الهاوية بدلا من جهنم و سجين، و الباب المغلق و هو الثامن الذي لا يفتح، فهو الحجاب عن رؤية اللّه تعالى، و الأبواب السبعة مفتحة، لكل باب جزء من العالم و من العذاب مقسوم، و على كل باب ملك من الملائكة ملائكة السموات السبع، و سميت الأبواب بصفات ما وراءها مما أعدت له، و وصف الداخلون فيها بما ذكر اللّه تعالى في مثل قوله في لظى (إنها تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى وَ جَمَعَ فَأَوْعى) و قال ما يقول أهل سقر إذا قيل لهم (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) و قال في أهل الجحيم (إنه يكذب بيوم الدين) و وصفه بالإثم و الاعتداء ثم قال فيهم (إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) و هكذا في الحطمة و السعير.
[سورة الحجر (15): الآيات 45 الى 47]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (45) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47)
«عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» أي يقابل بعضهم بعضا.
[سورة الحجر (15): آية 48]
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (48)
النشأة التي تقوم من العناصر كلما نزل فيها من معدن إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان كان التعب أقوى في آخر الدرجات و هو الإنسان، و النصب أعم من التعب، فإنه سريع التغير فإن له الوهم، و لا شك أن الأوهام تلعب بالعقول «وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ» أي باقون في دار الكرامة لا يخرجون منها.
[سورة الحجر (15): آية 49]
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
[- إشارة- لا يمتحن بالدليل إلا صاحب الدعوى]
– إشارة- لا يمتحن بالدليل إلا صاحب الدعوى، فمن ادعى فقد عرض نفسه للبلوى «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» فقلنا بالجرأة على الخطايا.
[سورة الحجر (15): آية 50]
وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50)
فحلت الرزايا بحلول البلايا.
[سورة الحجر (15): آية 51]
وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51)
[- إشارة- الصوفية أضياف اللّه]
– إشارة- الصوفية أضياف اللّه، فإنهم سافروا من حظوظ أنفسهم و جميع الأكوان إيثارا للجناب الإلهي، فنزلوا به، فلا يعملون عملا إلا بإذن من نزلوا عليه، و هو اللّه، فلا يتصرفون و لا يسكنون و لا يتحركون إلا عن أمر إلهي، و من ليست هذه صفته فهو في الطريق يمشي يقطع مناهل نفسه حتى يصل إلى ربه، فحينئذ يصح أن يكون ضيفا، و إذا أقام عنده و لم يرجع كان أهلا، لأن أهل القرآن- و هو الجمع به تعالى- هم أهل اللّه و خاصته.
[سورة الحجر (15): الآيات 52 الى 56]
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) قالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (56)
لا يقنط من رحمة اللّه، إلا من ضل عن الطريق و تاه.
[سورة الحجر (15): الآيات 57 الى 75]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (60) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61)
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَ أَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ اتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)
وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68) وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ (69) قالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (70) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (71)
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)
[ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ»]
السمة هي العلامة و قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ»
قوله صلّى اللّه عليه و سلم (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) فالفراسة نور من أنوار اللّه عزّ و جل يهدي له عباده، و لها دلائل، و الفراسة الشرعية لا تشذ لأنها عن أمر إلهي، فهي مستمرة عند أهلها لأن دلائلها، في نفس من قامت به، بخلاف الفراسة الحكمية فإن أدلتها في نفس المتفرس فيه فقد تشذ، فالفراسة الشرعية هي أعلى درجات المكاشفة و ذلك أن لها علامات في الحس، بينها و بين عالم الغيب ارتباط، و هذا علم موقوف على الذوق خلاف الفراسة الحكمية فإنها موقوفة على التجربة و العادة و قد لا تصدق، و لما كانت الفراسة الشرعية نور اللّه تعالى فهي لا تعطي إلا الحقائق، و سبب حصولها جلاء عين البصيرة، و قد جعل اللّه لعالم علمها علامات في ظاهر الموجودات، كما جاء في الأثر عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين أخذ على الرجل في نظره إلى ما لا يحل له فقال له الرجل أوحي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال لا و لكن قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» رأيت ذلك في عينيك، فما جار و ما ظلم، من تفرس و حكم، يستخرج خفايا الأسرار، بما عنده من الأنوار، يعرف الماء في الماء، و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء، ليس بقائف، بل هو العارف يعرف الأول من كل شيء فيكشف بها كل خبء، يفور من بصره النور، و لا يبور، هو بالإيمان مشروط، و بحكمه مربوط، يمده المؤمن بما شاء من أسمائه، عند إنبائه، فلا يبطئ، و لا يخطي، له النفوذ و المضاء، و له الحكم و القضاء، و لا إمساك إن شاء و لا مضاء، فإن شاء لم يقض و إن شاء قضى، بما يكون و هو كائن و ما قد مضى، نوره لا يحتاج إلى مدد، و لا انقضاء مدد، و لا استبصار بأحد.
[سورة الحجر (15): الآيات 76 الى 79]
وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَ إِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَ إِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79)
الإمام المبين و هو الدفتر الأعظم الذي مع الحق على عرشه، و نقل منه في اللوح المحفوظ قدر ما يقع به التصريف في الدنيا إلى يوم القيامة، يتضمن ما في العالم من حركة و سكون، و اجتماع و افتراق، و رزق و أجل و عمل.
[سورة الحجر (15): الآيات 80 الى 85]
وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَ آتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84)
وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)
«وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ» و هو كل عالم علوي «وَ الْأَرْضَ» كل عالم سفلي، فالسماء من عالم الصلاح، و الأرض من عالم الفساد، و منه اشتقت اسم الأرضة لما تفسده من الثياب و الورق و الخشب «وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ» و هو الحق المخلوق به العالم، و في تفسيره وجوه – الوجه الأول- هو الوجود الصرف، لأنه قد قام الدليل على أنه ما ثمّ وجود أزلا إلا وجود الحق، فهو واجب الوجود لنفسه- الوجه الثاني- الحق المخلوق به هو العماء، و هو نفس الرحمن الذي هو علة الإيجاد من جانب الرحمة بالخلق، ليخرجهم من شر العدم إلى خير الوجود- الوجه الثالث- قال صلّى اللّه عليه و سلم أول ما خلق اللّه العقل، و هو الحق الذي خلق به السموات و الأرض- الوجه الرابع- الحق هنا هو ما يحكم اللّه به يوم القيامة بين عباده و في عباده و به أنزل الشرائع-
[كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف]
تحقيق- قال تعالى كما ورد (كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف) و لما كان المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس، لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب، فخرج ذلك النفس من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس، لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب، فخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد التعرف إليهم ليعرفوه، فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به، فكان ذلك العماء ماء جوهر العالم، فقبل صور العالم و أرواحه و طبائعه كلها، و هو قابل إلى ما لا يتناهى، فجميع الموجودات ظهرت في العماء بكن، أو باليد الإلهية، أو باليدين، إلا العماء فظهوره بالنفس خاصة، و لو لا ما ورد في الشرع النفس ما أطلقناه، مع علمنا به، و أصل ذلك حكم الحب، فبهذا الحب وقع التنفس فظهر النفس، فكان العماء، فهذا العماء هو الحق المخلوق به كل شيء، و سمي الحق لأنه عين النفس و النفس مبطون في المتنفس، فالعماء من تنفسه تعالى، و الصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن، فلما سمعنا كلامه تعالى و نحن ثابتون في جوهر العماء لم نتمكن أن نتوقف عن الوجود، فكنا صورا في جوهر العماء، فأعطينا بظهورنا في العماء الوجود للعماء بعد ما كان معقولي الوجود، حصل له الوجود العيني، فالأصل على هذا كان و هو العماء من النفس، و هو وجود و هو عين الحق المخلوق به و أجناس العالم مخلوقون من العماء، و أشخاص العالم مخلوقون من العماء أيضا و من أنواع أجناسه، فما خلق شيء من عدم لا يمكن وجوده، بل ظهر في أعيان ثابتة.
[سورة الحجر (15): آية 86]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (86)
و لا يعلم أحد للعالم مدة يقف عندها بجملتها، إلا أن اللّه تعالى بالجملة لم يزل خالقا و لا يزال دنيا و آخرة، و الآجال في المخلوق بانتهاء المدد لا في الخلق، فالخلق مع الأنفاس يتجدد، فما أعلم به خلقه علمه.
[سورة الحجر (15): آية 87]
وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)
[السبع المثاني]
يراجع تفسير فاتحة الكتاب في السبع المثاني- الفاتحة هي السبع المثاني، فهي سبع آيات تحتوي على جميع الآيات، فظهرت في الوجود حضرة تفرد و حضرة تجمع، فمن البسملة إلى الدين إفراد إلهي، و من اهدنا إلى الضالين إفراد العبد المألوه، و قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تشمل، و ما هي العطاء، و إنما العطاء ما بعدها، و إياك في الموضعين ملحق بالإفراد الإلهي، فصحت السبع المثاني، يقول العبد فيقول اللّه «وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ»– الوجه الأول- العظيم الصفات، و القرآن الجمع، و ليس سوى إياك نعبد و إياك نستعين- الوجه الثاني- «وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» قيد وصف القرآن في هذه الآية بالعظمة، فإن نزوله إذا كان بصفة العظمة أثر في القلب هيبة و جلالا و حياء و مراقبة و حضورا و إخباتا و انكسارا و ذلة و افتقارا و انقباضا و حفظا و مراعاة و تعظيما لشعائر اللّه، و انصبغ القرآن كله عنده بهذه الصفة، فأورثه عظمة عند اللّه و عند أهل اللّه، و لم يجهل أحد من المخلوقات عظمة هذا الشخص، إلا بعض الثقلين لأنهم ما سمعوا نداء الحق عليه بالتعريف، و قد ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [إذا أحب اللّه عبدا قال لجبريل: إني أحب فلانا، فيحبه جبريل، ثم يأمره أن يعلم بذلك أهل السماء، فيقول ألا إن اللّه تعالى قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء كلهم، ثم يوضع له القبول في الأرض].
[سورة الحجر (15): الآيات 88 الى 91]
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)
في قسم اللّه جل ثناؤه بالربوبية على إنفاذ سؤال التقرير على المشركين يوم القيامة، أقسم سبحانه على نفسه باسم الرب المضاف إلى نبيه محمد عليه السلام، فقال عزّ من قائل.
[سورة الحجر (15): الآيات 92 الى 94]
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)
فانصدع بأمر اللّه، لأنه ما قال له اصدع إلا و لا بد أن يكون قابلا لنفوذ أمر اللّه فيه حتى يسمى مصدوعا، فلو كان لا يقبل النفوذ لكان هذا الأمر عبثا، أ لا ترى إلى قوله تعالى «وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» فإنه لا ينفذ في المشرك، إذ لو نفذ لوحّد، فقال له:و أعرض، لأنهم ليسوا بمحل، فيأمر الرسول المشرك من غير صدع، و الذي علم منه أنه يجيب و يقبل الأمر و لو كان على كره هو الذي يصدع بالأمر.
[سورة الحجر (15): الآيات 95 الى 96]
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)
و هم الذين قالوا (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) و قالوا (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) أقسم سبحانه باسمه لنبيه و أضافه إليه إضافة الحضور و المشاهدة، تفريجا لغمه و طردا لهمه، و ثلجا لفؤاده، و شرحا لما ناله من الضيق و الحرج مما سمع في سيده و مرسله و حبيبه من رد أمره و خطابه و تكذيبه، و هذا هو المقام العالي الذي لا أعلى منه و لا أسنى، و يقع فيه التفاضل بين الرسل و بين الأنبياء و بين الأولياء، و لما كان عند النبي صلّى اللّه عليه و سلم سؤال الحق عباده عن أعمالهم بالتقرير و الإنكار و التوبيخ و التقريع من المشقات الكبيرة و الآلام العظام، أقسم له سبحانه بنفسه ليشتفي من أعدائه في ذلك الموطن، فقدّم له إخباره هذا، و أقسم عليه تأكيدا، لينقص عنه من ذلك الضيق الذي يجده بعض الشيء.
[سورة الحجر (15): آية 97]
وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97)
يعني في حق اللّه و تكذيبه، فهو لذلك يضيق صدره، فلما علم أن نبيه صلّى اللّه عليه و سلم في المقام الذي أوصله إليه سبحانه بعنايته التي تقتضي له أن يعامل الوقت كما ينبغي بما ينبغي لما ينبغي، أمره بالتسبيح الرباني ليشغله به عن ضيقه و ألمه و جرحه، و زواله بالكلية محال من أجل الموطن، و لهذا قال له في هذا الموطن في آية أخرى (وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) فأمره سبحانه بالاشتغال بالرب من مقام التذلل فقال.
[سورة الحجر (15): آية 98]
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)
فالرب هنا بمعنى السيد، و في التسبيح بمعنى الثابت، فأراد سبحانه بما أمره به من التسبيح الرباني و العبادة الربانية أن يغنيه عنهم إلى يوم يلقاه، و التسبيح التنزيه، و هو قسم من أقسام الحمد، فهو ثناء بعدم، و هو التنزه عن كل صفة تدل على الحدوث لاتصافه بالقدم، و احذر أن تسبح الحق بعقلك، و اجعل تسبيحه منك بالقرآن الذي هو كلامه، فتكون حاكيا لا مخترعا و لا مبتدعا، فهو أعلم بنفسه منك، و هو يحمد ذاته بأتم المحامد و هو قوله «بِحَمْدِ رَبِّكَ» فلا تسبحه تسبيحة واحدة بعقلك جملة واحدة، فإن الأدلة العقلية كثيرة التنافر للأدلة الشرعية في الإلهيات، فسبح ربك بكلام ربك و بتسبيحه، لا بعقلك الذي استفاده من فكره و نظره، فإنه ما استفاد أكثر ما استفاد إلا الجهل، فلا تتعد بالفكر محله «وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» يريد الذين لا يرفعون رءوسهم أبدا، و لا يكون ذلك إلا في سجود القلب، و لهذا قال له عقيب قوله «وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» تمم فقال.
[سورة الحجر (15): آية 99]
وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
[ «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»]
و لما كان القسم بالرب، جعل الحكم بالتسبيح لهذا الاسم و العبادة له، حتى لا يكون لاسم آخر سلطان عليه في هذه النازلة على هذا المقام، فقال له تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) و قال: «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ» المنعوت في الشرع «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»– الوجه الأول- فتعرف باليقين من سجد منك، و لمن سجدت، فتعلم أنك آلة مسخرة بيد حق قادر، اصطفاك و طهرك و حلاك بصفاته- الوجه الثاني- اعلم أن الأسماء الإلهية نسب، فمن عرف النسب فقد عرف اللّه، و من جهل النسب فقد جهل اللّه، و من عرف أن النسب تطلبها الممكنات فقد عرف العالم، و من عرف ارتفاع النسب فقد عرف ذات الحق من طريق السلب، فلا يقبل النسب و لا تقبله، و إذا لم يقبل النسب لم يقبل العالم، فقوله تعالى: «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ» نسبة خاصة من الاسم الرب المضاف «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» فتعلم من عبده و من العابد و المعبود- الوجه الثالث- «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» فينكشف الغطاء و يحتد البصر، فترى ما رأى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و تسمع ما سمع، فتلحق به في درجته من غير نبوة تشريع، بل وراثة محققة لنفس مصدقة متبعة- لذلك قرأ بعضهم من باب الإشارة «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ»– الوجه الرابع- «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» يعني الموت، لأنه أمر متيقن لا اختلاف في وقوعه في كل حيوان- الوجه الخامس- «اليقين»
[ «اليقين»]
حكم اليقين سكون النفس بالمتيقن، أو حركتها إلى المتيقن و هو ما يكون الإنسان فيه على بصيرة، أي شيء كان، فإذا كان حكم المبتغى حكم الحاصل فذلك اليقين، سواء حصل المتيقن أو لم يحصل في الوقت، و هو قول القائل لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، مع أن المتيقن ما حصل في الوجود العيني، فقال اللّه لنبيه و لكل عبد يكون بمثابته «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» و لما كان شرف اليقين بشرف المتيقن، لهذا جاء بالألف و اللام في قوله «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» يريد متيقنا خاصا، ما هو يقين يقع المدح به، بل هو يقين معيّن، و اليقين هو الذي يأتي طالبا المحل الذي ينزل فيه، فإذا تيقنت علمت بمن آمنت- الوجه السادس- إذا أضاف الحق نفسه إلى شيء من خلقه، فانظر إلى عبادة ما أضاف نفسه إليه فقم بها أنت، فإنك النسخة الجامعة، و ما عرفك الحق بهذه الإضافة الخاصة إلا لهذا، مثال الإله المضاف: و إلهكم، ربنا الذي أعطى، رب المشرق و المغرب، رب السموات، و رب آبائكم، رب المشرقين و رب المغربين فعطف، و ما أظهر الإضافة كما فعل في غير ذلك، ما فعله سدى، فاعبد ربك على ما قلته لك في كل إضافة حتى يأتيك اليقين، و إذا أتاك اليقين انجلى لك الأمر و عرفت شرف الإضافة، فإنه ما عبد أحد الإله المطلق عن الإضافة فإنه الإله المجهول.
بحث في اليقين- اليقين مقام شريف بين العلم و الطمأنينة، و ربما اشتق اليقين من يقن الماء إذا استقر، فاليقين استقرار الإيمان في القلب، و اعلم أن اليقين لما اعتنى به اللّه دون غيره من المقامات، أكمل نشأته فسوى ذاته أولا حين أرسله مطلقا، مثل قوله تعالى: «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» ثم جعل له عينا و علما و حقا و أخفى حقيقته، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: [لكل شيء حقيقة] و قد ثبت حق اليقين، فلا بد لهذا الحق من حقيقة، و هو حقيقة اليقين، فصار اليقين على هذا نشأة قائمة على أربعة أركان: علم و عين و حق و حقيقة، فالحقيقة سنّية، و الثلاثة الأركان الباقية كتابية، فاليقين اسم يكون منه فعل فيظهر في حضرة الأفعال على مراتبها، و لا يتمكن أن يوصف بوجه، بخلاف العلم، فلا يوصف بالقدم و يوصف بالعلم و العين و الحق و غير ذلك، و لما كان فلك اليقين واسعا، كان في حركته بطء لاتساع فلكه و لعلوه و ارتفاعه، فلا يظهر له في عالم التركيب ذلك الأثر الظاهر إلا عند القليل من المتروحنين من البشر، و ذلك لعلو هممهم، فإنها جازت عليه من فلكه و قربت منه فحصل آثاره فيها، و لذلك قال تعالى: (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) فجعلهم قوما، فإن الشكوك هي الغالبة و القطع على جهالة لا على يقين، فسمي القطع يقينا، و اليقين من جهة الحقيقة غير حاصل عند أكثر الناس، و إن القطع عندهم حاصل عندهم و يسمونه يقينا، و ليس كذلك، فلو كانت دائرة فلك اليقين قريبة منا سريعة الدور ضيقة الفلك لكانت سريعة الأثر، و كان الخلق أكثرهم على اليقين، فكانوا على سبيل الحق، لكن الأمر كما ترى بالعكس، و انظر في إشارة الشارع بقوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم (وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) و قلّل الصالحين فقال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ) فأين أنت من أصحاب اليقين الذين هم أقل من عمّال الصالحات، بل نبّه عليهم (بِقَوْمٍ) فهم أقل من القليل، و اليقين فوق الإيمان بلا شك، فأين الطمأنينة أبعد و أبعد، و أخبر صلّى اللّه عليه و سلم أنه يتعلم اليقين، و قيل له «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» و سر ذلك أنه قيل له (وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) و العلم لا بد بأن يستند إلى اليقين، لأن اليقين روح العلم و الطمأنينة حياته، فلا يزال يطلب الزيادة من العلم، فلا يزال يتعلم اليقين لارتباطه به، و هكذا في كل دقيقة من دقائق التفاصيل، و لما كان العلم بهذه المثابة انبغى لكل عاقل أن لا يسأل سواه في كل شيء،
و لما كان لليقين نشأة كاملة كانت له عين مميزة، فقيل عين اليقين، لئلا يتخيل السامع أنا نريد عين الشمس و غير ذلك، و نقول علم اليقين في العلم، لئلا يتخيل علم النحو أو علم الأدب، و كذلك حقّ اليقين، لئلا يتخيل حق قدره و حق تقاته إذا قلنا حق و لا نضيفه إلى اليقين، كذلك نقول حقيقة اليقين، لئلا يتخيل أنا نريد حقيقة الإيمان و حقيقة الوجود، فجاءت الإضافة قطعا، لأن اليقين هو مجموع هذه الأشياء فجازت، و اليقين ما بأيدي الناس منه إلا مجرد ذاته الجسمانية، أي حروفه اللفظية و الرقمية، و لذلك ما تجد أحدا إلا و هو يشك في المقدور، إما بعقده و إما بحاله ضرورة، و أدناها مرتبة هذه الكسيرة التي وقع القسم من اللّه عليها بضمانها، و لا بد أن يعطيها و لم يشترط فيها إيمانا و لا كفرا، و مع هذا كله لم يثلج صدره و لا حصل في النفس من اليقين علم و لا عين و لا حق و لا حقيقة، فأين أنت يا مسكين؟
فمن كشف اللّه له عن بصيرته و انحل قفله من أهل الكمال قليلون جدا، فانظر ما أعلى درجة اليقين، فإن عين اليقين بها ينظر إلى الهمم عند تسابقها إليه و تجاريها على براقات الأعمال الصالحات، فيشهدها خارجة من النفوس المسجونة في الهياكل الظلمانية، و اختراقها عالم الوهم و المثال الذي هو البحر الخضم الذي تهلك فيه أكثر الهمم، و تعاين هذا اليقين بالعين المضافة، فالصاحب يقول:
إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان يكلم دحية، و إنما كان جبريل عليه السلام، فإذا قال: إنه دحية فلا علم عنده و لا يقين، لكنه عنده القطع الذي يسميه يقينا، و اليقين إذا نظر بعينه إلى مثل ما ذكرناه و رأى رجوع الهمم يتعجب مما خلق اللّه عليه العقول من القصور، فما أشأم من وثق بعقله، أو قال إنه يعرف ربه بعقله، و إذا وصلت الهمم بالمسابقة إلى اليقين و هو ينظر إليها بعينه، أنزلها في حضرته و حصل من صور الهمم التي يمتاز بعضها من بعض صورة معقولة، لا يمكن للبصر أن يدركها، لأنها غيب، فيسلط علمه عليها، و هذا هو علم اليقين المضاف إليه، فعينك إذا لم تغلط من عين اليقين، و إذا غلطت من عين القطع، و علمك إذا لم يغلط من علم اليقين و إذا غلط فمن علم القطع، و هو قوله تعالى: [كنت سمعه و بصره] فلا يرى إلا اليقين و لا يعلم إلا اليقين، و أما حق اليقين فهو أن ينظر عند ما تميزت له صفات الفصل بين الهمم في الأمر الذي انبعثت عنه و حكم مزاج صاحب تلك الهمة و أين محله من عالمه و على ما ذا قامت بنيته حين يبدو له ما يعطي امتزاج أخلاطه من القوة، فيكون الإمداد بحسب ذلك، و أما حقيقة اليقين فهو أن ينظر في المقام المعلوم الذي منه نزل إلى أسفل سافلين، فإنه إلى ذلك ينتهي بعد التكليف و الالتحاق بالروحانيات العلى، فإن اللّه تعالى أوجد كل لطيفة إنسانية في مقامها الذي تؤول إليه كالملائكة سواء، ثم نزلت إلى تدبير الأبدان فهكذا الإنسان لا يزال يترقى إلى آخر نفسه الذي يموت عليه، و هو مقامه الذي نزل منه، و لذلك قال (وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) و لا يرجع إلى شيء إلا من خرج منه، فبذلك المقام تتعلق حقيقة اليقين.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 469