تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة القلم
(68) سورة القلم مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
من هذه السورة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم علم الأولين و الآخرين، و أنزل عليه الكتاب المكنون بحسن شيمه و تنزيهه عن الآفات و تقديسه، فقال تعالى في سورة «ن».
[سورة القلم (68): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ (1)
[ «ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ» من الملائكة:]
اعلم أن اللّه لما تسمى بالملك، رتب العالم ترتيب المملكة، فجعل له خواص من عباده هم الملائكة المهيمة، جلساء الحق تعالى بالذكر، ثم اتخذ حاجبا من الكروبيين واحدا، أعطاه علمه في خلقه و هو علم مفصل في إجمال، فعلمه سبحانه كان فيه مجلى له، و سمى ذلك الملك نونا، فلا يزال معتكفا في حضرة علمه عزّ و جل، و هو رأس الديوان الإلهي، و الحق من كونه عليما لا يحتجب عنه، ثم عين من ملائكته ملكا آخر دونه في المرتبة سماه القلم، و جعل منزلته دون النون،
و اتخذه كاتبا، فيعلمه اللّه سبحانه من علمه ما شاء في خلقه بوساطة النون، و لكن من العلم الإجمالي، و مما يحوي عليه العلم الإجمالي علم التفصيل، و هو من بعض علوم الإجمال، لأن العلوم لها مراتب من جملتها علم التفصيل، فما عند القلم الإلهي من مراتب العلوم المجملة إلا علم التفصيل مطلقا، و بعض العلوم المفصلة لا غير،
و اتخذ هذا الملك كاتب ديوانه، و تجلى له من اسمه القادر، فأمده من هذا التجلي الإلهي، و جعل نظره إلى جهة عالم التدوين و التسطير، فخلق له لوحا و أمره أن يكتب فيه جميع ما شاء سبحانه أن يجريه في خلقه إلى يوم القيامة خاصة، و أنزله منزلة التلميذ من الأستاذ، فتوجهت عليه هنا الإرادة الإلهية فخصصت له هذا القدر من العلوم المفصلة، و أمر اللّه النون أن يمد القلم بعلوم من علوم الإجمال، تحت كل علم تفاصيل و لكن معينة منحصرة لم يعطه غيرها-
و من وجه آخر إن اللّه لما خلق الملائكة و هي العقول المخلوقة، و كان القلم أول مخلوق منها، اصطفاه اللّه و قدمه و ولاه على ديوان إيجاد العالم كله، و قلده النّظر في مصالحه، و جعل ذلك عبادة تكليفه التي تقربه من اللّه، فما له نظر إلا في ذلك، و جعله بسيطا حتى لا يغفل و لا ينام و لا ينسى، فهو أحفظ الموجودات المحدثة،
و أضبطه لما علمه اللّه من ضروب العلوم، و قد كتبها كلها مسطرة في اللوح المحفوظ عن التبديل و التحريف، و مما كتبه فيه فأثبته علم التبديل، أي علم ما يبدل و ما يحرف في عالم التغيير و الإحالة، فهو على صورة علم اللّه لا يقبل التبديل، فقال تعالى للقلم [اكتب علمي في خلقي إلى يوم القيامة] و ذلك أن الحق لما سوى الصورة العقلية بأمره، أي صورة العقل الأول أو القلم كيفما شئت فسمّه، نفخ فيه روحا من أمره، فحملت صورة القلم في تلك النفخة بجميع علوم الكون إلى يوم القيامة، و جعلها أصلا لوجود العالم، و أعطاها الأولية في الوجود الإمكاني، فكان من علم القلم الذي علمه أن قال للحق أدبا مع المعلم: ما أكتب؟
هل ما علمتني أو ما تمليه علي؟ فهذا من أدب المتعلم إذا قال له المعلم قولا مجملا يطلب التفصيل، فقال له [اكتب ما كان و ما قد علمته، و ما يكون مما أمليه عليك، و هو علمي في خلقي إلى يوم القيامة لا غير] فكتب ما في علمه مما كان، فكتب العماء الذي كان فيه الحق قبل أن يخلق خلقه و ما يحوي عليه ذلك العماء من الحقائق،
و كتب وجود الأرواح المهيمة و ما هيمهم و أحوالهم و ما هم عليه، و ذلك كله ليعلمه، و كتب تأثير أسمائه فيهم، و كتب نفسه و وجوده و صورة وجوده، و ما يحوي عليه من العلوم، و كتب اللوح، فلما فرغ من هذا كله، أملى عليه الحق ما يكون منه إلى يوم القيامة، لأن دخول ما لا يتناهى في الوجود محال، فلا يكتب، فإن الكتابة أمر وجودي، فلا بد أن يكون متناهيا، و كتب القلم منكوس الرأس أدبا مع المعلم، لأن الإملاء لا تعلق للبصر به،
بل متعلق البصر الشيء الذي يكتب فيه، و السمع من القلم هو المتعلق بما يمليه الحق عليه، فأول استاذ من العالم هو العقل الأول، و أول متعلم أخذ عن أستاذ مخلوق هو اللوح المحفوظ، و المعلم على الحقيقة هو اللّه تعالى، و العالم كله مستفيد، طالب مفتقر ذو حاجة، و هو كماله، و اعلم أن في نفس النون الرقمية (ن)– التي هي شطر الفلك- من العجائب ما لا يقدر على سماعها إلا من شد عليه مئزر التسليم، و تحقق بروح الموت الذي لا يتصور ممن قام به اعتراض و لا تطلع،
و كذلك في نفس نقطة النون أول دلالة النون الروحانية المعقولة فوق شكل النون السفلية، التي هي النصف من الدائرة، و النقطة الموصولة بالنون المرقومة الموضوعة، أول الشكل التي هي مركز الألف المعقولة، التي بها يتميز قطر الدائرة، و النقطة الأخيرة التي ينقطع بها شكل النون و ينتهي بها هي رأس هذا الألف المعقولة المتوهمة، فتقدر قيامها من رقدتها فترتكز لك على النون فيظهر من ذلك حرف اللام، و النون نصفها زاي مع وجود الألف المذكورة،
فتكون النون بهذا الاعتبار تعطيك الأزل الإنساني، كما أعطاك الألف و الزاي و اللام في الحق، غير أنه في الحق ظاهر، لأنه بذاته أزلي لا أول له، و لا مفتتح لوجوده في ذاته بلا ريب، و الإنسان أزلي خفي فيه الأزل فجهل، لأن الأزل ليس ظاهرا في ذاته، و إنما صح فيه الأزل لوجه ما من وجوه وجوده، منها وجوده على صورته التي وجد عليها في عينه في العلم القديم الأزلي المتعلق به في حال ثبوته، فهو موجود أزلا، كما أن حقائقه مجردة عن الصورة المعينة معقولة أزلية تقبل القدم و الحدوث.
| إذا جاء بالإجمال نون فإنه | يفصله العلّام بالقلم الأعلى | |
| فيلقيه في اللوح الحفيظ مفصلا | حروفا و أشكالا و آياته تتلى | |
| و ما فصل الإجمال منه بعلمه | و ما كان إلا كاتبا حين ما يتلى | |
| عليه الذي ألقاه فيه مسطر | لتبلى به أكوانه و هو لا يبلى | |
| هو العقل حقا حين يعقل ذاته | له الكشف و التحقيق بالمشهد الأجلى | |
فالقلم و اللوح أول عالم التدوين و التسطير، و حقيقتهما ساريتان في جميع الموجودات علوا و سفلا، و معنى و حسا، و بهما حفظ اللّه العلم على العالم، و لهذا ورد في الخبر عنه صلّى اللّه عليه و سلّم [قيدوا العلم بالكتابة] و من هنا كتب اللّه التوراة بيده، و من هذه الحضرة اتخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كتّاب الوحي.
[سورة القلم (68): آية 3]
وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)
فإنه الإنسان الكامل، فإنه أكمل من عين مجموع العالم، إذ كان نسخة من العالم حرفا بحرف و يزيد، فإذا قال: اللّه؛ نطق بنطقه جميع العالم من كل ما سوى اللّه، و نطقت بنطقه أسماء اللّه كلها، المخزونة في علم غيبه، و المستأثرة التي يخص اللّه تعالى بمعرفتها بعض عباده، و المعلومة بأعيانها في جميع عباده، فقامت تسبيحته مقام تسبيح ما ذكرته، فأجره غير ممنون.
[سورة القلم (68): آية 4]
وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)
أثنى اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»
[ «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» الآية]
و لما سئلت عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، قالت: كان خلقه القرآن؛ تريد هذه الآية، يحمد ما حمد اللّه و يذم ما ذم اللّه بلسان حق، و إنما قالت ذلك لأنه أفرد الخلق، و لا بد أن يكون ذلك الخلق المفرد جامعا لمكارم الأخلاق كلها، و وصف اللّه ذلك الخلق بالعظمة كما وصف القرآن في قوله (وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) فكان القرآن خلقه، فمن أراد أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ممّن لم يدركه من أمته فلينظر إلى القرآن،
فإذا نظر فيه فلا فرق بين النظر إليه و بين النظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فكأن القرآن انتشأ صورة حسية يقال لها محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، و القرآن كلام اللّه و هو صفته، فكان محمد صفة الحق تعالى بجملته، فمن يطع الرسول فقد أطاع اللّه، لأنه لا ينطق عن الهوى، فهو لسان حق، فيكون محمد صلّى اللّه عليه و سلّم ما فقد من الدار الدنيا، لأنه صورة القرآن العظيم؛ و اعلم أن الأخلاق على ثلاثة أنواع:
خلق متعد و خلق غير متعد و خلق مشترك، فالمتعدي على قسمين: متعد بمنفعة كالجود و الفتوة، و متعد بدفع مضرة كالعفو و الصفح و احتمال الأذى مع القدرة على الجزاء و التمكن منه، و غير المتعدي كالورع و الزهد و التوكل، و أما المشترك فالصبر على الأذى من الخلق و بسط الوجه، قال صلّى اللّه عليه و سلّم [إن للّه تعالى ثلاثمائة و ستين خلقا من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة] قال أبو بكر: هل فيّ خلق منها يا رسول اللّه؟
قال: كلها فيك يا أبا بكر، و أحبها إلى اللّه تعالى السخاء، و كل شيء عظمه اللّه يتعين تعظيمه على كل مؤمن، و وصفه صلّى اللّه عليه و سلّم بقوله تعالى «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» فينظر المؤمن في القرآن، فكل نعت فيه قد مدحه اللّه و مدح طائفة من عباده- كانوا ما كانوا- فيعلم أن ذلك صفة مدح إلهي، فليعمل على الاتصاف بتلك الصفات،
و إذا ذكر اللّه في القرآن صفة ذم بها طائفة من عباده- كانوا ما كانوا- تعين عليه اجتنابها، فيأخذ القرآن منزلا فيه، كأن الحق ما خاطب به غيره، فإذا فعل مثل هذا كان خلقه القرآن، و عظمه الحق فعظم حيث تنفع العظمة، و مكارم الأخلاق معلومة عقلا و شرعا و عرفا، و التصرف بها و فيها معلوم شرعا، فمن اتصف بها على الوجه المشروع،
و زاد تتميم مكارم الأخلاق و هو إلحاق سفسافها بها، فتكون كلها مكارم أخلاق بالتصرف المشروع و المعقول، مثل الكذب في الإصلاح بين ذات البين، و الحرص في الدين، و الخداع في الحرب، فقد اتصف بكل ثناء إلهي، فأثنى تعالى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بقوله «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» ثم وصف لنا تعالى من خلقه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال اللّه تعالى (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) فللعبد أن يتخلق بالأسماء الإلهية حتى يرجع منها حقائق يدعى بها و ينسب إليها، سواء كان في حضرة الأفعال أو حضرة الصفات أو حضرة الذات.
[سورة القلم (68): الآيات 5 الى 9]
فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
مراعاة حق اللّه أولى من مراعاة الخلق، إذ مراعاة الخلق إن لم تكن عن مراعاة أمر الحق بها و إلا فهي مداهنة، و المداهنة نعت مذموم.
[سورة القلم (68): الآيات 10 الى 11]
وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)
قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [لا يدخل الجنة قتات] أي نمام، و قد ثبت أن المجالس بالأمانة، فلا تبلغ ذا سلطان حديثا بشرّ، فإن ذلك نميمة، و لا تنقل مجلسا.
[سورة القلم (68): الآيات 12 الى 13]
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13)
فإنه بصورته دخل في الألوهية و ليس بإله، فكان زنيما.
[سورة القلم (68): آية 14]
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ (14)
و المال يوجب الغنى فله صفة الغنى بما هو عليه من الصورة.
[سورة القلم (68): الآيات 15 الى 35]
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (17) وَ لا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ (19)
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)
وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (28) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29)
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (31) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (32) كَذلِكَ الْعَذابُ وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)
المسلم هو المنقاد إلى ما يراد منه.
[سورة القلم (68): الآيات 36 الى 42]
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (40)
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42)
«يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ»
[ «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ …» الآية]
أي عن أمر فظيع، و هو الأمر الذي يقوم عليه بيان أمر الآخرة، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها؛ و هو إذا حمي وطيسها و اشتد الحرب و عظم الخطب، و كشف الساق كما يؤذن بالشدة كذلك يؤذن بسرعة انقضاء المدة، فمع كل زعزع رخاء، و عند انتهاء الشدائد يكون الرخاء، يقال: كشفت الحرب عن ساقها، و عقدت عليها إزرة أطواقها، فاشتد اللزام، و كانت نزالا لما عظم القيام، و جاء ربك في ظلل من الغمام، و الملائكة للفصل و القضاء و النقض و الإبرام، و عظم الخطب و اشتد الكرب، و ماج الجمع بحكم الصدع، ففي الموقف ترفع الحجب بين اللّه و بين عباده، و هو كشف الساق، و يأمرهم داعي الحق عن أمر اللّه بالسجود، فلا يبقى أحد سجد للّه خالصا على أي دين كان إلا سجد السجود المعهود، و من سجد اتقاء و رياء جعل اللّه ظهره طبقة نحاس، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، فهذا قوله: «فَلا يَسْتَطِيعُونَ» فقوله تعالى:
«يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ» هو دعاء تمييز لا دعاء تكليف، فإن الآخرة ليست بمحل تكليف إلا في يوم القيامة في موطن التمييز، حين يدعون إلى السجود، إلا الحديث الذي أخرجه الحميدي في كتاب الموازنة و لم يثبت، و لما اقترن به الأمر أشبه التكليف، فجوزوا بالسجود جزاء المكلفين، فالتشريع لا يكون في الآخرة إلا في موطن واحد حين يدعون إلى السجود، ليرجح بتلك السجدة ميزان أصحاب الأعراف، فيقال بهذه السجدة يوم القيامة يرجح ميزان أهل الأعراف لأنها سجدة تكليف، فيسعدون فينصرفون إلى الجنة بعد ما كان منزلهم في سور الأعراف، ليس لهم ما يدخلهم النار و لا ما يدخلهم الجنة، و إن شئت قلت سجود تمييز لا سجود ابتلاء، فيتميز في دعاء الآخرة إلى السجود من سجد للّه ممّن سجد اتقاء و رياء، و في الدنيا لم يتميز لاختلاط الصور.
[سورة القلم (68): الآيات 43 الى 45]
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ (43) فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)
اعلم أن المكر الإلهي إنما أخفاه اللّه عن الممكور به خاصة لا عن غير الممكور به، و لهذا قال: «مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» فأعاد الضمير على المضمر في سنستدرجهم.
[سورة القلم (68): الآيات 46 الى 52]
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)
وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَ ما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 368