تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الحديد
(57) سورة الحديد مدنيّة
[سورة الحديد (57): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)
«سَبَّحَ لِلَّهِ» فهو المسبّح «ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» من حيث أعيانهم. و اعلم أنه ما في السموات موضع قدم إلا و هو معمور بملك يسبح اللّه، و يذكره بما قد حدّ له من الذكر، و للّه تعالى في الأرض من الملائكة مثل ذلك، لا يصعدون إلى السماء أبدا، و أهل السموات لا ينزلون إلى الأرض أبدا، كل قد علم صلاته و تسبيحه «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» المنيع الحمى من هويته «الْحَكِيمُ» بمن ينبغي أن يسبح له.
[سورة الحديد (57): آية 2]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)
«لَهُ» الضمير يعود على اللّه من (لِلَّهِ) «مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و لهذا يسبحه أهلهما لأنهم مقهورون محصورون في قبضة السموات و الأرض «يُحْيِي» العين «وَ يُمِيتُ» الوصف، فالعين لها الدوام من حيث حييت، و الصفات تتوالى عليها، فيميت الصفة بزوالها عن هذه العين و يأتي بأخرى «وَ هُوَ» الضمير يعود على اللّه «عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» أي شيئية الأعيان الثابتة، يقول: إنها تحت الاقتدار الإلهي.
[سورة الحديد (57): آية 3]
هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)
– الوجه الأول- ظهرت هذه النسب الأربعة من حيث ما نسب الحق إلى نفسه
من الصورة، و لما كان الأمر الإلهي في التالي أتم منه و أكمل منه في المتلو الذي هو قبله،أخر الاسم الباطن لما عبر عن هذه النعوت الإلهية، فالآخر يتضمن ما في الأول، و الظاهر يتضمن ما في الآخر و الأول، و الباطن يتضمن ما في الظاهر و الآخر و الأول، و لو جاء شيء بعد الباطن لتضمن الباطن و ما قبله، و لكن الحصر منع أن يكون سوى هذه الأربعة، و لا خامس لها إلا هويته تعالى، و ما ثمّ في العالم حكم إلا من هذه الأربعة، و على صورة هذه الأربعة ظهر عالم الأرواح و عالم الأجسام، فأقام الحق الوجود على التربيع،
و جعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان، و اعلم أن الذات الأزلية لا توصف بالأولية و إنما يوصف بها اللّه تعالى، فقوله «هُوَ الْأَوَّلُ» الضمير يعود على اللّه من للّه، و الأول خبر الضمير الذي هو المبتدأ، و هو في موضع الصفة للّه، و مسمى اللّه إنما هو من حيث المرتبة، فهو الأول له منزلة الأولية الإلهية، و من هذه الأولية صدر ابتداء الكون و منه تستمد كلها، و هو الحاكم فيها، و هي الجارية على حكمه، و نفى السبب عنه، فإن أولية الحق تمدّ أولية العبد، فإن لابتداء الأكوان شواهد فيها أنها لم تكن لأنفسها ثم كانت، فمعقولية الأولية للواجب المطلق نسبة وضعية لا يعقل لها العقل سوى استناد الممكن إليه، فيكون أولا بهذا الاعتبار، و لو قدر أن لا وجود لممكن- قوة و فعلا- لانتفت النسبة الأولية،
إذ لا تجد متعلقا، فلما كان أول مخلوق ظهر هو العقل أو القلم الإلهي كان اللّه الأول بالمرتبة، فهو الأول بأولية الأجناس و أولية الأشخاص «وَ الْآخِرُ» فهو الآخر آخرية الأجناس لا آخرية الأشخاص، فإليه يعود الأمر كله، فلله الأولية لأنه موجد كل شيء، و للّه الآخرية فإنه قال: (وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) و قال: (وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) و قال: (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) فهو الآخر كما هو الأول، و ما بين الأول و الآخر تظهر مراتب الأسماء الإلهية كلها، فلا حكم للآخر إلا بالرجوع إليه في كل أمر، و كل مقام إلهي يتأخر عن مقام كوني فهو من الاسم الآخر، مثل قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) و قوله: [من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم] و قوله: [من تقرب إلي شبرا تقرّبت إليه ذراعا] و قوله تعالى: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فالأمر يتردد بين الاسمين الإلهيين الأول و الآخر، و عين العبد مظهر لحكم هذين الاسمين
– بحث في الأزل-
اعلم أن الأزل عبارة عن نفي الأولية لمن يوصف به، و هو وصف للّه تعالى من كونه إلها، و إذا انتفت الأولية عنه تعالى من كونه إلها، فهو المسمى بكل اسم يسمي به نفسه أزلا، و لم يزل مسمى بهذه الأسماء،و انتفت عنه أولية التقييد، فسمع المسموع و أبصر المبصر إلى غير ذلك، و أعيان المسموعات منا و المبصرات معدومة غير موجودة، و هو يراها أزلا كما يعلهما أزلا، و يميزها و يفصّلها أزلا و لا عين لها في الوجود النفسي العيني، بل هي أعيان ثابتة في رتبة الإمكان، فالإمكانية لها أزلا كما هي لها حالا و أبدا،
لم تكن قط واجبة لنفسها ثم عادت ممكنة، و لا محالا ثم عادت ممكنة، بل كان الوجوب الذاتي للّه تعالى أزلا، كذلك وجوب الإمكان للعالم أزلا، فاللّه في مرتبته بأسمائه الحسنى يسمى منعوتا و موصوفا بها، فعين نسبة الأول له نسبة الآخر و الظاهر و الباطن، لا يقال: هو أول بنسبة كذا و آخر بنسبة كذا، فإن الممكن مرتبط بواجب الوجود في وجوده و عدمه ارتباط افتقار إليه في وجوده، فإن أوجده لم يزل في إمكانه، و إن عدم لم يزل عن إمكانه، فكما لم يدخل على الممكن في وجود عينه بعد أن كان معدوما صفة تزيله عن إمكانه، كذلك لم يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصف يزيله عن وجوب وجوده لنفسه،
فلا يعقل الحق إلا هكذا، و لا يعقل الممكن إلا هكذا، فأولية العالم و آخريته أمر إضافي، فالأول من العالم بالنسبة إلى ما يخلق بعده، و الآخر من العالم بالنسبة إلى ما يخلق قبله، و ليس كذلك معقولية الاسم اللّه الأول و الآخر و الظاهر و الباطن، فإن العالم يتعدد و الحق واحد لا يتعدد، و لا يصح أن يكون أولا لنا، بل كان ينطلق علينا اسم الثاني لأوليته، و لبسنا بثان له، تعالى عن ذلك، فليس هو بأول لنا، فلهذا كان عين أوليته عين آخريته، فإن اللّه تعالى هو الأول الذي لا أولية لشيء قبله، و لا أولية لشيء يكون قائما به أو غير قائم به معه، فهو الواحد سبحانه، في أوليته، فلا شيء واجب الوجود لنفسه إلا هو
[مسألة: العالم لم يبرح من رتبة إمكانه سواء كان معدوما أو موجودا:]
– مسألة- العلة متقدمة على معلولها بالمرتبة بلا شك، سواء كان ذلك سبق العلم أو ذات الحق، و لا يعقل بين الواجب الوجود لنفسه و بين الممكن بون زماني و لا تقدير زماني، و إذا لم يعقل بين الحق و الخلق بون زماني فلم يبق إلا الرتبة، فلا يصح أن يكون أبدا الخلق في رتبة الحق، كما لا يصح أن يكون المعلول في رتبة العلة من حيث ما هو معلول عنها، فالعالم لم يبرح في رتبة إمكانه سواء كان معدوما أو موجودا، و الحق تعالى لم يبرح في مرتبة وجوب وجوده لنفسه سواء كان العالم أو لم يكن، فلو دخل العالم في الوجوب النفسي، لزم قدم العالم و مساوقته في هذه الرتبة لواجب الوجود لنفسه و هو اللّه، و لم يدخل، بل بقي على إمكانه و افتقاره إلى موجده و سببه و هو اللّه تعالى، فلم يبق معقول البينية بين الحق و الخلق إلا التمييز بالصفة النفسية، فبهذا نفرق بين الحق و الخلق، أما كون اللّه علة في وجود العالم فهو أدل دليل على توحيد اللّه تعالى، غير أن إطلاق هذا اللفظ عليه لم يرد به الشرع فلا نطلقه عليه و لا ندعوه به، فنقول:
«هُوَ الْأَوَّلُ» في الوجود «وَ الْآخِرُ» في الشهود.
| فالأول الحق بالوجود | و الآخر الحق بالشهود | |
| إليه عادت أمور كوني | فإنما الرب بالعبيد | |
| فكل ما أنت فيه حق | و لم تزل في مزيد | |
و هو الإله الظاهر و الباطن، فإنه لما كان العالم له الظهور و البطون، كان هو سبحانه الظاهر لنسبة ما ظهر منه، و الباطن لنسبة ما بطن منه، و هو تعالى «الظَّاهِرُ» لنفسه لا لخلقه، فلا يدركه سواه أصلا، و أما ما ظهر فإنما هو ظهور أحكام أسمائه الحسنى و ظهور أحكام أعياننا في وجود الحق، و هو من وراء ما ظهر، فلا أعياننا تدرك رؤية، و لا عين الحق تدرك رؤية، و لا أعيان أسمائه تدرك رؤية،
و نحن لا نشك أنا قد أدركنا أمرا ما رؤية، و هو الذي تشهده الأبصار منا، فما ذلك إلا الأحكام التي لأعياننا ظهرت لنا في وجود الحق، فكان مظهرا لها، فظهرت أعياننا ظهور الصور في المرائي، ما هي عين الرائي و لا هي عين المجلى «وَ الْباطِنُ» البطون يختص بنا كما يختص به الظهور، و إن كان له البطون فليس هو باطنا لنفسه و لا عن نفسه، كما أنه ليس ظاهرا لنا، فالبطون الذي وصف نفسه به إنما هو في حقنا، فلا يزال باطنا عن إدراكنا إياه حسا و معنى، فإنه ليس كمثله شيء، و لا تدرك إلا الأمثال، فظهر الحق باحتجابه فهو الظاهر المحجوب، فهو الباطن للحجاب لا لك، و هو الظاهر لك و للحجاب، فسبحان من احتجب في ظهوره، و ظهر في حجابه، فلا تشهد عين سواه، و لا ترتفع الحجب عنه، و لا يزال ربا و لم نزل عبيدا في حال عدمنا و وجودنا
– الوجه الثاني- [معنى قوله تعالى: «وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ»]
اعلم أن الحق تسمى بالظاهر و الباطن من حيث ما نسب الحق إلى نفسه من الصورة، فالظاهر للصور التي يتحول فيها، و الباطن للمعنى الذي يقبل ذلك التحول و الظهور في تلك الصور، فهو عالم الغيب من كونه الباطن، و الشهادة من كونه الظاهر، و تجلى الحق لكل من تجلى له- من أي عالم كان من عالم الغيب و الشهادة- إنما هو من الاسم الظاهر، و أما الاسم الباطن فمن حقيقة هذه النسبة أن لا يقع فيها تجل أبدا،لا في الدنيا و لا في الآخرة، إذ كان التجلي عبارة عن ظهوره لمن تجلى له في ذلك المجلى، و هو الاسم الظاهر، فالظاهر للصور و الباطن للعين، فالعين غيب أبدا و الصور شهادة أبدا، و كل زيادة في العلم أي علم كان لا تكون إلا عن التجلي الإلهي، فالتجلي الصوري يدرك بعالم الحس في برزخ التمثل لظاهر النفس، و إذا وقع التجلي بالاسم الظاهر لباطن النفس وقع الإدراك بالبصيرة في عالم الحقائق و المعاني المجردة عن المواد،
و هو المعبر عنها بالنصوص، فالحق هو الظاهر الذي تشهده العيون، و الباطن الذي تشهده العقول، فهو مشهود للبصائر و الأبصار، غير أنه لا يلزم من الشهود العلم بأنه هو ذلك المطلوب إلا بإعلام اللّه، فكل ما هو العالم فيه من تصريف و انقلاب و تحول من صور في حق و خلق فذلك من حكم الاسم الظاهر، و هو منتهى علم العالم و العلماء باللّه، و أما الاسم الباطن فهو إليه لا إلينا، و ما بأيدينا منه سوى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) على بعض وجوه محتملاته، إلا أن أوصاف التنزيه لها تعلق بالاسم الباطن و إن كان فيه تحديد، و لكن ليس في الإمكان أكثر من هذا، فإنه غاية الفهم عندنا الذي يعطيه استعدادنا. و اعلم أن أحوال العالم مع اللّه على ثلاث مراتب:
مرتبة يظهر فيها تعالى بالاسم الظاهر فلا يبطن عن العالم شيء من الأمر، و ذلك في موطن مخصوص، و هو في العموم موطن القيامة؛ و مرتبة يظهر فيها الحق في العالم في الباطن، فتشهده القلوب دون الأبصار، و لهذا يرجع الأمر إليه، و يجد كل موجود في فطرته الاستناد إليه و الإقرار به، من غير علم به و لا نظر في دليل، فهذا من حكم تجليه سبحانه في الباطن؛ و مرتبة ثالثة له فيها تجل في الظاهر و الباطن فيدرك منه في الظاهر قدر ما تجلى به، و يدرك منه في الباطن قدر ما تجلى به، فله تعالى التجلي الدائم العام في العالم على الدوام،
و تختلف مراتب العالم فيه لاختلاف مراتب العالم في نفسها، فهو يتجلى بحسب استعدادهم، فهو عند العارفين اليوم في الدنيا على حكم تجليه في القيامة، فيشهده العارفون في صور الممكنات المحدثات الوجود، و ينكره المحجوبون من علماء الرسوم، و لهذا يسمى بالظاهر في حق هؤلاء العارفين، و الباطن في حق هؤلاء المحجوبين، و ليس إلا هو سبحانه، فأهل اللّه الذين هم أهله لم يزالوا و لا يزالون دنيا و آخرة في مشاهدة عينية دائمة، و إن اختلفت الصور فلا يقدح ذلك عندهم، و لما سمى اللّه نفسه بالظاهر و الباطن، اقتضى ذلك أن يكون الأمر الوجودي بالنسبة إلينا بين جلي و خفي، فما جلّاه لنا فهو الجلي، و ما ستره عنا فهو الخفي، و كل ذلك له تعالى جلي، و لا يخلو العالم من هاتين النسبتين دنيا و آخرة، فالجلي من سؤال السائلين يسمعه الحق من الاسم الظاهر، و الخفي منه يسمعه من الاسم الباطن، فإذا ما أعطاه ما سأل، فالاسم الباطن يعطيه الظاهر، و الظاهر يعطيه للسائل
– الوجه الثالث- اعلم أن الحق سبحانه هو الباطن فلا يظهر لشيء
، لو ظهر لشيء لأحرقت السبحات ما أدركه البصر، و هو الحافظ للأشياء فلا يظهر لها، فإن سألت: من الظاهر الذي لا يعرف و الباطن الذي لا يجهل؟ فقل: هو الحق
– إشارة- [إشارة: كيف تصح المعرفة باللّه؟]
لا تصح المعرفة باللّه لأحد حتى يتعرف إليه و يعرفه بظهوره، فيبصره من القلب عين اليقين بنور اليقين، و قد قال عليه السلام مخبرا عن اللّه [ما وسعني أرضي و لا سمائي، و وسعني قلب عبدي المؤمن]
– الوجه الرابع- الاسم الظاهر هو ما أعطاه الدليل
، و الباطن هو ما أعطاه الشرع من العلم باللّه، و الأول بالوجود، و الآخر بالعلم «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» فالضمير يعود على الضمير الأول في «هُوَ الْأَوَّلُ» فالأمر من غيب إلى غيب، و ضمير «هُوَ الْأَوَّلُ» يعود على «وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» و ذلك الضمير يعود على اللّه، و هو الاسم، و الاسم يطلب المسمى ف «لِلَّهِ» الأول «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» الآخر «هُوَ الْأَوَّلُ» الظاهر «وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» الباطن «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» عليم بشيئية الأعيان و شيئية الوجود، من حيث أجناسه و أنواعه و أشخاصه.
| إن الذي أظهر الأعيان لو ظهرا | ما زاد حكما على الأمر الذي ظهرا | |
| هو الجلي الخفي في تصرفه | فليس يظهر منه غير ما ظهرا | |
| مقدس الذات عن إدراك ما ظهرا | لكنه يهب الأرواح و الصورا | |
| فكل صورة روح عين صورته | و هو الذي عيّن الأفلاك و البشرا | |
| من آدم خمرت يداه طينته | بذاك سمي في ما قد روي بشرا | |
| لما أتى من وراء الستر كلمني | و ما رأيت له عينا و لا خبرا | |
| علمت أن حجابي لم يكن أحدا | غيري فلم أتعب الألباب و الفكرا | |
| فما رأيت وجود الحق في أحد | إلا رأيت له في كونه أثرا | |
[تحقيق: الحق لا يتصف أبدا بنسبتين مختلفتين كما يقرره العقل:]
– تحقيق- النظر العقلي يعطي أن الحق في مرتبة يتقدم فيكون له الاسم الأول، و في مرتبة يتأخر فيكون له الاسم الآخر، و الاسم الظاهر له أصل و الباطن فرع، فيحكم له بالأصل من نسبة خاصة، و يحكم له بالفرع من نسبة أخرى، و أما ما تعطيه المعرفة الذوقية فهو أنه ظاهر من حيث ما هو باطن، و باطن من عين ما هو ظاهر، و أول من عين ما هو آخر، و كذلك القول في الآخر،
لا يتصف أبدا بنسبتين مختلفتين كما يقرره العقل من حيث ما هو ذو فكر، إذ لو كانت معقولية الأولية و الآخرية و الظاهرية و الباطنية في نسبتها إلى الحق، معقولية نسبتها إلى الخلق، لما كان ذلك مدحا في الجناب الإلهي، و لا استعظم العارفون بحقائق الأسماء ورود هذه النسب، بل يصل العبد إذا تحقق بالحق أن تنسب إليه الأضداد و غيرها، من عين واحدة لا تختلف، و إذا كان العبد يتصور في حقه وقوع هذا، فالحق أجدر و أولى،
إذ هو المجهول الذات، فالحق تعالى عين الضدين، إذ لا عين زائدة، فالظاهر عين الباطن و الأول و الآخر «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ذكر ذلك عن نفسه بطريق المدحة لذاته، فالعلم من كمال الألوهية، بل لا تصح الألوهية إلا به، و هو كونه عالما بكل شيء، و هذه الآية إشارة لأهل الكشف و الصوفية، تنبيها أنه الوجود كله، فإن هذا تقسيمه، فليس إلا هو، فلو وقفت النفوس مع ما ظهر لعرفت الأمر على ما هو عليه، لكن طلبت أمرا غائبا عنها، فكان طلبها عين حجابها، فما قدرت ما ظهر حق قدره، لشغلها بما تخيلت أنه بطن عنها،
و ما بطن شيء، و إنما عدم العلم أبطنه، فما في حق الحق شيء بطن عنه، فقال تعالى: «وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ» أي الذي تطلبه في الباطن هو الظاهر فلا تتعب، فمن شم رائحة من العلم باللّه لم يقل: لم فعل كذا؟ و ما فعل كذا؟ و كيف يقول العالم باللّه لم فعل كذا؟ و هو يعلم أنه السبب الذي اقتضى كل ما ظهر و ما يظهر، و ما قدم و ما أخر، و ما رتب لذاته فهو عين السبب، فلا يوجد لعلة سواه و لا يعدم، سبحانه و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فمشيئته عرش ذاته، فمن علم نسب الأسماء الإلهية في أعيان الممكنات فتنوعت و تجنست و تشخصت، علم أنّ سبب ظهور كل حكم في عينه اسمه الإلهي، و ليست أسماؤه سوى نسب ذاتية
– مناجاة-
إلهي كيف أوحدك و لا وجود لي في عين الأحدية؟ و كيف لا أوحدك و التوحيد سر العبودية؟ سبحانك لا إله إلا أنت، ما وحدك من أحد، إذ أنت كما أنت في سابق الأزل و لا حق الأبد، فعلى التحقيق ما وحدك أحد سواك، و في الجملة ما عرفك إلا إياك، بطنت و ظهرت، فلا عنك بطنت، و لا لغيرك ظهرت.
[سورة الحديد (57): آية 4]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)
[ «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» الآية- و لسنا معه:]
«وَ هُوَ مَعَكُمْ» بهويته و بأسمائه، بحسب ما يليق بجلاله من غير تكييف و لا تشبيه و لا تصور، بل كما تعطيه ذاته و ما ينبغي أن ينسب إليها من ذلك، فإنه القائم على كل شيء، القائم به كل شيء، فهو مع كل شيء حيث كان ذلك الشيء، ليحفظ عليه الوجود «أَيْنَ ما كُنْتُمْ» من الأحوال، و لا يخلو موجود عن حال، بل ما تخلو عين موجودة و لا معدومة أن تكون على حال وجودي أو عدمي، في حال وجودها أو عدمها، فهو تعالى مع الخلق بإعطاء كل شيء خلقه من كونهم خلقا، و معهم بكل ما تطلبه ذواتهم من لوازمها على أي حالة يكون الخلق عليها، من الوصف بالعدم أو الوجود، فهو معكم أينما كنتم أي على أي حال كنتم، من عدم و وجود و كيفيات، و ذلك بأسمائه المؤثرة فينا خاصة، و الحافظة لنا و الرقيبة علينا، و أما الأسماء التي تختص بالعالم الخارج عن الثقلين فأسماء أخر، ما هي الأسماء التي معنا أينما كنا، فالحق معك على ما أنت عليه بحسب قبولك،
ما أنت معه، فلا يصح أن يكون أحد مع اللّه، فاللّه مع كل أحد بما هو عليه ذلك الواحد من الحال، و كما لم يقيد الحق الاستواء على العرش عن النزول إلى السماء الدنيا، لم يقيده النزول إلى السماء الدنيا عن الاستواء على العرش، كما لم يقيده سبحانه الاستواء و النزول عن أن يكون معنا أينما كنا، بالمعنى الذي يليق به و على الوجه الذي يراه، فالحكم الذي يصحب الحق و لا يحكم عليه زمان خاص «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» فهو في العرش مع الحافين به، و في تلك الحالة هو في النزول مع أرواح العروج و النزول، و في تلك الحالة هو في السماء يخاطب أهل الليل، و في تلك الحال هو في الأرض، أي موجود غير اللّه يوصف بهذه الصفات؟ ذلكم اللّه لا إله إلا هو فأنى يصرفون؛ فأينما كنا كان الحق معنا، كينونة وجودية منزهة كما يليق به، و كان قوله تعالى: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» تصديقا لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في دعائه ربه [اللهم أنت الصاحب في السفر] فسمى الحق صاحبا، فهو تعالى الصاحب على كل حال مع العبد في أينيته، فهو تعالى مع عباده المكلفين يحفظ عليهم أنفاسهم في حدوده التي حدّها لهم، و هو مع من ليس بمكلّف ينظر ما يفعل معه المكلفون، بأن لا يتعدوا حدوده، فهو مع كل شيء بهذه المثابة في الدنيا،
و أما في الآخرة فما هو معهم إلا لحفظ أنفاسهم و لما يوجده فيهم، و لم يقل تعالى: و أنتم معه؛ لأنه مجهول المصاحبة، فيعلم سبحانه كيف يصحبنا في كل حال نكون عليه، و نحن لا نصحبه إلا في الوقوف عند حدوده، فما نصحب على الحقيقة إلا أحكامه لا هو، فهو معنا ما نحن معه، لأنه يعرفنا و نحن لا نعرفه، فاللّه مع الخلق ما الخلق مع اللّه، لأنه يعلمهم فهو معهم أينما كانوا في ظرفية أمكنتهم و أزمانهم و أحوالهم، ما الخلق معه تعالى جل جلاله، فإن الخلق لا تعرفه حتى تكون معه، و ليس بين الحق و العالم بون يعقل أصلا إلا التمييز بالحقائق، فاللّه و لا شيء معه سبحانه، و لم يزل كذلك و لا يزال كذلك لا شيء معه، فمعيته معنا كما يستحق جلاله و كما ينبغي لجلاله، و لو لا ما نسب لنفسه أنه معنا لم يقتض العقل أن يطلق عليه معنى المعية، كما لا يفهم منها العقل السليم حين أطلقها الحق على نفسه ما يفهم من معية العالم بعضه مع بعض، لأنه ليس كمثله شيء، فنقول:
إن الحق معنا على حد ما قاله و بالمعنى الذي أراده، و لا نقول: إنّا مع الحق؛ فإنه ما ورد و العقل لا يعطيه، فما لنا وجه عقلي و لا شرعي يطلق به أننا مع الحق، و أما من نفى عنه إطلاق الأينية من أهل الإسلام فهو ناقص الإيمان، فإن العقل ينفي عنه معقولية الأينية، و الشرع الثابت في السنة لا في الكتاب قد أثبت إطلاق الأينية على اللّه، فلا تتعدى و لا يقاس عليها، و تطلق في الموضع الذي أطلقها الشارع، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم للسوداء التي ضربها سيدها [أين اللّه؟ فأشارت إلى السماء، فقبل إشارتها،
و قال: أعتقها فإنها مؤمنة] لأن اللّه أخبر عن نفسه أنه في السماء، فصدقته في خبره فكانت مؤمنة، و لم يقل صلّى اللّه عليه و سلّم فيها عند ذلك إنها عالمة؛ و أمر بعتقها، و العتق سراح من قيد العبودية، تنبيه من النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بالعتق في حقها من قيد العبودية و الملك، على أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) سراح من قيد الأينية وفاء الظرف التي أتت به السوداء، و السائل بالأينية أعلم الناس باللّه تعالى، و في هذه الآية رد على القائل: إن اللّه تعالى لا يعلم الجزئيات، فيكون قوله تعالى: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» هو قوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) الآية، فهو تعالى ثالث اثنين، و رابع ثلاثة، و خامس أربعة، بالغا ما بلغ، فهو مع المخلوقين حيث كانوا، فهو تعالى رفيقنا في كل وجهة نكون فيها، غير أننا حجبنا، فسمى انفصالنا عن هذا الوجود الحسي بالموت لقاء اللّه، و ما هو لقاء و إنما هو شهود الرفيق الذي أخذ اللّه بأبصارنا عنه، فقال: [من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه] فلم يعرفه المحجوب رفيقا حتى لقيه، فإذا لقيه عرفه
– دلالة هذه الآية على التوحيد-
اعلم أنه مهما نظرت الوجود جمعا و تفصيلا، وجدت التوحيد يصحبه لا يفارقه البتة، صحبة الواحد الأعداد، فإن الاثنين لا توجد أبدا ما لم تضف إلى الواحد مثله، و هو الاثنين، و لا تصح الثلاثة ما لم تزد واحدا على الاثنين، و هكذا إلى ما لا يتناهى، فالواحد ليس العدد و هو عين العدد، أي به ظهر العدد، فالعدد كله واحد، لو نقص من الألف واحد انعدم الألف و حقيقته، و بقيت حقيقة أخرى و هي تسعمائة و تسعة و تسعون، لو نقص منها واحد لذهب عينها، فمتى انعدم الواحد من شيء عدم، و متى ثبت وجد ذلك الشيء، هكذا التوحيد إن حققته «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ»
إشارة- العالم كله حرف جاء لمعنى
، معناه اللّه، ليظهر فيه أحكامه، إذ لا يكون في نفسه محلا لظهور أحكامه، فلا يزال المعنى مرتبطا بالحرف، فلا يزال اللّه مع العالم، و هو قوله تعالى:
«وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ»
– فائدة- [الجاهل كل الجاهل من طلب الحاصل]
غاية العامة إذا كانت مؤمنة أن تعلم أن اللّه معها، و الفائدة أن تكون أنت مع اللّه لا في أنه معك، فكذلك هو الأمر في نفسه، فمن كان مع الحق فلا بد أن يشهد الحق، و من شهده فليس إلا وجود العلم عنده، فإنه معك أينما كنت، فلا تقع عينك إلا عليه، لكن بقي عليك أن تعرفه، فإن عرفته لم تطلبه، فإنك لم تفقده، فإذا رأيت من يطلبه فإنما يطلب سعادته في طريقه، و سعادته دفع الآلام عنه، ليس غير ذلك كان حيث كان، فالجاهل كل الجاهل من طلب الحاصل، فما أحد أجهل ممّن طلب اللّه؛ لو كنت مؤمنا بقوله تعالى «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» و بقوله (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) لعرفت أن أحدا ما طلب اللّه، و إنما طلب سعادته حتى يفوز من المكروه «وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».
[سورة الحديد (57): الآيات 5 الى 7]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
ما أقام اللّه الإنسان خليفة فهو وكيل أمره بقوله: «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» و الاستخلاف نيابة، فإن المال للّه و التصرف لك فيه على حد من استخلفك فيه، فهي نيابة العبد عن اللّه، فإن اللّه ما خلق الأشياء- و الأموال من الأشياء- إلا له تعالى لتسبيحه، و وقعت المنفعة لنا بحكم التبعية، فالوكيل يملك التصرف في مال الموكل و لا يملك المال، فحد لنا في الوكالة أمورا لا نتعداها، فما هي وكالة مطلقة مثل ما وكلناه نحن بأمره (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) فحد حدودا لنا، إن تعديناها تعدينا حدود اللّه، و من يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه، فإن زدنا على ما رسم لنا أو نقصنا عاقبنا، فلو كانت الأموال لنا لكان تصرفنا فيها مطلقا،
و ما وقع الأمر هكذا، بل حجر علينا التصرف فيها، فما هي وكالة مفوضة، بل مقيدة بوجوه مخصوصة من رب المال الذي هو الحق الموكل، فأمرنا بالإنفاق بما حد لنا أن ننفقه فيه، امتثالا و أداء أمانة لمن شاء من عبيده، فلنا الإنفاق بحكم الخلافة، و الإنفاق ملك لنا، و الإنفاق تصرف، فجعلنا الحق عن أمره وكيلا عنا في الإنفاق لقوله تعالى: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) أي خليفة، لعلمنا بأنه يعلم من مواضع التصرف ما لا نعلمه، فهو المالك و هو الخليفة،
فهو أعلم بالمصالح و مواضع الإنفاق التي لا يدخلها حكم الإسراف و لا التقتير، فتولى اللّه الإنفاق علينا بأن ألهمنا حيث ننفق و متى ننفق، فإن النفقة على أيدينا تظهر، فيدنا يد الوكيل في الإنفاق، فإن اللّه لما أخبر أن لقوم في أموالهم حقا يؤدونه، و ما له سبب ظاهر تركن النفس إليه لا من دين و لا بيع، إلا ما ذكر اللّه تعالى من ادخار ذلك له ثوابا إلى الآخرة، شق ذلك على النفوس للمشاركة في الأموال، و لما علم اللّه هذا منهم في جبلة نفوسهم، أخرج ذلك القدر من الأموال من أيديهم، بل أخرج جميع الأموال من أيديهم فقال تعالى: «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» أي هذا المال ما لكم منه إلا ما تنفقون منه، و هو التصرف فيه، كصورة الوكلاء، و المال للّه، و ما تبخلون به فإنكم تبخلون بما لا تملكون، لكونكم فيه خلفاء، و على ما بأيديكم أمناء فينبههم بأنهم مستخلفون فيه، و ذلك ليسهل عليهم الصدقات رحمة بهم.
[سورة الحديد (57): الآيات 8 الى 10]
وَ ما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (9) وَ ما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)
«وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» لما كان بيننا و بين الحق نسب و دين، لهذا ما يرث الأرض عزّ و جل إلا بعد موت الإنسان الكامل، حتى لا يقع الميراث إلا في مستحق له، كما يرث السماء لما فيها من حكم أرواح الأنبياء عليهم السلام، لا من كونها محلا للملائكة، فإذا صعقوا بالنفخة ورث اللّه السماء، فأنزل الاسم الوارث الملائكة من السماء، و بدّل الأرض غير الأرض و السموات «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا» النفقة بعد الهجرة لا يبلغ أجرها أجر النفقة قبل الهجرة، في أهل مكة و لا في كل موضع يكون العبد مخاطبا فيه بالهجرة منه إلى غيره، فيعمل فيه خيرا و هو فيه مستوطن، ثم يعمل خيرا بعد هجرته، فهذا الخير يتفاضل بقدر المشقة «وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
[سورة الحديد (57): آية 11]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)
الأجور أربعة: أجر مطلق لا يتقيد، و أجر عظيم، و أجر كريم، و أجر كبير، فالأجور مراتب، لكل واحد أجر يخصه على صفة مخصوصة، فينسب كل أجر إلى ما يناسبه.
[سورة الحديد (57): الآيات 12 الى 13]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (13)
«يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا» و هم المؤمنون «انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ» لهم من جانب الحق «ارْجِعُوا وَراءَكُمْ» كما رجعتم عند ما رأيتم نور الهدى في الدنيا على أعقابكم، فكانوا في ظلمة الكون «فَالْتَمِسُوا نُوراً» هنالكم و لن تجدوه، انظروا إلى موجدكم هنالكم، و لن تجدوه، و قيل لهذه الطائفة ذلك القول و هو حق، لأن اللّه من ورائهم محيط و هو النور، فلو لم يضرب بالسور بينه و بينهم لوجدوا النور الذي التمسوه حين قيل لهم «فَالْتَمِسُوا نُوراً» أي لا يكون لأحد نور إلا من حياته الدنيا، فإن الحياة الدنيا محل اكتساب الأنوار بالتكاليف، و إنها دار عمل مشروع، فهي دار ارتقاء و اكتساب، فلما أقبلوا على الآخرة صارت الدنيا وراءهم، فقيل لهم «ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً» فحال سور المنع بينهم و بين الحياة الدنيا، فقال تعالى «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ»– الوجه الثاني-
[سور الأعراف:]
السور يسمى الأعراف بين الجنة و النار، و جعله اللّه مكانا لمن اعتدلت كفتا ميزانه، فلم ترجح إحداهما على الأخرى، و قال فيه: «لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» هذه الآية يستدل بها على عموم رحمة اللّه في المآل، فإن السور الذي بين الجنة و النار أخفى اللّه رحمته في باطنه، و جعل العذاب في ظاهره لاقتضاء الموطن و الزمان و الحال، فالسور الحائل بين الدارين الجنة و النار، لا بين الصفتين الرحمة و العذاب، فإن السور في نفسه رحمة، و عينه عين الفصل بين الدارين،
لأن العذاب من قبله ما هو فيه و الرحمة فيه، فلو كان العذاب فيه لتسرمد العذاب على أهل النار كما تتسرمد الرحمة على أهل الجنة، فالسور لا يرتفع، و كونه رحمة لا يرتفع، و لا بد أن يظهر ما في الباطن على الظاهر، فلا بد من شمول الرحمة لمن هو قبل ظاهر السور، و أهل الجنة مغموسون في الرحمة، فإذا أراد أهل الجنة أن يتنعموا برؤية أهل النار، يصعدون على ذلك السور، فينغمسون في الرحمة، فيطلعون على أهل النار، فيجدون من لذة النجاة منها ما لا يجدونه من نعيم الجنة، لأن الأمن الوارد على الخائف أعظم لذة عنده من الأمن المستصحب، و ينظر أهل النار إليهم بعد شمول الرحمة فيجدون من اللذة بما هم في النار، و يحمدون اللّه تعالى حيث لم يكونوا في الجنة،
و ذلك لما يقتضيه مزاجهم في تلك الحالة، فلو دخلوا الجنة بذلك المزاح لأدركهم الألم و لتضرروا، فالسور باطنه فيه الرحمة الخالصة، و ظاهره من قبله العذاب، و لم يقل: الآلام؛ آلام العذاب، لعلمه بما يؤول إليه الأمر، فأبان تعالى أن باطن هذا الموجود فيه الرحمة، و الظاهر منه لا يتصرف إلا بحكم الباطن، فلا يكون أمر مؤلم في الظاهر إلا عن رحمة في الباطن، فإن الحكم للباطن في الظاهر، فما كان العذاب في ظاهر السور إلا عن قصد الرحمة به التي في باطن السور، فليس الألم بشيء سوى عدم اللذة و نيل الغرض، فما عند اللّه باب يفتح إلا أبواب الرحمة، غير أنه ثمّ رحمة ظاهرة لا ألم فيها، و ثم رحمة باطنة يكون فيها ألم في الوقت لا غير،
ثم يظهر حكمها في المآل، فالآلام عوارض و اللذات ثوابت، فالعالم مرحوم بالذات متألم بما يعرض له، و لا بد من الكشف فتظهر رحمة باطن السور فتعم، فهناك لا يبقى شقي إلا سعد و لا متألم إلا التذ، و من الناس من تكون لذته عين انتزاح ألمه، و هو الأشقى، و هو في نفسه في نعيم، ما يرى أن أحدا أنعم منه، كما قد كان يرى أنه لا أحد أشد عذابا منه، و سبب ذلك شغل كل إنسان أو كل شيء بنفسه، الإنسان يضرب ابنه أدبا، و يؤلمه بذلك الضرب عقوبة لذنبه، و هو يرحمه بباطنه، فإذا وفّى الأمر حقه أظهر له ما في قلبه و باطنه من الرحمة به و شفقة الوالد على ولده، جعلنا اللّه و السامعين من أهل الرحمة الخالصة التي لا ألم لها بمنّه
– إشارة- أنت سر الأعراف
، سور باطنه الرحمة، و هو ما عندك من الرحمة بنفسك، حيث تسلك بها مسالك السعادة، و ظاهره من قبله العذاب، حيث تظهر على ذلك من المجاهدات ما يكون أشد العذاب على النفوس.
[سورة الحديد (57): آية 14]
يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)
«وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ» و هي الأماني المذمومة، فهي التي لا يكون لها ثمرة، و لكن صاحبها يتنعم بها في الحال و لكن تكون حسرة في المآل، فذم المتمني بغير الجهد و بذل المجهود و صحة القصد، و قد قال تعالى في المتعني: (وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) فلا تتمن على اللّه و أنت تسلك على غير طريق تحصيل السعادة، فإن اللّه يقول: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) فجعل الطريق التقوى لحصول هذا الفرقان الذي أنزله على عبده ليكون للعالمين نذيرا، أي معلما لهم، فلا بد لكل طالب أمر أن يسلك في طريق تحصيله، لأن الطريق له ذاتي فلا تحصل إلا به، و لكن أكثر الناس لا يشعرون.
[سورة الحديد (57): آية 15]
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (15)
«فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» هو قوله تعالى: (وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) أي فدية.
[سورة الحديد (57): آية 16]
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (16)
لا يؤثر في الأشياء إلا ما قام بها و ليس إلا العلم، أ لا ترى شخصان يقرآن القرآن، فيخشع أحدهما و يبكي، و الآخر ما عنده من ذلك كله خبر و لا يؤثر فيه، هل ذلك إلا من أثر علمه القائم به لما تدل عليه تلك الآية و شهوده ما تضمنته من الأمر الذي أبكاه و خشع له؟ و الآخر أعمى عن تلك المعاني لا يجاوز القرآن حنجرته، و لا أثر لتلاوته فيه، فلم يكن الأثر لصورة لفظ الآية، و إنما الأثر لما قام بنفس العالم بها، المشاهد ما نزلت له تلك الآية، فقال تعالى: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» و لما كان لطول الأمد حكم يغير الحال، قال: «وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ».
[سورة الحديد (57): الآيات 17 الى 19]
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَ الْمُصَّدِّقاتِ وَ أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (19)
الصديقون هم أتباع الرسل لقول الرسل، فالصديق من لا يكذب بشيء من الأخبار إذا تلقى ذلك من الصادق- راجع الصديق «وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» راجع سورة النساء آية 69- «لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ»– الوجه الأول- لَهُمْ أَجْرُهُمْ» أي ما اكتسبوه «وَ نُورُهُمْ» ما وهبهم الحق تعالى من ذلك، حتى لا ينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب، حتى يشغل الوهب العبد عن معاينة سلطان الاستحقاق الذي يعطيه الأجر، إذ كان معاوضة عن عمل متقدم مضاف إلى العبد، فلا أجر إلا و يخالطه نور لما ذكرناه- الوجه الثاني- «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» من حيث الشهادة «وَ نُورُهُمْ» من حيث الصديقية، فجعل النور للصديقية، و الأجر للشهادة، إذ الصديقون لهم النور لصدقهم، إذ لو لا النور ما عاينوا صدق المخبر و صدق الخبر-
الوجه الثالث- اعلم أن من الناس عبيدا و منهم أجراء، و لأجل الإجارة نزلت الكتب الإلهية بها بين الأجير و المستأجر، فلو كانوا عبيدا ما كتب الحق كتابا لهم على نفسه، فإن العبد لا يوقت على سيده، إنما هو عامل في ملكه و متناول ما يحتاج إليه، فالأجراء لهم أجرهم و العبيد لهم نورهم و هو سيدهم، فإنه نور السموات و الأرض، فقوله تعالى: «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» يعني الأجراء، و هم الذين اشترى الحق منهم أنفسهم «وَ نُورُهُمْ» و هم العبيد و الإماء- الوجه الرابع- برأ اللّه الصديقين من الأعواض و طلب الثواب، إذ لم يقم بنفوسهم ذلك، لعلمهم أن أفعالهم ليست لهم فلا يطلبون عليها عوضا، بل هم العبيد على الحقيقة و الأجراء مجازا، فقال عزّ و جل: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ» و لم يذكر لهم عوضا على عملهم، إذ لم يقم لهم به خاطر أصلا، لتبريهم من الدعوى، ثم قال: «وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ» فهم العاملون على الأجرة جعلنا اللّه و إياكم من أعلاهم مقاما و أحبهم إليه، إنه الولي المحسان
– مسئلة- [الفرق بين الأجير و العبد:]
الأجير لا يفترض عليه حتى يؤجر نفسه، و العبد فرض عليه طاعة سيده، فمن أي نسبة استحق العبد الأجر؟ اعلم أن الإنسان هنا مع الحق على حالين: حالة عبودية و حالة إجارة، فمن كونه عبدا يكون مكلفا بالفرض، كالصلاة المفروضة و الزكاة و جميع الفرائض، و لا أجر له عليها جملة واحدة في أداء فرضه، بل له ما يمتن به عليه سيده من النعم التي هي أفضل من الأجور، لا على جهة الأجر، ثم إن اللّه تعالى ندبه إلى عبادته في أمور ليست عليه فرضا، فعلى تلك الأعمال المندوب إليها فرضت الأجور،
فإن تقرب العبد بها إلى سيده أعطاه إجارته عليها، و إن لم يتقرب لم يطلب بها و لا عوتب عليها، فمن هنا كان العبد حكمه حكم الأجنبي في الإجارة، فالفرض له الجزاء الذي يقابله، فإنه العهد الذي بين اللّه و عباده، و النوافل لها الأجور، و العلة في ذلك أن المتنفل عبد اختيار كالأجير، فإذا اختار الإنسان أن يكون عبدا للّه لا عبد هواه فقد آثر اللّه على هواه، و هو في الفرائض عبد اضطرار لا عبد اختيار، فتلك العبودية أوجبت عليه خدمة سيده فيما افترضه عليه، و أما في الدار الآخرة فترتفع عبودية الاختيار.
[سورة الحديد (57): الآيات 20 الى 21]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (20) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)
«سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» فإن الأولية أفضل للعبد، و المبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الأحوط و المطلوب من العباد في حال التكليف، و أثنى اللّه تعالى على من هذه حالته فقال: (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ).
[سورة الحديد (57): الآيات 22 الى 25]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)
[معنى قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ»:]
«وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ» يريد أنه أنزله عن رتبة الكمال المعدني التي هي للذهب، لأجل ما في الحديد من منافع الناس، فمنع الحق الحديد من بلوغ رتبة الكمال المعدني التي هي للذهب لمصالح هذا النوع الإنساني، لعلمه تعالى بأنه يحتاج إلى آلات و أمور لا بد له منها، فلو ارتفع الحديد إلى رتبة الذهب في العزة لم توجد تلك المنافع، و بقي الإنسان الذي هو العين المقصودة معطل المنافع المتعلقة بالحديد، التي لا تكون إلا فيه، ففيه كما قال اللّه «بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ» «وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» فإن الاسم العزيز هو الذي توجه على إيجاد المعادن و الأحجار النفيسة، و من أثر هذا الاسم أن أثر فيها عزة و منعا، فلم يقو سلطان الاستحالة التي تحكم في المولدات و الأمهات من العناصر يحكم فيها بسرعة الإحالة من صورة إلى صورة، مثل ما يحكم في باقي المولدات، فإن الاستحالة تسرع إليهم، و يظهر سلطانها فيهم بزيادة و نقص و خلع صورة منهم و عليهم، و هذا يبعد حكمه في المعادن، فلا تتغير الأحجار مع مرور الأزمان و الدهور إلا عن بعد عظيم، و ذلك لعزتها التي اكتسبتها من الاسم الإلهي العزيز، الذي توجه على إيجادها من الحضرة الإلهية.
[سورة الحديد (57): الآيات 26 الى 27]
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَ قَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27)
[البدعة و السنة الحسنة:]
الرهبة المطلقة من غير تقييد بأمر معين، هي كل خوف يكون بالعبد حذرا أن لا يقوم بحدود ما شرع له، سواء كان حكما مشروعا إليها أو حكما حكميا، قال تعالى: «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها» و هي النواميس الحكمية التي لم يجيء الرسول المعلوم بها في العامة من عند اللّه، بالطريقة المخصوصة في العرف، فمجموع ما ابتدعوه من العبادة ما كان الحق شرع ذلك لهم، فلا بديع من المخلوقات إلا من له تخيل، و لا يشترط في المبتدع أنه لا مثل له على الإطلاق، إنما يشترط فيه أنه لا مثل له عند من ابتدعه و لو جاء بمثله خلق كثير، فلما وافقت الحكمة و المصلحة الظاهرة فيها الحكم الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي، اعتبرها اللّه اعتبار ما شرعه من عنده تعالى،
و ما كتبها اللّه عليهم، فقال: «ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ» أي ما أوجبناها عليهم ابتداء، فاعتبرها الحق فأصبحت شرعا إليها، و أخذهم بعدم مراعاتها «إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ» و لما فتح اللّه بينه و بين قلوبهم باب العناية و الرحمة من حيث لا يشعرون، جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوه، يطلبون بذلك رضوان اللّه، على غير الطريقة النبوية المعروفة، فأثنى على المراعين لها ليحسن القصد و النية في ذلك «فَما رَعَوْها» هؤلاء الذين شرعوها و شرعت لهم «حَقَّ رِعايَتِها» فيما ابتدعوه من الرهبانية،فذمهم اللّه لما لم يرعوها، و قد يكون في الكلام تقديم و تأخير، كأنه يقول: فما رعوها حق رعايتها إلا ابتغاء رضوان اللّه، و كذلك اعتقدوا، يعني المراعين لها «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا» بها «مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ» «وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ» أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة «فاسِقُونَ» أي خارجون عن الانقياد إليها و القيام بحقها.
و تدل هذه الآية على أن الاجتهاد و مشروعيته كان مقررا فيما سبقنا من الأمم، فإنهم ما ابتدعوها إلا باجتهاد منهم و طلب مصلحة عامة أو خاصة، و أثنى على من رعاها حق رعايتها، و ذكر هذا في بني إسرائيل، و في شرعنا من هذه الرهبانية من سن سنة حسنة، و هذا هو عين الابتداع، فهي في هذه الأمة السنن التي ابتدعت على طريق القربة إلى اللّه، و هو قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا] فأجاز لنا ابتداع ما هو حسن، و جعل فيه الأجر لمن ابتدعه و لمن عمل به، فالخير يطلب الثواب بذاته، و الشرع مبين توقيت ذلك الثواب، لما جمع عمر بن الخطاب الناس على أبيّ في قيام رمضان،
قال: نعمت البدعة هذه؛ فسماها بدعة، و مشت السنة على ذلك إلى يومنا هذا، فاستمر الشرع و العبادة المرغب فيها مما لا ينسخ حكما ثابتا إلى يوم القيامة، و هذا الحكم خاص بهذه الأمة، و أعني بالحكم تسميتها سنة، تشريفا لهذه الأمة، و كانت في حق غيرها من الأمم السالفة تسمى رهبانية ابتدعوها، فمن قال: بدعة في هذه الأمة مما سماها الشارع سنة فما أصاب السنة، إلا أن يكون ما بلغه ذلك، و الاتباع أولى من الابتداع، و الفرق بين الاتباع و الابتداع معقول، و لهذا جنح الشارع إلى تسميتها سنة و ما سماها بدعة، لأن الابتداع، إظهار أمر على غير مثال، هذا أصله، فلو شرع الإنسان اليوم أمرا لا أصل له في الشرع لكان ذلك إبداعا، و لم يكن يسوغ لنا الأخذ به، فعدل الشارع إلى لفظ السنة إذ كانت السنة مشروعة، و قد شرع لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم السلام.
[سورة الحديد (57): آية 28]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)
«وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ» و هو النور الذي تنظر به عين البصيرة، و هو علم اليقين،فإن للّه في القلب نورين: نورا يهدي به، و نورا يهدي إليه، كما أن له في القلب عينين:
عين بصيرة و هو علم اليقين، و العين الأخرى عين اليقين.
[سورة الحديد (57): آية 29]
لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
لا يعظم الفضل الإلهي إلا في المسرفين و المجرمين، و أما في المحسنين فما على المحسنين من سبيل، فإن الفضل الإلهي جاءهم ابتداء و كانوا به محسنين، و ما بقي الفضل الإلهي إلا في غير المحسنين.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 289