تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المدثر
(74) سورة المدّثر مكيّة
[سورة المدثر (74): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
– إشارة- في معنى قولك «الله أكبر»
.
| أكبره في كل فعل على الذي | تجلى من الأسماء لناظري | |
| فإن الذي يبدو إليّ هو الذي | أراه بذاك الفعل ربي و آمري | |
اعلم أن للجمع حضرتين، فإن الوجود كله مبني على اثنين، فاللّه و أعني به الاسم حضرة جامعة لجميع الأسماء الحسنى، و الذات التي لها الألوهية حضرة جامعة لجميع الصفات القدسية الذاتية، و الصفات الفاعلة في العالم الأبعد و الأدنى، و الأرفع و الأسفل، فإذا كنت في حالة من الحالات، من أحوال الأرض أو من أحوال السماء، فلا شك أنك تحت اسم من الأسماء، سواء عرفت ذلك أو لم تعرف، أوقفت في مشاهدته أو لم تقف، فإن ذلك الاسم الذي يحركك و يسكنك، أو يكونك أو يمكنك،
يقول لك: أنا إلهك؛ و يصدق في قوله، فيجب عليك أن تقول: اللّه أكبر، و أنت يا اسم سبب فعله؛ تلك الرفعة السببية، و للّه الرفعة الإلهية، و يصح فعل هذا على طريق المفاضلة، فإنها في حضرة المماثلة، قال اللّه تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) كذلك له الصفات العليا، فإن اللّه هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الشاكر العليم، القادر الرءوف الرحيم الرزاق إلى ما يعلم منها، و ما لا يعلم،
و ما يفهم من صفاته و ما لا يفهم، و على هذا يصح اللّه أكبر، و به تثبت المعارف الإلهية و تتقرر، و هذا أمر مجمل، تفصله أعمالك، و سر مبهم توضحه أحوالك، و اعلم أن الذات لا تتجلى إليك أبدا من حيث هي، و إنما تتجلى إليك من حيث صفة ما معتلية، و كذلك اسم اللّه لا يعرف أبدا معناه، و لا يسكن وقتا ما في مغناه، و بهذا السر تميز الإله من المألوه، و الرب من المربوب، و لو لم يكن كذلك لالتحق المهلك بالهالك، فقد بانت الرتب، و عرفت النسب، و ثبتت حقيقة السبب، جعلنا اللّه و إياكم ممن شاهد محركه فكبر، فتجلى له ما هو أكبر- راجع سورة العنكبوت آية 45.
[سورة المدثر (74): آية 4]
وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)
قيل في تفسيره إنه أمر بتقصير ثيابه، يقول عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه في هذا المعنى:
| تقصيرك الثوب حقا | أنقى و أبقى و أتقى | |
– إشارة لا تفسير- الثوب في الاعتبار القلب
، و هو أن يطهر العبد قلبه، و طهارته هو البراءة من نفسه و رد الأمر كله إلى اللّه، فإن اللّه يقول (وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ) فيا أيّها العقل طهّر ثوب سرك، و بقعة قلبك لتجلي ربّك، فإنّ سرّ الطهارة معقول، كما أنّ فعلها منقول. و يا أيّها الحسّ طهّر ثوبك بالتقصير، فإنّ الفائزين أهل التشمير، و طهّر بقعتك النفيسة من عالم التخليط،
فإنك من عالم التخطيط، عسى يفيض عليك شيء من العالم البسيط، فإن فاض عليك منه شيء فهو نور أنت فيؤه، و عود أنت بدؤه، و ظهور أنت خبؤه، فلو لا ظهورك ما سرى إليك نوره فيك، و بفيضه عليك و حاجتك إليه تعزّز، فاعرف قدرك و قدره، و تحقّق شمسه و بدره، و أشرقت الأرض بنور ربها، و ذلك النور طهور تربها.
[سورة المدثر (74): الآيات 5 الى 6]
وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)
إن اللّه يمن على عباده بما يمتن عليهم من المنن الجسام، و لذا سميت مننا، و ليس للعباد أن يمتنوا، لأن النعم ليست إلا لمن خلقها، فلهذا كان المن من اللّه محمودا، لأنه ينبه عباده بما أنعم عليهم ليرجعوا إليه، و كان مذموما من العباد لأنه كذب محض.
[سورة المدثر (74): الآيات 7 الى 8]
وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 413
الناقور هو الصور، و هو الحضرة البرزخية التي ننتقل إليها بعد الموت و نشهد نفوسنا فيها، و ينقر في الناقور، و ينفخ في الصور، و هو هو بعينه، و اختلفت عليه الأسماء لاختلاف الأحوال و الصفات.
[سورة المدثر (74): الآيات 9 الى 18]
فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَ جَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (12) وَ بَنِينَ شُهُوداً (13)
وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ (18)
[خطأ الفكر أكثر من إصابته:]
اعلم أن جميع الحواس لا تخطئ أبدا، فإن إدراك الحواس الأشياء إدراك ذاتي، و لا تؤثر العلل الظاهرة العارضة في الذاتيات، و إدراك العقل على قسمين: إدراك ذاتي فهو فيه كالحواس لا يخطئ، و إدراك غير ذاتي، و هو ما يدركه بالآلة التي هي الفكر و بالآلة التي هي الحس، فالخيال يقلد الحس فيما يعطيه، و الفكر ينظر في الخيال فيجد الأمور مفردات، فيحب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل، فينسب بعض المفردات إلى بعض، فقد يخطئ في النسبة الأمر على ما هو عليه و قد يصيب، فحكم العقل على ذلك الحد يخطئ و يصيب، فالفكر يصيب العاقل به و يخطئ، و لكن خطأه أكثر من إصابته، لأن له حدا يقف عنده، فمتى وقف عند حده أصاب و لا بد، و متى جاوز حده إلى ما هو لحكم قوة أخرى قد يصيب و يخطئ.
[سورة المدثر (74): الآيات 19 الى 23]
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ (23)
إخبار بعجز من أراد معارضة القرآن، و إقراره بأن الأمر عظيم، فإن النظر الفكري ينقسم إلى صحيح و إلى فاسد، فلا يتعدّى بالفكر محله.
[سورة المدثر (74): آية 24]
فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)
السحر هو الذي يظهر فيه وجه إلى الحق و هو في نفس الأمر ليس حقا، مشتق من السحر الزماني، و هو اختلاط الضوء و الظلمة، فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح، و هو ليس بنهار لعدم طلوع الشمس للأبصار، فكان هذا الذي يسمى سحرا ما هو باطل محقق فيكون عدما، فإن العين أدركت أمرا لا تشك فيه، و ما هو حق محض فيكون له وجود في عينه، فإنه ليس في نفسه كما تشهده العين و يظنه الرائي.
[سورة المدثر (74): الآيات 25 الى 30]
إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30)
[شفاعة ملائكة العذاب التسعة عشر:]
و هم ملائكة العذاب، فإذا لم يبق في النار إلا أهلها القاطنون بها، الذين لا خروج لهم منها، و أرادت ملائكة العذاب التسعة عشر عذاب أهل النار، تجسد من الرحمة المركبة تسعة عشر ملكا، فحالوا بين ملائكة العذاب. و أهل النار، و وقفوا دونهم، و عضدتهم الرحمة التي وسعت كل شيء، فتجد ملائكة العذاب في نفوسهم رحمة بأهل النار، فيشفعون لهم عند اللّه، و يكونون لهم بعد ما كانوا عليهم، فإذا شفعت التسعة عشر ملكا في أهل جهنم- للرحمة التي سبقت- قبل اللّه شفاعتهم و ارتفعت الآلام، فراحتهم ارتفاع الآلام لا وجود النعيم، و هذا القدر هو نعيم أهل جهنم.
[سورة المدثر (74): آية 31]
وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَ ما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31)
«وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ»
أي ما يحصيهم عددا إلا هو، فإذا كانت الجنود لا يعلمها إلا هو، و ليس للحق منازع يحتاج هؤلاء الجنود إلى مقابلته فاعجب!، لذلك قال «وَ ما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ» فإن عالم الإنسان لما كان ملكا للّه تعالى، كان الحق تعالى ملكا لهذا الملك بالتدبير فيه و بالتفصيل، و لهذا وصف تعالى بأن لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، و قال «وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ» فهو تعالى حافظ هذه المدينة الإنسانية لكونها حضرته التي وسعته،
و هي عين مملكته، و ما وصف نفسه بالجنود و القوة إلا و قد علم أنه تعالى قد سبقت مشيئته في خلقه أن يخلق له منازعا ينازعه في حضرته، و يثور عليه في ملكه بنفوذ مشيئته فيه و سابق علمه و كلمته التي لا تتبدل، سماه الحارث، و جعل له خيلا و رجلا، و سلطه على هذا الإنسان، فأجلب هذا العدو على هذا الملك الإنساني بخيله و رجله، و وعده بالغرور بسفراء خواطره التي تمشي بينه و بين الإنسان، فجعل اللّه في مقابلة أجناده أجناد ملائكته، فلما تراءى الجمعان،
و هو في قلب جيشه، جعل له ميمنة و ميسرة و تقدمة و ساقة، و عرفنا بذلك لنأخذ حذرنا منه من هذه الجهات، فقال اللّه تعالى لنا إنه قال هذا العدو (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ) و هو في قلب جيشه في باطن الإنسان، فحفظ اللّه هذا الملك الإنساني بأن كان اللّه في قلب هذا الجيش، و هذا العسكر الإنساني في مقابلة جيش الشيطان، و لا يزال القتال يعمل على هذا الإنسان المؤمن خاصة، فيقاتل اللّه عنه ليحفظ عليه إيمانه، و يقاتل عليه إبليس ليرده إليه و يسلب عنه الإيمان و يخرجه عن طريق سعادته، حسدا منه، فإنه إذا أخرجه تبرأ منه و جثا بين يدي ربه، و عرفنا اللّه بذلك كلّه لنعرف مكايده، فهو يقول للإنسان بما يزين له:
اكفر، فإذا كفر يقول (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها).
[سورة المدثر (74): الآيات 32 الى 34]
كَلاَّ وَ الْقَمَرِ (32) وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34)
معناه أظهر إلى الأبصار المبصرات، يقال: سفرت المرأة عن وجهها، إذا أزالت برقعها الذي يستر وجهها، فبان للبصر ما هي عليه الصور من الحسن و القبح، و سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، معناه أنه يظهر ما ينطوي عليه كل إنسان من الأخلاق المذمومة و المحمودة.
[سورة المدثر (74): الآيات 35 الى 38]
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)
أي قيدها كسبها، فإن اللّه ما كلف أحدا إلا بحاله و وسعه، ما كلف أحدا بحال أحد قال صلّى اللّه عليه و سلّم [إنما هي أعمالكم ترد عليكم] إن خيرا فخير، و إن شرا فشر.
[سورة المدثر (74): آية 39]
إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (39)
يريد يمين المبايعة التي بيدها الميثاق لا يمين الجارحة.
[سورة المدثر (74): الآيات 40 الى 41]
فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)
و وصف تعالى أهل سقر إذا قيل لهم.
[سورة المدثر (74): الآيات 42 الى 46]
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)
فيدخلون بهذه الصفات من باب سقر، أحد أبواب جهنم السبعة.
[سورة المدثر (74): الآيات 47 الى 48]
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)
قال تعالى (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) فإنهم في ذلك اليوم يعرفون، بل عند موتهم، أنهم ليسوا ممن يقبل كلامهم.
[سورة المدثر (74): الآيات 49 الى 51]
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)
القسورة الأسد.
[سورة المدثر (74): الآيات 52 الى 56]
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55) وَ ما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 417