تفسیر ابن عربی سوره الأعلى

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الاعلى

(87) سورة الاعلى مكيّة

[سورة الأعلى (87): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)

لأن صفة العلو للّه تعالى فإنه رفيع الدرجات لذاته، فإنه تعالى قال‏ (وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ) فقال تنزيها للاشتراك بالمعية «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»

[ «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» الآية:]

عن هذا الاشتراك المعنوي.

– الوجه الأول- و لما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» قال [اجعلوها في سجودكم‏] فاقترن بأمر اللّه بقوله‏ «سَبِّحِ» أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لنا بمكانها، يقول: نزهوا اللّه في علوه عن السجود، فعمنا القرآن في أحوالنا في الصلاة، من قيام و ركوع و سجود،فإنه لا يصح لنا أن نناجي اللّه في الصلاة بغير كلامه، لأنه لا يليق، و كذا ورد في الخبر أن الصلاة لا يصح فيها شي‏ء من كلام الناس إنما هو التسبيح؛ ثم يقول الساجد بعد التسبيح [اللهم لك سجدت و بك آمنت و لك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه و شق سمعه و بصره، تبارك اللّه أحسن الخالقين، اللهم اجعل في قلبي نورا، و في سمعي نورا، و في بصري نورا، و عن يميني نورا، و عن شمالي نورا و أمامي نورا و خلفي نورا، و فوقي نورا و تحتي نورا، و اجعل لي نورا، و اجعلني نورا]– الوجه الثاني- «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» التسبيح ثناء عن التقييد، فله سبحانه الإطلاق فلا تقيده صفة دون صفة.

إن الثناء على الأسماء أجمعها بها و ليس سواها يعرفون و لا
أ ليس هذا صحيحا قد أتاك به‏ في محكم الذكر قرآنا عليك تلا
في أخذه الذر ثم الحق أشهدنا أ لست ربكمو كان الجواب بلى‏
و لم يخص بهذا الحكم امرأة عند الشهود و لا أيضا به رجلا

[سورة الأعلى (87): آية 2]

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)

– الوجه الأول- ما من صورة محسوسة أو خيالية أو معنوية إلا و لها تسوية من جانب الحق كما يليق بها و بمقامها و حالها، و ذلك قبل التركيب أعني اجتماعها بالمحمول و هو الروح المنفوخ فيها، فإذا سواها الرب بما شاء من قول أو يد أو يدين أو أيد- و ما ثمّ سوى هذه الأربعة- و تهيأ بالاستعداد للتركيب، توجه عليه نفس الرحمن فنفخ فيه من روحه‏– الوجه الثاني- «الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى» قد يعني به خلق الإنسان، لأن التسوية و التعديل لا يكونان معا إلا للإنسان، لأنه سواه على صورة العالم و عدله عليه، و لم يكن ذلك لغيره من المخلوقين من العناصر.

[سورة الأعلى (87): الآيات 3 الى 11]

وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ (3) وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى‏ (4) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى‏ (5) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏ (6) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى‏ (7)

وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى‏ (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى‏ (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى‏ (10) وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11)

الأشقى أشقى ما دام يصلي النار الكبرى، كما قال تعالى:

[سورة الأعلى (87): الآيات 12 الى 13]

الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى‏ (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى‏ (13)

[ «ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى‏» الآية:]

فجاء بثم بعد حكم كونه يصلى النار، فبين كونه يصلى و بين كونه لا يموت و لا يحيى، قدر ما تعطيه حقيقة ثم في اللسان التي للعطف، فينتقل الحكم عليه بذبح الموت، فأهل النار بعد انقضاء فترة العذاب لا يموتون فيها و لا يحيون، كما يقال في النائم ما هو بميت و لا حي، فراحة أهل النار بذبح الموت راحة النائم، فلا يموت و لا يحيى، أي لا تزول هذه الراحة له مستصحبة، فنعيمهم نعيم النائم في النار، فلا يستيقظ أبدا من نومته، فتلك الرحمة التي يرحم اللّه بها أهل النار الذين هم أهلها و أمثالها، كالمحرور يتنعم بالزمهرير، و المقرور منهم يجعل في الحرور، فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون، كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور، و ربما يكون في فراشه مريضا ذا بؤس و فقر، و يرى نفسه في المنام ذا سلطان و نعمة و ملك، فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه و يلتذ به قلت:

إنه في نعيم و صدقت، و إن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن و مرضه و بؤسه و فقره و كلومه، قلت: إنه في عذاب، و ذلك كلّه بعد قوله‏ (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) ذلك زمان عذابهم و أخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة.

[سورة الأعلى (87): الآيات 14 الى 15]

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)

أثنى اللّه تعالى على الذاكر، و هو الذي كان له علم بأمر ما ثم نسيه، لما جبل عليه الإنسان من النسيان، و لما توهم بعض الناس بما أضاف اللّه إليهم من الأعمال و الأموال و التمليك أن لهم حظا في الربوبية، و أنها من نعوته و له قدم فيها، اعتنى اللّه بمن اعتنى به فقال‏ «وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» أي تأخر إلى مقام عبوديته، و أفرد الربوبية للّه تعالى، فأفلح من جميع‏ وجوهه، و ليست هذه الصفة مشاهدة لغير الذاكر، فالذاكر عبد مخلص للّه تعالى، فإن العبد قد حيل بينه و بين شهود ذلك بما جعل اللّه فيه من النسيان و السهو و الغفلة، فيتخيل أن له قدما في السيادة، أ لا ترى ما قال في الذي اتصف بنقيض هذه الحال، لما جاءه ذكر ربه و هو القرآن يذكره بنفسه و بربه‏ (فَلا صَدَّقَ) من أتى به أنه من عند ربه‏ (وَ لا صَلَّى) و لا تأخر عن دعواه و تكبره و قد سمع قول اللّه الحق‏

[نصيحة: ليجتهد العبد أن يكون عند الموت عبدا محضا]

– نصيحة- إذا كان عزيزا أن ينزه العبد نفسه أن يكون ربا أو سيدا من وجه ما، أو من كل وجه، فإن الإنسان يغفل و يسهو و ينسى و يقول: أنا؛ و يرى لنفسه مرتبة سيادة في وقت غفلته على غيره من العباد، فإذ و لا بد من هذا فليجتهد أن يكون عند الموت عبدا محضا ليس فيه شي‏ء من السيادة على أحد من المخلوقين، و يرى نفسه فقيرة إلى كل شي‏ء من العالم، من حيث أنه عين الحق من خلف حجاب الاسم.

[سورة الأعلى (87): الآيات 16 الى 17]

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16) وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ (17)

فتتعلق بها الهمة، فإن الماضي و الحال قد حصلا، و المستقبل آت فلا بد منه، فتعلق الهمة به أولى، فإنه إذا ورد عن همة متعلّقة به كان لها لا عليها، لحسن الظن بالآتي، و هذه فائدة من حافظ عليها حاز كل نعيم.

[سورة الأعلى (87): الآيات 18 الى 19]

إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ (19)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 486

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=