تفسیر ابن عربی سوره البقره

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آیه 92-121

[سورة البقرة (2): آية 92]

وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (92)

______________________________
من قوله‏ «عَلى‏ مَنْ يَشاءُ» أن اليهود حسدت العرب حيث كان محمد الذي يجدونه مكتوبا عندهم من العرب و لم يكن من بني إسرائيل، فأداهم ذلك إلى الكفر بالقرآن، ثم قال‏ «وَ لِلْكافِرِينَ» الجنس أيضا «عَذابٌ مُهِينٌ» في مقابلة إهانتهم للقرآن و من جاء به، من قوله‏ (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) و غير ذلك، فهو خصوص عذاب لصفة مخصوصة في كل من ظهرت منه و عوقب بها، ثم قال (92) «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ» الضمير يعود على اليهود، و ما هنا فيما أنزل اللّه يريد القرآن و الإنجيل‏ «قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ» يؤيد ذلك قوله‏ «وَ هُوَ الْحَقُّ» الضمير يعود على المنزل، «مُصَدِّقاً» أي جاء مصدقا لما معهم، يريد التوراة التي أنزلت عليهم، فقالت اليهود: نؤمن بما أنزل علينا، يعني التوراة، و نكفر بما وراءه، تقول:

وراء كتابنا، أي بما جاء بعده من الكتب، فقال اللّه لمحمد «قُلْ» لهم‏ «فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ» و كتابكم لا يتضمن قتل من قتلتموه من الأنبياء، فقولكم‏ «نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا» ليس بصحيح، و لهذا قال لهم‏ «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في إيمانكم بما أنزل عليكم، فقرينة الحال تدل على أنهم قتلوا الأنبياء تكذيبا لهم مع إتيانهم بالبينات و القربان، لأنهم لو لم يقتلوهم تكذيبا ما كان قول محمد صلّى اللّه عليه و سلم لهم‏ «فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ» حجة عليهم، لأن المؤمن لا يلزم أن يكون معصوما من وقوع الذنب منه، و القتل فعل ظاهر، و قد يكون من المصدّق و المكذب، و قد يكون قوله‏ «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي مصدقين في أن اللّه عهد إليكم في كتابكم (أ لا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار) فقد جاءوا، فلم قتلتموهم؟ (93) «وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ» حين مشى إلى ميقات ربه‏ «وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ» أنفسكم في ذلك، و ظالمون بعضكم لبعض حيث لم تتناهوا عن منكر فعلتموه، ثم قال (94) «وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا، قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» لما ذكر أخذ الميثاق و رفع الطور ظلة عليهم لما امتنعوا من أخذ الكتاب، ذكر في القصة الأولى بعض الأسباب و هو ترجي التقوى، فقال‏ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 163

[سورة البقرة (2): الآيات 93 الى 96]

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى‏ حَياةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)

الحرص يتعلق به الذم من جهة متعلقه إذا كان مذموما شرعا و عقلا، و قوله تعالى:

«وَ لَتَجِدَنَّهُمْ» الضمير يعود على قوم مذمومين، و قرينة الحال تدل على أن مساقه الحرص فيها على الذم تكذيبا لهم فيما ادعوه من أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس.

______________________________
إذ ذكرتم ما فيه عند أخذكم إياه بجد و عزم، و زاد في هذا التعريف الثاني لنا أنه قال لهم‏ «وَ اسْمَعُوا» و هذا أقوى من الأول و أشد في التكليف، أراد «وَ اسْمَعُوا» لتعملوا بما سمعتم، «قالُوا سَمِعْنا» ما قال ربك لنا في التوراة «وَ عَصَيْنا» لأنه شدد علينا و وضع علينا من التكاليف ما يشق علينا فعلها، و نحن نطلب الرفق، و لهذا أحببنا عبادة العجل لأنه لم يكلفنا و وسع علينا، فأخبر تعالى أنهم‏ «أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ» أي خالط لحمهم و دمهم حبه، قال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم‏ «قُلْ» لهم‏ «بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ» في زعمكم إن صح كونكم مؤمنين، فهو قوله‏ «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» و قوله‏ «بِكُفْرِهِمْ» بالتكاليف الشاقة عليهم. لما ثبت عندنا و عند اليهود أن الجنة خالصة للمؤمنين باللّه بلا شك، و أنها دار راحة لا تعب فيها و لا نصب، و أن الدنيا دار تعب و نصب، و النفس مجبولة على طلب الراحة، و الجنة لا تحصل إلا بعد الموت، فالموت مطلوب للمؤمن لتخليصه من المشقة و حصوله على الراحة، و أنتم تزعمون أنكم مؤمنون، و أن لكم الدار الآخرة، يريد الجنة خالصة من دون الناس، يريد الناس كلهم أو المسلمين خاصة، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في القطع بسعادتكم، فقال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم (95) «قُلْ» لهم‏ «إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ثم أخبر نبيه عن حال اليهود فقال (96) «وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» و هذا من آياته صلّى اللّه عليه و سلم نطقه بالغيب، فأخبر بما يكون منهم من عدم تمني الموت قبل وقوع ذلك منهم، فكان كما قال، قال عليه السلام‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 164

[سورة البقرة (2): آية 97]

قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ (97)

راجع نزول القرآن على القلب آية 121.

______________________________
[لو تمنوا الموت ما قام أحد من مجلسه حتى يموت غصصا بريقه‏] فأخبر عليه السلام بالأمر قبل كونه، و قال‏ «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» وعيد و تهديد لليهود لأنهم يعلمون أنهم ظالمون، فإنهم على يقين من صدق ما كفروا به، و يعلمون أن اللّه يعلم ذلك، و عملهم يقتضي بالحال أنهم يعتقدون أن اللّه لا يعلم ذلك، كما يذهب إليه بعض النظار من الفلاسفة أن اللّه لا يعلم الجزئيات، فهذا فائدة قوله لهم‏ «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ»، ثم قال لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم (97) «وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى‏ حَياةٍ» هما معمولان لهذا الفعل، أي أشد الناس حرصا، و الألف و اللام للجنس، فأنهم أحرص على الحياة من كل أحد و خصوصا «و» أحرص‏ «مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» فإنه لا أحد أحرص على الحياة ممن لا يقول بالبعث، فيستغنم الحياة الدنيا، فهو شديد الحرص على طلبها، و هؤلاء اليهود المنكرون ما تيقنوا أنه صدق، و قد تيقنوا العقوبة على ذلك من كتابهم، فهم قاطعون بالوعيد، فحرصهم على الحياة أشد من حرص من لا يؤمن بالبعث لما يؤلون إليه في الدار الآخرة من العذاب، و هو الأوجه في الترجمة عن هذه الآية، و قوله‏ «عَلى‏ حَياةٍ» منكّرة أي حياة بهذه الصفة من الطول‏ «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ» أي يتمنى‏ «لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» و المعنى أبدا، لعلمه بما يصير إليه بعد الموت، قال تعالى‏ «وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ» فهنا وجهان- الواحد:

أن الدنيا لا بد من تناهيها، فلا بد من الموت و اللحوق بما ذكرناه من الوعيد لهم، ففيه أنهم لا يتوبون و لا يتوب اللّه عليهم، فهذا يأس من اللّه لهم و هو سديد، و الوجه الآخر: أنه و إن كانت الإقامة في الدنيا لهم سرمدا و لا تكون آخرة فليس هذا مما ينجيهم من عذابنا، فإن العمر الطويل و غير الطويل لا ينجي من العذاب‏ «وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» أي يبصر و يرى ما يكون من أعمالهم، تنبيه على الخوف و الحياء منه سبحانه، و فيه هنا تهديد (98) «قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ» زعمت اليهود أن اللّه أمر جبريل أن يجعل النبوة في بني إسرائيل فجعلها في العرب، فاتخذوه عدوا، كما فعلت الرافضة حيث قالوا: إن اللّه أمر جبريل أن يجعل النبوة في علي، فجعلها في محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و هذا من جملة ما ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه يكون في أمته، فقال في الحديث الصحيح [إنكم لتتبعون سنن من‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 165

[سورة البقرة (2): الآيات 98 الى 102]

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102)

[قصه هاروت و ماروت‏]

تكلم بعض المفسرين بما لا ينبغي في حق الملكين، و بما لا يليق بهما، و لا يعطيه ظاهر

______________________________
قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع‏] الحديث، و فيه [قالوا يا رسول اللّه أ اليهود و النصارى؟ قال:

فمن‏] فهذا من ذلك، اتباع الروافض اليهود في نسبة الخيانة لجبريل، فقال تعالى‏ «قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ» لأجل هذا، فإن جبريل ما فعل شيئا و لا تعدى أمر اللّه، فإن اللّه أنزله على قلب محمد بإذن اللّه، أي بأمره قال تعالى‏ (وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) «مصدقا» يعني الكتاب الذي هو القرآن‏ «لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» من الكتب المنزلة «وَ هُدىً» و بيانا لما فيها «وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ» لمن آمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و لم يفرق في الرسالة بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا، (99) ثم زعمت اليهود أن من أراد أمرا و أراد الآخر خلافه، فإن كل واحد منهما عدو للآخر،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 166

الآية، و قد شهد اللّه للملائكة بأنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، فقد كذب هؤلاء المفسرون ربهم في قوله في حق الملائكة، قال تعالى: «وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ» من علم السحر الذي مزجوه بما أنزل على الملكين هاروت و ماروت من علم الحق‏ «وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا» له‏ «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ» فإن مقلوب الحمد كفر و هو الذم‏ «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما» أي من العلمين‏ «ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ» و هو القدر من السحر الذي يعطي التفرقة، و اللّه قد كره ذلك و قد ذمه، و ندب إلى الألفة

______________________________
و جبريل صاحب العذاب و الشدائد، و ميكائيل صاحب الخصب و الخير فيما يزعمون، فكل واحد منهما عدو للآخر، فأخبر تعالى أنهم إن صدقوا، فإنهم عدو للاثنين معا، و من كان عدوا لهما فهو عدو للّه و ملائكته، فيكون اللّه عدوا له و للكافرين، و تنزيل صورة العداوة منهم لجبريل و ميكائيل، أنهم يريدون بالمؤمنين إنزال العذاب عليهم بالجوع و نقص من الثمرات، فيرون الخصب فيهم و الخير لهم، و ذلك بيد ميكائيل فيكونون عدوا له لأنه أنعم على أعدائهم، و يرون ما نزل بهم من رفع الطور و الصاعقة و غير ذلك و هو من جبريل، فهم أيضا عدو له، فلذلك قال تعالى «من كان عدوا للّه و ملائكته و جبريل و ميكال» فخصهما بالذكر مع دخولهم في عموم ملائكته‏ «فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ» الفاء جواب من، ثم قال (100) «وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ» يعني في القرآن، تظهر صدقك في أنك نبي‏ «وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ» الخارجون عن أمر اللّه من أهل الكتب، حيث أمرهم اللّه في كتبهم أن يؤمنوا بك و بما أنزل إليك فعصوه، و خرجوا عن أمره، و هو الفسوق، و الفسوق الآخر في حق الذين خرجوا عما تعطيهم دلالات المعجزات من التصديق بمن جاء بها فلم يؤمنوا، و الفسوق الثالث من المقلدين حيث مكّنهم اللّه من النظر و البحث بما أعطاهم من العقل و الفكر فلم يفعلوا و قلدوا، فهؤلاء أيضا فسقوا أي خرجوا عما تقتضيه عقولهم من أن يكونوا علماء بما هم فيه مقلدون، فعمّ الفسوق جميع الفرق، و هذا من جوامع الكلم، ثم قال (101) «أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ» هو قوله‏ (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) فأخبر تعالى أنه أخذ عليهم مواثيق مرارا و نكثوا عهد اللّه مرارا، فقد يكون المعنى‏ (وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ) أي إلا الذين فسقوا و نقضوا عهد اللّه، و أو بمعنى الواو العاطفة المعنى، و كلما عاهدوا عهدا مع اللّه و رسوله نبذه أي رمى به فريق منهم‏ «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» يريد المقلدين لعلمائهم، فإن العلماء قليلون و المقلدين كثيرون، فالمقلد ليس بموقن حقا، و عالمهم ليس كذلك فإنه يعرف الحق و لا يقول به و يكتمه عن المقلد له، فيتضاعف العذاب على العالم، فإن عليهم إثم البرسيين و هم الأتباع، ثم قال (102) «وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» يريد

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 167

و انتظام الشمل. و لما علم سبحانه أن الافتراق لا بد منه لكل مجموع مؤلف لحقيقة خفيت عن أكثر الناس شرع الطلاق رحمة بعباده ليكونوا مأجورين في أفعالهم غير مذمومين إرغاما للشياطين، و مع هذا فقد ورد في الخبر النبوي أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال: ما خلق اللّه حلالا أبغض إليه من الطلاق، «وَ ما هُمْ» أي السحرة «بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» فإنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه سبحانه.

______________________________
محمدا صلّى اللّه عليه و سلم‏ «مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ» أي لما بأيديهم من التوراة «نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» يعني اليهود «كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ» قد يريد بالكتاب المنبوذ هنا التوراة و القرآن، و قد يريد أحدهما، و هو كناية عن ترك العمل به حيث ألقوه خلف ظهورهم‏ «كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» شبههم بالمقلدة في فعلهم، و قد يحتمل أن يكون المعنى، كأنهم لا يعلمون، تقريرا لعلمهم بذلك و لكنهم نقضوا عهد اللّه و فسقوا، يقول نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم فلم يعملوا به (103) «وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ» من السحر و الشعوذة «عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ» على عهد سليمان، أي في زمن ملكه‏ «وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ» أي لم يكن علمه سحرا و لا شعوذة، بل علمه حق من عند اللّه‏ «وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا» بما دونوه من علم السحر و خلطوه بما أنزل على الملكين هاروت و ماروت من الحق، و الشياطين‏ «يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ» الأمرين معا ممزوجا «بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ» فإذا أتى السائل إلى الملكين ليعلماه، يقولان له‏ «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ» أي إنما نزلنا للتعليم اختبارا، فإن الشياطين يعلمون الناس السحر ممزوجا بما أنزل علينا «فَلا تَكْفُرْ» أي لا تأخذ من الشياطين فإنك لا تفرق بين الحق من ذلك و الباطل، ثم قال‏ «فَيَتَعَلَّمُونَ» يعني الناس‏ «مِنْهُما» أي من العلمين، علم السحر و العلم الذي أنزل على الملكين‏ «ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ» الرجل‏ «وَ زَوْجِهِ» أي امرأته، و إنما قبله منهم المتعلم لأمرين: الواحد لامتزاجه بالحق الذي أنزل على الملكين، فإن الشياطين تتصور في صور علمائهم و تقول لهم: هذا هو الذي أنزل على الملكين، فيصدقونهم، فيلقون إليهم ما يضرهم و لا ينفعهم من علم السحر، و أما من اقتصر على الملكين و لم يتعداهما فما علّم إلا حقا منزلا من عند اللّه، و ما نزل من عند اللّه لا يكون كفرا و ضلالا، و هو قوله‏ «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ» و كل لفظة كفر في هذه القصة قد يكون ضد الإيمان، و قد يكون بمعنى ستر الحق، فإن الكفر الستر في اللغة، و كلا الوجهين في الترجمة عن ذلك صالح، ثم قال‏ «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ» يناقض قوله‏ «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص:168

 

 

 

[سورة البقرة (2): الآيات 103 الى 104]

وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا انْظُرْنا وَ اسْمَعُوا وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104)

تختلف الأحكام باختلاف الألفاظ التي وقع عليها التواطؤ بين المخاطبين، و إن كان المعنى واحدا فالمصرف ليس بواحد.

______________________________
بعد هذا فيما يظهر، فقوله‏ «وَ لَقَدْ عَلِمُوا» يعود الضمير على من سأل الملكين فقالا له لا تكفر «ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فإن من كفر لا خلاق له في الآخرة، فكأنهم قالوا نحن نتعلم منهم ذلك و لا نعمل به، فإن العلم بالشي‏ء يورث التوقي مما فيه من الضرر لمن جهله، فلما علموه قامت لهم الأغراض و طلب الرئاسة و تحصيل ما يشتهون بهذا العلم فعملوا به، فكفروا، فهو قوله‏ «وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ» أي باعوا به‏ «أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» أن ذلك يقودهم إلى العمل لما في طيه مما في عمله من تقدمهم على أبناء جنسهم، و الافتقار إليهم في آثار ذلك و نيل أغراضهم، فهذا هو الذي جهلوه، و الذي علموا هنالك لم يكن هذا الذي جهلوه، و قد بان المقصود من الآية على غاية الاختصار و نزهنا الملائكة فإن اللّه قد أثنى عليهم، و ما بلغنا قط عن اللّه تعالى أنه جرح أحدا من الملائكة، ثم قال (104) «وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا» قد يعود الضمير في آمنوا على الذين سألوا الملكين و ما سمعوا منهم، و لا اتقوا اللّه حين قالوا لمن سألهم لا تكفر باتباع الشياطين لأنهم خلطوا الحق بالباطل، فقال اللّه فيهم‏ «وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا» أي صدقوا الملكين‏ «وَ اتَّقَوْا» و اتخذوا ما قالاه لهم وقاية «لَمَثُوبَةٌ» لحصلت لهم من ذلك مثوبة من اللّه و خير «مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» و قد يحتمل أن يعود الضمير على اليهود في الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال (105) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا» هذا خطاب للمؤمنين، فإن اليهود كانت تقول هذه الكلمة بلسانها على طريق السب، فلما سمع اليهود يخاطب بها المؤمنون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فرحوا بذلك، ليقولوها كما يقولها المؤمنون على المعنى الذي تريده اليهود من السب، و سيأتي شرحها في سورة النساء إن شاء اللّه، فنهى المؤمنين عن أن يخاطبوا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و معناها اسمع منا يا رسول اللّه غرضا لحفظهم ما خاطبهم به، فقال لهم‏ «وَ قُولُوا انْظُرْنا» أي انتظرنا حتى نحفظ ما خاطبتنا به من كلام اللّه، يقول اللّه للمؤمنين‏ «قُولُوا انْظُرْنا» «وَ اسْمَعُوا» ما تؤمرون به‏ «وَ لِلْكافِرِينَ» يعني الذين يقولون راعنا على غير المعنى الذي قاله المؤمنون‏ «عَذابٌ أَلِيمٌ» موجع من الألم، و هو الوجع، و يقال بالسريانية و العبرانية (راعينا) بالياء و النون، و أما من قرأ

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 169

 

 

[سورة البقرة (2): آية 105]

ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

«وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» جاء تعالى بلفظة من و هي نكرة فدخل تحتها كل شي‏ء، لأن كل شي‏ء حي ناطق فيدخل تحت قوله من، لأن بعض النحاة يعتقدون أن لفظة من لا تقع إلا على من يعقل، و كل شي‏ء يسبح بحمد اللّه و لا يسبح إلا من يعقل من يسبحه، و يثني عليه بما يستحقه، فمن تقع على كل شي‏ء إذ كل شي‏ء يعقل عن اللّه سبحانه، و اللّه تعالى ما عرفنا أنه اختص بنقمته من يشاء كما أخبرنا أنه يختص برحمته من يشاء و بفضله، فإن أهل النار معذبون بأعمالهم لا غير، و أهل الجنة ينعمون بأعمالهم و بغير أعمالهم في جنات الاختصاص، فلأهل السعادة ثلاث جنات: جنة أعمال و جنة اختصاص و جنة ميراث، فينزل أهل الجنة في الجنة على قدر أعمالهم، و لهم جنات الميراث و هي التي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنة، و لهم جنات الاختصاص فالحكم للّه العلي الكبير، فإن الاختصاص الإلهي لا يقبل التحجير و لا الموازنة و لا العمل، و إن ذلك من فضل اللّه، يختص برحمته من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.

______________________________
«راعنا» بالتنوين في الشاذ، فهو من الرعن، و هو الهوج، أي لا تقولوا قولا راعنا، و منه الرعونة، و قد روى أن سعد بن عبادة من الأنصار لما قالت اليهود لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم راعنا حين سمعوا المؤمنين يخاطبون محمدا صلّى اللّه عليه و سلم بذلك، قال: لئن قالها رجل منكم للنبي لأضربن عنقه، فإنه كان عارفا بما تواطئوا عليه في كلامهم، إذ كانوا حلفاء لهم، و قيل بل كان سعد بن معاذ، ثم قال (106) «ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» دخل في ذلك المنافق و الذي لم ينافق‏ «وَ لَا الْمُشْرِكِينَ» عطف على أهل الكتاب، و حذف من لدلالة الأول عليه‏ «أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ» حسدا من عندهم حيث لم يكن لهم ذلك الخير «وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» في هذا تنبيه على رد من يقول إن النبوة مكتسبة، فأخبر اللّه أنها اختصاص، و كنّى عنها بالرحمة لكونه رحم بها نبيه عليه السلام، و رحم بها من بعث إليه من الأمة، حتى سلكوا به طريق هداهم، ثم قال‏ «وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» أي مزيد الخير الذي يعظم وروده و قدره في قلوب العلماء باللّه،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 170

 

 

[سورة البقرة (2): آية 106]

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (106)

«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ»

 

[فى النسخ و الانساء]

أي علامة على صدق ما ادعاه، فالآيات منسوخة في الأولياء لأنهم مأمورون بسترها، محكمة في الأنبياء و الرسل‏ «أَوْ نُنْسِها» أي نتركها آية للأولياء كما كانت آية للأنبياء «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها» من باب المفاضلة أي بأزيد منها في الدلالة، و هي آيات الإعجاز فلا تكون إلا لأصحابها، أو لمن قام فيها بالنيابة على صدق أصحابها، فلا يكون لولي قط هذه العلامة من حيث صحة مرتبته، و أما قوله‏ «أَوْ مِثْلِها» الضمير يرجع إلى الآية المنسوخة، فلم يكن لها صفة الإعجاز، بل هي مثل الأولى، و لا يصح حمل هذه الآية على أنها آي القرآن التي نزلت في الأحكام، فنسخ بآية ما كان ثبت حكمه في آية قبلها، فإن اللّه ما قال في آخر هذه الآية «ا لم تعلم‏ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»* و لا حكيم، و مثل هذه الأسماء هي التي تليق بنظم القرآن الوارد بآيات الأحكام، و إنما قال اللّه تعالى: «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ»

______________________________
ثم قال (107) «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ»[1] سبب نزول هذه الآية فيما قيل، أن اليهود قالت: أ لا تنظرون إلى محمد يأمر بأمر ثم ينهى عنه و يأمر بخلافه؟ فنزلت هذه الآية، و هذا السبب كأنه لا يصح عندي، فإن مساق الآية لا يعطيه، فإنه قال في الآية «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» على جهة المدح، و إبدال حكم بحكم من طريق التكليف ما فيه ذلك المدح من جهة القدرة، إذ كان هذا تحت قدرة كل من له أمر مطاع في عشيرته، بل الإنسان في بيته، بل في نفسه، و إنما الذي يقوي أنه سبحانه أراد بالآية هنا آيات الأنبياء صلوات اللّه عليهم التي نصبها دلالات بحكم الإعجاز على صدقهم، و قد تقدم تكرارها كثيرا فقال تعالى‏ «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ» أي من دلالة على صدق نبي، و نسخها ذهابها و رفعها، إذا كانت فعلا، فإنه ينقضي، و لهذا أتى بها نكرة «أَوْ نُنْسِها» يقول: أو نتركها، مثل القرآن الذي هو آية مستمرة إلى يوم القيامة فلا يعارض، و كذلك من قرأ «أو ننساها» أو نؤخرها، و هو ما بقي من الدلالات و الآيات و لم يذهب مثل القرآن و غيره، و الذي رفع كعصا موسى و إحياء الموتى، و قوله‏ «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها» يقول: أقوى منها في الدلالة، لأن الآيات قد تظهر للعام و الخاص، فتكون أقوى من الآيات التي لا يظهر كونها آية إلا للعلماء، و قوله‏ «أَوْ مِثْلِها»

______________________________
(*) تفسير هذه الآية بهذا المعنى الوارد هنا، نسب إلى الشيخ محمد عبده كما جاء في تفسير المنار، و الثابت كما هو واضح أن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي هو السابق لهذا المعنى الذي لم يرد في تفسير آخر من كتب المفسرين.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 171

فأراد الآيات التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام لصدق دعواهم في أنهم رسل اللّه، فمنها ما تركها آية إلى يوم القيامة كالقرآن، و منها ما رفعها و لم تظهر إلى يوم القيامة، و اعلم أن آيات الأنبياء تختلف باختلاف الأعصار لاختلاف الزمان و اختلاف الأحوال، فيعطي هذا الحال و الزمان ما لا يعطيه الزمان و الحال الذي كان قبله، و الذي يكون بعده، فآية كل خليفة و رسول من نسب الغالب على ذلك الزمان و أحوال علمائه، أي شي‏ء كان، من طب أو سحر أو فصاحة و ما شاكل هذا، و الرسل أوجب اللّه عليهم إظهار الآيات لكونهم مأمورين بالدعاء إلى اللّه ابتداء، و هو ينشئ التشريع و ينسخ بعض شرع مقرر على يد غيره من الرسل، فلا بد من إظهار آية و علامة تكون دليلا على صدقه أنه يخبر عن اللّه إزالة ما قرره اللّه حكما على لسان رسول آخر، إعلاما بانتهاء مدة الحكم في تلك المسألة.

[1] (*) تفسير هذه الآية بهذا المعنى الوارد هنا، نسب إلى الشيخ محمد عبده كما جاء في تفسير المنار، و الثابت كما هو واضح أن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي هو السابق لهذا المعنى الذي لم يرد في تفسير آخر من كتب المفسرين.

 

[سورة البقرة (2): آية 107]

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (107)

الأولياء هم الذين تولاهم اللّه بنصرته على الأعداء الأربعة: الهوى و النفس و الدنيا و الشيطان.

______________________________
أي بآية مثلها في القوة في الدلالة من الظهور و غيره، فتكون هذه الأخرى مقوية للأولى، فإن الأدلة إذا توالت و إن خفيت يقوي بعضها بعضا، فما من رسول أتى بآية إلا و قوى بها آية الرسول الأول، و الآيات التي هي دلالات على صدق الرسل هي التي لا يقدر عليها إلا اللّه تعالى على وجهين من الإعجاز: الوجه الأول، أن يأتي بآية يعجز البشر عن الإتيان بها أو مثلها، و الوجه الآخر، الصرف و هو أن تكون تلك الآية في مقدور البشر و يتحدى الآتي بها أنه لا يقدر أحد أن يأتي بها فيصرفوا عنها، و على كلتا الحالتين يثبت كونها آية و يعلم أن اللّه على كل شي‏ء قدير، فيأتي ختم الآية بالمدح بالقدرة في موضعه، و لا يكون هذا على ما ذهب إليه من تقدمنا من المترجمين، و ما رأيت من تنبه لهذا مع وضوحه و بيانه، إلا أن يكون و لم يصل إلينا علمه، فهذا لا يمنع، فإني ما أحطت بأقوال الناس في ذلك، و اللّه يقول الحق و هو يهدي السبيل، و الحمد للّه على نعمه التي لا تحصى، و أما ترجمتي على مسئلة هاروت و ماروت فعلمتها في النوم في رؤيا رأيتها، فوقفت عندها، و جاءت الترجمة عن الكلام مطابقة له، ثم قال تعالى مؤيدا لما ذهبنا إليه في هذا (108) «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و الآيات ليست بخارجة عنهما

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 172

 

 

[سورة البقرة (2): الآيات 108 الى 109]

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى‏ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (109)

«حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» للواسطة فإن الحسد في الجنس، فإن اللّه تعالى لم يزل ربا، و لم نزل عبيدا في حال عدمنا و وجودنا، فكل ما أمر سمعنا و أطعنا، في حال عدمنا و وجودنا، إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال، فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال و ألسنة الإرسال، فمن كان مشهوده ما وراء الحجاب و هو المثل و الرسول سمع فأطاع من حينه، و من كان مشهوده المثل سمع ضرورة و لم يطع للحسد الذي خلق عليه من تقدم أمثاله عليه، فظهر المطيع و العاصي، أي عصيّ على مثله لكونه ما نفذ فيه أمره بالطاعة، ما عصيّ على اللّه، فإنه لا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف، فانحجب بالإرسال انحجابه بالأسباب.

______________________________
فهي في ملكه و تحت قدرته، و هو الذي عجزكم عن الإتيان بأمثالها، «وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ» ممن يتولاكم بالمعونة على الإتيان بمثلها، كما توليت أنا أنبيائي و رسلي بها «وَ لا نَصِيرٍ»* و لا من ينصركم بحجة على دفع ما جاءت به رسلي من الآيات كما نصرت أنا رسلي بها حجة عليكم، قال تعالى: (وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ) و قال تعالى: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) و مما يؤيد ما ذهبنا إليه قوله أيضا متصلا بهذا (109) «أَمْ تُرِيدُونَ» يعني اليهود «أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ» يعني محمدا صلّى اللّه عليه و سلم، و أضافه إليهم لأنه ممن بعث إليهم و إلى جميع الخلق‏ «كَما سُئِلَ مُوسى‏ مِنْ قَبْلُ» كما سأل أسلافكم موسى من قبل، فقالوا (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) و غير ذلك مما قد ذكرناه فيما تقدم مما سألوه، فهذا يدلك أنه أراد نسخ الآيات المعجزات لا آيات الأحكام، إذ ليس للحكم هنا مدخل و لا يدل عليه وصف، فصح ما ذكرناه، ثم قال: «وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 173

 

 

[سورة البقرة (2): آية 110]

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

تضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة و الدعاء و الأفعال المعلومة شرعا، فجمع البشر هذه المراتب الثلاث المسماة صلاة.

______________________________
بِالْإِيمانِ» و هو قوله: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏)* و قد شرحناه قبل‏ «فَقَدْ ضَلَّ» يقول: فقد حاد عن‏ «سَواءَ السَّبِيلِ» أي عدل و التفت عن الطريق المستقيم الموصل إلى السعادة، و هو قوله فيما ندعوه به‏ (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (110) «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً» يقول: يتمنى اليهود أن تصغوا إليهم فيما يلقونه إليكم من الكفر في معرض النصيحة «ليردوكم» أي ليرجعوكم‏ «مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ» بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم‏ «كُفَّاراً» به مثلهم‏ «حَسَداً» أي يفعلوا ذلك حسدا لعلمهم بأنكم على الحق و أنكم تسعدون بذلك، و قوله: «مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» يقول: إن الذي جاءوا به لم يكن من كتابهم، فما قالوه إلا من عندهم، لأنه قال: «مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ» الذي أنتم عليه، و قوله: «فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا» دليل على تقدم ذنب ظهر للمؤمنين منهم، إذ التمني من عمل القلب فيكون الذنب الذي أمر المؤمنون بأن لا يؤاخذوهم عليه، هو ما روي أنهم اجتمعوا بطائفة من الصحابة بعد وقعة أحد و قالوا لهم:

[لو كنتم على الحق ما نصر عليكم عدوكم من المشركين، فارجعوا إلى ما نحن عليه و اتركوا ما جاءكم بهم محمد] صلّى اللّه عليه و سلم فأبت الصحابة، و قالوا: [رضينا باللّه ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا] و أرادوا مجازاتهم، فأنزل اللّه‏ «فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» يحتمل وجهين: الواحد، يوم القيامة قال تعالى: (أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ) و الوجه الآخر، ما أمروا به بعد ذلك من قتل بني قريظة و إجلاء بني النضير «إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» أي أنه القدير على مجازاتهم على ذلك، و لكن أمهلهم إلى وقت يحكم اللّه فيهم لئلا تشترك الصحابة في مجازاتهم من غير أمر اللّه، بل من عند أنفسهم، كما فعلوا هم بما قالوه من عند أنفسهم لا من كتابهم، فنزه اللّه أولياءه المؤمنين عن أن يشاركوهم في هذا القدر، و ليقتدوا بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم في قوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ)* ثم أتبع ذلك بقوله لهم: (111) «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» يقول لهم: و اشتغلوا بما كلفتموه من إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و قد تقدم شرحهما، ثم أخبرهم فقال: «وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ» أي ما تقدمونه بين أيديكم لآخرتكم من أجل نفوسكم أن يعود عليها من خير مما شرعناه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 174

 

 

[سورة البقرة (2): آية 111]

وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111)

فأكذبهم في التحجير بما ذكره اللّه تعالى في أول سورة البقرة في قوله: «أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» البراهين لا تخطئ في نفس الأمر، و إن أخطأ المبرهن عليه، فذلك راجع إليه، و أما البرهان، فقوي السلطان.

______________________________
لكم من الأعمال المقربة إلينا «تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» كما ورد في الصحيح [إن الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله‏] و قوله: [إن فلانا استطعمك- الحديث‏] و فيه [فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي‏] و قوله: «فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» إذا كان بالياء المنقوطة من أسفل فهو وعيد لهم، أي اشتغلوا بما كلفتم عنهم و عن عقوبتهم، فإن اللّه بما يعملون بصير، و العامل في الباء بصير، و بصير هنا عالم بأعمالهم، أي بقصدهم فيها، هل يسعدهم ذلك أو يشقيهم، إذ ليس للرؤية بمعنى البصر فائدة، و من قرأ بالتاء فهو للمؤمنين خطاب من اللّه على ذلك الحد من علمه بالقصد في العمل، ثم أخبر عنهم فقال: (112) «وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏» جمع بالضمير بين القولين لاتحاد المقول، و هو دخول الجنة، إذ كل واحد من الطائفتين يضلل الأخرى كما سيأتي في قولهم: (لَيْسَتِ النَّصارى‏ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ) عن اليهود، و مثل ذلك من النصارى، فكأنه قال: و قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، جمع هائد، كعوذ جمع عائذ، و حول جمع حائل، و يقال للمذكر و المؤنث بلفظ واحد، و قد يكون هودا مصدر يؤدي عن الجمع، كما يقال رجل صوم، و زور، و فطر، للواحد و الاثنين و الجمع، و قالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، فقال تعالى: «تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ» أي لم يكن الإخبار عما يجدونه في كتبهم، و إنما هو شي‏ء يتمنونه، يعلم اللّه ذلك منهم، فتلك إشارة إلى القولة إنها من أمانيهم المتقدمة، كقوله: (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) و (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) و (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) فتلك الأماني، و أما احتجاجنا على التمني بقوله: (ما يَوَدُّ) و هو نفي التمني فلما يتضمنه من تمني النقيض، ثم قال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم‏ «قُلْ» يا محمد لهم‏ «هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» فإن الذي جاءوا به هو خبر محتاج إلى دليل على صدقه، و ليس لهم حجة، لأنه خبر عن تمنيهم، و ليس في اللفظ ما يدل على التمني، و إنما عرفنا ذلك من كون اللّه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 175

 

 

[سورة البقرة (2): آية 112]

بَلى‏ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)

اعلم أن الإحسان أعلى درجة في الإيمان، و أعلى الإحسان المشاهدة، و أدناه المراقبة، و المحسن قد تحقق الصدق في دعوى قوله‏ «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» و الصدق في هذه الدعوى إنما يكون بالإخلاص للّه سبحانه وحده، فقوله: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» خطاب لموجود يشاهد مع العبادة، و يراقب مع الاستعانة، لأننا مع المشاهدة نرى أفعال اللّه تعالى فينا و في غيرنا، و مع المراقبة نعلم أنه الذي أسمعنا ما نسمعه في أنفسنا و من غيرنا، و هو الذي أوجد حركاتنا و حركات غيرنا و سكناتهم، فالمشاهدة على هذا رؤية تقع موقع العيان، و المراقبة رؤية قلب، و لا تتحقق العبادة و الاستعانة إلا ممن يعرف المشاهدة و المراقبة، فمن أسلم و آمن و أحسن فقد عرف معالم الدين الذي نزل به جبريل على النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ليعلم الأمة معالم دينهم، و لا يظفر بهذه الصفة إلا من أسلم وجهه للّه و هو محسن.

______________________________
تعالى أخبر أن ذلك من أمانيهم، فشرحنا لكلام اللّه، فهو شرح الشرح، لعلمنا بأن اللّه صادق فيما يخبر به، و لا حجة لهم و لا برهان على صدق ما أخبروا به، ثم أكذبهم اللّه فقال: (113) «بَلى‏ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ» قوله: «بَلى‏» إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، و لم يقل سبحانه إن اليهود و النصارى لا يدخلون الجنة، فإن اليهود و النصارى الذين آمنوا بنبيهم و أسلموا للّه و أحسنوا و ماتوا قبل بعث محمد صلّى اللّه عليه و سلم إنهم يدخلون الجنة، فلهذا أضرب عن تعيين طائفة بعينها منا أو منهم، و أتى بمن لفظة عامة، تعم كل من عينه الوصف الذي وصفت به من إسلام الوجه للّه و الإحسان، فكأنه يقول ليهود المدينة القائلين هذا و النصارى: إنما يدخل الجنة من كان بهذه الصفة، و هم أعلم بنفوسهم، هل هم بهذه الصفة أم لا، و قوله: «فَلَهُ» الفاء جواب من، و الضمير يعود عليه، «و أسلم» بمعنى انقاد و «وجهه» عينه و ذاته «للّه» من أجل اللّه، أي لأمر اللّه حيث أمره‏ «وَ هُوَ مُحْسِنٌ» يعني في انقياده، و هو أن يعبد اللّه كأنه يراه، و قد يخرج محسن على إتيان مكارم الأخلاق‏ «فَلَهُ أَجْرُهُ» على عمله ذلك الذي فرض له، سواء طلبه أو لم يطلبه‏ «عِنْدَ رَبِّهِ» «وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» قد تقدم شرحه في أول السورة (114) «وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى‏ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ» الآية، يتوجه في هذه المقالة ثلاثة أوجه،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 176

 

 

[سورة البقرة (2): الآيات 113 الى 114]

وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى‏ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ قالَتِ النَّصارى‏ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعى‏ فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114)

الدنيا هي الدار القريبة إلينا، نشأنا فيها و ما رأينا سواها، فهي المشهودة و هي الحفيظة علينا و الرحيمة بنا، فيها عملنا الأعمال المقربة إلى اللّه، و فيها ظهرت شرائع اللّه، و هي الدار الجامعة لجميع الأسماء الإلهية فظهرت فيها آلاء الجنان و آلام النار، ففيها العافية و المرض،

______________________________
الوجه الواحد، مباهتة بعضهم لبعض مع معرفة كل فريق منهم أن الفريق الآخر على حق، إذ كان كل فريق أهل كتاب، و أن في التوراة نبوة عيسى، و في الإنجيل نبوة موسى، و الوجه الثاني، أن يقول كل فريق ليس الآخر على شي‏ء من دينه، أي أنه لا يعمل بدينه و لا بما أنزل عليه، فإن النصارى لو آمنت بالإنجيل لصدقتنا، فإن الإنجيل يصدقنا، و تقول النصارى لو آمنت اليهود بالتوراة لعرفت أنا على الحق، فإن التوراة تصدقنا، و الوجه الثالث، أن يكونوا صادقين فيما قالوه، فإنه ببعث محمد صلّى اللّه عليه و سلم ارتفعت كل شريعة قبله، فقالت اليهود و صدقت ليست النصارى على شي‏ء فإن بعث محمد صلّى اللّه عليه و سلم و القرآن نسخ شرعهم، فإن الإنجيل يدلهم على ذلك، «وَ قالَتِ النَّصارى‏» و صدقت‏ «لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ» لأن بعث محمد صلّى اللّه عليه و سلم و القرآن نسخ دينهم و هو في التوراة عندهم، و هو أصدق الوجوه فيما يرجع إلى علمهم بما في كتابهم، فهو اعتقادهم و إن لم يتلفظوا به، و لهذا قال اللّه تعالى: «وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ» يعني التوراة و الإنجيل، فيعلمون الحق بيد من هو، و هو بيد محمد عليه السلام، فوبخهم اللّه تعالى أشد التوبيخ حيث شبههم بمشركي العرب الذين ليسوا أهل كتاب و أنكروا نبوة محمد عليه السلام، ثم قال: «كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» و هم المقلدة «مِثْلَ قَوْلِهِمْ» يعني قول علمائهم، ثم قال: «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ» الضمير يعود على المتنازعين من جهة المعنى المقصود كانوا من كانوا، و لهذا لم يثن على إرادة الطائفتين قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، و هو قوله: «يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (115) «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ» الآية، و إن نزلت‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 177

و فيها السرور و الحزن، و فيها السر و العلن، و ما في الآخرة أمر إلا و فيها منه مثل، و هي الأمينة الطائعة للّه، أودعها اللّه أمانات لعباده لتؤديها إليهم و هي ترقب أحوال أبنائها ما يفعلون بتلك الأمانات التي أدتها إليهم، هل يعاملونها بما تستحق كل أمانة لما وضعت له، فمنها أمانة توافق غرض نفوس الأبناء، فترقبهم هل يشكرون اللّه على ما أولاهم من ذلك على يديها، و منها أمانات لا توافق أغراضهم، فترقب أحوالهم هل يقبلونها بالرضى و التسليم لكونها هدية من اللّه، فيقولون في الأولى: الحمد للّه المنعم المفضل، و يقولون فيما لا يوافق الغرض: الحمد للّه على كل حال، فيكونون من الحامدين في السراء و الضراء، فتعطيهم الدنيا هذه الأمانات نقية طاهرة من الشوب، فبعض أمزجة الأبناء الذين هم كالبقعة للماء و الأوعية لما يجعل فيها، فيؤثر مزاج تلك البقعة في الماء و الماء كله طيب عذب في أصله، قال قتادة: ما أنصف الدنيا أحد، ذمت بإساءة المسي‏ء فيها، و لم تحمد بإحسان المحسن فيها، فلو كانت بذاتها تعطي القبح و السوء ما تمكن أن يكون فيها نبي مرسل و لا عبد صالح، كيف و اللّه قد وصفها بالطاعة فقال: إن علوها و سفلها قالا: أتينا طائعين، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إذا قال أحدكم: لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا: لعن اللّه أعصانا لربه، فهذا ابن‏

______________________________
هذه الآية في سبب خاص و لكن الحكم عام، فقال: «وَ مَنْ» فأتى بصيغة النكرة، يقول: و من أشد ظلما من شخص منع من أراد «أَنْ» يذكر اللّه في المساجد، و هي البيوت التي جعلها معبدا تؤدى فيها فرائضه و «يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» و أمر برفعها عما يجوز من العمل في البيوت، فقال: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ) أي يصلي (له) للّه‏ (فِيهَا) في المساجد، فهل ترفع عن دخول الكفار فيها؟ هي مسألة خلاف فيما يحرم من ذلك، و أما تنزيهها عن ذلك على جهة الندب فلا خلاف فيه، فمن خرج‏ «أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ»، أي أمر و حمله على الوجوب، منع من دخول الكفار جميع المساجد، المشركين و غيرهم، و أما المسجد الحرام الذي بمكة فقد ورد النص بأن لا يقربه مشرك و أنه نجس، فمن علل المنع بالنجاسة و جعل النجاسة لكفره و علل المسجد لكونه مسجدا منع الكفار كيفما كانوا من جميع المساجد، و من رأى أن ذلك خاص بالمسجد الحرام و لهذا خص بالذكر و أن ما عدا المشرك و إن كان كافرا لا يتنزل منزلته، منع دخول المشرك المسجد الحرام و كل مسجد، لقوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ) و جوز الدخول فيه لمن ليس بمشرك، و من أخذ بالظاهر و لم يعلل منع المشرك خاصة من المسجد الحرام خاصة، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم حبس في المسجد في المدينة ثمامة بن أثال حين أسر و هو مشرك، و هو الأوجه، و منع‏[1] غير المشرك من‏

______________________________
(1) هكذا في الأصل و الصواب و لم يمنع.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 178

عاق لها، كيف لعنها و صرح باسمها، و الدنيا من حنوها على أبنائها لم تقدر أن تلعن ولدها، فقالت: لعن اللّه أعصانا لربه، و ما قدرت أن تسميه باسمه، فهذا من حنو الأم و شفقتها على ولدها، فيا عجبا فينا لم نقف عند ما أمرنا اللّه به من طاعته، و لا وفقنا و لا وفينا ما رأيناه من أخلاق هذه الأم و حنوها علينا و محبتها، و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: نعمت الدنيا مطية، عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر، فوصفها بأن حذرها على أبنائها تذكرهم بالشرور و تهرب بهم منها، و تزين لهم الخير و تشوقهم إليه، فهي تسافر بهم و تحملهم من موطن الشر إلى موطن الخير و ذلك لشدة مراقبتها إلى ما أنزل اللّه فيها من الأوامر الإلهية المسماة شرائع، فتحب أن يقوم بها أبناؤها ليسعدوا. فهذا صلّى اللّه عليه و سلم قد وصفها بأحسن الصفات و جعلها محلا للخيرات، و الناس نسبوا ما كانوا عليه من أحوال الشرور التي عيّنها الشارع إلى الدنيا، و هي أحوالهم ما هي أحوال الدنيا، لأن الشر هو فعل المكلف ما هو الدنيا، و نسبوا ما كانوا عليه من أحوال الخير و مرضات اللّه التي عينها الشارع للآخرة، و هي أحوالهم ما هي أحوال الآخرة، لأن الخير هو فعل المكلف ما هو الآخرة، فللدنيا أجر المصيبة في أولادها من أولادها، فمن عرف الدنيا بهذه المثابة فقد عرفها، و من لم يعرفها بهذه المثابة و جهلها مع كونه فيها مشاهدا لأحوالها شرعا و عقلا فهو بالآخرة أجهل، فراقبوا اللّه هنا عباد اللّه، مراقبة الدنيا أبناءها، فهي الأم الرقوب، و كونوا على أخلاق أمكم تسعدوا.

______________________________
المسجد الحرام و من المساجد و منع المشرك من سائر المساجد أولى، لقوله تعالى: (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) إلا أن يقترن بذلك أمر أو حالة فلا بأس، فوصف اللّه بالظلم الشديد من منع المسجد ممن أراد أن يذكر اللّه فيه بصلاة و غيرها، و لم يخص أهل دين من أهل دين إذا كان قصد الداخل إليها ذكر اللّه فيها، فهذا قوله: (أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)، و قوله: «وَ سَعى‏ فِي خَرابِها» وجهان: الوجه الواحد هدمها و إزالة رسمها، حتى لا يبقى لها حد يعرف من غيرها من المواضع، و قد لعن اللّه من غير منار الأرض لما يؤدي ذلك إليه من إبطال الوقوف و أكل الأموال بالباطل، فإن خرب سلطان أو أحد مسجدا لما في بقائه من الضرر لمنازلة عدو و محاصرة بلد، أو لمنفعة لاتساع خندق أو موضع قتال، ففيه نظر، و هل يبني المخرب له عوضا منه في موضع آخر و يرد الوقف الذي كان له إلى ما بناه بدلا منه؟ أو لمن يرجع الوقف هل لصاحبه أو لبيت المال أو لما يبنى بدله؟ و الوجه الآخر منع الذكر فيها سعي في خرابها، إذ كان بناؤها لإقامة ذكر اللّه، و أما

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 179

[سورة البقرة (2): آية 115]

وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115)

«فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» هذه حقيقة منزهة بلا خلاف، فإن اللّه جل جلاله عن التقييد، فهو قبلة القلوب، فوجه اللّه موجود في كل جهة يتولى أحد إليها، و لا بد لكل مخلوق من التولي إلى أمر ما، و وجه الشي‏ء ذاته و حقيقته، فكما نسب الحق الفوقية لنفسه من سماء و عرش، نسب لنفسه الإحاطة بالجهات كلها بقوله: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» لحكم المراتب، فإن اللّه تعالى جعل وجهه في كل جهة ليعصم من شاء و يحفظ من شاء، فإن الحق مع بعض عباده بالولاية و العناية و بالكلاءة و الرعاية، فله تعالى عين في كل أين، و مع هذا لو تولى الإنسان في صلاته إلى غير الكعبة مع علمه بجهة الكعبة لم تقبل صلاته، لأنه ما شرع له إلا استقبال هذا البيت الخاص، بهذه العبادة الخاصة، فإذا تولى في غير هذه العبادة التي لا تصح إلا بتعيين هذه الجهة الخاصة، فإن اللّه يقبل ذلك التولي مثل الصلاة على الراحلة، فالمستقبل لا يتقيد فهو بحسب ما تمشي به الراحلة، كما أنه لو اعتقد أن كل جهة يتولى إليها ما فيها وجه اللّه لكان كافرا و جاهلا، و لو لا أن الإجماع سبق في أن التوجه إلى القبلة أعني الكعبة شرط من شروط صحة الصلاة، لما كان ذلك شرطا في صحتها، فإن قوله تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» نزلت بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة، و هي‏

______________________________
قوله: «أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ» يعني الكفار المذكورين‏ «أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ» أي هذا كان الأولى، و فيه إباحة الدخول للكفار في المساجد على هذه الحالة من ظهور الإسلام عليهم، ثم قال:

«لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ» و من فعل هذا فله في الدنيا خزي أي ثناء سوء، فإنه مؤلم لهم ما يذكرون به من القبيح، فإنهم يقرءون في كتبهم أنه مذموم من فعل ذلك، فيتألمون به و إن فعلوه، و أما غير أهل الكتاب فخزيهم ما يرون من تعظيم المسلمين لمساجدهم و طردهم عنها، فيجدون لذلك حزنا و لا سيما إذا دخلوا دار الإسلام‏ «وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» مضاعف للمنع و التخريب، فيمنعوا أن تنالهم رحمة اللّه و تخرب أجسادهم في النار بإنضاج الجلود و غير ذلك، و أما سبب النزول فإنها نزلت في أنطاخوس بن برسيس الرومي و من معه من نصارى الروم، حين منعوا بيت المقدس أن يصلى فيه، و ظهروا على اليهود فقتلوهم و خربوا بيت المقدس، و قوله:

(116) «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» هذه الآية محكمة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 180

آية محكمة غير منسوخة، و لكن انعقد الإجماع على هذا و على قوله تعالى‏ «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» محكما في الحائر الذي جهل القبلة، فيصلي حيث يغلب على ظنه باجتهاد بلا خلاف، و لا خلاف أن الإنسان إذا عاين البيت أن الفرض عليه هو استقبال عينه، و أما إذا لم ير البيت فعندنا أن استقبال الجهة هو الفرض لا العين، فإن في ذلك حرجا، و معلوم أن الصف الطويل قد صحت صلاتهم مع القطع بأن الكل منهم ما استقبلوا العين، و إصابة الجهة في غير الغيم المتراكم ليلا أو نهارا في البراري لا يقع إلا بحكم الاتفاق، فأحرى إصابة العين، فلا إعادة على من صلى و لم يصب الجهة إذا تبين له ذلك بعد ما صلى، و اعلم أنه قد جاء ذكر وجه الحق في آيات كثيرة، فإذا أردت أن تعلم حقيقته و مظهره من الصورة التي يتجلى فيها الحق، فاعلم أن حقيقته من غمام الشريعة، بإرث نور التوحيد، و مظهره من العمل وجه الإخلاص‏ «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ»* الآية و يدل على أن وجهه تعالى الإخلاص مظهر قوله تعالى: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»* و قوله تعالى: «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ» و قوله تعالى:

«إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏» و المراد في ذلك كله الثناء بالإخلاص على أهله تعبيرا بإرادة الوجه عن إخلاص النية، و تنبيها على أن مظهر وجهه سبحانه يدل على أن حقيقة الوجه هو بارق نور التوحيد لقوله تعالى: «وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» أي إلا نور توحيده، و هو نور السموات و الأرض بدليل قوله صلّى اللّه عليه و سلم: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة» و بهذا يفهم سر قوله تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» و لوجه ربنا سبحانه رداء، و له حجب و له سبحات، فأما رداؤه سبحانه فقد نبه عليه قوله صلّى اللّه عليه و سلم: «جنتان من فضة آنيتهما و ما فيهما، و جنتان من ذهب آنيتهما و ما فيهما، و ما بين القوم و بين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» فالرداء هنا و اللّه أعلم هو ما يحجب القلب عن رؤية الرب‏

______________________________
فيمن جهل القبلة، فاجتهد و صلى على أنه مواجهة القبلة ثم تبين له بعد ذلك أنه لم يستقبلها، أن صلاته صحيحة و لا إعادة عليه، و في المصلي على الراحلة، و في السفينة حيث توجهت به راحلته، و ما من جهة إلا و قد كانت قبلة في أمة من الأمم، و في هذه الآية دليل على أن اللّه لا يختص بجهة، و أن نسبة الجهات إليه نسبة واحدة، و لهذا جاء بالاسم الواسع و العليم، لاتساعه في حكم جميع‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 181

سبحانه، و هو أن يكون في قلبك كبرياء لغيره، فأهل الجنة ليس لهم مانع من نعيم الرؤية، و شهود نور التوحيد إلا رداء الكبرياء، فمن كبر في قلبه غير اللّه تعالى من غرف أو تحف أو حور أو مأكول أو مشروب أو شي‏ء سواه حجب عن اللّه تعالى. و من عرف اللّه صغر عنده كل شي‏ء فارتفع عن بصره رداء الكبرياء لكل شي‏ء فشهد اللّه في كل شي‏ء، و بهذا يظهر لك سر افتتاح الصلاة بالتكبير، لأن الصلاة حضرة التجلي و المناجاة و المراقبة لأنوار سبحات وجهه سبحانه، و أما حجبه فقد ثبت في الصحيح «حجابه النور» و في رواية «حجابه النار» و ليس بين الروايتين تناف، و لك في تأويله سبيلان: أحدهما أن وجهه سبحانه هو الباقي ذو الجلال و الإكرام، فله تجل بجلاله في حجاب النار، كما تجلى سبحانه لموسى صلّى اللّه عليه و سلم حين آنس من جانب الطور نارا، و له تجل بإكرامه في حجاب النور، كما تجلى تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم ليلة الإسراء في قوله صلّى اللّه عليه و سلم: «رأيت نورا» و هذان الحجابان لأهل الخصوص، و التأويل الثاني، و هو لأرباب العموم، يؤخذ مما قررناه أنه لا فاعل في الكون غيره، و لا هادي و لا مضل سواه، يهدي من يشاء و يضل من يشاء، لا يسأل عما يفعل و هم يسألون، فوجه توحيده هو الذي ينعم و يهدي بإقباله، و يعذب و يضل بإعراضه، و له في هدايته النور و هويته المتجلية للقلوب بواسطة شرائع رسله قال تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ» و حجابه في إضلاله النار و هو الاكتساب المغشي للقلوب من وساوس الشيطان المخلوق من النار «كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» قد بيّن بذلك أن وجه توحيده، هو الهادي بإقباله، في حجاب نور الاتباع للرسل‏ «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏» و أنه هو المضل بإعراضه في حجاب الاتباع لوسواس الشيطان، فإنه لا تنافي بين قوله حجابه النور و بين قوله حجابه النار، و بذلك يفهم سر قوله صلّى اللّه عليه و سلم: «اللهم اجعل في قلبي نورا و في سمعي نورا و في بصري نورا إلى قوله و اجعلني نورا» أي اجعلني من جميع الوجوه نورا دالا، و حجابا يتنعم برؤيتي من أراد التنعم بحسن النظر إليك، و قد جاء في‏

______________________________
النسب إليه، عليم بكم أينما توليتم أن قصدكم التوجه إليه سبحانه على طريق القربة، و في قوله:

«الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ» و أين ما تولوا، تنبيه أن كل من سجد إلى جهة معينة ليس مقصده الجهة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 182

الصحيح «إن للّه سبعين حجابا من نور» و ذلك لا تنافي بينه و بين قوله: «حجابه النور» لأنه جنس يصلح لشمول الأفراد و إن تعددت، و الحق أن حجب أنواره تعالى لا حصر لها، لأنه ما من شي‏ء إلا و هو حجاب من وجه ربنا، و آية من آيات وحدانيته «و في كل شي‏ء له آية، تدل على أنه واحد» و بذلك يعرف أن عدد السبعين ليس للحصر، قال الأزهري و غيره من علماء اللغة: العرب تضع السبع موضع التضعيف و إن جاوز السبع، و أصل اعتبار هذا العدد في تضعيف حجبه أن للّه تعالى صفات ذاتية و هي العلم و الحياة و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و الكلام، فهذه سبع صفات ذاتية يتجلى سبحانه في حجب أنوارها بوجه توحيده فكانت هي مبدأ التضعيف في حجب أنواره تعالى، ثم إن آيات صفاته تعالى في تجلياتها تتضاعف برتبة العشرة، و رتبة المائة، و رتبة الألف، و أما سبحات وجهه سبحانه فقد ثبت في الصحيح «لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» و قد أولها العلماء رضي اللّه عنهم بجلاله تعالى و هو تأويل صحيح، لكن وجه ربنا ذي الجلال و الإكرام له بجلاله سبحات، و له بإكرامه سبحات، و إذا أردت أن تجري في التأويل على وفق الاستعمال اللغوي و القواعد التي مهدناها، فاعلم أن السبحات جمع سبحة، و السبحة في اللغة: ما يتطوع به من ذكر و صلاة و تسبيح و نحوها مما لا يحصر أفراده، و قد ثبت أن أنوار الطاعات حجب وجهه سبحانه، و نور الذكر شامل لجميعها و مهيمن على سائر سبحات الإكرام و الجلال، و قد قال تعالى: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» فذكر اللّه تعالى لنفسه و لعبده سبحة وجهه شاملة لأنواع سبحاته، و ذكر العبد له نور حجابه، فما دام العبد يشهد ذكره لربه، فوجه ربه متجل عليه في حجابه بسبحة ذكره، كما ثبت في الصحيح «أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه حين يذكرني» و لا يزال العبد يذكر اللّه، و ذكره له يبعده عن شهود نفسه و نسبتها، و يقربه من شهود توحيد ربه، حتى ينكشف حجاب ذكره للّه، و تتجلى له سبحة ذكر اللّه له، هناك تحرق سبحته نسبة الأفعال و الأذكار للعبد، و تظهر نسبتها للرب، كما ثبت في الصحيح: «و لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و يده التي يبطش بها، و رجله التي‏

______________________________
من حيث عينها، و إنما قصده وجه اللّه بتلك العبادة، و الإنسان لا ينفك عن الجهات لنفسه، فلا بد أن يكون مستقبلا جهة من الجهات، فدخل في «أين ما تولوا» ما عدا المشرق و المغرب من‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 183

يمشي بها»، و أما قوله: «لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» فاعلم أن بصره سبحانه لا يتناهى مبصوراته، و لا يحجبه عن خلقه حجاب، و إنما ينكشف لك معنى الحديث لمراجعة ما قررته لك، و بقوله صلّى اللّه عليه و سلم: «أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فنبه بالشرط على أن العبد لا يشهد رؤية اللّه له حتى يغيب عن صفته و رؤيته و مراقبته لربه، فكل عبادة تصحبها المراقبة فهي نور من حجب وجهه ينظر العبد منه إلى ربه تعالى، و ينظر اللّه منه إلى عبده، فإذا كشف للعبد فيها حجاب المراقبة شهد رؤية اللّه سبحانه له، فانتهاء بصره عبارة عن انتهائه بحسب كشف العبد و شهوده، لا بحسب نفسه، فإنه لا انتهاء له، أو خلقه هو صفة العبد، و رؤيته و إحراقه هو محوه بثبوت صفة الرب للعبد، و صفة الرب و رؤيته هي سبحة «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ»

[أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على الراحلة حيث توجهت‏]

رقيقة- أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على الراحلة حيث توجهت، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم كله وجه بلا قفا، فإنه قال صلّى اللّه عليه و سلم إني أراكم من خلف ظهري، فأثبت الرؤية لحاله و مقامه فثبتت الوجهية له، و ذكر الخلف و الظهر لبشريته، فإنهم ما يرون رؤيته، و يرون خلفه و ظهره، و من كانت هذه حاله فحيث كانت القبلة فهو مواجهها، فما أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قط على راحلته حيث توجهت إلا و القبلة في وجهه‏ «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» فمن كان وجها كله يستقبل ربه بذاته، و وجه اللّه للمصلي إنما هو في قبلته و دل على أن من حاله هذا الوصف و يرى القبلة بعين منه تكون في الجهة التي تليها فهو مصل للقبلة، و اللّه جل جلاله عن التقييد فهو قبلة القلوب‏ «إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» قال تعالى: «رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» و هو الواسع لكل شي‏ء و لهذا الاتساع هو لا يكرر شيئا في الوجود، فإن الممكنات لا نهاية لها، فأمثال توجد دنيا و آخرة على الدوام و أحوال تظهر، و قد وسع كرسيه و هو علمه السموات و الأرض، و وسعت رحمته علمه و السموات و الأرض و ما ثم إلا سماء و أرض فإنه ما ثم إلا أعلى و أسفل، فلا تكرار في الوجود، و إن خفي في الشهود، فذلك لوجود الأمثال، و لا يعرفه إلا الرجال، لو تكرر لضاق النطاق و لم يصح الاسم الواسع بالاتفاق، و بطل كون الممكنات لا تتناهى، و لم يثبت ما كان به يتباهى، فإن اللّه واسع على الإطلاق‏ «عَلِيمٌ» بما أوجد عليه خلقه.

______________________________
الجهات، و نبه أيضا بالمشرق على العلانية لأنه محل الظهور، و بالمغرب على السر لأنه محل الغيب،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 184

[سورة البقرة (2): الآيات 116 الى 117]

وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)

«بَدِيعُ» لأنه ما خلقهما على مثال متقدم، و كل خلق على غير مثال فهو مبدع بفتح الدال، و خالقه مبدعه بكسر الدال «و السماوات و الأرض» يعني بذلك ما علا و ما سفل، فهو بديع كل شي‏ء. و ليس الإبداع سوى الوجه الخاص الذي له في كل شي‏ء، و به يمتاز عن سائر الأشياء، فهو على غير مثال وجودي، إلا أنه على مثال نفسه و عينه من حيث إنه ما ظهر عينه في الوجود إلا بحكم عينه في الثبوت من غير زيادة و لا نقصان، و الابتداع على الحقيقة إنشاء ما لا مثل له بالمجموع، و لا بديع من المخلوقات إلا من له تخيل، فقد يبتدع المعاني و لا بد أن تنزل في صور مادية و هي الألفاظ التي بها يعبر عنها، فيقال: قد اخترع فلان معنى لم يسبق إليه، و كذلك أرباب الهندسة لهم في الإبداع اليد الطولى، و لا يشترط في المبتدع أنه لا مثل له على الإطلاق، إنما يشترط فيه أنه لا مثل له عند من ابتدعه و لو جاء بمثله خلق كثير كل واحد قد اخترع ذلك الأمر في نفسه ثم أظهره، فهو مبتدع بلا

______________________________
فكأنه يقول: و للّه ما شرق منكم أي ما ظهر، و ما غرب عنكم أي ما استتر، فأينما تولوا بوجوهكم و قلوبكم فثمّ وجه اللّه، أي هو مطلع عليكم، و يؤيده قوله:

«إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» و هذا من باب الإشارة و التنبيه (117) «وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ» الضمير يعود على من تقدم، و هو داخل في قوله: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ) (وَ سَعى‏)* و قال: «اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً»* يريد بذلك من قال: المسيح ابن اللّه، و عزير ابن اللّه، و الملائكة بنات اللّه، فإن الولد ينطلق على الذكر و الأنثى، و هذا أشد ظلما مما فعلوه، فنزه الحق نفسه عما نسبوا إليه، و هنا وجهان الوجه الواحد، إن كانوا أرادوا التبني لقوله: (لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ) ثم نزه نفسه عن ذلك، فيكون هذا القول منهم افتراء على اللّه، حيث نسبوا إليه ما لم ينسب إلى نفسه، مع جواز التبني بطريق الاصطفاء، و لكن ما وقع، و الوجه الآخر، أن يريدوا الولد المعروف الذي للصلب، فهو جهل منهم باللّه تعالى، فهم ما بين جاهل و مفتر، فنزه اللّه سبحانه عن الأمرين نفسه، فقال سبحانه عن ذلك: «بل» حرف إضراب عن قولهم: «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 185

شك و إن كان له مثل، و لكن عند هذا الذي ابتدعه لا سبيل إلا ابتداع الحق تعالى فإنه تعالى قال عن نفسه إنه بديع أي خلق ما لا مثل له في مرتبة من مراتب الوجود، لأنه عالم بطريق الإحاطة بكل ما دخل في كل مرتبة من مراتب الوجود، فكل ما في الوجود مبتدع للّه فهو البديع، و هذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق و إنما هو ما ظهر في الوجود الحق، إذ لو كان عين الحق ما صح أن يكون بديعا، و لما كان حال كن الإلهية حال المكوّن المخلوق، و كان أسرع ما يكون من الحروف في ذلك فاء التعقيب، لهذا جاء بها في جواب الأمر لسرعة نفوذ الأمر الإلهي في نش‏ء العالم و ظهوره، فقال تعالى: «وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» القضاء الذي له المضي في الأمور هو الحكم على الأشياء بكذا، و القدر ما يقع بوجوده في موجود معين المصلحة المتعدية منه إلى غير ذلك الموجود، فالقضاء يحكم على القدر، و القدر لا حكم له في القضاء، بل حكمه في المقدر لا غير بحكم القضاء.

______________________________
و هم الملائكة و عزير و عيسى، و أتى بما و لم يقل من، لأن ما عند سيبويه تقع على كل شي‏ء فلها العموم، فالإتيان بالعام أولى حتى يدخل فيها كل شي‏ء «كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ» أي قائمون بالعبودية و شروطها، و قد دخل الكفار في هذا القنوت، فإنهم مما في السموات و الأرض، و هم طائفتان: جاهلة و عالمة، فمن علم منهم الحق بباطنه مثل أهل الكتاب و من جرى مجراهم في العلم، فهو قانت للّه في باطنه لعلمه به، و من جهل منهم ذلك، فالجاهل ما عبد غير اللّه و لا قنت له لعينه، و لكن تخيل أنه الإله المقصود بالقنوت له، فما قنت إلا للّه و إن أخطأ في نسبة ذلك، فصدق قول اللّه في إخباره أنه كل له قانتون بهذا الوجه، و هل ينفعهم ذلك أو لا ينفعهم مسألة أخرى ليس هذا موضعها (118) «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» إبداع الشي‏ء إحكامه و إتقانه، فإذا كان هذا، فيكون عاما في كل موجود، و إن كان المراد هنا بالإبداع إيجاد الشي‏ء على غير مثال، فيكون خاصا بالموجود الأول من كل نوع، و لا يدخل ما تحته تحت هذه الصفة من كونه إبداعا و إنما يدخل تحت اسم الخالق و البارئ، و قد يريد بالسماوات و الأرض ما علا و ما سفل حصرا لجميع الموجودات، و من جملتهم ما نسبتموه إلينا من ولد من إنس و ملك، و لكن لا ينتفي الولد من هذا الوجه، فإن الولد لا بد أن يكون مخلوقا مبدعا، و ليس في اللفظ ما يدل على قدم الولد، و إنما الحجة في قوله: «وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و ما أخبركم أنه قضى أن يتبنى أحدا من خلقه، فافتريتم عليه، بل نسبة ما نسبتم إليه من الولد نسبة كل أمر، إذا قضاه أي شاءه و أراده، أن يقول له كن أي يأمره بأن يتكون، فيكون، و كان هنا تامة، و هنا بحر واسع يعز

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 186

 

[سورة البقرة (2): الآيات 118 الى 121]

وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) وَ لَنْ تَرْضى‏ عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لا النَّصارى‏ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121)

«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ»

[حق التلاوة]

اعلم- أيدنا اللّه و إياك- أن القرآن مجدد الإنزال على قلوب التالين له دائما أبدا، لا يتلوه من يتلوه إلا عن تجديد تنزيل من اللّه الحكيم الحميد، و قلوب التالين لنزوله عرش يستوى عليها في نزوله إذا نزل، فإذا نزل القرآن على‏

______________________________
السابح فيه، و الهالك فيه أكثر من الناجي، و هو فهم المعنى، هل هذا المخاطب بكن من له عين تعقل أمر المخاطب فتمتثله؟ أم لا عين له؟ و هل ينطلق على المأمور بكن اسم الشي‏ء أم لا؟ و هل العدم صفة للمعدوم؟ و متى تعلق الخطاب بالتكوين هل في حال العدم؟ أو هل بين الوجود و العدم حالة أخرى؟ و هل كل معدوم يصح منه قبول الوجود؟ و التفريع و التقسيم على هذا كثير، و الخلاف فيه كثير بين المعتزلة و الأشاعرة و الحكماء و أهل الحقائق، و السكوت عنه أولى من الخوض فيه، لأن اللّه ما ذكر في كتابه ما يحوجنا إلى الترجمة عنه في ذلك، فنتركه مجملا كما تركه، ثم قال عنهم: (119) «وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ» لو لا تحضيض، يقولون لو لا يكلمنا اللّه بتصديقه مشافهة، كما قال أسلافهم: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) «أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ» تدل على صدقه‏ «كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» كذلك قال بنو إسرائيل في زمانهم لأنبيائهم، و قوله:

«لا يَعْلَمُونَ» أي لا يعلمون ما ينبغي لجلال اللّه من التعظيم أن يسأل مثل هذا من غير إذن،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 187

قلب عبد و ظهر فيه حكمه، و استوى عليه بجميع ما هو عليه مطلقا، و كان خلقا لهذا القلب، كان القلب عرشا له، سئلت عائشة عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقالت: كان خلقه القرآن، فما من آية في القرآن إلا و لها حكم في قلب هذا العبد، لأن القرآن لهذا نزل ليحكم لا ليحكم عليه. كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في تلاوته القرآن إذا مر بآية نعيم حكمت عليه بأن يسأل اللّه من فضله، فكان يسأل اللّه من فضله، و إذا مر بآية عذاب و وعيد حكمت عليه بالاستعاذة، فكان يستعيذ، و إذا مر بآية تعظيم للّه حكمت عليه بأن يعظم اللّه و يسبحه بالنوع الذي أعطته تلك الآية من الثناء على اللّه، و إذا مر بآية قصص و ما مضى من الحكم الإلهي في القرون قبله، حكمت عليه بالاعتبار فكان يعتبر. و إذا مر بآية حكم حكمت عليه أن يقيم في نفسه من يوجه عليه ذلك الحكم فيحكم عليه به، فكان يفعل ذلك، و هو عين التدبر لآيات القرآن و الفهم فيه، و متى لم يكن التالي حاله في تلاوته كما ذكرنا فما نزل على قلبه القرآن، و لا كان عرشا لاستوائه لأنه ما استوى عليه بهذه الأحكام، و كان نزول هذا القرآن أحرفا ممثلة من خياله كانت حصلت له من ألفاظ معلمه إن كان أخذه عن تلقين، أو من حروف كتابته إن كان أخذه عن كتابة، فإذا أحضر تلك الحروف في خياله و نظر إليها بعين خياله ترجم اللسان عنها فتلاها من غير تدبر و لا استبصار، بل لبقاء تلك الحروف في حضرة خياله، و له أجر الترجمة لا أجر القرآن، و لم ينزل على قلبه منه شي‏ء، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم في حق قوم من حفاظ حروف القرآن يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أي ينزل من الخيال الذي في مقدم الدماغ إلى اللسان فيترجم به و لا يجاوز حنجرته إلى القلب الذي في صدره، فلم يصل إلى قلبه منه شي‏ء، و قال فيهم: إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم‏

______________________________
كما قال: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) و أما العرب فالقرآن آيتهم فلا يقولون هذا، و علماء الكتب لا يقولون هذا فإن الآيات الدالة على صدقه في كتابهم، فلم يبق إلا المقلدة و من لا علم له بإعجاز القرآن، و قوله: «تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ» أي عقولهم في الختم عليها فلا يعلمون‏ «قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» و هم العارفون بذلك و إن لم يؤمنوا و باهلوا، و العلماء بذلك أيضا من من المؤمنين كما قال: (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ) و الجاحد عالم، قال تعالى: (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا) و قوله:

«يُوقِنُونَ» أي يتيقنون، و هو ثبوت العلم في صدورهم، ثم خاطب نبيه عليه السلام (120)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 188

من الرمية، لا ترى فيه أثرا من دم الرمية، فإنه ما كل تال يحس بنزول القرآن لشغل روحه بطبيعته، فينزل عليه من خلف حجاب الطبع فلا يؤثر فيه التذاذا، فهذا قرآن منزل على الألسنة لا على الأفئدة، و قال في الذوق: «نزل به الروح الأمين على قلبك» فذلك هو الذي يجد لنزوله عليه حلاوة لا يقدر قدرها تفوق كل لذة، فإذا وجدها فذلك الذي نزل عليه القرآن الجديد الذي لا يبلى، و الفارق بين النزولين أن الذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم فيعرف ما يقرأ، و إن كانت تلك الألفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن لأنها ليست بلغته، و يعرفها تلاوة إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند التلاوة، فمن قرأ القرآن منزلا عليه يجد لذة الإنزال ذوقا على قلبه عند قراءته، فإن للقرآن عند قراءة كل قارئ أي قارئ كان إنزالا، غير أن الوارث المحمدي بالحال يحس بالإنزال، و يلتذ به التذاذا خاصا لا يجده إلا أمثاله، فذلك صاحب ميراث الحال و ما عدا هؤلاء فإنما يقرءون القرآن من خيالهم، فهم يتخيلون صور حروفه المرقومة إن كان حفظ القرآن من المصاحف و الألواح، أو يتخيلون صور حروف ما تلقنوه من معلمهم، هذا إذا كانوا عاملين به، و إما إذا قرءوه من غير إخلاص فيه فلا يتجاوز حناجرهم، أي لا يقبل اللّه منه شيئا، فيبقى في محل تلاوته و هو مخرج الصوت، فلا يقرأ القرآن من قلبه إلا صاحب التنزل، و هو الذوق الميراثي، فمن وجد ذلك فهو صاحبه يعرف ذلك عند وجوده إياه فلا يحتاج فيه إلى معرف، فإنه يفرق عند ذلك بين قراءته من خياله و بين قراءته عن تنزيل ربه مشاهدة، فليس التالي إلا من تلاه عن قلبه الذي له في كل تلاوة فهم في الآية، لم يكن له ذلك الفهم في التلاوة التي قبلها، و لا يكون في التلاوة التي بعدها، و هو الذي أجاب اللّه في دعائه في قوله: «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» فمن استوى فهمه في التلاوتين فهو مغبون، و من كان له في كل تلاوة فهم‏

______________________________
«إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً» يقول له تسلية لما يجده في قلبه من ردهم أمر اللّه في وجهه:

يا محمد ما عليك إلا البلاغ، و ما أنت عليهم بجبار، أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان، و إنما وظيفتك أن تبلغ عنا ما نزل إليهم، و أمرهم إلينا «بَشِيراً» أي مبشرا للطائفتين المطيع و المخالف، قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) و قال في أولئك: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)* و سنبين ذلك في موضعه و قوله: «و نذيرا» أي معلما لهم بما أنزلت عليهم، و قد تستعمل في الأكثر: البشارة في الخير و الإنذار في الشر، و كلا التأويلين صالح هنا، و الباء من‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 189

فهو رابح مرحوم، و من تلا من غير فهم فهو محروم، فمن تكرر له المعنى في تلاوته فما تلاه حق تلاوته و كان دليلا على جهالته، و من زادته تلاوته علما و أفادته في كل مرة حكما فهو التالي، لمن هو في وجوده له تالي. فينبغي لكل تال إذا تلا القرآن أن يتدبره و يأخذ كل أمر أمر اللّه به نبيه صلّى اللّه عليه و سلم أن يبلغه أو يقوله أو يعلّمه فليقله في تلاوته و لا يكون حاكيا، بل يكون صاحب نية و قصد و ابتهال في ذلك، و أنه مأمور به من الحق إن أراد أن يكون من الحزب النبوي، فإن اللّه أخفى النبوة في خلقه و أظهرها في بعض خلقه، فالنبوة الظاهرة هي التي انقطع ظهورها، و أما الباطنة فلا تزال في الدنيا و الآخرة، لأن الوحي الإلهي، و الإنزال الرباني، لا ينقطع إذ كان به حفظ العالم، فجميع العالم لهم نصيب من هذا الإنزال و الوحي. و من تلا المحامد و لم يكن عين ما يتلوه منها فليس بتال، و كذلك من تلا المذام و كان عين ما يتلوه منها فليس بتال، فما نزل القرآن إلا للبيان‏ «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ» اعلم أنك لا تعرف منازل التلاوة ما لم تعرف الكتب المتلوة بأعيانها، فإذا عرفتها عرفت حينئذ كيف تتلوها، و كيف تسمعها ممن يتلوها عليك، فأسماء الكتب المنزلة- و أعني القرآن- الكتاب المنير و المبين و المحصي و العزيز و المرقوم و المسطور الظاهر و المسطور الباطن و الجامع، و تعيين أربابها القائمين بها، فالمنير لأهل الحجج، و المبين لأهل الحقائق، و المحصي لأهل المراقبة، و العزيز لأهل العصمة، و المرقوم الحكيم للمرسلين و الورثة، و المسطور الظاهر تأويلا و اعتبارا لأهل الإيمان، و المسطور الباطن اعتبارا أيضا لأهل الإباحة، و الجامع للروحانيين الملكيين، و علامات التالين لهذه الكتب على الحضور

______________________________
«بِالْحَقِّ» تصلح أن يعمل فيها، «أَرْسَلْناكَ» و «بَشِيراً وَ نَذِيراً» فبشيرا و نذيرا تفصيل ما جاء به، و قوله بالحق الأوجه فيه أن يعمل فيه‏ «أَرْسَلْناكَ» لأن الألف و اللام الأظهر فيها العهد، لحق معلوم عنده، و هو الحق الذي اشترك فيه جميع المرسلين، و هو إقامة الدين و تبليغه، و أن سبب إرساله تبليغ هذا الحق، فالباء للسبب، و قوله: «و لا تسأل» بفتح التاء «عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ» فيه وجهان: الوجه الواحد، معناه أهملهم و أرح خاطرك و سرك من قبلهم فيما نفعل بهم من الهدى أو الإضلال، و الوجه الآخر، على طريق الوعيد، أي و لا تسأل عن أصحاب الجحيم ما نفعل بهم من العذاب و الضيق و النكال شفاء لصدرك و اتساعا بالفرح بالانتقام منهم في مقابلة ما ضيقوا به صدرك بما قالوه، قال تعالى: (يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 190

من ادعى أنه تلا المنير، علامته المكاشفة، و من ادعى أنه تلا المبين، علامته التمييز و الترتيب، و من ادعى أنه تلا المحصي، علامته الوقوف عند الحدود، و من ادعى أنه تلا العزيز، علامته أنه يجهل مقامه، و من ادعى أنه تلا المرقوم الحكيم، علامته الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و التسليم للّه في كل حال، و من ادعى أنه تلا المسطور الظاهر، علامته المجاهدة، و من ادعى أنه تلا المسطور الباطن، علامته الزندقة، و من ادعى أنه تلا الكتاب الجامع، علامته الخروج عن البشرية و لحوقه بهيولانية ملكية- كأبي عقال المغربي و غيره- و علامات من تلا الحق عليه هذه الكتب أن من تلا الكتاب المنير عليه قمع هواه، و من تلا عليه المبين شاهد معناه، و من تلا عليه كتاب المحصي سلك طريق هداه، و من تلا عليه كتاب العزيز اجتنب رداه، و من تلا عليه المرقوم الحكيم بلغ مناه، و من تلا عليه ظاهر المسطور فاز برحماه، و من تلا عليه باطن المسطور كان الشيطان مولاه، و من تلا عليه الجامع لم ينظر إلى سواه، و لعلك تشتهي أن ترسم في التالين لهذه الكتب على الحق تعالى بأن تمر على حروفه و تكون فيه حالّا مترحلا و أنت لا تعقل معناه، و لا تقف عند حدوده، أو تتخيل أن يقول لك الحق تبارك و تعالى عند قولك‏ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» حمدني عبدي، لا و اللّه ما يراجع الحق سبحانه و تعالى بقوله حمدني عبدي و أثنى علي عبدي إلا أهل الحضور معه عند التلاوة، بأنه مناج‏

______________________________
قوم مؤمنين و يذهب غيظ قلوبهم) و قوله: (وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ‏ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) و قد قرئ «و لا تسأل» بضم التاء على الخبر، أي عليك التبليغ ما عليك سؤال هل أجابوك أم لا، فيكون مزيد درجة، راحة للنبي عليه السلام يوم القيامة على سائر الرسل لقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ) فأخبره اللّه تعالى أنه غير داخل في هذا الجمع، فإن الرسل ما تسأل إلا لأجل إنكار الأمم التبليغ الذين لم يجيبوا في الدنيا إذا رأوا عذاب اللّه نازلا بهم، أو اعترافهم بالإجابة و لم تقع منهم، و يحتمل قوله‏ «وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ» نفي العلم عنه بهم، و أن ذلك إلى اللّه، فإنه غير عالم بالسعيد منهم على اليقين و الشقي إلا بتعيين اللّه له، و العالم بمن لا يعلم لا يسأله عما لا يعلم (121) «وَ لَنْ تَرْضى‏ عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصارى‏ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ» يقول: ما هم عليه من الأهواء، فإنهم مختلفون، فلا يتمكن الجمع بينهما، لأن كل واحد منهما مخالف لما يتضمنه كتابه، فلو عملوا بما في كتابهم لكانوا أمة واحدة، و كانوا على ما نحن عليه من الإيمان باللّه و بملائكته و كتبه و رسله من غير فرقان بين‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 191

نفسه بفعله و المناجى بإحاطته و ذاته، و أهل التدبر و التذكر لما أودع في كتابه العزيز من الأسرار و العلوم، يفهم كل عبد على قدر مقامه و ذوقه و كشفه، قال تعالى: ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب و قال تعالى: قد علم كل أناس مشربهم، بل أقول: إن كل من قعد على منهج الاستقامة، و كانت حيلته الطاعة، و كان اللسان صامتا عن تلاوة القرآن، فإنه حامد للّه شاكر له بأفعاله، و يقول اللّه فيه حمدني عبدي. فإذا كان اللسان يقول الحمد للّه، و القلب في الدكان، أو في الدار، أو في عرض من الأعراض، متى عرف من هذه صفته أن يحمد اللّه؟! و كيف ذلك و القلب غافل بما هو عليه عما جرى به لسانه، فإذا وفقك اللّه و تريد أن يسمع الحق جل اسمه منك تلاوتك، و يرسمك في ديوان التالين، و يقول لك على الكلمات حمدني، فاعلم منازل التلاوة، و مواطنها، و كم من التالين منك، و ذلك أن تعلم أن على اللسان تلاوة، و على الجسم بجميع أعضائه تلاوة، و على النفس تلاوة، و على القلب تلاوة، و على الروح تلاوة، و على السر تلاوة، و على سرّ السرّ تلاوة، فتلاوة اللسان ترتيل الكتاب على الحد الذي رتب المكلف له، و تلاوة الجسم المعاملات على تفاصيلها في الأعضاء التي على سطحه، و تلاوة النفس التخلق بالأسماء و الصفات، و تلاوة القلب الإخلاص و الفكر و التدبر، و تلاوة الروح التوحيد، و تلاوة السر الاتحاد من قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الحديث القدسي صفة لا ذاتا كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به،

______________________________
أحد من رسله، و لهذا قال تعالى: «قُلْ» لهم يا محمد «إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏» و لم يقل قل هداي، أي الذي جئت به خاصة، فإن التوراة و الإنجيل هدى اللّه مثل القرآن، فلو أطاعوا و سمعوا ما جاءت به كتبهم ما تفرقوا جملة واحدة، و كانوا يؤمنون بكل كتاب و بما تضمنه، فكنا نحن و هم على السواء، فإن في التوراة الإيمان بالإنجيل و القرآن و بمن جاء بهما و ما جاء فيهما، و في الإنجيل الإيمان بالتوراة و بمن جاء بهما و ما جاء فيهما، و في القرآن الإيمان بالتوراة و الإنجيل و بمن جاء بهما و ما جاء فيهما، فآمنا نحن بالجميع، و الكل هدى اللّه، و كفروا هم بالكتابين و ببعض ما جاء في كتابهم و اتبعوا أهواءهم، فلو دعونا إلى اتباع كتبهم لوجدونا متبعين لذلك مؤمنين غير مخالفين لشي‏ء من ذلك، فلهذا قال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم محذرا:

«وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» و هو قوله: (وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) و ما سامحه سبحانه في طمعه باستدراجهم بذلك ليؤمنوا بقوله‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 192

و تلاوة سر السر الأدب و هو التنزيه الوارد عليه من الإلقاء منه جل و علا، فمن قام بين يدي سيده بهذه الأوصاف كلها فلم ير جزء منه إلا مستغرقا فيه على ما يرضاه منه، كان عبدا كليا، و قال له الحق تعالى إذ ذاك: حمدني عبدي أو ما يقول على حسب ما ينطق به العبد قولا أو حالا، فإن كان فيه بعض هذه الأوصاف و تعلقت غفلة ببعض التالين فليس بعبد كلي، و لا يكون فيه للحق تعالى من عبودية الاختصاص إلا على قدر ما اتصفت به ذاته، فثم عبد يكون للّه فيه السدس و لهواه ما بقي، و للّه فيه الخمس و لهواه ما بقي، و الربع و الثلث و النصف على قدر ما يحضر منه مع الحق تعالى من حيث هو نوري، فانظر أين تجعل همتك، و كيف تكون مع الحق الذي إليه مردك، فإنك لا تجد عنده إلا ما قدمت، و قد علمت المنازل فإما عبدا كليا، و إما جزء عبد فتدبر هذه التلاوة، و الزمها نفسك في حركاتك و سكناتك، فلا تتحرك إلا باللّه و للّه و مع اللّه و في اللّه و إلى اللّه و عن اللّه و لا تسكن إلا على هذا الحد، فباللّه من حيث توليه لك في ذلك، و للّه من أجله لا من أجلك، و مع اللّه من حيث المشاهدة و المراقبة، و في اللّه من حيث التدبر و التفكر، و إلى اللّه من حيث التوجه و القصد، و عن اللّه من حيث التكليف. و هكذا فلتكن في تلاوتك فإنه سبحانه يعلم السر و أخفى، فلا يطلع عليك في سرك و علانيتك على ما لا يرضاه منك، و إن كان هو الفاعل سبحانه الموجد الفعل. فالزم ما كلفت من الأدب، و ما تقتضيه الحضرة الإلهية من الإجلال و التعظيم.

______________________________
تعالى: (وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ) بما أوحينا إليك في ذلك‏ (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ) هذا مع القصد الحسن فكيف بغير ذلك، قال تعالى: (وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) و هو قوله: (ما عليك إلا البلاغ) (وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) و (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) و (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)، ثم قال: «ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ» يتولاك فيما يريده الحق أن يجريه عليك‏ «وَ لا نَصِيرٍ» ينصرك عليه، فقال: (122) «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ» التلاوة الاتباع، يتلوه يتبعه، فكما أن آيات الكتاب يتلو بعضها بعضا كذلك التالي لها يمشي عليها مشيا بعد مشي، يقول: الذين أعطيناهم الكتاب الذي أنزلته عليهم، و هم الرسل، «يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ» أي يتبعونه حق الاتباع الذي يجب له، و حقه الإيمان به أنه من عندنا، و أن لا يكفر بشي‏ء منه‏ «أُولئِكَ» أي الذين أوتوه و تلوه حق تلاوته‏ «يُؤْمِنُونَ‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 193

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=