تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الشّعراء
(26) سورة الشّعراء مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الشعراء (26): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4)
وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)
[ «وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ»]
لما كان القرآن- و هو كلام اللّه القديم الأزلي- في حقنا نزل، قال تعالى «وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ» فنعته بالحدوث لأنه نزل على محدث، و لأنه حدث عنده ما لم يكن يعلمه، فالذي جاءهم إنما هو المتكلم به.
و اعلم أن الحديث قد يكون حديثا في نفس الأمر، و قد يكون حديثا بالنسبة إلى وجوده عندك في الحال، و هو أقدم من ذلك الحدوث، و ذلك إن أردت بالقدم نفي الأولية فليس إلا كلام اللّه، و إن أردت به غير نفي الأولية فقد يكون حادثا في نفسه ذلك الشيء عندك، و قد يكون حادثا بحدوثه عندك، أي ذلك زمان حدوثه. و الذكر كلام اللّه، و الكلام صفته فله القدم و إن حدث الإتيان، فوصف الحق الذكر بأنه محدث لأنه حدث عندهم، و إن كان قديما في نفس الأمر من حيث أنه كلام اللّه، فقد كان له الوجود و عين المخاطب مفقود، فكان محدثا عندهم لا في عينه، فذكر القرآن أمان، و يجب به الإيمان أنه كلام الرحمن، مع تقطيع حروفه في اللسان، و نظم حروفه فيما رقمه باليراع البنان، فحدثت الألواح و الأقلام، و ما حدث الكلام، و حكمت على العقول الأوهام، بما عجزت عن إدراكه الأفهام، ذكر المخلوق ما يصح قدمه،
و لو ثبت لاستحال عدمه، فالحادث لا يخلو من الحوادث، لو حل بالحادث الذكر القديم، لصح قول أهل التجسيم، القديم لا يحل و لا يكون محلا، و لو كان محلا لكان محلا، فلا يوصف بغير وصفه، فالذكر القديم ذكر الحق، و إن حكى ما نطق به الخلق، كما أن ذكر الحادث ما نطق به لسان الخلق، و إن تكلم بالقرآن الحقّ «إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ» و الإعراض هو ما يقوم بك، أو بمن يخاطبك، أو يجالسك، فذكر اللّه إعراضهم عن ذكر الرحمن، مع العلم منهم بأنه القرآن، و القرآن كلامه و هو الذي حدث عندهم، فذم تعالى من لم يتلقاه بالقبول.
و كلامه علمه، و علمه ذاته، فهو الذي حدث عندهم فعنه أعرضوا- إشارة- قال تعالى (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) و قال تعالى «وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ» فلم يجر لاسم من أسماء الشقاء ذكر في الإتيان، إنما هو رب أو رحمن، ليعلمنا بما في نفسه لنا، فالرحمة و النعمة و الإحسان في البدء و العاقبة و المآل.
[سورة الشعراء (26): الآيات 6 الى 21]
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17) قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)
قال هذا الكلام موسى عليه السلام لفرعون و آله، فإنه لما وقع من موسى عليه السلام ما وقع من قتل القبطي ففرّ إلى النجاة، التي يمكن أن تحصل له بالفرار، فإنه علم أن اللّه وضع الأسباب، و جعل لها أثرا في العالم بما يوافق الأغراض و بما لا يوافقها، و بما يلائم الطبع و بما لا يلائمه، فرأى أن الفرار من الأسباب الإلهية الموضوعة في بعض المواطن لوجود النجاة، فهو فرار طبيعي، لأنه ذكر أن الخوف من السبب جعله يفر، لكنه معرّى عن التعريف بما ذكرناه من الوضع الإلهي، فإن هذا كان قبل نبوته و معرفته بما يريده الحق به.
و يحتمل أن يكون فرار موسى عليه السلام الذي علله بالخوف من فرعون و قومه، ما كان خوفه إلا من اللّه أن يسلطهم عليه، إذ له ذلك، فإنه فعال لما يريد، و لا يدري ما في علم اللّه، فكان فراره إلى ربه ليعتز به «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» فلما فر خوفا من فرعون، تلقاه الحق بالنجاة، و جمع بينه و بين رسول من رسله، و هو شعيب عليهما السلام،
ثم أعطاه النبوة و الحكم، الذي خاطب اللّه به القبط و بني اسرائيل أن يكونوا عليه، فوهبه ربه حكما و علما، و جعله من المرسلين إلى من خاف منهم، بالاعتزاز باللّه، و أيده اللّه بالآيات البينات، ليشد منه ما ضعف مما يطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة، فجعله من المرسلين إلى من خاف أن يسلّط عليه، و هو فرعون، فكان موسى عليه السلام خليفة رسولا، لأن الرسول لا يكون حاكما حتى يكون خليفة، و كان ذلك نتيجة الفرار من فرعون و آله،
فأنتج له ذلك الفرار الحكم الذي هو الإمامة و الخلافة و الرسالة، مع كون السبب الموجب الذي ذكره- تحقيق- لا شيء ألطف من الخواطر و الأوهام، و هي الحاكمة على الكثائف، لضعف الكثيف و قوة سلطان اللطيف، الدليل التغير بالخوف، و المخوف من حلوله ما له عين وجودية. و قد أحدث الخوف في جسم الخائف حركة الهرب، و طلب الستر و المدافعة، و ما وقع شيء إلا عين الخوف و هو لطيف.
[سورة الشعراء (26): آية 22]
وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)
«وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ» هو قول فرعون (أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً؟) فتلك النعمة تربية فرعون، و المنّ يبطل الإنعام، لأنه استعجال الجزاء، و لما كان من شأن فرعون إذلال بني إسرائيل، و موسى عليه السلام منهم، و كان قد أعزه و تبناه، فهذا معنى قوله «أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ».
[سورة الشعراء (26): آية 23]
قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ (23)
لما دعا موسى فرعون إلى اللّه رب العالمين، فسأله فرعون: «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ؟» يسأله عن الماهية، و لما كانت ذات اللّه لا يجوز أن تطلب «بما» كما طلب فرعون، فأخطأ في السؤال، لهذا عدل موسى عليه السلام عن جواب سؤاله، لأن السؤال إذا كان خطأ لا يلزم الجواب عنه، و كان المجلس مجلس عامة، فلذلك تكلم موسى بما تكلم به، و في السؤال عن الحق بلفظ «ما» خلاف، فإن الحق سبحانه ما نهى فرعون على لسان موسى عليه السلام عن سؤاله، بل أجاب بما يليق به الجواب عن ذاك الجناب العالي، و إن كان وقع الجواب غير مطابق للسؤال،
فذلك راجع لاصطلاح من اصطلح على أنه لا يسأل بذلك إلا عن الماهية المركبة، و اصطلح عن أن الجواب بالأثر لا يكون جوابا لمن سأل «بما» و هذا الاصطلاح لا يلزم الخصم، فلم يمنع هذا السؤال بهذه الصيغة عليه، إذ كانت الألفاظ لا تطلب لنفسها، و إنما تطلب لما تدل عليه من المعاني التي وضعت لها، فإنها بحكم الوضع، و ما كل طائفة وضعتها بإزاء ما وضعتها الأخرى، فيكون الخلاف في عبارة لا في حقيقة، و لا يعتبر الخلاف إلا في المعاني، و مذهبنا في ذلك هو: أن ما حجّر الشرع علينا حجّرناه،و ما أوجب علينا أن نخوض فيه خضنا فيه طاعة أيضا، و ما لم يرد فيه تحجير و لا وجوب فهو عافية، إن شئنا تكلمنا فيه، و إن شئنا سكتنا عنه،
و هذا ينطبق على أمهات المطالب الأربعة: هل، و ما، و كيف، و لم؛ و النهي شرعا لا يكون إلا ما يرد من اللّه، أو من رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، فمن ادعى التحجير في إطلاق هذه العبارات فعليه بالدليل، و الأولى التوقف عن الحكم بالمنع أو الجواز، إذ لا حكم إلا للشرع فيما يجوز أن يتلفظ به أو لا يتلفظ به، يكون ذلك طاعة أو غير طاعة، و الحق سبحانه لا يقال فيه: إن له ماهية، و إن سئل عنه «بما» فالجواب بصفة التنزيه، أو صفة الفعل لا غير ذلك، لذلك قال موسى عليه السلام:
[سورة الشعراء (26): آية 24]
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)
«إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ» يقول إن استقر في قلوبكم ما يعطيه الدليل و النظر الصحيح من الدّال، فأخذ موسى عليه السلام- العالم- في التعريف بماهية الحق،- و الرسل عندنا أعلم الخلق باللّه- فقال فرعون، و قد علم أن الحق مع موسى فيما أجابه به، إلا أنه أوهم الحاضرين و استخفهم، لأن السؤال منه إنما وقع بما طابقه الحق، و هو قوله (وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ) فما سأله إلا بذكر العالمين، فقال موسى عليه السلام «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا» فطابق الجواب السؤال، فقال فرعون لقومه:
[سورة الشعراء (26): آية 25]
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ (25)
أسأله عن الماهية، فيجيبني بالأمور الإضافية، فغالطهم و هو ما سأل إلا عن الرب المضاف، فقال له موسى:
[سورة الشعراء (26): آية 26]
قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)
فخصص الإضافة لدعوى فرعون في قومه أنه ربهم الأعلى.
[سورة الشعراء (26): آية 27]
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
لما رأى فرعون أن موسى عليه السلام ما أجابه على حد ما سأل، لأنه تخيل أن سؤاله هذا متوجه، و ما علم أن ذات الحق لا تدخل تحت مطلب «ما»، و إنما تدخل تحت مطلب «هل» و هل سؤال عن وجود المسئول عنه هل هو متحقق أم لا؟ فقال فرعون و قد علم ما وقع فيه من الجهل، إشغالا للحاضرين لئلا يتفطنوا لذلك «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ» و لو لا ما علم الحق فرعون ما أثبت في هذا الكلام أنه أرسله مرسل، و أنه ما جاء من نفسه، لأنه دعا إلى غيره،
و كذا نسبه فرعون إلى ما كان عليه موسى بقوله «لَمَجْنُونٌ»– الوجه الأول- أي مستور عنكم فلا تعرفونه، فعرفه موسى بجوابه إياه، و ما عرفه الحاضرون كما عرفه علماء السحرة، و ما عرفه الجاهلون بالسحر- الوجه الثاني- «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» أي قد ستر عنه عقله، لأن العاقل لا يسأل عن ماهية شيء فيجيب بمثل هذا الجواب، فقال له موسى لقرينة حال اقتضاها المجلس، ما قال إبراهيم عليه السلام لنمروذ.
[سورة الشعراء (26): آية 28]
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
[حال الشمس فى كل لحظة]
المشرق لا يسمى لطلوع القمر و لا النجوم، بل للشمس فقط، و لذلك قال تعالى «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» أي طلوع الشمس و غروبها، و لو لم يقل «وَ ما بَيْنَهُما» لجاز، لأنه ليس بينهما شيء، و ذلك لأن عين حال الشروق في ذلك الحيّز هو عين استوائها و هو عين غروبها، فكل حركة واحدة من الشمس في حيّز واحد شروق و استواء و غروب، فما ثمّ ما ينبغي أن يقال ما بينهما، لكنه قال «وَ ما بَيْنَهُما» لغموضه على الحاضرين، فإنهم لا يعرفون ما فصلناه في إجمال «وَ ما بَيْنَهُما» فجاء بالمشرق و المغرب المعروف بالعرف ثم قال لهم «إن كنتم تعلمون» فأحالهم على النظر العقلي.
[سورة الشعراء (26): الآيات 29 الى 30]
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)
يظهر له المانع من تعديه عليه، فلم يسع فرعون إلا أن يقول له:
[سورة الشعراء (26): آية 31]
قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)
حتى لا يظهر فرعون عند الضعفاء الرأي من قومه بعدم الإنصاف، فكانوا يرتابون فيه، و هي الطائفة التي استخفها فرعون فأطاعوه.
[سورة الشعراء (26): آية 32]
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32)
أي حية ظاهرة، فجاءهم بما يناسب ما كانوا عليه، و كذلك معجزة كل نبي هي ما يناسب قومه.- تفسير من باب الإشارة- «فَأَلْقى عَصاهُ» و هي صورة ما عصى به فرعون موسى في إبائه عن إجابة دعوته «فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ».
[سورة الشعراء (26): الآيات 33 الى 46]
وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَ قِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41) قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46)
– راجع سورة طه: آية 69.
لما علم سحرة فرعون أن الذي جاء به موسى من عند اللّه، و أن الذي رأوه ليس في مقدور البشر، فآمنوا بما جاء به موسى عن آخرهم، و خروا سجدا عند هذه الآية، و.
[سورة الشعراء (26): الآيات 47 الى 48]
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (48)
أي الرب الذي يدعو إليه موسى و هارون، حتى يرتفع الالتباس، فإنهم لو وقفوا على العالمين، لقال فرعون: أنا رب العالمين، إياي عنوا، فزادوا رب موسى و هارون، أي الذي يدعو إليه موسى و هارون، فارتفع الإشكال، فتوعدهم فرعون بالعذاب.
[سورة الشعراء (26): الآيات 49 الى 80]
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53)
إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) وَ إِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (57) وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ (58)
كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)
وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)
وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ (79) وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)
[ادب الاضافة]
و من أدب إبراهيم عليه السلام قوله:
و لم يقل يجوعني.
و لم يقل أمرضني، فأضاف الفعل المذموم و المكروه في الطبع و العادة و العرف إلى نفسه، إيثارا منه لجناب ربه، حتى لا ينسب إليه ما جرى عليه لسان ذم، كالذنب، و لسان كراهة الطبع، كالمرض و الجوع، غيرة على الجناب الإلهي، و فداء له بنفسه، ثم قال «فَهُوَ يَشْفِينِ» فأضاف الشفاء إليه تعالى، و المرض لنفسه، و إن كان الكل من عنده، و لكنه تعالى هو أدّب رسله، إذ كان المرض لا تقبله النفوس، و المرض شغل شاغل عن أداء ما أوجب اللّه على العبد أداءه من حقوق اللّه لإحساسه بالألم،
و هو في محل التكليف، و ما يحس بالألم إلا الروح الحيواني، فيشغل الروح المدبر لجسده عما دعي إليه في هذه الدنيا، فلهذا أضاف المرض إليه، و الشفاء للحق، و ذلك من أدب الإضافة و الألفاظ، فالشافي مزيل الأمراض، و معطي الأغراض، فإن الأمراض إنما تظهر أعيانها لعدم ما تطلبه الأغراض، فلو زال الغرض، لزال الطلب، فكان يزول المرض، ورد في الخبر عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال [أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك] و ما ثمّ شفاء إلا شفاؤه، فإن الكل خلقه، و لهذا قال الخليل «فَهُوَ يَشْفِينِ» فنص على الشافي، و ما ذكر شفاء لغيره، فأزال إبراهيم عليه السلام الاحتمال، لما جعل اللّه في الأدوية من الشفاء، و إزالة الأمراض،
و يحتمل أن يريد محمد صلّى اللّه عليه و سلم بقوله [لا شفاء إلا شفاؤك] أن كل مزيل لمرض إنما هو شفاء اللّه الذي أودعه في ذلك المزيل، فأثبت الأسباب، و هذا كان غرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مع تقرير الأسباب، لأن العالم ما يعرفون شفاء اللّه من غير سبب، مع اعتقادهم أن الشافي هو اللّه، و يحتمل لفظ النبي صلّى اللّه عليه و سلم إثبات أشفية، لكن لا تقوم في الفعل قيام شفاء اللّه، فقال لا شفاء إلا شفاؤك] و الأول في التأويل أولى بمنصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فلما دخل الاحتمال، كان البيان من هذا الوجه في خبر إبراهيم الخليل عليه السلام،
و اقتضى مقام النبي صلّى اللّه عليه و سلم أن يبيّن أن الأشفية التي تكون عند الاستعمال أسبابها أنها شفاء اللّه، إذ لا يتمكن رفع الأسباب من العالم عادة، و قد ورد أن اللّه ما خلق داء إلا و خلق له دواء. و انظر إلى آداب النبوة التي لا يبلغها أدب، عند قول الخليل «وَ إِذا مَرِضْتُ» فهو نهاية في الأدب، و لم يقل: و إذا أمرضني، لما كان المرض عيبا عرفا أضاف المرض إلى نفسه، إذ كان عيبا عنده، فجمع عليه السلام في هذه المسألة بين أدب نسبة المرض إلى نفسه، و بين الأدب في التعريف أن ذلك المرض حكم لاسم إلهي من غير تصريح، لكن بالتضمين و الإجمال، و أضاف الشفاء إلى ربه إذ كان حسنا فقال «فَهُوَ يَشْفِينِ» فنسب الشفاء إلى ربه،
و لم ينسب إليه المرض، لأنه شر في العرف بين الناس، و إن كان في طيه خير في حق المؤمن، و لما أوحى اللّه أن نتبع ملة إبراهيم، أخبر نبيه بحديث إبراهيم و قوله هذا تعليما له صلّى اللّه عليه و سلم ليتأدب بأدبه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [و الشر ليس إليك] فقول الخليل «فَهُوَ يَشْفِينِ» بداية التحقيق و قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم [لا شفاء إلا شفاؤك] نهاية النهاية، فهي أتمّ و الإتيان بالأمرين أولى و أعم، و مع هذا القصد من الخليل عليه السلام في قوله «وَ إِذا مَرِضْتُ» فإن الظاهر في اللفظ الإضافة الحقيقية إليه فلذلك قال بعد قوله:
[سورة الشعراء (26): الآيات 81 الى 82]
وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
يقول إنه أخطأ، و إن كان القصد الأدب، حيث نسب المرض لنفسه و ما نسبه إلى اللّه، و ما قصد إلا الأدب معه، حتى لا يضيف ما هو عيب عندهم عرفا إلى اللّه، و لذلك عرّف من غير تصريح، لكن بالتضمين و الإجمال و لم يسم الخطيئة ما هي، «يَوْمَ الدِّينِ» يقول: يوم الجزاء.
[سورة الشعراء (26): الآيات 83 الى 99]
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92)
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ (94) وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97)
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَ ما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99)
و هم أهل النار الذين هم أهلها، الذين يقول اللّه فيهم: (وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ).
[سورة الشعراء (26): الآيات 100 الى 101]
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)
أي شفيق، فإن الحميم الصاحب الشفيق.
[سورة الشعراء (26): الآيات 102 الى 109]
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ (106)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (108) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109)
[طلب الرسل الاجر]
جعل اللّه الإنسان لا يسعى إلا لنفسه، و لهذا قرن بسعيه الأجر حتى يسعى لنفسه، بخلاف من لا أجر له من العالم الأعلى و الأسفل، و ليس بعد الرسل و مرتبتهم في العلم باللّه مرتبة، فهم المطرقون و المنبهون، و مع هذا فما منهم من رسول إلا قيل له: قل لأمّتك «ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ»* أي على ما بلغتكم «مِنْ أَجْرٍ»*.
و لما كان أداء الرسائل عملا من المؤدي لأن المرسل استعمله في أداء رسالته لمن أرسله إليه، فوجب أجره عليه، لأن المرسل إليه ما استعمله حتى يجب عليه أجره، و لهذا قالت الرسل لأممها عن أمر اللّه، تعريفا للأمم بما هو الأمر عليه «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ»* فإنه الذي استخدمه و أرسله، فالأجر عليه، فذكروا استحقاق الأجر على من يستعملهم، و لم يقولوا ذلك إلا عن أمره، فإنه قال لكل رسول «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ»*.
[سورة الشعراء (26): الآيات 110 الى 130]
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (110) قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَ ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَ ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)
إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ (124)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (126) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)
وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)
فإنه لا أحد من المخلوقين أشد بطشا و انتقاما من الإنسان الحيوان، و لا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل، و إن كان ذا بطش شديد، فالإنسان الحيواني أشد بطشا منه، لأنه يبطش بما لم يخلق، فلا رحمة له فيه، و الحق يبطش بمن خلق، فالرحمة مندرجة في بطشه حيث كان.
[سورة الشعراء (26): الآيات 131 الى 155]
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (131) وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ (133) وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)
قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (144) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145)
أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (147) وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (150)
وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)
«قالَ هذِهِ ناقَةٌ» يعني ناقة صالح.
[سورة الشعراء (26): الآيات 156 الى 193]
وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160)
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (163) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164) أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165)
وَ تَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170)
إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (179) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180)
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185)
وَ ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190)
وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)
لما قال تعالى (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) فعلّم القرآن أين محله الذي ينزل عليه من العالم، فنزل على قلب محمد صلّى اللّه عليه و سلم، نزل به الروح الأمين الذي هو روح القدس، و الروح هو الملقي إلى القلب علم الغيب على وجه مخصوص، فقال تعالى:
[سورة الشعراء (26): آية 195]
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)
– إشارة- انظر في القرآن بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و سلم، لا تنظر فيه بما أنزل على العرب، فتخيب عن إدراك معانيه، فإنه نزل بلسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لسان عربي مبين، فإذا تكلمت في القرآن بما هو به محمد صلّى اللّه عليه و سلم متكلم، نزلت عن ذلك الفهم إلى فهم السامع من النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فإن الخطاب على قدر السامع، لا على قدر المتكلم، و ليس سمع النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و فهمه فيه فهم السامع من أمته فيه إذا تلاه عليه- الفرق بين نزول القرآن على قلب النبي و نزوله على قلب الولي-
من جاءه القرآن عن ظهر غيب أعطي الرؤية من خلفه كما أعطيها من أمامه، إذ كان القرآن لا ينزل إلا مواجهة، فهو للنبي صلّى اللّه عليه و سلم من وجهين: وجه معتاد، و وجه غير معتاد، و هو للوارث من وجه غير معتاد، فسمي ظهرا بحكم الأصل، و هو وجه بحكم الفرع، و الذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم، فيعرف ما يقرأ و إن كان بغير لسانه، و يعرف معاني ما يقرأ، و إن كانت تلك الألفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن، لأنها ليست بلغته، و يعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند التلاوة.
[سورة الشعراء (26): الآيات 196 الى 197]
وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197)
العلماء هم الذين علموا الكائنات قبل وجودها، و أخبروا بها قبل حصول أعيانها.
[سورة الشعراء (26): الآيات 198 الى 214]
وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (202)
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207)
وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَ ما كُنَّا ظالِمِينَ (209) وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم وقف على الصفا و جاء الناس يهرعون إليه، فقال لأكرم الناس عليه: يا فاطمة بنت محمد انظري لنفسك، لا أغني عنك من اللّه شيئا؛ و قال مثل هذه المقالة لجميع الأقربين، و كان عمه أبو لهب حاضرا فنفخ في يده، و قال:
ما حصل بأيدينا مما قاله شيء، و صدق أبو لهب، فإنه ما نفعه اللّه بإنذاره و لا أدخل قلبه منه شيئا، لما أراد به من الشقاء.
[سورة الشعراء (26): الآيات 215 الى 218]
وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218)
فيعلم حركاتك و سكناتك على التعيين و التفصيل، و عم جميع أحوالك بقوله تعالى:
[سورة الشعراء (26): آية 219]
وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)
إشارة منه تعالى إلى تنوع الحالات عليه صلّى اللّه عليه و سلم في حال السجود، من غير رفع يتخلل ذلك، و لقد رفع و قام و ركع، و ثنّى السجود، و لم يثن حالة من حالات صلاته إلا السجود، لشرفه في حق العبد، فأكد بالتثنية في كل ركعة فرضا واجبا، و ركنا لا ينجبر إلا بالإتيان به.
[- إشارة- القلب إذا سجد لا يرفع أبدا]
– إشارة- القلب إذا سجد لا يرفع أبدا، لأن سجوده للأسماء الإلهية لا للذات، فإنها هي التي جعلته قلبا، فهي تقلبه من حال إلى حال دنيا و آخرة، فلهذا سمته قلبا، فإذا تجلى له الحق مقلبا، فيرى أنه في قبضة مقلبة، و هو الأسماء الإلهية التي لا ينفك مخلوق عنها، فهي المتحكمة في الخلائق، فمن مشاهد لها- و هو الذي سجد قلبه- و من غير مشاهد لها، فلا يسجد قلبه، و هو المدعي الذي يقول: أنا؛ و على من هذا صفته يتوجه الحساب و السؤال يوم القيامة و العقاب إن عوقب، و من سجد قلبه فلا دعوى له، فلا حساب و لا سؤال و لا عقاب، فلا صفة أشرف من صفة العلم، فإنه المعطي السعادة في الدارين، و الراحة في المنزلتين. فإذا سجد القلب لم يرفع، لأنه سجد لربه، و قبلته ربه، و ربه لا يزول، و لا ترتفع عن الوجود ربوبيته، فالقلب لا يرفع رأسه من سجوده أبدا، لأن قبلته لا ترتفع. اللهم اجعلنا ممن سجد قلبه و عرف ربه.
[سورة الشعراء (26): الآيات 220 الى 224]
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224)
فإن النظم المسمى شعرا من نفخ الشيطان.
[سورة الشعراء (26): الآيات 225 الى 227]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لحسان بن ثابت، لما أراد أن يهجو قريشا ينافح بذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، لما هجته قريش، و هو منها، و علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن الذي انبعث إليه حسان ابن ثابت من هجاء قريش أن ذلك مما يرضي اللّه، لحسن قصده في ذلك، و ما علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ذلك إلا لما رأى روح القدس الذي يجيئه،
قد جاء إلى حسان بن ثابت يؤيده من حيث لا يشعر، ما دام ينافح عن عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [إني منهم، فانظر ما تقول، و كيف تقول، و أت أبا بكر فإنه أعرف بالأنساب] فيخبرك حتى لا تقول كلاما يعود على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فتكون قد وقعت فيما وقعوا فيه،
فقال له حسان ابن ثابت: و اللّه لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين؛ لأنها لا يعلق بها شيء من العجين، قال تعالى «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا» فلم يجعل الحق تعالى للشيطان على حسان سبيلا، فإنه كان ينافح بنظمه عن عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بتأييد الروح القدسي «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» و غاية الأمر أن اللّه عنده حسن المآب،
و ما قرن اللّه قط بالمآب إليه سوءا تصريحا، و غاية ما ورد في ذلك في معرض التهديد في الفهم الأول «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» فسيعلمون من كرم اللّه ما لم يكونوا يحتسبون قبل المؤاخذة لمن غفر له، و بعد المؤاخذة لانقطاعها عنهم، فرحمة اللّه واسعة، و نعمته سابغة جامعة، و أنفس العالم فيها طامعة، لأنه كريم من غير تحديد، و مطلق الجود من غير تقييد.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 277