تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة يس
سورة يس
[1- 2]
[سورة يس (36): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يس (1) وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2)
يس أقسم بالصنفين الدالين على كمال استعداده كما ذكر في (طه). وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ الذي هو الكمال التامّ اللائق باستعداده على أنه بسبب هذه الأمور من المرسلين على طريق التوحيد الموصوف بالاستقامة و ذلك أن (ي) إشارة إلى اسمه الواقي و (س) إلى اسمه السلام الذي وقى سلامة فطرتك السالمة عن النقص في الأزل عن آفات حجب النشأة و العادة و السلام الذي هو عينها و أصلها، و القرآن الحكيم الذي هو صورة كمالها الجامع لجميع الكمالات المشتمل على جميع الحكم.
[3- 5]
[سورة يس (36): الآيات 3 الى 5]
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)
إِنَّكَ بسبب هذه الثلاثة لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي: القرآن الشامل للحكمة الذي هو صورة كمال استعدادك تنزيل بإظهاره مفصلا من مكمن الجمع على مظهرك ليكون فرقانا من العزيز الغالب الذي غلب على أنائيتك و صفات نشأتك و قهرها بقوّته لئلا تظهر و تمنع ظهور القرآن المكنون في غيبك على مظهر قلبك و صيرورته فرقانا. الرحيم الذي أظهره عليك بتجليات صفاته الكمالية بأسرها.
[6]
[سورة يس (36): آية 6]
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6)
لِتُنْذِرَ قَوْماً بلغوا في كمال استعدادهم ما لم يبلغ آباؤهم فما أنذروا بما أنذرتهم به فَهُمْ غافِلُونَ عما أوتي إليهم من الاستعداد البالغ حدّا لم يبلغه استعداد أحد من الأمم السابقة، كما قال: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا[1].
[7]
[سورة يس (36): آية 7]
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7)
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ في القضاء السابق بأنهم أشقياء فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لأنه إذا قويت الاستعدادات عند ظهورك قوي الأشقياء في الشرّ كما قوي السعداء في الخير.
[8]
[سورة يس (36): آية 8]
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا من قيود الطبيعة البدنية و محبّة الأجرام السفلية فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ تمنع رؤوسهم عن التطأطؤ للقبول إذ عمت الأعناق التي هي مفاصل تصرّفات الرؤوس و أطبقت المفاصل حتى جاوزت أعاليها و بلغت حدّ الرؤوس من قدّام فلم يبق لهم تصرّف بالقبول و لا تأثر بالانفعال و الميل إلى الركوع و السجود للانقياد و الفناء، فإنّ الكمالات الإنسانية انفعالية لا تحصل إلا بالتذلّل و الانقهار فَهُمْ مُقْمَحُونَ ممنوعون عن قبولها بإمالة الرؤوس.
[9- 10]
[سورة يس (36): الآيات 9 الى 10]
وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10)
وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من الجهة الإلهية سَدًّا من حجاب ظهور النفس و الصفات المستولية على القلب منعهم من النظر إلى فوق ليشتاقوا للقاء الحقّ عند رؤية الأنوار الجمالية وَ مِنْ خَلْفِهِمْ من الجهة البدنية سَدًّا من حجاب الطبيعة الجسمانية و لذاتها المانعة لامتثالهم الأوامر و النواهي فمنعهم من العمل الصالح الذي يعدّهم لقبول الخير و الصفات الجلالية فانسدّ لهم طريق العلم و العمل فهم واقفون مع أصنام الأبدان حيارى يعبدونها لا يتقدّمون و لا يتأخرون فَأَغْشَيْناهُمْ بالانغماس في الغواشي الهيولانية و الانغمار في الملابس الجسمانية فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ لكثافة الحجب من جميع الجهات و إحاطتها بهم و إذا لم يبصروا و لم يتأثروا و عدم فالإنذار و عدم الإنذار بالنسبة إليهم سواء.
[11- 12]
[سورة يس (36): الآيات 11 الى 12]
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12)
إِنَّما تُنْذِرُ أي: يؤثر الإنذار و ينجع في مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ لنورية استعداده و صفائه فيتأثر به و يقبل الهداية بما في استعداده من التوحيد الفطري و المعرفة الأصلية، فيتذكر و يخشى الرحمن بتصوّر عظمته مع غيبته من التجلي فيتبعه بالسلوك ليحضر ما هو غائب عنه و يرى ما استضاء بنوره فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ عظيمة من ستر ذنوب حجب أفعاله و صفاته و ذاته وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ من جنات أفعال الحق و صفاته و ذاته.
[13- 36]
[سورة يس (36): الآيات 13 الى 36]
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَ ما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17)
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)
أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)
وَ ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32)
وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36)
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إلى آخر المثل، يمكن أن يؤوّل أصحاب القرية بأهل مدينة البدن و الرسل الثلاثة بالروح و القلب و العقل، إذ أرسل إليهم اثنان أوّلا فَكَذَّبُوهُما لعدم التناسب بينهما و بينهم، و مخالفتهم إياهما في النور و الظلمة، فعزّزوا بالعقل الذي يوافق النفس في المصالح و المناجح و يدعوها و قومها إلى ما يدعو إليه القلب و الروح فيؤثر فيهم.
و تشاؤمهم بهم: تنفّرهم عنهم لحملهم إياهم على الرياضة و المجاهدة و منعهم عن اللذات و الحظوظ. و رجمهم إياهم: رميهم بالدواعي الطبيعية و المطالب البدنية. و تعذيبهم إياهم: استيلاؤهم عليهم و استعمالهم في تحصيل الشهوات البهيمية و السبعية. و الرجل الذي جاء من أقصى المدينة، أي: من أبعد مكان منها، هو العشق المنبعث من أعلى و أرفع موضع منها بدلالة شمعون العقل و نظره لإظهار دين التوحيد و الدعوة إلى الحبيب الأول و تصديق الرسل يَسْعى لسرعة حركته و يدعو الكل بالقهر و الإجبار إلى متابعة الرسل في التوحيد، و يقول: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و كان اسمه حبيبا و كان نجارا ينحت في بدايته أصنام مظاهر الصفات من الصور لاحتجابه بحسنها عن جمال الذات و هو المأمور بدخول جنة الذات، قائلا: يا لَيْتَ قَوْمِي المحجوبين عن مقامي و حالي يَعْلَمُونَبِما غَفَرَ لِي رَبِّي ذنب عبادة أصنام مظاهر الصفات و نحتها وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ لغاية قربي في الحضرة الأحدية. وفي الحديث: «إنّ لكل شيء قلبا، و قلب القرآن يس»
، فلعل ذلك لأن حبيبا المشهور بصاحب يس آمن به قبل بعثته بستمائة سنة و فهم سرّ نبوته، و
قال النبي صلى اللّه عليه و سلم:
«سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا باللّه طرفة عين، عليّ بن أبي طالب عليه السلام و صاحب يس و مؤمن آل فرعون»
[37- 39]
[سورة يس (36): الآيات 37 الى 39]
وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)
وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ أي: ليل ظلمة النفس نَسْلَخُ مِنْهُ نهار و نور شمس الروح و التلوين فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ و شمس الروح تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها و هو مقام الحق في نهاية سير الروح ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ المتمنع من أن يصل إلى حضرة أحديته شيء، الغالب على الكل بالقهر و الفناء الْعَلِيمِ الذي يعلم حدّ كمال كل سيّار و انتهاء سيره، و قمر القلب قَدَّرْناهُ أي:
قدّرنا مسيره في سيره مَنازِلَ من الخوف و الرجاء و الصبر و الشكر و سائر المقامات كالتوكل و الرضا حَتَّى عادَ عند فنائه في الروح في مقام السرّ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ و هو بقرب استسراره فيه و إضاءة وجهه الذي يلي الروح قبل تمام فنائه فيه، و احتجابه لنوريته عن النفس و القوى، و كونه بدرا إنما يكون في موضع الصدر في مقابلة مقام السرّ.
[40]
[سورة يس (36): آية 40]
لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ في سيره فيكون له الكمالات الصدرية من الإحاطة بأحوال العالمين و التجلي بالأخلاق و الأوصاف وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ بإدراك القمر الشمس و تحويل ظلمة النفس نهار نور القلب لأن القمر إذا ارتقى إلى مقام الروح بلغ الروح حضرة الوحدة فلا تدركه و تكون النفس حينئذ نيّرة في مقام القلب لا ظلمة لها، فلم تسبق ظلمتها نوره بل زالت مع أن القلب و نوره في مقام الروح فلم تسبقه على تقدير بقائها وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ أي: مدار و محل لسيرة معيّن في بدايته و نهايته لا يتجاوز حدّيه المعينين يَسْبَحُونَ يسيرون إلى أن جمع اللّه بينهما في حدّ و خسف القمر بها و أطلع الشمس من مغربها فتقوم القيامة.
[41- 44]
[سورة يس (36): الآيات 41 الى 44]
وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتاعاً إِلى حِينٍ (44)
وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ و هو سفينة نوح فيه سرّ من أسرار البلاغة حيث لم يذكر آباءهم الذين كانوا فيها بل ذريّاتهم الذين كانوا في أصلابهم، فلا بد من وجود الذرّيات حينئذ وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي: مثل سفينة نوح و هي السفينة المحمدية ما يَرْكَبُونَ
[45- 54]
[سورة يس (36): الآيات 45 الى 54]
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ (49)
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)
اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من أحوال القيامة الكبرى وَ ما خَلْفَكُمْ من أحوال القيامة الصغرى، فإن الأولى تأتي من جهة الحقّ و الثانية تأتي من جهة النفس بالفناء في اللّه في الأولى، و التجرّد عن الهيئات البدنية في الثانية و النجاة منها. و الصيحتان هما التنبّه عن النفخة الأولى بوقوع مقدّماتها و انزعاج القوى كلها دفعة عن مقارّها، و عن الثانية بوقوعها و انتباهتهم دفعة، و انتشار القوى في محالها. و الأجداث: الأبدان التي هي مراقدهم.
[55- 81]
[سورة يس (36): الآيات 55 الى 81]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55) هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ (67) وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ (68) وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ (69)
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (70) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71) وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَ مِنْها يَأْكُلُونَ (72) وَ لَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَ مَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ (73) وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (76) أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81)
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ من أنوار التجليات و مشاهدات الصفات، متلذذون هم و نفوسهم الموافقة لهم في التوجه فِي ظِلالٍ من أنوار الصفات عَلَى الْأَرائِكِ المقامات و الدرجات مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ من أنواع المدركات و أصناف الواردات و المكاشفات وَ لَهُمْ ما يتمنون من المشاهدات، و هي: سَلامٌ أعني قَوْلًا بإفاضة الكمالات و تبرئتهم بها من وجوه النقص التي تنبعث منها دواعي التمنيات صادرا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ يرحم بتلك المشتهيات. و العهد عهد الأزل و ميثاق الفطرة و عبادة الشيطان، هو الاحتجاب بالكثرة لامتثال دواعي الوهم و الصراط المستقيم طريق الوحدة. و قال الضحاك في وصف جهنم: «إن لكل كافر بئرا من النار يكون فيه لا يرى و لا يدري»، و ذلك صورة احتجابه. و معنى الختم على الأفواه و تكليم الأيدي و شهادة الأرجل: تغيير صورهم و حبس ألسنتهم عن النطق و تصوير أيديهم و أرجلهم على صور تدل بهيئاتها و أشكالها على أعمالها و تنطق بألسنة أحوالها على ملكاتها من هيئات أفعالها.
[82- 83]
[سورة يس (36): الآيات 82 الى 83]
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
إِنَّما أَمْرُهُ عند تعلق إرادته بتكوين شيء ترتب كونه على تعلق الإرادة به دفعة معا بلا تخلل زماني فَسُبْحانَ أي: نزّه عن العجز و التّشبه بالأجسام و الجسمانيات في كونها و كون أفعالها زمانية الَّذِي تحت قدرته و في تصرّف قبضته مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ من النفوس و القوى المدّبرة له وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالفناء فيه و الانتهاء إليه، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 178