تفسیر ابن عربی سوره النمل

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّمل

(27) سورة النّمل مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة النمل (27): الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَ كِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)

جاء الحق بنون الكناية عن نفسه في قوله: «زَيَّنَّا»، و نسب الحيرة إليهم بقوله‏ «يَعْمَهُونَ» أي يحارون بهذا التزيين لمن ينسبونه، فلا فاعل إلا اللّه، فهو تنبيه أن يعتقد ذلك، و أنه بقضائه و قدره، إذ كل شي‏ء بيده.

[سورة النمل (27): الآيات 5 الى 8]

أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قالَ مُوسى‏ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8)

لما خرج موسى عليه السلام ساعيا لأهله، لما كانوا يحتاجون إليه من النار، و شغل بطلبها الذي تقتضيه بشريته، نودي في عين حاجته، لافتقاره إليها، فتجلى اللّه له في عين صورة حاجته‏ «فَلَمَّا جاءَها» أي جاء إليها «نُودِيَ» ناداه منها «أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها» فبسعيه على عياله، و استفراغه، ناداه الحق و كلمه في عين حاجته و هي النار «وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»– نصيحة- اعلم أن جلّ الخير في السعي على الغير، فمن أراد من اللّه قضاء مآربه، فليقض حاجة صاحبه، و إن لم يستند فيها إلى جانبه، و لو ذهب غير مذاهبه.

 

[سورة النمل (27): آية 9]

يا مُوسى‏ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)

[تجلى الحق لموسى عليه السلام في عين حاجته‏]

فسبحان من علا في نزوله، و نزل في علوه، ثم لم يكن واحدا منهما، و لم يكن إلا هما، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فيعرف معرفة لا يشهد معروفها، فإنه سبحانه تجلى لموسى عليه السلام في عين حاجته، فلم تكن نارا، فلا يرى الحق إلا في الافتقار، و لا يتجلى إلا في صور الاعتقادات و في الحاجات، و قلنا في ذلك من قصيدة لنا:

كنار موسى يراها عين حاجته‏ و هي الإله و لكن ليس يدريه‏

[سورة النمل (27): آية 10]

وَ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى‏ لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)

[- إشارة- قلبت العصا ثعبانا]

– إشارة- قلبت العصا ثعبانا لأن جزاء سيئة سيئة مثلها، و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فجاءهم بما يناسب ما كانوا عليه، و كذلك معجزة كل نبي هي ما يناسب قومه، و خاف موسى و هو في حال التمكين، عقابا لقوله: إن معي ربي سيهدين، فلما قدم نفسه كان الخوف مصاحبا له.

[سورة النمل (27): الآيات 11 الى 14]

إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)

«وَ جَحَدُوا بِها» الجاحد هنا هو الكاذب، لأنه عالم بكذبه في المواطن التي كلّف أن يصدق فيها، و الإقرار في ذلك الأمر المطلوب منه المعلوم عنده‏ «وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ» التيقن: هو استقرار العلم في النفس، فلو لا ما علموا، ما تيقنوا أنها آيات، يعني براهين‏ على صدق الرسل فيما أخبروا به عن اللّه، فمع الدلالات التي نصبها اللّه للمرسل إليهم على صدق رسله و استيقنوها، حملهم سلطان الحسد الغالب عليهم، أن يجحدوا ما هم به عالمون موقنون بصدقهم، من حيث الدلالة، لا من حيث نور الإيمان المقذوف في القلب،

فإنه لم يحصل عندهم من ذلك النور شي‏ء، فعلم أن الإيمان لا تعطيه إقامة الدليل، بل هو نور إلهي يلقيه اللّه في قلب من شاء من عباده، و قد يكون عقيب الدليل، و قد لا يكون هناك دليل أصلا، و هؤلاء عرفوا الحق، و جحدوا بما دلهم عليهم، فهؤلاء جاحدون معاندون، ثم ذكر تعالى العلة فقال: «ظُلْماً» أي ظلموا بذلك أنفسهم‏ «وَ عُلُوًّا» على من أرسل إليهم، فاندرج في ذلك علوهم على اللّه فذم اللّه من طلب علوا في الأرض، فإنه من رئاسة النفوس، فقال: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» و لما كان لا يلزم العالم بالحق الإقرار به في الظاهر، و إنما يستلزمه التصديق به في الباطن، فهو مصدق به و إن كذّبه باللسان، فقد عمل بما علم، و هو التصديق، لكن ما كل عمل يعطي عموم النجاة، بل يعطي من النجاة قدرا مخصوصا من عموم أو خصوص. و أي آية كانت للعرب معجزة مثل القرآن؟

و قد قال تعالى فيه: (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ).

 

[سورة النمل (27): الآيات 15 الى 16]

وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)

النطق سار في العالم كله، و لا يختص به الإنسان، كما جعلوه فصله المقوم له بأنه حيوان ناطق، فالكشف لا يقول بخصوص هذا الحدّ في الإنسان، و إنما حد الإنسان بالصورة الإلهية خاصة، و من ليس له هذا الحد فليس بإنسان، و إنما هو حيوان يشبه في الصورة ظاهر الإنسان، فاطلب لصاحب هذا الوصف حدا يخصه، كما طلبته لسائر الحيوان.

[سورة النمل (27): الآيات 17 الى 19]

وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19)

[لا ترهب على الضعيف‏]

الأنبياء و إن كانوا صالحين في نفس الأمر عند اللّه، فهم بين سائل في الصلاح، مثل سليمان عليه السلام، و مشهود له به من الحق بشرى من اللّه، مثل يحيى و عيسى و إبراهيم و محمد عليهم السلام، فإن الاسم الصالح من خصائص العبودية- إشارة- «فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها» الضعيف الذي ليس له قوة مقاومتك، لا ترهب عليه.

[سورة النمل (27): الآيات 20 الى 21]

وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21)

[- إشارة- لا تعمل إلا عن بينة من ربك‏]

– إشارة- لا تعمل إلا عن بينة من ربك كما فعل سليمان، و قد كان الحق مع الهدهد، فلو عذبه قبل البينة لظلمه، فلا تعجل أبدا بصفات القهر منك حتى يتبين لك موطنها، و أما صفات الرحمة فأطلقها و لا تقيدها.

[سورة النمل (27): الآيات 22 الى 23]

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)

المرأة هي بلقيس، قيل: هي متولدة بين الجن و الإنس، فإن أمها من الإنس و أباها من الجن، و لو كان أبوها من الإنس و أمها من الجن لكانت ولادتها عندهم، و كانت تغلب عليها الروحانية، و لهذا ظهرت بلقيس عندنا «وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ» فهو سرير ملكها و هو لها عظيم.

 

[سورة النمل (27): آية 24]

وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24)

فصدهم عن السبيل الذي هو قول اللّه و صراطه، و لما كان الخب‏ء النباتي تخرجه الشمس من الأرض بما أودع اللّه فيها من الحرارة، و مساعدة الماء بما أعطى اللّه فيه من الرطوبة، فجمع بين الحرارة و منفعل البرودة، حتى لا تستقل الشمس بالفعل، فظهرت الحياة في الحي العنصري، و كان الهدهد- دون الطير- قد خصه اللّه بإدراك المياه، كان يرى للماء السلطنة على بقية العناصر تعظيما لنفسه، و حماية لمقامه، حيث اختص بعلمه ليشهد له بالعلم بأشرف الأشياء، حيث كان العرش المستوي عليه الرحمن على الماء، فكان الهدهد يحامي عن مقامه، و وجد قوما يعبدون الشمس، و هي على النقيض من طبع الماء، الذي جعل اللّه منه كل شي‏ء حي،

و علم أنه لو لا حرارة الشمس ما خرج الخب‏ء، و أنها مساعدة للماء، فأدركته الغيرة في المنافر فوشى إلى سليمان عليه السلام بعابديها، و زاد للتغليظ بقوله: «مِنْ دُونِ اللَّهِ» ينبه على موضع الغيرة، و الشمس و إن أخرجت خب‏ء الأرض بحرارتها، فهي تخبأ الكواكب بإشراقها، و تظهر المحسوسات الأرضية بشروقها، فلها حالة الخب‏ء و الإظهار، و بها حد الليل و النهار، فزاحمت من يخرج الخب‏ء في السموات و الأرض، و يعلم ما يخفون و ما يعلنون، فابتلى اللّه الماء فأصبح غورا، و ابتلى الشمس فأمست آفلة، و فجر العيون فأظهر خب‏ء الماء، و فار التنور فأظهر خب‏ء الشمس، فأخرج الخب‏ء في السموات و الأرض فقال الهدهد.

[سورة النمل (27): آية 25]

أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ (25)

يقول إن الشمس التي يسجدون لها، و إن اعتقدوا أنها تعلم ما يعلنون، فالسجود لمن يعلم ما يخفون و ما يعلنون أولى، ثم إنهم يسجدون للشمس لكونها تخرج لهم بحرارتها ما خبأت الأرض من النبات، فقال اللّه لهم: ينبغي لكم أن تسجدوا للذي يخرج الخب‏ء في‏ السموات، و هو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها و خبئها، ثم يظهرها طالعة من ذلك الخب‏ء و في‏ «الْأَرْضِ» ما يخرجه من نباتها، فالشمس ليس لها ذلك، بل لظهورها يكون خب‏ء ما في السموات من الكواكب، فاللّه أولى بأن يسجد له من سجودكم للشمس، فإن حكمها عند اللّه كحكم الكواكب في الأفول و الطلوع، فطلوعها من الخب‏ء الذي يخرجه اللّه في السماء، مثل سائر الكواكب.

[سورة النمل (27): آية 26]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)

فوسع كل شي‏ء رحمة و علما، و استوى على العرش العظيم، إذ حكم على فلك الشمس بدورته، و على الماء باستقراره و جريته، فهما في كل درجة في خب‏ء و ظهور، فوحّده الظهور بظهوره، و وحّده الخب‏ء بسدل ستوره، فعلم سبحانه ما يخفون و ما يعلنون، فهو «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ». و هذا هو التوحيد الثاني و العشرون في القرآن،

[توحيد الخب‏ء]

و هو توحيد الخب‏ء، و هو من توحيد الهوية، و السجدة مختلف في موضعها، فقيل: عند قوله‏ «تُعْلِنُونَ» و قيل: عند قوله‏ «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» و هي سجدة رجحان، فإن الدليل هنا في جناب اللّه أرجح منه في الدلالة على ألوهة الشمس حين اتخذتموها إلها لما ذكرناه.

[سورة النمل (27): آية 27]

قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (27)

فإن الأخبار تشهد للمؤمن بالإيمان و البهتان، و الدليل خبر الهدهد فيما أخبر به سليمان، فإن شهد له العيان، أو الضرورة من الجنان، وقع الإيمان، و إن كذبه ألحقه بالبهتان، فالأخبار، محك و معيار، تشهد لها الآثار الصادقة، و الأنوار الشارقة.

[سورة النمل (27): الآيات 28 الى 29]

اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (28) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29)

من حكمة بلقيس و علو علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب، و ما عملت ذلك إلا لتعلم أصحابها أن لها اتصالا إلى أمور لا يعلمون طريقها، لأنه إذا جهل طريق الأخبار الواصل إلى الملك، خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم، فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرف، فلو تعين على يد من تصل الأخبار إلى ملكهم لصادقوه و أعظموا له الرشا حتى يفعلوا ما يريدون، و لا يصل ذلك إلى ملكهم، فكان قولها «أُلْقِيَ إِلَيَّ» و لم تسم من ألقاه سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها و خواص مدبريها، و بهذا استحقت التقدم عليهم‏ «كِتابٌ كَرِيمٌ» أي يكرم عليها.

[سورة النمل (27): آية 30]

إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30)

[قدم سليمان عليه السلام اسمه على قوله‏ «وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»]

قدم سليمان عليه السلام اسمه على قوله‏ «وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» لأن ذلك أدب وقته و شرع وقته، بالنسبة إلى أهل ملته و زمانه، فكان ذلك اصطلاحهم في ذلك الزمان، فلم تقتض الحكمة أن يخرج عن عادة أهل زمانه.

[سورة النمل (27): الآيات 31 الى 40]

أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (33) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)

فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ (37) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)

 

[ «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ» و هو آصف بن برخيا]

«قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ» و هو آصف بن برخيا، و كان يعلم الاسم الأعظم، الذي يفعل بالخاصية، و لو لا الكتاب ما علم ذلك، قال لسليمان عليه السلام: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» فظهر بهذا الأمر تعظيما لقدر سليمان عليه السلام عند أهل بلقيس و سائر أصحابه و ما طوي عن سليمان عليه السلام العلم بهذا الاسم، و إنما طوي عنه الإذن في التصرف به، تنزيها لمقامه، فإنه رسول مصرف العين إلى من أرسل إليه، فما ظهر آصف بالقوة على الإتيان بالعرش دون سليمان عليه السلام إلا ليعلم الحق أن شرف سليمان عظيم، إذ كان لمن هو حسنة من حسناته هذا القدر، فكان ذلك من آصف بن برخيا إعلام الغير، بأن التلميذ التابع، إذا كان أمره بهذه المثابة، فما ظنك بالشيخ؟

فيبقى قدر الشيخ مجهولا في غاية التعظيم، فلو ظهر على سليمان عليه السلام هذا الفعل، لتوهم أن هذا غايته، و ظهور هذا الفعل على يد صاحبه أتم في حقه، إذ كان هذا التابع مصدقا به، و قائما في خدمته بين يديه تحت أمره و نهيه، فيزيد المطلوب رغبة في هذا الرسول، إذا رأى بركته قد عادت على تابعيه، فيرجو هذا الداخل أن يكون له بالدخول في أمره ما كان لهذا التابع، و النفس مجبولة على الطمع، و حب الرئاسة و التقدم‏ «قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» فإنه معلوم بالقدر الزماني، أن رجوع الطرف إلى الناظر به أسرع من قيام القائم من مجلسه، لأن حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من قيام حركة الجسم فيما يتحرك منه، فإن الزمان الذي يتحرك فيه البصر عين الزمان الذي يتعلق بمبصره مع بعد المسافة بين الناظر و المنظور، فإن زمان فتح البصر زمان تعلقه بفلك الكواكب الثابتة، و زمان رجوع طرفه إليه هو عين زمان عدم إدراكه، و القيام من مقام الإنسان ليس كذلك، أي ليس له هذه السرعة.

  [سورة النمل (27): الآيات 41 الى 42]

قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنَّا مُسْلِمِينَ (42)

لما قامت لبلقيس شبهة بعد المسافة، و قيل لها «أَ هكَذا عَرْشُكِ؟ قالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ» و ما كان إلا هو، و لكن حجبها بعد المسافة، و حكم العادة، و جهلها بقدر سليمان عليه السلام عند ربه، فهذا حجبها أن تقول: هو هو؛ فقالت: «كَأَنَّهُ هُوَ» و هو هو، فجهلها أدخل كاف التشبيه فما شبهته إلا بنفسه و عينه لا بغيره، و إنما شوش عليها بعد المسافة المعتاد، و لو شاهدت الاقتدار الإلهي لعلمت أنه هو، كما كان هو من غير زيادة، فقولها: «كَأَنَّهُ هُوَ» حصل لها من وقوفها مع الحركة المعهودة في قطع المسافة البعيدة، و علمت بعد ذلك أنه هو لا غيره، و هذا القول الذي صدر منها يدل عندي أنها لم تكن كما قيل متولدة بين الإنس و الجان، إذ لو كانت كذلك لما بعد عليها مثل هذا، من حيث علمها بأبيها، و ما تجده من نفسها من القوة على ذلك، حيث كان أبوها من الجان على ما قيل. فهذا شهود حاصل، و عين مشهودة، و علم ما حصل، لأن متعلق العلم المطلوب هنا إنما هو نسبة هذا العرش المشهود إليها كما هو في نفس الأمر، و لم تعلم ذلك.

[سورة النمل (27): آية 43]

وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (43)

فلو شاهدت الاقتدار الإلهي لعلمت أنه هو.

[سورة النمل (27): آية 44]

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44)

«قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ» و كان الصرح أملس لا أمت فيه‏ «فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً» أي ماء «وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها» حتى لا يصيب الماء ثوبها «قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ» من زجاج‏ «قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ» أي إسلام سليمان‏ «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» فما انقادت لسليمان، و إنما انقادت للّه رب العالمين، و سليمان من العالمين،فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان إذ قالت‏ «مَعَ سُلَيْمانَ» فما يمر بشي‏ء من العقائد إلا مرت به معتقدة ذلك‏

[- إشارة- لما قالت بلقيس في عرشها «كَأَنَّهُ هُوَ»]

– إشارة- لما قالت بلقيس في عرشها «كَأَنَّهُ هُوَ» عثور على علمها بتجديد الخلق في كل زمان فأتت بكاف التشبيه، و أراها صرح القوارير كأنه لجة، و ما كان لجة، كما أن العرش المرئي ليس عين العرش من حيث الصورة لقول سليمان عليه السلام‏ «نَكِّرُوا لَها عَرْشَها»، و الجوهر واحد، و هذا سار في العالم كله أي تجديد الخلق مع الأنفاس‏

[- إشارة- «وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها»]

– إشارة- «وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها» أي بينت أمرها، و منه كشف عن ساق الأمر.

[سورة النمل (27): الآيات 45 الى 50]

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ (48) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (49)

وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (50)

«وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ» أن عين ما اعتقدوه أنه مكرهم هو مكري بهم، و وجود المكر الإلهي بالماكرين من حيث لا يشعرون لا يكون إلا في الدنيا، فإنهم في الآخرة يعرفون أن اللّه مكر بهم في الدنيا، بما بسط لهم فيها مما كان فيه هلاكهم، فهنا في الدنيا وقع المكر بهم، حيث وقع المكر منهم، بل في بعض الوقائع أو أكثرها بل كلها أن عين مكرهم هو مكر اللّه بهم و هم لا يشعرون.

و اعلم أن كل ممكور به إنما يمكر اللّه به من حيث لا يشعر، و قد يشعر بذلك المكر غير الممكور به، فإنه تعالى قال: «وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ» فمضمر «هُمْ» هو المضمر في مكروا، فكان مكر اللّه بهؤلاء هو عين مكرهم الذي اتصفوا به، و هم لا يشعرون، و هذا المكر الإلهي إذا شعر به الممكور به زال كونه مكرا، إلا في حال واحد، و ذلك إذا شعر بمكر اللّه في أمر أقامه فيه، و أقام عليه، و إقامته عليه بعد العلم أنه من مكر اللّه مكر من اللّه، و لم يزل اسم المكر عن الذي أقام على الأمر الذي كان لا يشعر به أنه مكر من اللّه في إقامته على ذلك الأمر في حقه، ثم قد يمكر بهم بأمر زائد على مكرهم، فإنه أرسله سبحانه نكرة فقال: «وَ مَكَرْنا مَكْراً» فدخل فيه عين مكرهم، و مكر آخر زائد على مكرهم، و من المكر الإلهي ما يقصد به ضرر العبد، و منه ما لا يقصد به ضرر العبد،

و إنما يكون لحكمة أخرى، يكون فيها سعادة العبد، فإنه لو لا المكر الخفي لما صح تكليف، و لا طلب جزاء، فإنه من مكر اللّه المحمود في الممكور به، تكليف اللّه إياه الأعمال و السمع و الطاعة له فيما كلف به، و الأمر يعطي في نفسه أن الأعمال خلق للّه في العبد، و أن اللّه لا يكلف نفسه، و ليس العامل إلا هو و هذا قد شعر به بعض الناس، و أقاموا على العمل و ثابروا عليه، أعني عمل الخيرات‏

[- نصيحة- من اعتمد على غير الحق، جعل نصرته فيه مكرا من حيث لا يشعر]

– نصيحة- من اعتمد على غير الحق، جعل نصرته فيه مكرا من حيث لا يشعر.

 

[سورة النمل (27): الآيات 51 الى 59]

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (53) وَ لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)

«قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» اعلم أن الحمد و المحامد هي عواقب الثناء، و لهذا يكون آخرا في‏ الأمور، كما ورد أن آخر دعواهم‏ (أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) و قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الحمد: إنّها تملأ الميزان، أي هي آخر ما يجعل في الميزان، و ذلك لأن التحميد يأتي عقيب الأمور، ففي السراء يقال: الحمد للّه المنعم المفضل، و في الضراء يقال: الحمد للّه على كل حال؛ و الحمد هو الثناء على اللّه، و هو على قسمين، ثناء عليه بما هو له، كالتسبيح و التكبير و التهليل، و ثناء عليه بما يكون منه، و هو الشكر على ما أسبغ من الآلاء و النعم، و له العواقب فإن مرجع الحمد ليس إلا إلى اللّه، فإنه المثني على العبد و المثنى عليه، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم:

[أنت كما أثنيت على نفسك‏] و هو الذي أثنى به العبد عليه، فرد الثناء له من كونه مثنيا اسم فاعل، و من كونه مثنيا عليه اسم مفعول، فعاقبة الحمد في الأمرين له تعالى. و تقسيم آخر، و هو أن الحمد يرد من اللّه مطلقا و مقيدا في اللفظ، و إن كان مقيدا بالحال، فإنه لا يصح في الوجود إطلاق فيه، لأنه لا بد من باعث على الحمد، و ذلك الباعث هو الذي قيده و إن لم يتقيد لفظا،

[ «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ»]

كأمره في قوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» فلم يقيد، و أما المقيد فلا بد أن يكون مقيدا بصفة فعل، كقوله (الحمد للّه الذي خلق السموات و الأرض) و كقوله‏ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ) (و الحمد للّه فاطر السماوات) و قد يكون مقيدا بصفة تنزيه، كقوله‏ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً). و اعلم أن الحمد لما كان يعطي المزيد للحامد، علمنا أن الحمد بكل وجه شكر، كذلك ما أعطى المزيد من الأذكار فهو شكر، فهو حمد كله، لأنه ثناء على اللّه، و لا نحمده إلا بما أعلمنا أن نحمده به، فحمده مبناه على التوقيف، و قد خالفنا في ذلك جماعة من علماء الرسوم، لا من العلماء الإلهيين، فإن التلفظ بالحمد على جهة القربة لا يصح إلا من جهة الشرع،

فلا يتمكن أن يقال على جهة القربة و إن عقل أنه خير إلا حتى يقول الحق اذكروني، فإما أن يطلق بكل ذكر ينسب إليه الحسن في العرف، و هو من مكارم الأخلاق، و إما أن يقيده فيعين ذكرا خاصا فالثناء على اللّه بما هو فاعل ثناء عرفي يثني به المخلوق على الخالق، ما لم ينه عنه إذا كان ذلك الثناء مما يعظم في العالم، فقد يكون من حيث ما هو فاعل و ليس بعظيم في العالم، فإذا ذكر بما هذا مثله نكر، و مثاله أن يقول: الحمد للّه خالق كل شي‏ء، فيدخل فيه كل مخلوق معظّم و محقّر، و مثال المعظم في العرف أن تقول: الحمد للّه الذي خلق السموات، و مثل ذلك، و لا ينبغي أن يعين في الثناء خلق المحقر عرفا، و المستقذر طبعا، و إن دخل في عموم كل‏ شي‏ء، و لكن إذا عين لا يقتضيه الأدب بل ينسب معيّنه إلى سوء الأدب، أو فساد العقيدة، مع صحة ذلك، و الكل منه و نعمته، و لو لا حقارة ذلك بالعرف لم نقل به،

فإني ما أرى شيئا ليس عندي بعظيم، لأني انظر بعين اعتناء اللّه به حيث أبرزه في الوجود، فأعطاه الخير، فليس عندنا أمر محتقر، فالكل نعمته ظاهرة و باطنة، فظاهرة ما شوهد منها، و باطنة ما علم و لم يشهد، و ظاهرة التعظيم عرفا، و باطنة التعظيم عند أهل اللّه و أهل النظر المستقيم مما ليس بعظيم في الظاهر «وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏» الاصطفاء لا يكون إلا بعد الخلق، فإنه ما كل خلق مصطفى، كما أنه ما كل مصطفى نبي، و كل نبي مصطفى، و المصطفون بمنزلة الصفي من المغنم، و هم نصيب الحق من الخلق.

 

[سورة النمل (27): الآيات 60 الى 62]

أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (62)

إن المضطر هو الذي دعا ربه عن ظهر فقر إليه، و ما منع الناس الإجابة من اللّه في دعائهم إياه إلا كونهم يدعونه عن ظهر غنى، لالتفاتهم إلى الأسباب و هم لا يشعرون، و ينتجه عدم الإخلاص. و المضطر المضمون له الإجابة مخلص مخلص، ما عنده التفات إلى غير من توجه إليه، فمن دعا عقيب عبودية الاضطرار فقمن أن يستجاب له، فإن اللّه تعالى قد ضمن الإجابة لمن اضطر في سؤاله- تحقيق- كل مخلوق الاضطرار يصحبه دائما لأنه حقيقته، و مع اضطراره فقد كلّف، فالذي ينبغي له أن يقف عند ما كلّف،

فإن الاضطرار المطلق لا يرتفع عنه، و إنما يرتفع عنه اضطرار خاص إلى كذا، فجميع حركات الكون من جهة الحقيقة اضطرارية مجبور فيها، و إن كان الاختيار في الكون موجودا نعرفه، و لكن ثمّ علم آخر علمنا به أن المختار مجبور في اختياره، بل تعطي الحقائق أن لا مختار، لأنا رأيناالاختيار من المختار اضطراريا، أي لا بد أن يكون مختارا، فالاضطرار أصل ثابت لا يندفع يصحب الاختيار، و لا يحكم على الاضطرار الاختيار، فالوجود كله في الجبر الذاتي، لا أنه مجبور بإجبار من غير، فإن المجبر للمجبور- الذي لو لا جبره لكان مختارا- مجبور في اختياره لهذا المجبور.

[سورة النمل (27): آية 63]

أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63)

[- من باب الإشارة- «أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ»]

– من باب الإشارة- «أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» الظلمات: هي الأكوان، و البر هو الظاهر منها، و البحر هو الباطن منها، إشارة إلى المحسوس و المعلوم.

[سورة النمل (27): الآيات 64 الى 77]

أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (64) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (66) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَ آباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71) قُلْ عَسى‏ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73)

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ (74) وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَ إِنَّهُ لَهُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)

كون القرآن هدى من كلّ آية محكمة، و كل نص ورد في القرآن مما لا يدخله الاحتمال، و لا يفهم منه إلا الظاهر بأول وهلة، مثل قوله: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) و قوله‏ (وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) و قوله‏ (فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) و أمثال هذه الآيات مما لا يحصى كثرة «وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»* أما كونه رحمة فلما فيه مما أوجبه الحق على نفسه من الوعد لعباده بالخير و البشرى، مثل قوله: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) و قوله‏ (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) و كل آية رجاء.

[سورة النمل (27): الآيات 78 الى 82]

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82)

  [دابة الارض التى تخرج فى آخر الزمان‏]

«وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ» فأخبر تعالى أن هذه الدابة تكلمنا، و ذلك أنها إذا خرجت من أجياد، و هي دابة أهلب كثيرة الشعر، لا يعرف قبلها من دبرها، يقال لها الجساسة، فتنفخ فتسم بنفخها وجوه الناس شرقا و غربا، جنوبا و شمالا، برا و بحرا، فيرتقم في جبين كل شخص ما هو عليه في علم اللّه من إيمان و كفر، فيقول من سمته مؤمنا لمن سمته كافرا، يا كافر أعطني كذا و كذا، و ما يريد أن يقول له،فلا يغضب لذلك الاسم، لأنه يعلم أنه مكتوب في جبينه كتابة لا يمكنه إزالتها،

فيقول الكافر للمؤمن: نعم أو لا في قضاء ما طلب منه، بحسب ما يقع، فكلامها المنسوب إليها ما هو في العموم سوى ما و سمت به الوجوه بنفختها، و إن كان لها كلام مع من يشاهدها أو يجالسها من أي أهل لسان كان، فهي تكلمه بلسانه من عرب أو عجم، على اختلاف اصطلاحاتهم، يعلم ذلك كله، و قد جاء حديثها في الخبر الصحيح الذي ذكره مسلم في حديث الدجال، حين دلت تميما الداري عليه،

و قالت له: إنه إلى حديثك بالأشواق، و هي الآن في جزيرة في البحر الذي يلي جهة الشمال، و هي الجزيرة التي فيها الدجال، ثم أخبر تعالى أن طائفة من العباد لا توقن بذلك و تخرجه بالتأويل عن ظاهره فقال: «أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ» أي لا يستقر الإيمان بالآيات التي هذه الآيات منها في قلوبهم، بل يقبلون ذلك إيمانا، و طائفة منهم تتأول ذلك على غير الوجه الذي قصد له.

[سورة النمل (27): الآيات 83 الى 88]

وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَ لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (87)

وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88)

فكل شي‏ء محكم، لأنه صنعة حكيم، و من هنا نظر من نظر إلى جمال الكمال، و هو جمال الحكمة، فإن العالم خلقه اللّه في غاية الإحكام و الإتقان‏

[- إشارة- من خصائص المحمديين‏]

– إشارة- من خصائص المحمديين من أهل اللّه، أهل الأدب، جلساء الحق على بساط الهيبة، مع الأنس الدائم،الاعتدال و الثبات و السكون، غير أن لهم سرعة الحركات في الباطن في كل نفس‏ «وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ».

[سورة النمل (27): الآيات 89 الى 91]

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91)

قال صلّى اللّه عليه و سلم: [إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السموات و الأرض فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة] و خرج مسلم عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم فقتلوه، فأخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فركب راحلته، فخطب فقال: [إن اللّه حبس عن مكة الفيل، و سلط عليها رسوله و المؤمنين، ألا و إنها لا تحل لأحد قبلي، و لن تحل لأحد بعدي، ألا و إنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا و إنها ساعتي هذه، و هي حرام، لا يخبط شوكها، و لا يعضد شجرها، و لا يلقط ساقطتها، إلا لمنشد، و من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعطى يعني الدية، و إما أن يقاد أهل الفتيل‏]- الحديث- فمكّة حمى اللّه و حرمه، و لا موجود أعظم من اللّه، فلا حمى و لا حرم أعظم من حرم اللّه و لا حماه في الأماكن، فإن مكة حرمها اللّه و لم يحرمها الناس.

 

[سورة النمل (27): آية 92]

وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)

اعلم أن التالي إنما سمي تاليا لتتابع الكلام بعضه بعضا، و تتابعه يقضي عليه بحرف الغاية، و هما من و إلى، فينزل من كذا إلى كذا، و لما كان القلب من العالم الأعلى قال تعالى فيه‏ (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ) و كان اللسان من العالم الأنزل، و الحرف من عالم اللسان،ففصل اللسان الآيات و تلا بعضها بعضا، فيسمى الإنسان تاليا من حيث لسانه، فإنه المفصل لما أنزل مجملا.

[سورة النمل (27): آية 93]

وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 294

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=