تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الفجر
(89) سورة الفجر مكيّة
[سورة الفجر (89): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ الْفَجْرِ (1)
بطلوع الفجر يكون رجوع الحق إلى عرشه من السماء الدنيا التي نزل إليها، و فيه
[إشارة: الرفيق الأعلى]
– إشارة- فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لما خيّر عند الموت ما قال، و لا سمع منه إلا الرفيق الأعلى، فإنه تعالى كان مرافقه في الدنيا، و علم منه أنه يريد بطلوع الفجر الرجوع إلى عرشه من السماء الدنيا التي نزل إليها في ليل نشأته الطبيعية، فلم يرد صلّى اللّه عليه و سلّم مفارقة رفيقه، فانتقل لانتقاله و رحل لرحلته، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلّم [الرفيق].
[سورة الفجر (89): آية 2]
وَ لَيالٍ عَشْرٍ (2)
عشر الحج أيام ترك زينة، و لهذا شرع للمحرم ترك الزينة، و شرع لمن أراد أن يضحي إذا أهل هلال ذي الحجة أن لا يقص ظفرا و لا يأخذ من شعره.
[سورة الفجر (89): آية 3]
وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ (3)
[ «وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ» الآية:]
لا بد من رب و عبد، فقد ثبت الجمع و تعين الشفع، فالشفعية حقيقة العبد، إذ العبادة تناقض التوحيد، فإنها تطلب عابدا و معبودا، و العابد لا يكون المعبود، فإن الشيء لا يذل لنفسه، و الوترية لا تنبغي إلا للّه من حيث ذاته، و توحيد مرتبته أي مرتبة الإله لا تنبغي إلا للّه من غير مشاركة، فأبرز العالم في الشفعية لينفرد سبحانه بالوترية،
فيصح الاسم الواحد الفرد، و يتميز السيد من العبد، و العبودية عبوديتان: عبودية اضطرار و يظهر ذلك في أداء الفرائض، و عبودية اختيار و يظهر ذلك في النوافل، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [إن اللّه وتر يحب الوتر] و أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بواحدة و بثلاث و بالخمس و بالسبع و بالتسع و بإحدى عشرة، و كل فرد وتر بالغا ما بلغ، و كل مشفع وترا أحد، و كل موتر شفعا وتر و فرد و أحد، و يسمى وترا لأنه طالب ثأر من الأحد الذي شفع فرديته،
فإن الحكم للأحد في شفع الفرد، ليس للفرد و لا للوتر، فلما انفرد به الأحد طلب الفرد ثأره من الأحد بالوتر، فإن الوتر في اللسان العربي بلحنهم هو الذّحل، و هو طلب الثأر، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم في الذي تفوته صلاة العصر في الجماعة [كأنما وتر أهله و ماله] كأن صلاة الجماعة في العصر طلبت ثأرها من المصلي فذا مع تمكنه من الجماعة، و إذا أوتر بواحدة سميت البتيرا، لأن من شأن الوتر على حكم الأصل أن يتقدمه الشفع، فإذا أوتر بواحدة لم يتقدمها شفع فكانت البتيرا على التصغير، و الأبتر هو الذي لا عقب له،
و هذه البتيرا ما هي بتيرا لكونها لا عقب لها، و إنما هي بتيرا لكونها ليست بمنتجة و لا نتجت، فإذا تقدمها الشفع لم تكن بتيرا لأنها ما ظهرت إلا عن شفع، و لهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا يسلم من شفعه إلا في وتر ذلك الشفع، فيصله بالشفع ليعلم أنه منه، هذا كله ليتميز من الأحد فإن الأحد لا يدخله اشتراك و لا يكون نتيجة عن شفع أصلا، و إن كان عن شفع فليس بواحد، و إنما هو ثلاثة أو خمسة فما فوق ذلك، و تقول في سادس الخمسة أنه واحد لأنه ليس بسادس ستة، فقد تميز عن الشفع بما هو منفصل، و ليس إلا الأحد، بخلاف الفرد و الوتر، فإنه لما كانت الثلاثة أول الأفراد من العدد إلى ما لا يتناهى، و الشفعية المعبر عنها بالاثنين أول لأزواج إلى ما لا يتناهى في العدد، فما من شفع إلا و يوتره واحد، يكون بذلك فردية ذلك الشفع، و ما من فرد إلا و يشفعه واحد،
يكون به شفعية ذلك الفرد، فالأمر الذي يشفع الفرد و يفرد الشفع هو الغني الذي له الحكم و لا يحكم عليه، و لا يفتقر و يفتقر إليه، فأحدية الحق اتصفت بالوتر لطلب الثأر من الأحدية للواحد الذي أظهر الاثنين بوجوده، فما زاد إلى ما لا يتناهى، فلما أزال بهذا الظهور حكم الأحدية، فصارت أحدية الحق تطلب ثأر الأحدية المزالة التي أذهب عينها هذا الواحد، الذي بوجوده ظهرت الكثرة، و تطلب الوحدانية، فتسمى بالوتر لهذا الطلب، و لكن لما كانت الأحدية لم تذهب، بل الذي أعطاه الواحد هو ما يقتضيه حقيقة ذاته، و هي أحدية الاثنين و أحدية الثلاثة و الأربعة، بالغا ما بلغ العدد، و ذلك لتستدل أعيان الأعداد بأحديتها تلك على أحدية الحق، فما سعى الواحد إلا في حق الأحدية و من أجلها، فإن الأعداد ما ظهرت في الكون إلا من حكم الأسماء الإلهية، فإنها كثرة، و مع كثرتها فالأحدية لها متحققة، فأراد الواحد أن لا يجهل أعيان الأعداد أحدية الأسماء، حتى لا تتوهم الكثرة في جناب اللّه،
فأعطى في كل عدد أحدية ذلك العدد، غيرة من وجود الكثرة المذهبة لعين الأحدية و الوحدة، فقبل الاسم الوتر عذر الاسم الواحد، و علم أنه متخلق في ذلك بأخلاق أحدية الحق في إقامة أحدية الأسماء الكثيرة، و مشى عليه اسم الوتر للغيرة، فإن اللّه يحب الوتر، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [إن للّه تسعة و تسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، فإنّ اللّه وتر يحبّ الوتر] فأوتر التسعة و التسعين و استثنى الواحد من المائة، و لم يقل: مائة إلا وترا أو فردا، لأن الاشتراك في الفردية و الوترية، و ليس في الأحدية اشتراك، فقوة الأحد ليست لسواه، و أحدية الكثرة أبدا إنما هي فرد أو وتر، لا يصح أن تكون واحدا، و سواء كانت الكثرة شفعا أو وترا، و إنما أحب اللّه الوتر لأنه طلب الثأر، و الحقّ سبحانه قد نوزع في أحديته بالألوهية، فلمّا نوزع في ألوهيته جاء بالوتر، أي بطالب الثأر، ليفني المنازع و يفرد الحق بالأحدية، أحدية الذات، لا أحدية الكثرة التي هي أحدية الأسماء، فإن أحدية الأسماء شفع الواحد، لأن اللّه كان من حيث ذاته و لا شيء معه، فما شفع أحديته إلا أحدية الخلق، فظهر الشفع– لطيفة- غارت الأحدية إذ سمعت الوترية تصحب العبادة و ذلك بصلاة المغرب، فشرعت وتر صلاة الليل لتشفع وتر صلاة النهار، فتأخذ بوتر الليل ثأرها من وتر صلاة النهار.
[سورة الفجر (89): آية 4]
وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4)
[إشارة: تنبيه على سير الواحد في المراتب:]
إشارة: لما كان للوتر حظ كثير في المبدأ لكن ليس هو كالواحد، فإن الواحد هو أصله، لهذا قرن معه الشفع دون غيره فقال عز من قال «وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ» فأقسم بهما، و لم يكن له ذلك السريان، فجاءت الفهوانية بالوحدانية من جهة غيبها لا من جهة عينها، من أجل الوتر أن يقوم بالشفعية، فتعارض الوحدانية في السريان، و ليس له ذلك فقال «وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» فهو تنبيه على سير الواحد في المراتب لإظهار الأعداد، و كنى عنه بالليل لطموس عين الوحدانية في الأعداد من جهة الظاهر، إلا من كل مبدأ، فإنها تظهر بذاتها، فإنك لا تقول بعد الواحد واحد أبدا،
و إنما تقول اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، كذلك إلى عشرة، و أشبهت بسائط العدد التي هي اثنى عشر، لفظة الواحد من كونها تظهر في المراتب، ظهور الواحد فيها، فهي نائبة عنه من حيث الاسم لا من حيث المعنى، و هي واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة، عشرة، مائة، ألف، و ما ثم أكثر، فإن الحكم إنما هو للاثني عشر الذي قد ربط اللّه الوجود بها، فالواحد سار في جميع الأشياء كما ذكرنا، فصار لا يظهر في الأعداد إلا هذه الاثنا عشر، فنقول واحد و عشرون، اثنان و ثلاثون، ثلاثة و أربعون، أربعة آلاف، خمسة عشر ألفا، مائة ألف.
[سورة الفجر (89): الآيات 5 الى 14]
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9)
وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14)
يعني على الجسور المضروبة على الصراط على جهنم، و هي أدق من الشعر و أحد من السيف، و هناك ملائكة يرصدون الخلق عليها، ليسأل الحق العبد- راجع البقرة آية- 210-.
[سورة الفجر (89): آية 15]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)
و هو الحيوان الذي في صورة الإنسان، فإنه تعالى أردف قائلا:
[سورة الفجر (89): الآيات 16 الى 17]
وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)
من يمسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة، و ليس ذلك لغير اليتيم لعدم الناصر الظاهر.
[سورة الفجر (89): آية 18]
وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18)
المسكين قد بالغ اللّه فيه بالضعف، فهو صاحب ضعفين: ضعف الأصل و ضعف الفقر، و هو من سكن تحت مجاري الأقدار، و نظر إلى ما يأتي به حكم اللّه في الليل و النهار، و اطمأن بما أجرى اللّه به و عليه، و علم أنه لا ملجأ من اللّه إلا إليه، و أنه الفعال لما يريد،و تحقق بأن قسمه من اللّه ما هو عليه في الحال، فجبر اللّه كسره بقوله [أنا عند المنكسرة قلوبهم].
[سورة الفجر (89): الآيات 19 الى 20]
وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19) وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20)
إنما سمي المال مالا لأنه يميل بالنفوس إليه، و إنما مالت النفوس إليه لما جعل اللّه عنده من قضاء الحاجات به، و جبل الإنسان على الحاجة لأنه فقير بالذات، فمال إليه بالطبع الذي لا ينفك عنه.
[سورة الفجر (89): آية 21]
كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21)
لتجلي الحق، إذا كانت كالعهن المنفوش، فإن الجبال و هي لا تعرف التواضع ظهرت ابتداء بصورة القهر، حيث سكنت ميد الأرض، و يتجلى الحق يوم القيامة فتصير الجبال دكا دكا، فتمد الأرض بمزيد امتداد الجبال و تصيرها أرضا، فما كان منها في العلو في الجو إذا انبسط زاد في بسط الأرض.
[سورة الفجر (89): آية 22]
وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)
و هو إتيان عام للاسم الرب للفصل و القضاء، لأن هناك إتيان خاص بالرحمة لمن اعتنى به من عباده، مثل قوله صلّى اللّه عليه و سلّم [إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن] و هذا الإتيان يوم القيامة للفصل و القضاء بين الناس، فمن الناس من يقضى له بما فيه سعادته، و من الناس من يقضى له بما فيه شقاوته.
[سورة الفجر (89): آية 23]
وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23)
«وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» و ما وصفها الحق بالمجيء من ذاتها، فقال «وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» يعني يوم القيامة، و إنما امتنعت من الإتيان حتى جيء بها، لما علمت بما هي عليه و بما فيها من أسباب الانتقام بالعصاة من المؤمنين، و ما وقعت عينها إلا على مسبح للّه بحمده،و فيها رحمة اللّه لكونها دخلت في الأشياء، قال اللّه تعالى (وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) فمنعتها الرحمة القائمة بها من الإتيان، و أشهدتها تسبيح الخلائق و طاعتهم للّه، فجيء بها ليعلم من لا يدخلها ما أنعم اللّه عليه به بعصمته منها، و يعلم من يدخلها أنه بالاستحقاق يدخلها، فتجذبه بالخاصية إليها جذب المغناطيس الحديد، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم [إنه آخذ بحجز طائفة من النار و هم يقتحمون فيها تقحم الفراش].
[سورة الفجر (89): آية 24]
يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24)
فإن الكافر الجاهل يكشف له الغطاء و تتبين له الأمور الواقعة في الدنيا ما أثمرت هنالك، فيقول «يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي» لعلمه أنه كان متمكنا من ذلك فلم يفعل، فعذابه ندمه، و ما غبن فيه نفسه أشد عليه من أسباب العذاب من خارج، و هذا هو العذاب الأكبر.
[سورة الفجر (89): الآيات 25 الى 28]
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)
النفس المطمئنة إذا رجعت راضية فهي النفس العالمة، لأنها إن لم ترجع راضية من ذاتها رجعت كرها و أجبرت على الرجوع. و اعلم أن الرضا و التسليم نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل اللّه، فإن كان متعلق الرضا المقضي به. فيحتاج إلى ميزان شرعي، و إن كان متعلق الرضا القضاء، فإن كان القضاء يطلب القهر و يجد الراضي ذلك من نفسه، فيعلم أن فيه نزاعا خفيا، فيبحث عنه حتى يزيله،
و إن لم ير أن ذلك القضاء يطلب القهر، فيعلم أنه الرضا الخالص الجبلي، لأن الرضا من راض يروض، و منه الرياضة، و رضت الدابة و هو الإذلال، و لا يوصف به إلا الجموح، و الجموح نزاع، إنما يراض المهر الصغير لجموحه و جهله بما خلق له، فإنه خلق للتسخير و الركوب و الحمل عليه، و المهر يأبى ذلك فإنه ما يعلمه، فيراض حتى ينقاد في أعنة الحكم الإلهي، و كذلك رياضة النفوس، لو لا ما فيها من الجموع لما راضها صاحبها، فإذا خلقت مرتاضة بالأصالة فكان ينبغي أن لا يطلق عليها اسم راضية بل هي مرضية، و إنما النفوس الإنسانية لما خلقها اللّه على الصورة الإلهية شمخت على جميع العالم ممن ليست له هذه الحقيقة، و انحجبت عن الحقائق الإلهية التي تستند إليها حقائق العالم حقيقة حقيقة، فاكتسبت الرياضة لأجل هذا الشموخ، فذلت تحت سلطانه و حمدت على ذلك، و كذلك التسليم لم يصح إلا مع التمكن من الجموح، فالنفس الراضية هي النفس العالمة المرضية عند اللّه، فدخلت في عباده فقيل لها.
[سورة الفجر (89): آية 29]
فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29)
فلم تنسب و لا انتمت إلى غيره، ممن اتخذ إلهه هواه.
[سورة الفجر (89): آية 30]
وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (30)
و دخلت في جنته أي في كنفه و ستره
[إشارة و اعتبار لا تفسير- «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ»:]
– إشارة و اعتبار لا تفسير- «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ» إن اللّه سبحانه لما أوجد الروح خليفة على مملكة البدن، و أوجده على الكمال، أراد أن يعرفه سبحانه مع ذلك أنه فقير، و لا حول و لا قوة إلا لسيده الرب تعالى، فلهذا أوجد له منازعا ينازعه فيما قلده، فلما رأى الروح أنه ينادي و النفس لا تجيبه، و قد قيل له:
هي ملكك، قال لوزيره: ما السبب المانع لها من إجابتي؟ فقال له العقل: أيها السيد الكريم إن في مقابلتك موجودا قام لها في مقامك، أميرا قويا مطاعا، صعب المرتقى عزيز المنال، يقال له الهوى، أعطيته معجلة مشهودة، كثير الرجل و الخول، قوي العدد و العدد، أرسل وزيره و اسمه شهوة إليها، فبسط لها حضرته و عجّل لها أمنيتها في أدنى زمان، فأجابت لدعائه و انقادت له، و حصلت تحت قهره، و اتبعها أجنادك و بادية رعيتك، فرجع الروح بالشكوى إلى القديم سبحانه، فثبتت له في نفسه عبوديته بالافتقار و العجز و الذلة، و تحقق التميز و عرف قدره فلما رجع الروح بالشكوى إلى ربه صار سبحانه واسطة بينها و بينه فقال لها:
«يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ» أي سيدك و هو الروح «راضِيَةً مَرْضِيَّةً …» فلما أتاها النداء برفع الوسائط حنت و أنّت، و اشتاقت فأجابت و أنابت بالعناية الإلهية «فَادْخُلِي فِي عِبادِي» يعني عباد الاختصاص، أهل الحضرة «وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» يريد المكاره التي هي نعم الخليفة.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 496