تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الأنعام

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الأنعام

سورة الأنعام‏

[1]

[سورة الأنعام (6): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ ظهور الكمالات، و صفات الجمال و الجلال على مظاهر تفاصيل الموجودات بأسرها الذي هو كمال الكل. و الحمد المطلق مخصوص بالذات الإلهية الجامعة لجميع صفاتها و أسمائها باعتبار البداية الذي أوجد سموات عالم الأرواح و أرض عالم الجسم و أنشأ في عالم الجسم ظلمات مراتبه التي هي حجب ظلمانية لذاته و في عالم الأرواح نور العلم و الإدراك‏ ثُمَ‏ أي: بعد ظهور هذه الآيات‏ الَّذِينَ كَفَرُوا حجبوا مطلقا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏ غيره يثبتون موجودا يساويه في الوجود هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ‏ المادة الهيولانية ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا مطلقا غير معين بوقت و هيئة، لأن أحكام القضاء الثابت الذي هو أمّ الكتاب كلية منزّهة عن الزمان، متعالية عن المشخصات إذ محلها الروح الأولى المقدّس عن التعلق بالمحل، فهو الأجل الذي يقتضيه الاستعداد طبعا بحسب هويته المسمّى أجلا طبيعيا بالنظر إلى نفس ذلك المزاج الخاص و التركيب المخصوص بلا اعتبار عارض من العوارض الزمانية وَ أَجَلٌ مُسَمًّى‏ معين‏ عِنْدَهُ‏ هو الأجل المقدّر الزماني الذي يجب وقوعه عند اجتماع الشرائط و ارتفاع الموانع المثبت في كتاب النفس الفلكية التي هي لوح القدر المقارن لوقت معين ملازما له، كما قال تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ*[1]. ثُمَّ أَنْتُمْ‏ بعد ما علمتم قدرته على إبدائكم و إفنائكم و إحاطة علمه بكم تشكون فيه و في قدرته، فتثبتون لغيره تأثيرا و قدرة.

 

 

 

[2- 8]

[سورة الأنعام (6): الآيات 2 الى 8]

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3) وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8)

وَ هُوَ اللَّهُ‏ في صورة الكل سواء ألوهيته بالنسبة إلى العالم العلويّ و السفليّ‏ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ‏ في عالم الأرواح الذي هو عالم الغيب‏ وَ جَهْرَكُمْ‏ في عالم الأجسام الذي هو عالم الشهادة وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ‏ فيهما من العلوم و العقائد و الأحوال و الحركات و السكنات و الأعمال صحيحها و فاسدها، صوابها و خطأها، خيرها و شرّها، فيجازيكم بحسبها.

 

 

 

[9- 17]

[سورة الأنعام (6): الآيات 9 الى 17]

وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (17)

وَ لَوْ جَعَلْناهُ‏ الرسول‏ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي: لجسدناه لأن الملك نور غير مرئيّ بالبصر و هم ظاهريون لا يدركون إلا ما كان محسوسا و كل محسوس فهو جسم أو جسماني و لا صورة تناسب الملك الذي ينطبق بالحق حتى يتجسد فيها إلا الصورة الإنسانية، إما لكونه نفسا ناطقة تقتضي هذه الصورة و إما لوجوب وجود الجنسية التي لو لم تكن لما أمكنهم السماع منه و أخذ القول‏ كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي: ألزم ذاته من حيث هي إفاضة الخير و الكمال بحسب استعداد القوابل فما من مستحق لرحمة وجود أو كمال إلا أعطاه عند حصول استحقاقه لها.

لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ الصغرى و الإعادة أو الكبرى في عين الجمع المطلق‏ لا رَيْبَ فِيهِ‏ في كل واحد من الجمعين في نفس الأمر عند التحقيق، و إن لم يشعر به المحجوبون و هم‏ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏ بإهلاكها في الشهوات و اللذّات الفانية و محبة ما يفنى سريعا من حطام الدنيا، و كل محبّ لشي‏ء فهو محشور فيه. فهؤلاء لمحبتهم إياها و احتجابهم بها عموا عن الحقائق الباقية النورانية و استبدلوا بها المحسوسات الفانية الظلمانية فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ‏ قال ذلك مع قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً[2]، و كذلك قال موسى:

سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏[3] لأنّ مراتب الأرواح مختلفة في القرب و البعد من الهوية الإلهية. و كل من كان أبعد فإيمانه بواسطة من تقدّمه في الرتبة، و أهل الوحدة كلهم في المرتبة الإلهية أهل الصف الأول فكان إيمانهم بلا واسطة و إيمان غيرهم بواسطتهم الأقدم فالأقدم، و كل من كان إيمانه بلا واسطة فهو أول من آمن و إن كان متأخر الوجود بحسب الزمان كما قال النبي عليه الصلاة و السلام: «نحن الآخرون السابقون».

فلا يقدح اتباعه لملّة إبراهيم في سابقيته لأن معنى الاتباع هو السير في طريق التوحيد مثل سيره في الزمان الأول. و معنى أوليته كونه في الصف الأول مع السابقين.

 

 

 

[18- 21]

[سورة الأنعام (6): الآيات 18 الى 21]

وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى‏ قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ إِنَّنِي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)

وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ‏ بإفنائهم ذاتا و صفة و فعلا بذاته و صفاته و أفعاله، فيكون قهره عين لطفه كما لطف بهم بإيجادهم و تمكينهم و إقدارهم على أنواع التمتعات و هيأ لهم ما أرادوا من أنواع النعم و المشتهيات فحجبوا بها عنه و ذلك عين قهره. فسبحان الذي اتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته و اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة رحمته‏ وَ هُوَ الْحَكِيمُ‏ يفعل ما يفعل من القهر الظاهر المتضمن للطف الواسع أو اللطف الظاهر المتضمن للقهر الكامل بالحكمة الْخَبِيرُ الذي يطلع على خفايا أحوالهم و استحقاقها للطف و القهر وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً بإثبات وجود غيره‏ أَوْ كَذَّبَ‏ بصفاته بإظهار صفات نفسه، فأشرك به.

و غاية الظلم الشرك باللّه‏ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏ لاحتجابهم بما وضعوه في موضع ذات اللّه و صفاته.

 

 

 

[22- 23]

[سورة الأنعام (6): الآيات 22 الى 23]

وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)

وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً في عين جمع الذات‏ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا بإثبات الغير أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ لفناء الكل في التجلي الذاتي‏ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ‏ عند تجلية الحال و بروز الكل للملك القهّار نهاية شركهم و عاقبته‏ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏ لامتناع وجود شي‏ء نشركه باللّه.

 

 

 

 

[24- 26]

[سورة الأنعام (6): الآيات 24 الى 26]

انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (26)

انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ بافتراء الوجود و الصفات لها وضاع‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ فلم يجدوه شيئا بل وجدوه لا شي‏ء سوى المفتري أو كذبوا على أنفسهم بنفي الشرك عنها مع رسوخ ذلك الاعتقاد فيها.

 

 

 

[27- 29]

[سورة الأنعام (6): الآيات 27 الى 29]

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) وَ قالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلَى‏ نار الحرمان و التعذّب بهيئات نفوسهم المظلمة و استيلاء صور المفتريات عليهم في العذاب‏ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا من تجليات صفاته‏ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ الموحدين، لكان ما لا يدخل تحت الوصف‏ بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ‏ من العقائد الفاسدة و الصفات المهلكة و الهيآت المظلمة ببروزهم للّه و انقلاب باطنهم ظاهرا، فتعذبوا به‏ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏ لرسوخ تلك الاعتقادات و الملكات فيهم‏ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ في الدنيا و الآخرة لكون الكذب ملكة راسخة فيهم.

 

 

 

 

[30]

[سورة الأنعام (6): آية 30]

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى‏ وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ‏ في القيامة الكبرى و هو تصوير لحالهم في الاحتجاب و البعد و إلا لم يكن ثم قول و لا جواب، لحرمانهم عن الحضور و الشهود، و إن كانوا في عين الجمع المطلق.

و اعلم أن الوقف على الشي‏ء غير الوقوف معه، فإن الوقوف مع الشي‏ء يكون طوعا و رغبة، و الوقف على الشي‏ء لا يكون إلا كرها و نفرة، فمن وقف مع اللّه بالتوحيد كمن قال:

وقف الهوى من حيث أنت فليس‏ لي متأخر عنه و لا متقدّم‏

لا يوقف للحساب، بل هو من أهل الفوز الأكبر الذين قال فيهم: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏[4]، ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ[5]

و يثاب بأنواع النعيم في الجنان كلها. و من وقف مع الغير بالشرك وقف على الربّ و عذب بجميع أنواع العذاب في مراتب النيران كلها، لكون حجابه أغلظ و كفره أعظم. و من وقف مع الناسوت بمحبة اللّذات و الشهوات، و لبث في حجاب الآثار وقف على الملكوت و عذّب بنيران الحرمان عن المراد، و سلّط عليه زبانية الهيآت المظلمة، و قرن بشياطين الأهواء المردية. و من وقف مع الأفعال و خرج عن حجاب الآثار، وقف على الجبروت، و عذّب بنار الطمع و الرجاء، و ردّ إلى مقام الملكوت.

و من وقف مع الصفات و خرج عن حجاب الأفعال، وقف على الذات، و عذّب بنار الشوق في الهجران و إن كان من أهل الرضا و هذا الموقف ليس هو الموقف على الربّ، فإن الموقوف على الذات يعرف ربّه الموصوف بصفات اللطف كالرحيم، و الرؤوف، و الكريم، دون الموقوف على الربّ فهو حجاب الإنية كما أنّ الواقف مع الأفعال في حجاب أوصافه، و الواقف مع الناسوت في حجاب أفعاله التي هي من جملة الآثار.

فالمشرك موقوف في المواقف الأربعة أولا على الربّ فيحجب بالبعد و الطرد، كما قال: اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ‏[6]، و قال: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ‏[7]، ثم على الجبروت فيطرد بالسخط و القهر كما قال: وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ‏[8]، ثم على الملكوت فيزجر بالغضب و اللعن كما قيل: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ*[9] ثم على النار، فيعذب بأنواع النيران أبدا، كما قال على لسان مالك: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ‏[10]، فيكون وقفه على النار متأخرا عن وقفه على الربّ، معلولا منه، كما قال: ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ‏[11]. و أما الواقف مع الناسوت فيقف للحساب على الملكوت ثم على النار، و قد ينحى لعدم السخط و قد لا ينحى لوجوده. و الواقف مع الأفعال لا يوقف على النار أصلا، بل يحاسب و يدخل الجنة. و أما الواقف مع الصفات فهو من الذين: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ*[12] و اللّه أعلم بحقائق الأمور.

 

 

 

[31- 32]

[سورة الأنعام (6): الآيات 31 الى 32]

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى‏ ما فَرَّطْنا فِيها وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31) وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (32)

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ‏ المحجوبون المكذبون بلقاء الحق‏ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ‏ القيامة الصغرى ندموا على تفريطهم فيها وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ‏ من أعباء التعلقات، و أفعال محبة الجسمانيات، و وبال السيئات، و آثام هيآت الحسيّات‏ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ‏ أي: ارتكبتهم و استولت عليهم للرسوخ في نفوسهم فحجبتهم و عذّبتهم و ثبطتهم عما أرادوا وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي: الحياة الحسيّة، لأن المحسوس أدنى إلى الخلق من المعقول‏ إِلَّا لَعِبٌ‏ أي:

إلا شي‏ء لا أصل له و لا حقيقة سريع الفناء و الانقضاء وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ أي: عالم الروحانيات‏ خَيْرٌ لِلَّذِينَ‏ يتجرّدون عن ملابس الصفات البشرية و اللذات البدنية أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ حتى تختاروا الأشرف الأطيب على الأخس الأدون الفاني.

 

 

 

[33- 37]

[سورة الأنعام (6): الآيات 33 الى 37]

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتى‏ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37)

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ‏ عتاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بظهور نفسه بصفة الحزن‏ لا يُكَذِّبُونَكَ‏ إلى آخره، أي: ليس إنكارهم تكذيبك لأنك لست في هذه الدعوة قائما بنفسك و لا هذا الكلام صفة لك، بل تدعوهم باللّه و صفاته و هذه عادة قديمة وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا باللّه، سلّاه باللّه بعد ما عاتبه لئلا يبقى في التلوين و لا يتأسف بعد ذهابه عليه فيقع في القبض بل يطمئن قلبه، و لهذا عقبه بقوله: وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ‏ أي: صفات اللّه التي يتجلى بها لعباده و لا تتغير و لا تتبدّل بإنكار المنكرين و لا يمكنهم تبديلها. و نفى عنه القدرة و عجزه بقوله: وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ‏ إلى آخره، لئلا تظهر نفسه بصفاتها فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ الذين لا يطلعون على حكمة تفاوت الاستعدادات، فتتأسف على احتجاب من احتجب. فإن المشيئة الإلهية اقتضت هداية بعض و حرمان بعض لحكمة ترتب النظام و ظهور الكمالات الظاهرة و الباطنة، فلا يستجيب إلا من فتح اللّه سمع قلبه بالهداية الأصلية و وهب له الحياة الحقيقية بصفات الاستعداد و نور الفطرة، لا موتى الجهل الذين ماتت غريزتهم بالجهل المركب أو بالحجب الجبلية، أو لم يكن لهم استعداد بحسب الفطرة فإنهم لا يمكنهم السماع، بل: يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ‏ بالإعادة في النشأة الثانية ثُمَّ إِلَيْهِ‏ يُرْجَعُونَ‏ في عين الجمع المطلق للجزاء أو المكافأة مع احتجابهم. و قد يمكن رفع الحجب في الآخرة للفريق الثاني دون الباقين‏ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ نزول الآيات، فإن ظهور كل صفة من صفاته على كل مظهر من مظاهر الأكوان آية له يعرفه بها أهل العلم.

 

 

 

[38]

[سورة الأنعام (6): آية 38]

وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ‏ إلى آخره، يمكن حمله على المسخ أي: أمم أمثالكم في الاحتجاب و الاعتداء و ارتكاب الرذائل كأصحاب السبت الذين مسخوا قردة و خنازير ما فَرَّطْنا ما قصرنا في كتابهم الذي فيه صور أعمالهم و هو صحيفة النفس الفلكية أو صحيفة نيتهم التي ثبتت فيها صور أعمالهم‏ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ‏ للجزاء، محجوبين في عين الجمع المطلق. و الظاهر أن المراد أنهم أمم أمثالكم مربوبون بما احتاجوا إليه من معايشهم، مكفيون مؤنتهم بتقدير من اللّه و حكمه. ما قصرنا في كتاب اللوح المحفوظ من شي‏ء يصلحهم بل أثبتنا فيه أرزاقهم و آجالهم و أعمالهم و كل ما احتاجوا إليه، ثم إلى ربّهم يحشرون لجزاء أعمالهم كما هو مروي في الحديث من حشر الوحوش، و قصاص الأعمال بينهم، و كل واحدة منها آية لكم تعرف بها أحوالكم و أرزاقكم و آجالكم و أعمالكم، فاعتبروا بها و لا تصرفوا هممكم و مساعيكم في طلب الرزق و إصلاح الحياة الدنيا فتخسروا أنفسكم و تضرّوها و تشقوا بها في آخرتكم.

 

 

 

[39- 50]

[سورة الأنعام (6): الآيات 39 الى 50]

وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43)فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى‏ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ (50)

وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بتجليات صفاتنا لاحتجابهم بغواشي صفات نفوسهم‏ صُمٌ‏ بآذان القلوب فلا يسمعون كلام الحق‏ وَ بُكْمٌ‏ بألسنتها التي هي العقول فلا ينطقون بالحق في ظلمات صفات نفوسهم و جلابيب أبدانهم و غشاوات طبائعهم كالدواب، فكيف يصدّقونك و ما هداهم اللّه لذلك بالتوفيق‏ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ‏ بإسبال حجب جلاله‏ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ بإشراق نور وجهه و سبحات جماله‏ قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ‏ إلى آخره، أي: كل مشرك عند وقوعه في العذاب أو عند حضور الموت إن فسرنا الساعة بالقيامة الصغرى أو رفع الحجاب بالهداية الحقانية إلى التوحيد الحقيقي، إن فسرناها بالقيامة الكبرى يتبرّأ عن حول من أشركه باللّه و قوته و يتحقق أن لا حول و لا قوة إلا باللّه و لا يدعو إلا اللّه، و ينسى كل من تمسك به و أشركه باللّه من الوسائل، و لهذا قيل: البلاء سوط من سياط اللّه، يسوق عباده. أما ترى كيف عقب كلامه بمقارنة الأخذ بالبأساء و الضرّاء بإرسال الرسل.

لعل تضاعف أسباب اللطف، كقود الأنبياء و سوق العذاب، يزعجهم عن مقارّ نفوسهم و يكسر سورتها و شدّة شكيمتها، فيطيعوا و يبرزوا من الحجاب و ينقادوا متضرّعين عند تجلي صفة القهر و تأثيرها فيهم، ثم بيّن أنهم ما تضرّعوا لقساوة قلوبهم بكثافة الحجاب و غلبة غشّ الهوى و حب الدنيا و ميل اللذات الجسمانية.

 

 

 

 

[51]

[سورة الأنعام (6): آية 51]

وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)

وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ‏ أي: أنذر بما أوحى إليك المستعدّين الذين هم أهل الخوف و الرجاء، و أعرض عن الذين قست قلوبهم فإنه لا ينجع فيهم كما قال في أوّل الكتاب:

هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏[13]. أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ‏ أي: يعلمون بصفاء استعدادهم أنه لا بد من الرجوع إلى اللّه، فيخافون أن يحشروا إليه في حال كونهم محجوبين عنه بحجب صفاتهم و أفعالهم لا وليّ ينصرهم غير اللّه فينقذهم من ذلّة البعد و عذاب الحرمان، و لا شفيع يشفع لهم فيقرّبهم منه، و يكرمهم لفناء الذوات و القدر كلها في اللّه، و قهره إياهم، كما قال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16)[14]، فيتعظون بسماعهم له و يحدث فيهم الرجاء فيشمرون في السلوك بالجدّ و الاجتهاد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏ لكي يحذروا حجب أفعالهم و صفاتهم و ذواتهم، و يتجرّدوا عنها بالمحو و الفناء في اللّه، و يتجه أن يكون الوليّ القلب، و الشفيع الروح، أي: لم يصلوا إلى مقام القلب الذي هو وليّ النفس فينقذها من العذاب و ينصرها من الحرمان، و لا إلى مقام الروح فتشفع لهم بإمداد مدد القرب لها و استمدادها من اللّه و تتوسل بينهم و بين اللّه.

 

 

 

[52- 53]

[سورة الأنعام (6): الآيات 52 الى 53]

وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ‏ أي: لا تزجرهم به، و هم أهل الوحدة الكاملون الواصلون، فإن الإنذار كما لا ينجع في الذين قست قلوبهم لا ينفع في الذين طاشت قلوبهم في اللّه و تلاشت‏ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ‏ أي: يخصونه بالعبادة دائما بحضور القلب و شهود الروح و توجه السرّ إليه، لا يريدون بالعبادة إلا ذاته بالمحبة الأزلية لا يجعلون عبادتهم معللة بغرض من توقع ثواب جنة أو خوف عقاب أو نقمة، و لا يريدونه بمحبة الصفات فتتغير إرادتهم باختلاف تجلياتها و لا يستحلون توسيط ذاته في مقصد أو مطلب بل شاهدوا فناء الوسائط و الوسائل فيه و لم يبق في شهودهم شي‏ء يقع نظرهم عليه حتى ذواتهم‏ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ‏ فيما يعملون من شي‏ء، أي: لا واسطة بينهم و بين ربّهم من ملك أو نبيّ فلست من دعوتهم إلى طاعة أو إلى جهاد أو إلى غير ذلك في شي‏ء، فحسابهم على اللّه إذ عملهم ليس إلا باللّه و في اللّه‏ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي: لا يخوضون في أمور دعوتك بنصر و إعانة للإسلام و لا بدفع و قمع للكفر لاشتغالهم باللّه عما سواه و دوام حضورهم كما قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23)[15] لا يعنيهم شأن من أمرك و نبوّتك‏ فَتَطْرُدَهُمْ‏ عما هم عليه من دوام الحضور بإنهاضهم لشغل ديني أو مصلحة أو تشوّش وقتهم و جمعيتهم‏ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ*

وَ كَذلِكَ فَتَنَّا أي: مثل ذلك الفتن و الابتلاء العظيم فتنّا بَعْضَهُمْ‏ و هم المحجوبون بالبعض، فإن المحجوبين لما لم يروا منهم إلا صورتهم و سوء حالهم في الظاهر و فقرهم و مسكنتهم، و لم يروا قدرهم و مرتبتهم و حسن حالهم في الباطن، استحقروهم و ازدرتهم أعينهم بالنسبة إلى ما هم فيه من المال و الجاه و التنعم و خفض العيش فقالوا فيهم:أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا بالهداية استخفافا و هم و اللّه الأطيبون عيشا، الأرفعون حالا و منزلا، الأعظمون قدرا و رتبة عند اللّه و عند من يعرفهم كما قال نوح عليه السلام:وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً[16] بل الخير كل الخير ما آتاهم اللّه‏ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ‏ الذين يشكرونه بالحقيقة باستعمال نعمة وجودهم و صفاتهم و جوارحهم و ما يقوم به من أرزاقهم و معايشهم في طاعة اللّه فشكروه بإزاء النعمة الخارجية بالعبادة و تصوّرها من المنعم و صرفها في مراضي اللّه، و بإزاء نعمة الجوارح باستعمالها في عبادته و سلوك طريقه و تحصيل معرفته و معرفة صفاته،

و بإزاء نعمة الصفات بمحوها في اللّه و الاعتراف بالعجز عن معرفته و شكره و عبادته، و بإزاء نعمة الوجود بالفناء في عين الشهود حتى شكر اللّه سعيهم بالوجود الموهوب الحقاني، و علمهم أنه الشاكر المشكور لنفسه بنفسه، لا يقدر على شكره أحد إلا هو، فقالوا: سبحانك ما عرفناك حق معرفتك، سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، و ذلك هو علمه بشكرهم و جزاؤه منه.

 

 

 

[54]

[سورة الأنعام (6): آية 54]

وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)

وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا بمحو صفاتهم‏ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ لتنزهكم عن عيوب صفاتكم و تجرّدكم عن ملابسها كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ألزم ذاته إبدال صفاتكم بصفاته رحمة لكم، لأن في اللّه خلفا عن كل ما فات‏ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ أي: ظهر عليه في تلوينه صفة من صفاته بغيبة و غفلة، ثم رجع عن تلوينه من بعد ظهور تلك الصفة وفاء إلى الحضور فعرفها و قمعها بالإنابة إلى اللّه و التضرّع بين يديه و الرياضة فَأَنَّهُ غَفُورٌ يسترها عنه‏ رَحِيمٌ‏ يرحمه بهبة التمكين و نعمة الاستقامة.

 

 

 

[55]

[سورة الأنعام (6): الآيات 55 الى 57]

وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57)

وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ‏ أي: مثل ذلك التبيين الذي بيّنا لهؤلاء المؤمنين نبين لك صفاتنا وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ‏ المحجوبين بصفاتهم الذين يفعلون ما يفعلون بها و ذلك إجرامهم.

 

 

 

[58]

[سورة الأنعام (6): آية 58]

قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ما سوى اللّه من الذين تعبدون بهواكم من مال أو نفس أو شهوة أو لذة بدنية أو غير ذلك، فلا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ‏ بعبادتها فأضل إذا باحتجابي بها فلا أهتدي إلى التوحيد و معنى الماضي أنه تحقق ضلالي على هذا التقدير و ما أنا من الهدى في شي‏ء.

 

 

 

[59]

[سورة الأنعام (6): آية 59]

وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59)

وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ‏ إلى آخره، اعلم أن الغيب مراتب أوّلها غيب الغيوب و هو علم اللّه المسمّى بالعناية الأولى، ثم غيب عالم الأرواح و هو انتقاش صورة كل ما وجد و سيوجد من الأزل و الأبد في العالم الأول العقلي الذي هو روح العالم المسمّى بأمّ الكتاب على وجه كلي، و هو القضاء السابق. ثم غيب عالم القلوب و هو ذلك الانتقاش بعينه مفصلا تفصيلا علميا كليا و جزئيا في عالم النفس الكلية التي هي قلب العالم المسمى باللوح المحفوظ ثم غيب عالم الخيال و هو انتقاش الكائنات بأسرها في النفوس الجزئية الفلكية المنطبعة في أجرامها معينة مشخصة مقارنة لأوقاتها على ما يقع بعينه، و ذلك العالم هو المعبر عنه في الشرع بالسماء الدنيا إذ هو أقرب مراتب الغيوب إلى عالم الشهادة و لوح القدر الإلهي الذي هو تفصيل قضائه و علم اللّه، و هو العناية الأولى عبارة عن إحاطته بالكل بحضور ذاته لكل هذه العوالم التي هي عين ذاته فيعلمها مع جميع تلك الصور التي فيها بأعيانها لا بصورة زائدة فهي عين علمها و لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات و لا في الأرض فالمفاتح إن كان جمع مفتح بفتح الميم الذي هو المخزن فمعناه عنده هذه الخزائن المشتملة على جميع الغيوب لحضور ذاته لها لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ و إن كان جمع مفتح بكسر الميم بمعنى المفتاح، فمعناه إما ذلك المعنى بعينه يعني أبوابها مغلقة و مفاتيحها بيده لا يطلع على ما فيها أحد غيره. و إما أن أسباب إظهارها و إخراجها من مكانها إلى عالم الشهادة حتى يطلع عليه الخلق بيد قدرته و تصرّفه محفوظة عنده لا يقدر غيره على انتزاعها منه حتى يطلع على ما فيها و هي أسماؤه تعالى، و الكتاب المبين هو السماء الدنيا لتعين هذه الجزئيات فيها مع عددها و تشخصها.

 

 

 

[60]

[سورة الأنعام (6): آية 60]

وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى‏ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ‏ أي: فيما جرحتم من صواب أعمالكم و مكاسبكم للجزاء لِيُقْضى‏ أَجَلٌ‏ عينه للبعث و الإحياء. ثم إلى ربكم ترجعون في عين الجمع المطلق فينبئكم بإظهار صور أعمالكم عليكم و جزائكم بها.

 

 

 

[61- 62]

[سورة الأنعام (6): الآيات 61 الى 62]

وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62)

وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ‏ بتصرّفه فيهم كما شاء و إفنائهم في عين الجمع المطلق إذ لا شي‏ء إلا و هو مقهور فيه‏ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً هي قواهم التي ينطبع فيها كل حال بحسب الرسوخ و عدمه، فيظهر عليهم عند انسلاخهم عن البدن فيتمثل بصور تناسبها إما روحانية لطيفة توصل إليها الروح و الثواب، و إما جسمانية مظلمة توصل إليها العذاب بل تظهر تلك الصور على جوارحها و أعضائها فتتشكل بهيئاتها و تنطق عليهم بأعمالها بلسان الحال. و القوى السماوية التي أشرنا إليها و إلى انتقاش جميع الحوادث الجزئية فيها فتظهر عليهم بأسرها عند مفارقتها عن بدنها، لا تغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصتها عليهم و هي بأعيانها الرسل التي توفتهم عند الموت. و الردّ أيضا يكون في عين الجمع المطلق فإنه للجزاء وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ‏ لوقوع حسابهم في آن و هو: توفيهم.

 

 

 

[63- 64]

[سورة الأنعام (6): الآيات 63 الى 64]

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ التي هي حجب الغواشي البدنية و الصفات النفسانية وَ ظلمات‏ الْبَحْرِ التي هي حجب صفات القلوب و فكر العقول‏ تَدْعُونَهُ‏ إلى كشفها تَضَرُّعاً في نفوسكم‏ وَ خُفْيَةً في أسراركم‏ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ‏ الحجب‏ لَنَكُونَنَّ مِنَ‏ الذين شكروا نعمة الإنجاء بالاستقامة و التمكين‏ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها بكشف تلك الحجب بأنوار تجليات صفاته‏ وَ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ‏ أي: ما بقي في استعدادكم بالقوة من كمالاتكم بإبرازها حتى لو كانت بقية من بقايا وجودكم كربا لكم لاستعدادكم للفناء و الخلاص منها بالكلية لقوة الاستعداد و كمال الشوق لأنجاكم منها ثُمَّ أَنْتُمْ‏ بعد علمكم بهذا المقام الشريف و ما ادّخر لكم‏ تُشْرِكُونَ‏ به أنفسكم و أهواءكم فتعبدونها.

 

 

 

[65- 67]

[سورة الأنعام (6): الآيات 65 الى 67]

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ‏ باحتجابكم بالمعقولات و الحجب الروحانيات‏ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏ باحتجابكم بالحجب الطبيعية أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً أو يخلطكم فرقا متفرقة كل فرقة على دين قوة من قواكم هي أمامهم تقابل الفرقة الأخرى فيقع بينكم الهرج و المرج و القتال، أو فرقا مختلفة العقائد كل فرقة على دين دجال أو شيطان إنسيّ أو جنيّ هو إمامهم، أو يجعل أنفسكم شيعا باستيلاء كل قوة من قواكم على القلب بطلب لذتها المخصوصة بها، إحداها تجذبه إلى غضب و الأخرى إلى شهوة أو طمع أو غير ذلك، فيغرق القلب عاجزا فيما بينهم، أسيرا في قبضتهم، كلما همّ بتحصيل لذة هذه منعته الأخرى، و يقع بينهم الهرج و المرج في وجودكم لعدم ارتياضهم بسياسة رئيس واحد قاهر يقهرهم و يسوسهم بأمر وحدانيّ يقيم كلّا منهم في مقامها، مطيعة منقادة فتستقيم مملكة الوجود و يستقرّ الملك على رئيس القلب. و على هذا التأويل يكون كل واحد منهم فرقة أو فرقا متفرقة على أديان شتى لا شخصا واحدا وَ كَذَّبَ بِهِ‏ أي: بهذا العذاب قومك‏ وَ هُوَ الْحَقُ‏ الثابت النازل بهم‏ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ‏ بموكل يحفظكم و يمنعكم من هذا العذاب‏ لِكُلِ‏ ما ينبأ عنه محل وقوع و استقرار وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ حين يكشف عنكم أغطية أبدانكم فيظهر عليكم ألم هذا العذاب بصور ما تقتضيه نفوسكم.

 

 

 

[68]

[سورة الأنعام (6): آية 68]

وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا أي: صفاتنا بإظهار صفات نفوسهم و إثبات العلم و القدرة لها فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏ فإنهم محجوبون مشركون‏ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ‏ بتسويل بعض الأباطيل و الخرافات عليك، و وسوسة نفسك فتظهر ببعض صفاتها و تجانسهم بذلك فتميل إلى صحبتهم‏ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ ما تذكرت بتذكيرنا إياك‏ مَعَ الْقَوْمِ‏ الذين ظلموا أنفسهم بوضع صفاتهم موضع صفاتي و حجبوها بصفاتهم فإن صحبتهم تؤثر فيوشك أن تقع في الاحتجاب بشؤم صحبتهم على سبيل التلوين.

 

 

 

[69]

[سورة الأنعام (6): آية 69]

وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لكِنْ ذِكْرى‏ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)

وَ ما عَلَى‏ الموحدين الذين يتجرّدون عن ملابس صفاتهم و يجتنبون هيآتها من حساب أولئك المحجوبين‏ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي: لا يحتجبون بواسطة مخالطتهم فيكونون معهم سواء و لكن ذكرناهم لعلهم يحترزون عن صحبتهم و ما عسى يقعون فيه من التلوين أو وبالهم و شأنهم و حسابهم حتى يصاحبونهم و لكن فليذكروهم أحيانا بأدنى مخالطة لعلهم يحذرون شركهم و حجبهم فينجون ببركة صحبتهم أو و ما عليهم مما يحاسب به من أعمالهم و وبالها من شي‏ء و لكن فليذكروهم بالزجر و النهي لعلهم يحترزون عنها.

 

 

 

[70]

[سورة الأنعام (6): آية 70]

وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)

وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أي: اترك الذين دينهم و عادتهم الهوى و اللهو لأنهم لا يرفعون بذلك رأسا لرسوخ ذلك الاعتقاد فيهم و اغترارهم بالحياة الحسيّة و أعرض عنهم و أنذر بالقرآن كراهة أن تحجب نفس بكسبها، أي: لا يكون دينها و ديدنها ذلك و لم ترسخ تلك العقيدة فيها لكن ترتكب بالميل الطبيعي أفعالا مثل أفعالهم فتحتجب بسببها فإنها تتأثر به و تتعظ فتنتهي، فأنذرها حتى لا تصير مثلهم فتحبس بعملها عن الهداية و حينئذ لا يقبل منها فدية إذ حجبت بكسبها. و الشراب الحميم هو شدّة شوقها إلى الكمال لقوة استعدادها. و العذاب الأليم حرمانها عنه باحتجابها بأعمالها و هيآتها.

 

 

 

 

[71- 72]

[سورة الأنعام (6): الآيات 71 الى 72]

قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلى‏ أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏ وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ اتَّقُوهُ وَ هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)

قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ أي: أ نعبد ما لا قدرة و لا وجود له حقيقة فينفع أو يضرّ وَ نُرَدُّ إلى الشرك‏ عَلى‏ أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ‏ الهداية الحقيقية إلى التوحيد كَالَّذِي‏ ذهبت به شياطين الوهم و التخيل في مهمة أرض النفس‏ حَيْرانَ‏ لا يدري أين يمشي و ما يصنع بلا طريق و لا مقصد لَهُ أَصْحابٌ‏ رفقاء من الفكر و العاقلة العملية و النظرية يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى‏ يقولون‏ ائْتِنا فإن هذا هو الطريق و لا يسمع لارتتاق سمع قلبه بالهوى‏ قُلْ إِنَ‏ هداية اللّه التي هي طريق التوحيد هُوَ الْهُدى‏ لا غير وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ لننقاد لصفة الربوبية بمحو صفاتنا في المتجلي بها و إسلامها إليه و نقيم صلاة الحضور القلبي و نتقيه و نجعله وقاية لنا في الصفات ليكون هو الموصوف به، فنتخلص به عن وجودنا فيكون هو المحشور إليه بذاته عند فناءنا فيه.

 

 

 

[73]

[سورة الأنعام (6): آية 73]

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ‏ سموات الأرواح و أرض الجسم قائما بالعدل الذي هو مقتضى ذاته‏ وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ‏ أي: وقت السرمدي الذي هو أزل آزال ظهور الأشياء في أزلية ذاته التي هي أزلية الأزل مطلقا و هو حين تعلق إرادته القديمة بالظهور في تعينات ذاته المعبر عنه بقوله: كن، و هو بعد أزلية الآزال بالاعتبار العقلي لا أنها تتأخر عن تلك الأزلية بالزمان بل بالترتيب العقلي الاعتباري في ذاته تعالى، فإن التعينات تتأخر عن مطلق الهوية المحضة عقلا و حقيقة و ظهورها بالإرادة المسماة بقوله: كُنْ فَيَكُونُ‏ بلا فصل و تأخير يعبر عنه ب: (يكون)، لأنها لم تكن في الأزل فكانت‏ قَوْلُهُ الْحَقُ‏ أي: في ذلك الوقت سيما سرمديّ إرادته التي اقتضت وجود المبدعات على ما هي عليه ثابتة في حالها متغيرة، اقتضت ما اقتضت على أحسن ما يكون من النظام و الترتيب و أعدل ما يكون من الهيئة و التركيب.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وقت نفخه في الصور أي: إحياء صور المكوّنات بإفاضة أرواحها عليك لا ملك إلا له فإنها بنفسها ميتة لا وجود لها و لا حياة فضلا عن المالكية عالِمُ الْغَيْبِ‏ أي: حقائق عالم الأرواح التي هي ملكوته‏ وَ الشَّهادَةِ أي: صور عالم الأجسام التي هي ملكه‏ وَ هُوَ الْحَكِيمُ‏ الذي أوجدها و رتبها بحكمته فأفاض على كل صورة ما يليق بها من الأرواح‏ الْخَبِيرُ الذي علم أسرارها و علانيتها و خواصها و أفعالها، تلخيصه:

هو مبدع الأرواح و الجسم المطلق بإرادته القديمة الأزلية الثابتة التي لا تغير فيها أبدا إبداعا على وجه العدل و الحكمة الذي اقتضاه ذاته و مكوّن الكائنات بإنشائها في عالم الملك الذي هو مالكه لا غير، كيف شاء عالما بما يجب أن يكون عليها حكيما في إتقانها و نظامها و ترتيبها، خبيرا بما يحدث فيها من الأحوال الحادثة على حسب إرادته بذاته لا شريك له في ذلك كله.

 

 

 

[74- 75]

[سورة الأنعام (6): الآيات 74 الى 75]

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ‏ أي: اذكر وقت سلوك إبراهيم طريق التوحيد عند تبصيرنا و هدايتنا إياه و اطلاعه على شرك قومه و احتجابهم بظهور عالم الملك عن حقائق عالم الملكوت و ربوبيته تعالى للأشياء بأسمائه معتقدين لتأثير الأجرام و الأكوان، ذاهلين بها عن المكوّن فعيّرهم بذلك و قال لمقدّمهم و أكبرهم أبيه: أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً و تعتقد تأثيرها إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ ظاهر يعرف بالحسّ، و مثل ذلك التبصير و التعريف العام الكامل نعرف إبراهيم و نريه‏ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ أي: القوى الروحانية التي يدبر اللّه بها أمر السموات و الأرض، فإنّ لكل شي‏ء قوة ملكوتية تحفظه و تدبر أمره بإذن اللّه‏ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏ فعلنا ذلك أي: بصّرناه ليعلم و يعرف أن لا تأثير إلا للّه، يدبّر بأسمائه التي هي ذاته مع كل واحدة من الصفات، فتتكثر الأفعال من وراء حجب الأكوان. فالمحجوب بالكون واقف مع الحس يرى تلك الأفعال من الأكوان و المجاوز عنه الذي خرق حجاب الكون و وقف مع العقل محبوسا في قيده يراها من الملكوت، و المهتدي بنور الهداية الإلهية المنفتحة عين بصيرته يرى أن الملكوت بالنسبة إلى ذات اللّه تعالى كالملك بالنسبة إلى الملكوت، فكما لا يرى التأثير من الأكوان لا يراها من ملكوتها بل من مالكها و مكوّنها، فيقول حقا: لا إله إلا اللّه.

 

 

 

[76]

[سورة الأنعام (6): آية 76]

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ‏ أي: فلما أظلم عليه ليل عالم الطبيعة الجسمانية في صباه و أوّل‏ شبابه‏ رَأى‏ كوكب ملكوت الهيكل الإنساني التي هي النفس المسماة روحا روحانية وجد فيضه و حياته و ربوبيته منها إذ كان اللّه تعالى يريه في ذلك الحين باسمه المحيي، فقال بلسان الحال: هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ‏ بعبوره عن مقام النفس و طلوع نور القلب و إشراقه عليه بآثار الرشد و التعقل و معرفته لإمكان النفس و وجوب انطباعها في الجسم‏ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏ الغاربين في مغرب الجسم، المحتجبين به، المتسترين بظلمة الإمكان و الاحتياج إلى الغير فَلَمَّا رَأَى‏ قمر القلب بازغا بوصوله إلى مقام القلب و طلوعه من أفق النفس بظهوره عليه و رأى فيضه بمكاشفات الحقائق و علمه و ربوبيته منه، إذ كان اللّه تعالى يريه حينئذ باسمه العالم و الحكيم‏ قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ‏ باحتجابه عنه و عبوره عن طوره و شعوره بأن نوره مستفاد من شمس الروح و إنه قد يتغيب في ظلمة النفس و صفاتها فيحتجب بها و لا نور له أعرض عن مقامه سالكا طريق تجلي الروح قائلا: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي‏ إلى نور وجهه‏ لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏ الذين يحتجبون بالبواطن عنه كالنصارى الواقفين مع الحجب النورانية.

 

 

 

[77- 79]

[سورة الأنعام (6): الآيات 77 الى 79]

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ‏ الروح‏ بازِغَةً بتجليها عليه و ظهور نورها وجد فيضه و شهوده و ربوبيته منها إذ كان اللّه تعالى يريه حينئذ باسمه الشهيد و العلي العظيم‏ قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ لعظمته و شدّة نورانيته‏ فَلَمَّا أَفَلَتْ‏ باستيلاء أنوار تجلي الحق و طلوع سبحات الوجه الباقي، و انكشاف حجاب الذات بوصوله إلى مقام الوحدة رأى النظر إلى الروح و إلى وجوده مشركا فقال: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ‏ به أي: أيّ شي‏ء كان إذ لا وجود لغيره‏ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ‏ أي: أسلمت ذاتي و وجودي‏ لِلَّذِي‏ أوجد سموات الأرواح و أرض النفس مائلا عن كل ما سواه حتى عن وجودي بالفناء فيه‏ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ أي: لست من الشرك في شي‏ء، كوجود البقية و ظهورها و غير ذلك.

 

 

 

[80- 81]

[سورة الأنعام (6): الآيات 80 الى 81]

وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

 وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ‏ في نفي التأثير عن الأجرام و الأكوان و ترك تعبّد كل ما سوى اللّه‏ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ‏ إلى توحيده‏ وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ‏ و تقولون بتأثيره أبدا إِلَّا وقت‏ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً من جهتها بي من مكروه أو ضرّ يلحقني من جهتها و ذلك منه و بعلمه لا منها. وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً يعلم حالي و ما فيه صلاحي، إن علم إضراري من جهتها أولى بي فعل‏ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ‏ فتميزوا بين العاجز و القادر.

 

 

 

[82- 90]

[سورة الأنعام (6): الآيات 82 الى 90]

الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86)

وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى‏ لِلْعالَمِينَ (90)

الَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الذاتي‏ وَ لَمْ‏ يخلطوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ‏ من ظهور نفس القلب أو وجود بقية فإنها شرك خفيّ‏ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ‏ الحقيقي الذي لا خوف معه‏ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏ بالحقيقة إلى الحق‏ وَ تِلْكَ حُجَّتُنا أي: حجة التوحيد التي احتجّ بها إبراهيم على قومه‏ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ الذين يقومون بصلاح العالم و ضبط نظامه و تدبيره لاستقامتهم بالوجود الموهوب الحقاني بعد فناء الوجود البشري‏ وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى‏ عالمي زمانهم.

 

 

 

[91- 92]

[سورة الأنعام (6): الآيات 91 الى 92]

وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى‏ نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92)

وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي: ما عرفوه حق معرفته إذ بالغوا في تنزيهه حتى جعلوه بعيدا من عباده بحيث لا يمكن أن يظهر من علمه و كلامه عليهم شي‏ء و لو عرفوه حق معرفته لعلموا أن لا وجود لعباده و لا لشي‏ء آخر إلا به.

و لكل موجود بوجوده لا وجود إلا له جميع عالم الشهادة ظاهره و عالم الغيب باطنه، و لكل‏ باطن ظاهر، فأيّ حرج من ظهور بعض صفاته على مظهر بشري بل لا مظهر لكمال علمه الباطن و حكمته إلا الإنسان الكامل. فالنبي من حيث الصورة ظاهره، و من حيث المعنى باطنه ينزل علمه على قلبه و يظهر على لسانه و يدعو به عباده إلى ذاته و لا اثنينية إلا باعتبار تفاصيل صفاته.

و أما باعتبار الجمع فلا أحد موجود إلا هو لا النبيّ و لا غيره، فإذا اعتبر تفاصيل صفاته و أسمائه يظهر النبي تبعية الخاص في ذاته تعالى ببعض صفاته فيصير اسما من أسمائه، و إذا كان كاملا في نبوّته يكون الأعظم الذي لا تنفتح أبواب خزائن غيبه و وجوده و حكمته إلا به كما سمعت. فلا تنكر إن عجبت و حرمت من فهمه و بهت، فعسى أن يفتح اللّه عين بصيرتك فترى ما لا عين رأت أو سمع قلبك، فتسمع ما لا أذن سمعت أو ينوّر قلبك فتدرك ما لا خطر على قلب بشر.

 

 

 

[93]

[سورة الأنعام (6): آية 93]

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً بادّعاء الكمال و الوصول إلى التوحيد و الخلاص عن كثرة صفات النفس و ازدحامها مع بقائها فيه فيكون في أقواله و أفعاله بالنفس و هو يدعي أنه باللّه‏ أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ أي: حسب مفتريات و همه و خياله و مخترعات عقله و فكره وحيا من عند اللّه و فيضا من الروح القدسي فتنبأ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ أي: تفرعن بوجود أنائيته و توهم التوحيد العلمي عينيا، فادعى الإلهية وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ‏ أي: هؤلاء الظلمة من المدّعين للكمال المحجوبين الذين يزعمون كون أفعالهم إلهية و هي نفسانية و المتنبئين و المتفرعنين‏ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ‏ أي: شدائده و سكراته لافتقادهم في دعواهم و غلطهم في حسبانهم أنهم قد فنوا عن أنفسهم و تجرّدوا عن ملابس أبدانهم مع شدّة تعلقهم بها و قوّة محبة الدنيا و رسوخ الهوى فيهم لأنهم ما ماتوا بالموت الإرادي و التجرّد عن الشهوات و اللذات البدنية، و ما فنوا عن صفات نفوسهم و دواعيها حتى يسهل عليهم الموت الطبيعي‏ وَ الْمَلائِكَةُ أي: قوى العالم التي كانت تمدّ قواهم النفسانية من النفوس الكوكبية و الفلكية و تأثيراتها التي كانت تستولي عليهم في حياتهم مع ظنهم أنهم تخلصوا منها بالتجرّد كما أشرنا إليه‏ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ‏ قوية التأثير فيهم، بالغة فيه كنه قواها و قدرها أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ‏ أي: تعنفهم و تقهرهم لشدّة تعكفهم و كثرة تحسرهم و صعوبة مفارقة الأبدان عليهم‏ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ‏ و الصغار بوجود صفات نفوسكم و هيآتها المظلمة المؤذية و حجب أنائيتكم و تفرعنكم كما قال: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏[17] بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِ‏ أي: بسبب افترائكم على اللّه، أعمالكم و أقوالكم الصادرة من صفات نفوسكم و أهوائها وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏ و بسبب احتجابكم بأنانيتكم و تفرعنكم معجبين بصفاتكم غير مذعنين بمحوها لصفاتنا محجوبين عنها بوجودها مستكبرين بها عنها.

 

 

 

[94]

[سورة الأنعام (6): آية 94]

وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏ كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى‏ مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏ مجرّدين عن الصفات و العلائق و الأهل و الأقارب و الوجود بالاستغراق في عين جمع الذات‏ كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بإنشاء ذرات هوياتكم في الأزل عند أخذ الميثاق‏ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ‏ من الوسائل و العلوم و الفضائل‏ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى‏ مَعَكُمْ‏ وسائلكم و أسبابكم و ما آثرتموه بهواكم و تعلقتم بها من محبوباتكم و معبوداتكم‏ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ بمحبتكم إياها و تعبدكم لها و نسبتكم التأثير إليها و اعتباركم و اعتدادكم بها قد وقع التفرّق بينكم بتغير الأحوال و تبدّل الصور و الأشكال‏ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ شيئا موجودا بشهودكم ثناء الكل في اللّه.

 

 

 

[95- 96]

[سورة الأنعام (6): الآيات 95 الى 96]

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى‏ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ‏ حبة القلب بنور الروح عن العلوم و المعارف و نوى النفس بنور القلب عن الأخلاق و المكارم‏ يُخْرِجُ‏ حيّ القلب عن ميت النفس تارة باستيلاء نور الروح عليها وَ مُخْرِجُ‏ ميت النفس عن حيّ القلب أخرى بإقباله عليها و استيلاء الهوى و صفات النفس عليه. ذلِكُمُ اللَّهُ‏ القادر على تقليب أحوالكم و تغليبكم في أطواركم‏ فَأَنَّى‏ تصرفون منه إلى غيره‏ فالِقُ الْإِصْباحِ‏ أي: فالق ظلمة صفات النفس عن القلب بإصباح نور شمس الروح و إشراقه عليها وَ جاعِلُ‏ ظلمة النفس سكن القلب يسكن إليها للارتفاق و الاسترواح أحيانا أو سكنا تسكن فيه القوى البدنية و تستقرّ عن الاضطراب و شمس الروح و قمر القلب محسوبين في عداد الموجودات الباقية الشريفة، معتدّا بهما.

أو علمي حساب الأحوال و الأوقات تعتبر بهما ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ القوي على ذلك‏ الْعَلِيمِ‏ بأحوال البروز و الانكشاف و التستر و الاحتجاب بهما يعز تارة باحتجابه بهما و عنهما في ستور جلاله، و تارة بتجليه و قهرهما و إفنائهما يعلم ما يفعل بحكمته.

 

 

 

[97- 98]

[سورة الأنعام (6): الآيات 97 الى 98]

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ‏ نجوم الحواس‏ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ‏ برّ الأجساد إلى مصالح المعاش و بحر القلوب باكتساب العلوم بها قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ‏ أي: الروح و القلب و الحواس‏ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ ذلك‏ وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي النفس الكلية فَمُسْتَقَرٌّ في أرض البدن حال الظهور وَ مُسْتَوْدَعٌ‏ في عين جمع الذات حال الفناء. قَدْ فَصَّلْنَا آيات ظهور النفس و استقرارها و استيداعها لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ‏ بتنوّر قلوبهم و صفاء فهومهم.

 

 

 

[99]

[سورة الأنعام (6): آية 99]

وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى‏ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ‏ من سماء الروح ماء العلم‏ فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ‏ كل صنف من الأخلاق و الفضائل‏ فَأَخْرَجْنا من النبات هيئة خضرة النفس و زينة حسنة جميلة و بهجة بالعلم و الخلق‏ نُخْرِجُ‏ من تلك الهيئة و النفس الطرية الغضة أعمالا مترتبة شريفة مرضية، و نيّات صادقة يتقوّى بها القلب، و من نخل العقل من ظهور تعلقها معارف و حقائق قريبة التناول لظهورها بنور الروح كأنها بديهية وَ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ‏ الأحوال و الأذواق و خصوصا أنواع المحبة القلبية المسكر عصيرها و سلافها، و زيتون التفكّر، و رمّان التوهمات الصادقة التي هي الهمم الشريفة، و العزائم النفيسة مُشْتَبِهاً بعضها ببعض كالتعقلات و التفكرات و المعارف و الحقائق و الأعمال و النيّات و كمحبة الذات و محبة الصفات‏ وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ‏ كأنواع المحبة مع الأعمال مثلا، أو مشتبها في رتبتها و قوتها و ضعفها و جلائها و خفائها و غير متشابه فيه‏ انْظُرُوا إِلى‏ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ و راعوه بالمراقبة عند السلوك و بدء الحال، و ليكن نظركم من اللذات إلى هذه الثمرات‏ وَ يَنْعِهِ‏ و كماله عند الوصول بالحضور إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ بالإيمان العلميّ، و يوقنون هذه الآيات و الأحوال التي عدّدناها.

 

 

 

[100]

[سورة الأنعام (6): آية 100]

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَصِفُونَ (100)

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ‏ أي: جعلوا جنّ الوهم و الخيال شركاء للّه في طاعتهم لها و انقيادهم. و قد علموا أنّ اللّه خلقهم فكيف يعبدون غيره‏ وَ خَرَقُوا لَهُ‏ اختلقوا بالافتراء المحض‏ بَنِينَ‏ من العقول‏ وَ بَناتٍ‏ من النفوس يعتقدون أنها مؤثرات و مجرّدات مثله تولّدت منه‏ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏ منهم أنها أسماؤه و صفاته لا تؤثر إلا به‏ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ تنزّه عن أن يكون وجودا مجردا مخصوصا بتعين خاص واحدا من الموجودات المتعينة يصدر عنه وجودات العقول المجرّدة و النفوس و تعاظم‏ عَمَّا يَصِفُونَ‏ به علوّا كبيرا.

 

 

 

[101- 102]

[سورة الأنعام (6): الآيات 101 الى 102]

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (101) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ (102)

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ أي: عديم النظير و المثل في سموات عالم الأرواح و أرض عالم الأجساد أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ أي: كيف يماثله شي‏ء وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ لأن الصاحبة لا تكون إلا مجانسة و هو لا يجانس شيئا، و إذا لم يجانس شيئا لم يماثله فلم يكن له مثل يتولد منه‏ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بتخصيصه يتعين في ذاته و إيجاده بوجوده لا بأنه موجود مثله‏ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ يحيط علمه بالعقول و النفوس و غيرها كما يحيط وجوده بها و هي محاطة لا تحيط بعلمه و لا تعلم إلا بعلمه و لا توجد إلا بوجوده فلا تماثله لأنها بأنفسها معدومة، و أنى يماثل المعدوم الموجود المطلق‏ ذلِكُمُ‏ البديع العديم المثل الموصوف بجميع هذه الصفات‏ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ‏ في الوجود إِلَّا هُوَ أي: لا موجود إلا هو باعتبار الجمع‏ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ باعتبار تفاصيل صفاته فخصوا العبادة به، أي: بالوجود الموصوف بجميع الصفات الذي هو اللّه دون من سواه‏ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ‏ أي: لا يستحق العبادة إلا المبدئ لكل شي‏ء و هو مع ذلك وكيل على الكل يحفظها و يدبرها و يوصل إليها الأرزاق و ما تحتاج إليه حتى تبلغ الكمال اللاحق بها.

 

 

 

[103- 108]

[سورة الأنعام (6): الآيات 103 الى 108]

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَ كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)

وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108)

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي: لا تحيط به لأنه اللطيف الجليل عن إدراكها، و كيف تدركه و هي لا تدرك أنفسها التي هي نور منه؟! وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ لإحاطته بكل شي‏ء و لطف إدراكه‏ قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ‏ أي: آيات بيّنات هي صور تجليات صفاته التي هي أنوار بصائر القلوب.

و البصيرة نور يبصر به القلب، كما أنّ البصر نور تبصر به العين، فَمَنْ أَبْصَرَ أي: صار بصيرا بها، فإنما فائدة إبصاره و هدايته لنفسه و من حجب عنها فإنما مضرّة احتجابه لا تتعدّى إلى غيره بل إليه‏ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ رقيب يرقبكم و يحفظكم عن الضلال، بل اللّه حفيظ يحفظكم و يحفظ أعمالكم‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا أي: كل ما يقع فإنما يقع بمشيئة اللّه و لا شك أن استعداداتهم التي وقعوا بها في الشرك و أسباب ذلك من تعليم الآباء و العادات و غيرها أيضا واقعة بإرادة من اللّه و إلا لم تقع.

فإن آمنوا بذلك فبهداية اللّه و إلا فهوّن على نفسك‏ وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تحفظهم عن الضلال‏ وَ ما أَنْتَ‏ بموكل عليهم بالإيمان. و لا ينافي هذا ما قال في تعبيرهم فيما بعد بقوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا[18] لأنهم قالوا ذلك عنادا و دفعا للإيمان بذلك التعلل لا اعتقادا، فقولهم ذلك و إن كان صدقا في نفس الأمر لكنهم كانوا به كاذبين، مكذبين للرسول صلى اللّه عليه و سلم، إذ لو صدقوا لعلموا أنّ توحيد المؤمنين أيضا بإرادة اللّه و كذا كل دين. فلم يعاندوا و لم يعادوا أحدا، و لو علموا أن كل شي‏ء لا يقع إلّا بإرادة اللّه لما بقوا مشركين بل كانوا موحدين، لكنهم قالوه لغرض التكذيب و العناد و إثبات أنه لا يمكنهم الانتهاء عن شركهم فلذلك عيّرهم به لا لأنه ليس كذلك في نفس الأمر، فإنهم لم يطلعوا على مشيئة اللّه و أنه كما أراد شركهم في الزمان السابق لم يرد إيمانهم الآن إذ ليس كل منهم مطبوع القلب بدليل إيمان من آمن منهم.

فلم لا يجوز أن يكون بعضهم كانوا مستعدّين للإيمان و التوحيد و احتجبوا بالعادة و ما وجدوا من آبائهم فأشركوا ثم إذا سمعوا الإنذار و شاهدوا آيات التوحيد اشتاقوا إلى الحق و ارتفع حجابهم فوحدوا؟، فلذلك وبّخهم على قولهم و طلب منهم الحجة على أنّ اللّه أرادهم بذلك دائما و أنذرهم بوعيد من كان قبلهم لعل من كان فيه أدنى استعداد إذا انقطع عن حجته و سمع وعيد من قبله من المنكرين، ارتفع حجابه و لان قلبه فآمن، و يكون ذلك توفيقا له و لطفا في شأنه، فإنّ عالم الحكمة يبتنى على الأسباب. و أما من كان من الأشقياء المردودين المختوم على قلوبهم، فلا يرفع لذلك رأسا و لا يلقى إليه سمعا.

 

 

 

[109- 111]

[سورة الأنعام (6): الآيات 109 الى 111]

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى‏ وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ إلى آخره، طلبوا خوارق العادات‏ و أعرضوا عن الحجج البينات، لأنهم كانوا محجوبين بالحسّ و المحسوس، فلم تنجع فيهم الدعوة بالحكمة و الإثبات بالحجة كما تنجع في العقلاء المستعدّين.

قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ‏ أي:خوارق العادات التي اقترحوها إنما هي من عالم القدرة ليست إلا عنده‏ وَ ما يُشْعِرُكُمْ‏ أنهم لا يؤمنون عند مجيئها، أي: أنا أعلم بهم منكم أنهم لا يؤمنون بها، أو و ما يشعركم أنهم يؤمنون عند مجيئها لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها، و من لم يرد اللّه منه الإيمان يقلب قلبه و بصره عند مجي‏ء الآية التي اقترحها و زعم أنه يؤمن عند نزولها، فيقول: هذا سحر، و لا يؤمن به كما لا يؤمن قبل مجي‏ء الآية و يذره في ظهور نفسه بصفاتها و احتجابه بها، و لهذا قال في آخر الآية الثانية: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ يعني: من استعدّ للإيمان فهم المعقول و أدرك الحجة، و انفتحت عين بصيرته بأدنى نور من هداية اللّه و آمن بأدنى سبب، و من لم يستعدّ لذلك و لم يخلق له لو رأى كل آية من خوارق العادات و غيرها ما أثر فيه‏ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‏ أن الإيمان بمشيئة اللّه لا بخوارق العادات، و في الحقيقة لا اعتبار بالإيمان المرتب على مشاهدة خوارق العادات، فإنه ربما كان مجرد إذعان لأمر محسوس و إقرار باللسان و ليس في القلب من معناه شي‏ء كإيمان أصحاب السامري. و الإيمان لا يكون إلا بالجنان، كما قال تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏[19].

 

 

 

[112]

[سورة الأنعام (6): آية 112]

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (112)

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا إلى آخره، يلزم من ترتب مراتب الأرواح أن مقابلة أصفى الاستعدادات و أنورها بأكدرها و أظلمها و أبعدها و لزم منه وجود عدوّ لكل نبيّ للتضاد الحقيقي بينهما. و فائدة وجود العدوّ في مقابلته له أن الكمال الذي قدّر له بحسب استعداده لا يظهر عليه إلا بقوة المحبة للاستمداد، و أما القهر فلانكسار نفسه به و بإهانته و استخفافه له، و تثبته عند مقابلته في مقام القلب و تجلده معرضا عن النفس و لذاتها لاشتغاله بالعدوّ ذاهلا عنها لفرط الحمية و الحرص على الفضيلة التي يقهر بها العدو و الاحتراز عن الملابس الحيوانية و الشيطانية ليبعد بها عن مقامه و مناسبته و لئلا يتطرّق له سبيل إلى طعنه و تحقيره و ازدرائه بها، و لهذا قال صلى اللّه عليه و سلم: «ما أوذي نبيّ قط مثل ما أوذيت»، إذ لا كمال لأحد مثل كماله فيجب أن يكون سبب إخراجه إلى الفعل أقوى لغاية بعده عن صفات النفس و عاداتها.

 

 

 

[113- 117]

[سورة الأنعام (6): الآيات 113 الى 117]

وَ لِتَصْغى‏ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

وَ لِتَصْغى‏ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ و لتميل إليه المحجوبون لمناسبتهم‏ وَ لِيَرْضَوْهُ‏ لمحبتهم إياه، فتقوى غوايتهم و يتظاهرون و يخرج ما فيهم من الشرور إلى الفعل، و يزدادوا طغيانا و تعدّيا على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فتزداد قوة كماله و تهيج أيضا بسببه دواعي المؤمنين، و الذين في استعدادهم مناسبة للنبي صلى اللّه عليه و سلم فتنبعث حميتهم، و تزداد محبتهم للنبي صلى اللّه عليه و سلم و نصرهم إيّاه، فتظهر عليهم كمالاتهم و يتقوّى بهم النبي صلى اللّه عليه و سلم كما قيل: إن شهرة المشايخ و كثرة مريديهم لا تكون إلا بواسطة المنكرين إياهم‏ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا أي: تم قضاؤه في الأزل بما قضى و قدّر من إسلام من أسلم و كفر من كفر و محبة من أحبّ أحدا، و عداوة من عادى قضاء مبرما و حكما صادقا مطابقا لما يقع عادلا بمناسبة كل قول و كل كمال و حال، لاستعداد من يصدر عنه و اقتضائه له‏ لا مُبَدِّلَ‏ لأحكامه الأزلية وَ هُوَ السَّمِيعُ‏ لما يظهرون من الأقوال و الأفعال المقدّرة الْعَلِيمُ‏ بما يخفون‏ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ أي: من في الجهة السفلية بالركون إلى الدنيا و عالم النفس و الطبيعة يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ بتزيينهم زخارفهم عليك و دعوتهم إياك إلى ما هم فيه‏ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ‏ لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام و الخيالات عن اليقين‏ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يخمنون المعاني بالصور و الآخرة بالدنيا، و يقدّرون أحوال المعاد و ذات الحق و صفاته كأحوال المعاش و ذواتهم و صفاتهم فيشركون و يحلون بعض المحرّمات.

 

 

 

[118- 122]

[سورة الأنعام (6): الآيات 118 الى 122]

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَ ما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122)

فَكُلُوا إلى آخره، معلوم مما مرّ في (المائدة) و مسبب للنهي عن طاعة المضلين‏ و اتباعهم‏ ظاهِرَ الْإِثْمِ‏ سيئات الأعمال و الأقوال الظاهرة على الجوارح‏ وَ باطِنَهُ‏ العقائد الفاسدة و العزائم الباطلة أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً بالجهل، و هو النفس و باحتجابه بصفاتها فَأَحْيَيْناهُ‏ بالعلم و محبة الحق أو بكشف حجب صفاته بتجليات صفاتنا وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً من هدايتنا و علمنا أو نورا من صفاتنا أو نورا منا بقيوميتنا له بذاتنا على حسب مراتبه، كمن صفته هذا، أي: هذا القول و هو أنه في ظلمات من نفسه و صفاتها و أفعالها ليس بخارج منها كَذلِكَ زُيِّنَ‏ للمحجوبين عملهم فاحتجبوا به.

 

 

 

[123]

[سورة الأنعام (6): آية 123]

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَ ما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (123)

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ للحكمة المذكورة في إعلاء الأنبياء و كذا في قرية وجود الإنسان التي هي البدن، جعلنا أكابر مجرميها من قوى النفس الأمّارة ليمكروا فيها بإضلال القلب و فتنته و إغوائه‏ وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ‏ لأن عاقبة مكرهم راجعة إليهم باحتراقهم بنيران فقدان الآلات و الأسباب في جحيم الهوى و الحرمان عن اللذات و الشهوات و حصول الآلات الجسمانية عند خراب البدن و عند المعاد و البعث في أقبح الصور على أسوأ الأحوال.

 

 

 

[124]

[سورة الأنعام (6): آية 124]

وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى‏ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124)

وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ من صفة قلبية و إشراق نوري من هيئة ملكية خلقية، أو علم و حكمة و فيض من روح ينكرونها بالإعراض عنها، و يتمنون من قبل الوهم و الخيال إدراكات مثل إدراكات العقل و الفكر و تركيبات تخيلية و مغالطات وهمية يعارضون بها البراهين الحقة حتى يؤمنوا بها و يذعنوا لها. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ لا يضعها إلا مواضعها من القوى الروحانية المجرّدة من المواد الهيولانية سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا باحتجابهم و مكرهم في إضلالهم من استعدّ للهدى أو اهتدى من القلوب الصافية صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ‏ بزوال قدرتهم و تمكنهم بخراب البدن‏ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بحرمانهم عما يلائمهم و وصول ما ينافيهم في المعاد الجسماني بسبب مكرهم.

 

 

 

[125- 127]

[سورة الأنعام (6): الآيات 125 الى 127]

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127)

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ من هذه القوى للانقياد للعقل‏ يَشْرَحْ صَدْرَهُ‏ أي: يسهل عليه و يجعل وجهه الذي يلي القلب ذا نتوء وسعة لقبول نوره و ممكنا من استسلامه له‏ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ‏ يعسر عليه و يعجزه عن ذلك‏ حَرَجاً ذا ظلمة و قصور استعداد عن قبول النور كأنما يزاول أمرا ممتنعا في الاستنارة بنور القلب و طلب الفيض منه. على هذا التأويل الذي ذكرناه و على المعنى الظاهر المراد من الآية السابقة. فمن يرد اللّه أن يهديه للتوحيد يشرح صدره بقبول نور الحق و إسلام الوجود إلى اللّه بكشف حجب صفات نفسه عن وجه قلبه الذي يلي النفس، فيفسح لقبول نور الحق. و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا باستيلائها عليه و ضغطها له‏ كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في سماء روحه مع تلك الهيآت البدنية و ذلك أمر محال.

كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ‏ رجس التلوّث بلوث التعلقات المادية أو رجس التعذب بالهيئات البدنية عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏وَ هذا أي: طريق التوحيد و إسلام الوجه إلى اللّه‏ صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً لا اعوجاج فيه بوجه من الوجوه يميل إلى جانب الصورة و إلى جانب المعنى أو إلى النظر إلى الغير و الشرك به‏ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏ المعارف و الحقائق التي هي مركوزة في استعدادهم فيهتدوا بها لَهُمْ دارُ السَّلامِ‏ السلامة من كل نقص و آفة و خوف ظهور صفة و وجود بقية عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ في حضرة صفاته أو حضرة ذاته‏ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ‏ يعطيهم محبته و كماله، و يدخلهم في ظل صفاته و ذاته، و يجعلهم في أمانه بالبقاء السرمدي بعد فناء حدثانهم بسبب أعمالهم القلبية و القالبية في سلوكهم.

 

 

 

[128]

[سورة الأنعام (6): آية 128]

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَ بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ‏ في يوم عين الجمع المطلق‏ جَمِيعاً. قلنا يا مَعْشَرَ جنّ القوى النفسانية قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ‏ أي: من الحواس و الأعضاء الظاهرة أو من الصور الإنسانية بأن جعلتموهم أتباعكم و أهل طاعتكم إياهم، و تسويلكم و تزيينكم الحطام الدنيوية و اللذات الجسمانية عليهم، و وسوستكم إياهم بالمعاصي‏ وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ‏ الذين تولّوهم‏ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ‏ بانتفاع كل منا في صورة الجمعية بالآخر وَ قد بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا بالموت أو بالمعاد الجسماني على أقبح الصور و أسوأ العيش‏ قالَ النَّارُ نار الحرمان عن اللذات و وجدان الآلام‏ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا وقت‏ ما شاءَ اللَّهُ‏ أن تخفّف، أو ينجي منكم من لا يكون سبب تعذبه شركا راسخا في اعتقاده‏ إِنَّ رَبَّكَ‏ حَكِيمٌ‏ لا يعذبكم إلا بهيئات نفوسكم التي كسبتم على ما تقتضيه الحكمة عَلِيمٌ‏ بمن يتعذب باعتقاده فيدوم عذابه أو بهيئات سيئات أعماله فيعذب على حسبها ثم ينجو منه.

 

 

 

[129- 131]

[سورة الأنعام (6): الآيات 129 الى 131]

وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى‏ أَنْفُسِنا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ شَهِدُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ (131)

وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً أي: مثل ذلك الجعل العظيم الهائل نجعل بعضهم ولي بعض بتوافق مكاسبهم و تناسبها، فيتوالون و يحشرون معا في العذاب كالجنّ و الإنس الذين ذكرناهم أو نجعل بعضهم و الى بعض بتعذيبه بمكسوباته في النار رُسُلٌ مِنْكُمْ‏ من البشر الذين هم جنسكم و على التآويل المذكورة من عقولكم التي هي قوى من جنسكم و هذه الأسئلة و الأجوبة و الشهادات كلها بلسان الحال و إظهار الأوصاف، كما قيل: قال الجدار للوتد: لم تشقّني؟ قال الوتد: سل من يدقني. و كشهادة الأيدي و الأرجل بصورها التي تناسب هيآت أفعالها و تعذبها بها ذلِكَ‏ إشارة إلى إرسال الرسل و تبيين الآيات و إلزام الحجة بالإنذار و التهديد، أي: الأمر ذلك لأن ربّك لم يكن مهلك القرى على غفلتهم ظالما لأنه ينافي الحكمة.

 

 

 

[132- 148]

[سورة الأنعام (6): الآيات 132 الى 148]

وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى‏ شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136)

وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (137) وَ قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَ أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَ أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)

وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (146)

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148)

وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ‏ في القرب و البعد من أعمالهم التي عملوها إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ‏ بفناء عينكم‏ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ‏ من أهل طاعته برحمته‏ ذلِكَ‏ أي: تحريم الطيبات عليهم جزاء جَزَيْناهُمْ‏ بظلمهم‏ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ‏ في إيعادهم بجزاء الظلم‏ فَإِنْ كَذَّبُوكَ‏ بأن اللّه واسع المغفرة فلا يعذبنا بظلمنا فَقُلْ‏ بلى‏ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ و لكنه ذو قهر شديد فلا تردّ رحمته بأسه‏ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ‏ بل ربما أودع قهره في صورة لطفه و لطفه في صورة قهره‏ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ أي: كذّب المنكرون الرسل من قبلهم بتعليق كفرهم بمشيئة اللّه عنادا و عتوّا فعذبوا بكفرهم.

قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا أي: إن كان لكم علم بذلك و حجة فبينوا، و إنما قال ذلك إشارة إلى قولهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا لأنهم لو قالوا ذلك عن علم لعلموا أن إيمان الموحدين و كل شي‏ء لا يقع إلا بإرادة اللّه فلم يعادوهم و لم ينكروهم، بل و الوهم، و لم يبق بينهم و بين المؤمنين خلاف. و لعمري أنهم لو قالوا ذلك عن علم لما كانوا مشركين، بل كانوا موحدين و لكنهم اتّبعوا الظن في ذلك و بنوا على التقدير و التخمين لغرض‏ التكذيب و العناد، و على ما سمعوا من الرسل إلزاما لهم و إثباتا لعدم امتناعهم عن الرسل لأنهم محجوبون في مقام النفس، و أنّي لهم اليقين؟ و من أين لهم الاطلاع على مشيئة اللّه؟.

 

 

 

[149- 150]

[سورة الأنعام (6): الآيات 149 الى 150]

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أي: إن كان ظنكم صدقا في تعليق شرككم بمشيئة اللّه فليس لكم حجة على المؤمنين و على غيركم من أهل دين، لكون كل دين حينئذ بمشيئة اللّه، فيجب أن توافقوهم و تصدّقوهم بل للّه الحجة عليكم في وجوب تصديقهم و إقراركم بأنكم أشركتم بمن لا يقع أمر إلا بإرادته ما لا أثر لإرادته أصلا فأنتم أشقياء في الأزل، مستحقون للبعد و العقاب‏ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ أي: بلى صدقتم، و لكن كما شاء كفركم لو شاء لهداكم كلكم، فبأي شي‏ء علمتم أنه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟ و هذا تهييج لمن عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع و يهتدي فيرجع عن الشرك و يؤمن.

 

 

 

[151- 152]

[سورة الأنعام (6): الآيات 151 الى 152]

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ‏ لما أثبت أن المشركين في التحريم و التحليل يتّبعون أهواءهم، إذ الشرك في نفسه ليس إلا عبادة الهوى و الشيطان. فلما احتجبوا بصفات النفس عن صفات الحق، و أمّروا عليهم الهوى و عبدوه و أطاعوا أوامره و نواهيه في التحريم و التحليل، بيّن أن التحريم و التحليل المتّبع فيهما أمر اللّه تعالى ما هما، و لما كان الكلام معهم في تحريم الطيبات عدّد المحرمات ليستدل بها على المحللات فحصر جميع أنواع الفضائل بالنهي عن أجناس الرذائل و ابتدأ بالنهي عن رذيلة القوة النطقية التي هي أشرفها. فإن رذيلتها أكبر الكبائر، مستلزمة لجميع الرذائل، بخلاف رذيلة أخويها من القوّتين البهيمية و السبعية فقال: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً إذ الشرك من خطئها في النظر و قصورها عن استعمال العقل و درك البرهان و عقّبه بإحسان الوالدين، إذ معرفة حقوقهما تتلو معرفة اللّه في الإيجاد و الربوبية لأنهما سببان قريبان في الوجود و التربية و واسطتان جعلهما اللّه تعالى مظهرين لصفتي إيجاده‏ و ربوبيته، و لهذاقال صلى اللّه عليه و سلم: «من أطاع الوالدين فقد أطاع اللّه و رسوله».

فعقوقهما يلي الشرك و لا يقع الجهل بحقوقهما إلا عن الجهل بحقوق اللّه تعالى و معرفة صفاته، ثم بالنهي عن قتل الأولاد خشية الفقر، فإن ارتكاب ذلك لا يكون إلا عن الجهل و العمى عن تسبيبه تعالى الرزق لكل مخلوق و أن أرزاق العباد بيده يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر.

و الاحتجاب عن سرّ القدر، فلا يعلم أن الأرزاق مقدّرة بإزاء الأعمار كتقدير الآجال، فأولاها لا تقع إلا من خطئها في معرفة ذات اللّه تعالى، و الثانية من خطئها في معرفة صفاته، و الثالثة من معرفة أفعاله فلا يرتكب هذه الرذائل الثلاث إلا منكوس، محجوب عن ذات اللّه تعالى و صفاته و أفعاله و هذه الحجب أم الرذائل و أساسها. ثم بيّن رذيلة القوة البهيمية لأن رذيلتها أظهر و أقدم، فقال:

وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ‏ من الأعمال القبيحة الشنيعة عند العقل‏ ما ظَهَرَ مِنْها كالزنا في الحانات، و شرب الخمر و أكل الربا وَ ما بَطَنَ‏ كقصد هذه الفواحش المذكورة و نيتها و الهمّ بها و إخفائها كالسرقة و ارتكاب المحظورات في الخفية.

ثم أشار إلى رذيلة القوّة السبعية بقوله: وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ‏ أي: بالقصاص و الكفر، و ختم الكلام بقوله: ذلِكُمْ‏ أي: الاجتناب عن أجناس رذائل النفوس الثلاث‏ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ أي: لا تجتنبها إلا العقلاء و من ارتكبها فلا عقل له.

ثم أراد أن يبين أن الرذائل الثلاث مستلزمة باجتماعها رذيلة الجور التي هي أعظمها و جماعها كما أنّ فضائلها تستلزم العدالة التي هي كمالها و الشاملة لها فقال: وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ‏ بوجه من الوجوه‏ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ إلا بالخصلة التي هي أحسن من حفظه و تثميره‏ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ‏ فينتفع به، لا بالأكل و الإنفاق في مآربكم و الإتلاف فإنه أفحش.

و لما بيّن تحريم أجناس الرذائل الأربع بأسرها على التفصيل أمر بإيجاب الفضائل الأربع بالإجمال، إذ تفصيل الرذائل يغني عن تفصيل مقابلاتها و ذلك أنها مندرجة بأسرها في العدالة فأمر بها في جميع الوجوه فعلا و قولا و قال: وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ أي: حافظوا على العدل فيما بينكم و بين الخلق مطلقا وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا أي: لا تقولوا إلا الحق‏ وَ لَوْ كانَ‏ المقول فيه‏ ذا قُرْبى‏ فلا تميلوا في القول له أو عليه إلى زيادة أو نقصان‏ وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا أي: بالتوحيد و الطاعة و كل ما بينكم و بين اللّه من لوازم العهد السابق بالعقد اللاحق.

و لما كان سلوك طريقة الفضيلة التي هي طريقة الوحدة و التوجه إلى الحق صعبا، كما قيل:أدقّ من الشعرة و أحدّ من السيف، و خصوصا في الأفعال إذ مراعاة الوسط فيها بلا ميل ما إلى طرف الإفراط و التفريط في غاية الصعوبة. قال بعد قوله: وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فبين أنه جمع في هذا المقام بين النهي عن جميع الرذائل و الأمر بجميع الفضائل كلها بحيث لا يخرج منها جزئي ما من جزئياتها، و لهذا قال ابن عباس رضي‏ اللّه عنه: إن هذه آيات محكمات لم ينسخهنّ شي‏ء من جميع الكتب. و اتفق على قوله أهل الكتابين و جميع الملل و النحل. و قال كعب الأحبار: و الذي نفس كعب بيده إنها لأول شي‏ء في التوراة. ذلِكُمْ‏ أي: ما ذكر من وجوب الانتهاء عن جميع الرذائل و الاتصاف بجميع الفضائل‏ وَصَّاكُمْ بِهِ‏ في جميع الكتب على ألسنة جميع الرسل‏ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ عند سماعها ما وهب اللّه لكم من الكمال و أودع استعدادكم في الأزل.

 

 

 

[153- 154]

[سورة الأنعام (6): الآيات 153 الى 154]

وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)

وَ أَنَّ هذا أي: طريق الفضائل لأن منبع الفضيلة هي الوحدة. ألا ترى أنها أواسط و اعتدالات بين طرفي إفراط و تفريط لا يمكن سلوكها على التعيين بالحقيقة إلا لمن استقام في دين اللّه إليه و أيده اللّه بالتوفيق لسلوك طريق الحق حتى وصل إلى الفناء عن صفاته ثم عن ذاته.

ثم اتصف في حال البقاء بعد الفناء بصفاته تعالى حتى قام باللّه فاستقام فيه و به فحينئذ يكون صراطه صراط الحق و سيره سير اللّه‏ صِراطِي مُسْتَقِيماً أي: طريقي لا يسلكها إلا من قام بي مستويا غير مائل إلى اليمين و الشمال لغرض‏ فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ‏ من المذاهب المتفرقة و الأديان المختلفة فإنها أوضاع وضعها أهل الاحتجاب بالعادات و الأهواء، أي: وضع لهم لئلا يزدادوا ظلمة و عتوّا و حيرة.

وروى ابن مسعود عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏، أنه خطّ خطّا فقال: «هذا سبيل الرشاد»، ثم خطّ عن يمينه و شماله خطوطا فقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»ثم تلا هذه الآية: فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ‏ أي: سلوك طريق الوحدة و الفضيلة وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ السبل المتفرقة بالاجتناب عن مقتضيات الأهواء و دواعي النفوس و تجعلون اللّه وقاية لكم في ملازمة الفضائل و مجانبة الرذائل.

ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏ أي: بعد ما وصّاكم بسلوك طريق الفضيلة في قديم الدهر آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏[20] تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ‏ أي: تتميما لكرامة الولاية و نعمة النبوّة مزيدا على الذي أحسنه موسى من سلوك طريق الكمال و بلوغه إلى ما بلغ من مقام المكالمة و القرب بالوجود الموهوب بعد الفناء في الوحدة، كما قال تعالى: فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏[21] بالتكميل و دعوة الخلق إلى الحق‏ وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ يحتاج إليه الخلق في المعاد وَ هُدىً‏ لهم إلى ربّهم في سلوك سبيله‏ وَ رَحْمَةً عليهم بإفاضة كمالاته عليهم بواسطة موسى و كتابه‏ لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ‏ الإيمان العلمي أو العياني.

 

 

 

 

[155- 158]

[سورة الأنعام (6): الآيات 155 الى 158]

وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى‏ طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَ إِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى‏ مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَ صَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)

وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ‏ بزيادة الهداية إلى محض التوحيد و الإرشاد إلى سواء السبيل يهدي بأقرب الطرق إلى أرفع الدرجات من الكمال‏ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا كل ما سوى اللّه حتى ذواتكم و صفاتكم‏ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ رحمة الاستقامة باللّه و في اللّه بالوجود الموهوب. أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى‏ مِنْهُمْ‏ لقوّة استعداداتنا و صفاء أذهاننا إن صدقتم‏ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ‏ بيان لكيفية سلوككم‏ وَ هُدىً‏ إلى مقصدكم‏ وَ رَحْمَةٌ بتسهيل طريقكم و تيسيرها إلى أشرف الكمالات‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ لتوفي روحهم‏ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ‏ بتجليه في جميع الصفات كما مرّت الإشارة إليه من تحوّل الصورة في القيامة، فلا يعرفه إلا الموحدون الكاملون.

و أما أهل المذاهب و الملل المختلفة فلا يعرفونه إلا في صورة معتقدهم‏ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ‏ تجليه في بعض الصفات التي لم يعرفوه بها يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ‏ بعض تجلياته التي لم يأنسوا بها أو لم يعرفوها لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ‏ فإنّ الناس إما محجوبون مطلقا أو ليسوا كذلك، و هم إما مؤمنون لعرفانهم ببعض الصفات أو بكلها، و المؤمنون به العارفون إياه بكلها إما محبون للذات و إما محبون للصفات، فإذا تجلى الحق ببعض الصفات لا ينفع إيمان المحجوبين مطلقا، و إيمان المؤمنين الذين لم يعرفوه بهذه الصفة من قبل هذا التجلي، إذ الإيمان إنما ينفع إذا صار عقيدة ثابتة راسخة يتمثل بها القلب و تتنوّر بها النفس و تشاهد بها الروح، لا الذي يقع عند الاضطرار دفعة أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً كإيمان العارفين، المحبّين للصفات، فإنهم و إن آمنوا به و عرفوا بتجليه بكل الصفات. فلما لم يكتسبوا المحبة الذاتية، و الكمال المطلق، و أحبّوه ببعض الصفات، كالمنعم مثلا أو اللطيف أو الرحيم فإذا تجلى بصفة المنتقم أو القهّار أو المبلي لم ينفعهم الإيمان به، إذ لم يطيعوه من قبل بهذا الوصف و لم يتمرّنوا بتجليه و لم يحبّوا الذات فيلتذوا بشهوده في أي صفة كانت.

 

 

 

[159- 160]

[سورة الأنعام (6): الآيات 159 الى 160]

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلاَّ مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏ أي: جعلوا دينهم أهواء متفرّقة، كالذين غلبت عليهم صفات النفس بجذبهم هذه إلى شي‏ء و هذه إلى شي‏ء فحدثت فيهم أهواء مختلفة، فبقوا حيارى لا جهة لهم و لا مقصد وَ كانُوا شِيَعاً فرقا مختلفة بحسب غلبة تلك الأهواء يغلب على بعضهم الغضب و على بعضهم الشهوة و إن دانوا بدين جعلوا دينهم بحسب غلبة هواهم مادة التعصب و مدد استيلاء تلك القوة الغالبة على القلب و لم يتعبدوا إلا بعادات و بدع، و لم ينقادوا إلا لأهواء و خدع، يعبد كل منهم إلها مجعولا في وهمه، مخيّلا في خياله و يجعله سبب الاستطالة و التفرّق على الآخر كما نشاهد من أهل المذاهب الظاهرة لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ أي: لست من هدايتهم و دعوتهم إلى التوحيد في شي‏ء إذ هم أهل التفرقة و الاحتجاب بالكثرة لا يجتمع همهم و لا يتحد قصدهم. إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ‏ في جزاء تفرّقهم لا إليك‏ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ‏ عند ظهور هيآت نفوسهم المختلفة و الأهواء المتفرّقة عليهم بمفارقة الأبدان‏ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏ من السيئات.

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها هذا أقلّ درجات الثواب و ذلك أنّ الحسنة تصدر بظهور القلب، و السيئة بظهور النفس، فأقلّ درجات ثوابها أنه يصل إلى مقام القلب الذي يتلو مقام النفس في الارتقاء تلو مرتبة العشرات للآحاد في الأعداد. وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها لأنه لا مقام أدون من مقام النفس، فينحط إليه بالضرورة فيرى جزاءه في مقام النفس بالمثل.

و من هذا يعلم أن الثواب من باب الفضل فإنه يزيد به صاحبه و يتنوّر استعداده و يزداد قبوله لفيض الحق فيتقوّى على إضعاف ما فعل و يكتسب به أجورا متضاعفة إلى غير نهاية بازدياد القبول عند فعل كل حسنة، و زيادة القدرة و الشغف على الحسنة عند زيادة الفيض إلى ما لا يعلمه إلا اللّه، كما قال بعد ذكر أضعافها إلى سبعمائة: وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ[22] و أن العقاب من باب العدل، إذ العدل يقتضي المساواة و من فعل بالنفس إذا لم يعف عنه يجازى بالنفس سواء و تذكر ما قيل في قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏[23] فإن الفضيلة للإنسان ذاتية موجبة لترقيه البتة، و الرذيلة عارضة ظلمتها للفطرة، فمهما لم تكن بقصد و نيّة من صاحبها أو كانت و لم يصرّ عليها، عفي عنها و لم تحجب صاحبها.

و إن كانت‏ و أصر عليها جوزي في مقام النفس بالمثل. و الحسنة و السيئة المذكورتان هاهنا من قبيل الأعمال و إلا فربّ سيئة من شخص تعادل حسنة من غيره، كما قال عليه السلام: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين»، بوجود القلب عند الشهود، و سيئات الأبرار بظهور النفس عند السلوك، و حسناتهم بظهور القلب، و ربّ سيئة توجب حجاب الأبد كاعتقاد الشرك مثلا.

 

 

 

[161]

[سورة الأنعام (6): آية 161]

قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)

قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ إلى طريق التوحيد الذاتي‏ دِيناً قِيَماً ثابتا أبدا لا تغيره الملل و النحل و لا تنسخه الشرائع و الكتب‏ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ‏ التي أعرض بها عن كل ما سواه بالترقي عن جميع المراتب مائلا عن كل دين و طريق باطل فيه شرك ما، و لو بصفة من صفات اللّه تعالى.

 

 

 

[162- 163]

[سورة الأنعام (6): الآيات 162 الى 163]

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

قُلْ إِنَّ صَلاتِي‏ أي: حضوري بالقلب و شهودي بالروح‏ وَ نُسُكِي‏ أي: تقرّبي أو كل ما أتقرّب به بالقلب‏ وَ مَحْيايَ‏ بالحق‏ وَ مَماتِي‏ بالنفس كلها لِلَّهِ‏ لا نصيب لي و لا لأحد غيري فيها لأني قمت به له بالفناء فلا وجود لي و لا لغيري حتى يكون لي حظ و نصيب‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ أي: له باعتبار الجمع في صورة تفاصيل الربوبية لا شَرِيكَ لَهُ‏ في ذلك جمعا و تفصيلا وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ‏ أي: أمرت أن لا أرى غيره في عين الجمع و لا في صورة التفاصيل حتى أعمل له كما وصفني تعالى بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ (17)[24] فهو الآمر و المأمور، و الرائي و المرئي‏ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ‏ المنقادين للفناء فيه بإسلام وجهي له باعتبار الرتبة في تفاصيل الذات و إلا فلا أول و لا آخر و لا مسلم و لا كافر.

 

 

 

[164]

[سورة الأنعام (6): آية 164]

قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ‏ الذي هذا شأنه‏ أَبْغِي رَبًّا فأطلب مستحيلا أو غير الذات الشامل لجميع الصفات الذي هو الكل من حيث هو كل أبغي متعبنا فيكون مربوبا لا ربّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و ما سواه باعتبار تفاصيل صفاته مربوب‏ وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ‏ شيئا إِلَّا هو وبال‏ عَلَيْها إذ كسب النفس شرك في أفعاله تعالى، و كل من أشرك فوباله عليه باحتجابه‏ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ لرسوخ هيئة وزرها فيها و لزومه إياها تحتجب هي به، فكيف يتعدّى إلى غيرها.

 

 

 

 

[165]

[سورة الأنعام (6): آية 165]

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ‏ في أرضه بإظهار كمالاته في مظاهركم ليمكنكم إنفاذ أمره‏ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ‏ في مظهرية كمالاته على تفاوت درجات الاستعدادات، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ‏ من كمالاته بحسب الاستعدادات من يقوم بحقوق ما ظهر منها عليه و من لا يقوم، و من يقوم بحقي في سلوك طريقها حتى يظهرها اللّه بإخفاء صفات نفسه فيكون مؤدّيا لأمانات اللّه و من لا يقوم فيكون خائنا و تظهر عليكم أعمالكم بحسبها فيترتب عليها الجزاء معا، إما بمثوبة الاحتجاب حالة التقصير فيكون ربّك سريع العقاب، و أما بمثوبة البروز و الانكشاف فيكون غفورا يستر أفعالكم و صفات نفوسكم الساترة الحاجبة لتلك الصفات الإلهية و الكمالات الربانية، رحيما يرحمكم بإظهارها عليكم، و اللّه أعلم بحقائق الأمور.


[1] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 34.

[2] ( 1) سورة النحل، الآية: 123.

[3] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 143.

[4] ( 1) سورة الكهف، الآية: 28.

[5] ( 2) سورة الأنعام، الآية: 52.

[6] ( 1) سورة المؤمنون، الآية: 108.

[7] ( 2) سورة آل عمران، الآية: 106.

[8] ( 3) سورة آل عمران، الآية: 77.

[9] ( 4) سورة الزمر، الآية: 72.

[10] ( 5) سورة الزخرف، الآية: 77.

[11] ( 6) سورة يونس، الآية: 70.

[12] ( 7) سورة المائدة، الآية: 119.

[13] ( 1) سورة البقرة، الآية: 2.

[14] ( 2) سورة غافر، الآية: 16.

[15] ( 1) سورة المعارج، الآية: 23.

[16] ( 2) سورة هود، الآية: 31.

[17] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 139.

[18] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 148.

[19] ( 1) سورة الحجرات، الآية: 14.

[20] ( 1) سورة البقرة، الآية: 53.

[21] ( 2) سورة الأعراف، الآية: 143.

[22] ( 1) سورة البقرة، الآية: 261.

[23] ( 2) سورة البقرة، الآية: 286.

[24] ( 1) سورة النجم، الآية: 17.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=