تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة ق
(50) سورة ق مكيّة
[سورة ق (50): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)
[ «ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» الآية:]
قيد وصف القرآن في هذه الآية بصفة المجد، و ذلك ينكشف لمن يتلو القرآن بهذه الصفة، فيرى شرف نفسه المخلوقة على الصورة، و ما فضله اللّه به من حيث إنه جعله العين المقصودة، و وسع قلبه حتى وسع علما بما تجلى له، و كشف له عن منزلته عنده، و قبوله لزيادة العلم به دائما، و تأهله للترقي في ذلك إلى غير نهاية دنيا و آخرة، و ما سخر في حقه مما في السموات و ما في الأرض جميعا، و نظر إلى نظر كل جزء من العالم إليه بعين التعظيم و الشفوف عليه، و رأى كل العالم في خدمته.
[سورة ق (50): الآيات 2 الى 6]
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6)
الإنسان ما أعطي النظر إلا ليستفيد، فمنور البصيرة من لا يزال مع الأنفاس يستفيد، و من ليست له هذه الحالة فليس بإنسان كامل الإنسانية.
[سورة ق (50): الآيات 7 الى 10]
وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)
«وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ» و هو الحركة إلى العلو.
[سورة ق (50): الآيات 11 الى 15]
رِزْقاً لِلْعِبادِ وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ (12) وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوانُ لُوطٍ (13) وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
«بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ»
[ «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» الآية:]
هذا في مفهوم العموم النشأة الآخرة، و قد يتناهى الأمر في نوع خاص كالإنسان، فإن أشخاص هذا النوع متناهية، لا أشخاص العالم، و لا يتناهى أيضا في خلق أشخاص النوع الإنساني، فعين كل شخص يتجدد في كل نفس، لا بد من ذلك، ففي مفهوم الخصوص تجدد النشأة في كل نفس دنيا و آخرة، فإن أدناه تغير الحال مع الأنفاس، فلا يزال الحق فاعلا في الممكنات الوجود، و لو لا تبديل الخلق مع الأنفاس لوقع الملل في الأعيان، فالخلق جديد حيث كان دنيا و آخرة، فدوام الإيجاد للّه تعالى، و من المحال بقاء حال على عين نفسين أو زمانين للاتساع الإلهي و لبقاء الافتقار على العالم إلى اللّه، فالتغيير له واجب في كل نفس،
و اللّه خالق فيه في كل نفس، فالأحوال متجددة مع الأنفاس على الأعيان، فنحن في خلق جديد بين وجود و انقضاء، فأحوال تتجدد، على عين لا تتعدّد، بأحكام لا تنفد، فهذا الخلق الجديد الذي أكثر الناس منه في لبس و شك ما هو إلا الاستحالة، فإن العالم كله محصور في ثلاثة أسرار: جوهره و صوره و الاستحالة، و ما ثم أمر رابع، فلا يزال العالم يستحيل دائما من الدنيا إلى الآخرة، و الآخرة بعضها إلى بعض، كما استحال منها ما استحال إلى الدنيا، كما ورد في الخبر في النيل و الفرات و سيحان و جيحان أنها من أنهار الجنة، استحالت فظهرت في الدنيا، بخلاف الصورة التي كانت عليها في الآخرة، فالاستحالة دائما و أبدا في الدنيا،
ثم نستحيل إلى البرزخ، و إذا استحلنا من البرزخ إلى الصور التي يكون فيها النشر و البعث سميت تلك الآخرة، و لا يزال الأمر في الآخرة في خلق جديد منها فيها، أهل الجنة في الجنة، و أهل النار في النار، إلى ما لا يتناهى، فلا نشاهد في الآخرة إلا خلقا جديدا في عين واحدة، فالعالم متناه لا متناه، و من ذلك تعلم أن العالم لا يخلو في كل نفس من الاستحالة، و لو لا أن عين الجوهر من الذي يقبل هذه الاستحالة في نفسه واحد ثابت لا يستحيل من جوهره، ما علم حين يستحيل إلى أمر ما ما كان عليه من الحال قبل تلك الاستحالة، غير أن الاستحالات قد يخفى بعضها و يدق، و بعضها يكون ظاهرا تحس به النفس، أمر اللّه تبارك و تعالى نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يقول (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) أي ارفع عنّي اللبس الذي يحول بيني و بين العلم بالخلق الجديد، فيفوتني خير كثير حصل في الوجود لا أعلمه، و الحجاب ليس إلا التشابه و التماثل، و لو لا ذلك لما التبس على أحد الخلق الجديد الذي للّه في العالم في كل نفس بكل شأن، فقال تعالى: «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» أي إنهم لا يعرفون أنهم في كل لحظة في خلق جديد، فما يرونه في اللحظة الأولى ما هو عين ما يرونه في اللحظة الثانية، و هم في لبس من ذلك، و بذلك يكون الافتقار للخلق دائما و أبدا، و يكون الحق خالقا حافظا على هذا الوجود وجوده دائما، بما يوجده فيه من خلق جديد لبقائه.
| فانظر فديتك فيما قد أتيت به | فالعلم يدرك ما لا يدرك البصر | |
| فرجال العلم أولى بالعبر | و رجال العين أولى بالنظر | |
| فالذي يوصف بالعقل له | قوة تخرجه عن البصر | |
| و الذي يوصف بالكشف له | صورة تسمو على كل الصور | |
| فتراه دائما في حاله | ظاهرا من غير إلى غير | |
و الخلق ما سمي خلقا إلا بما يخلق منه، فالخلق جديد و فيه حقيقة اختلاق، لأنه تنظر إليه من وجه فتقول هو حق، و تنظر إليه من وجه فتقول هو خلق، و هو في نفسه لا حق و لا غير حق، فإطلاق الحق عليه و الخلق كأنه اختلاق، فغلب عليه هذا الحكم فسمي خلقا، و انفرد الحق باسم الحق، إذ كان له وجوب الوجود لنفسه، و كان للخلق وجوب الوجود به، فالحق للوجود المحض، و الخلق للإمكان المحض، فما ينعدم من العالم و يذهب من صورته فمما يلي جانب العدم، و ما يبقى منه و لا يصح فيه عدم فمما يلي جانب الوجود، و لا يزال الأمران حاكمين على العالم دائما، فالخلق جديد في كل نفس دنيا و آخرة، و نفس الرحمن لا يزال متوجها، و الطبيعة لا تزال تتكون صورا لهذا النفس حتى لا يتعطل الأمر الإلهي، إذ لا يصح التعطيل، فصور تحدث، و صور تظهر، بحسب الاستعدادات لقبول النفس الرحماني إلى ما لا يتناهى، فالأول منها و إن كان صورة فهو المبدع، و الثاني ليس بمبدع، فإنه على مثاله، و لكنه مخلوق.
[سورة ق (50): آية 16]
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)
[ «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» الآية:]
جعل الحق بهذه الآية النفس أجنبية عن الإنسان، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم للإنسان المكلف: [إن لنفسك عليك حقا] فأضاف النفس إليه، و الشيء لا يضاف إلى ذاته، فجعل النفس غير الإنسان، و أوجب لها عليه حقا تطلبه منه، و لما علم تعالى أن إفراط القرب حجاب عظيم عن القرب، و حبل الوريد نعلم قربه و لا تراه أبصارنا، ذكرنا بنفسه فقال:
إنه أقرب إلينا من حبل الوريد، كذلك قرب الحق منا، نؤمن به و لا تدركه أبصارنا فقال:
«وَ نَحْنُ» جاء تعالى في القرآن الكريم بأسماء الكنايات، منها ما هو جمع، و منها ما هو مفرد، فالجمع مثل قوله نحن و إنّا، بكسر الهمزة و تشديد النون، و المفرد مثل قوله أنا و هو، فإذا كانت الكناية في عالم الألفاظ و الكلمات بلفظ الجمع، مثل نحن و إنا فللأسماء، لأن ما ثم كثرة إلا ما تدل عليه منه أسماؤه الحسنى، فإذا جمع نفسه مع أحديته فلأسمائه من حيث ما تدل عليه من الحقائق المختلفة، و ما مدلولها سواه، فإنها و مدلولاتها عينه و أسماؤه، و إذا أفرد فإنما يريد هويته لا أسماءه، و لا معنى لمن قال إن الجمع كناية عن العظمة، لا بل هو عين الكثرة، فقوله تعالى: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» يعني أنه بأسمائه أقرب إلينا منا، فوصف الحق نفسه بالقرب من عباده،
و ما خص إنسانا من إنسان، فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي، كما قال: (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) فهو تعالى أقرب إلينا من أنفسنا، لأن حبل الوريد منا، و الحبل الوصل، فهو أوصل، فإنه ما كان الوصل إلا به، فبه نسمع و نبصر و نقوم و نقعد و نشاء و نحكم، و هذه الأحكام ليست لحبل الوريد، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فإن غاية حبل الوريد منا الذي جاء له ما للعروق من الحكم في أنها مجرى الحياة و سكك الدم، فكان الحق أقرب إلى العبد من نفسه، فإنه أتى بأفعل من، فثمّ قريب و أقرب، فهو قريب بنزوله من العرش إلى السماء الدنيا، كما أخبر صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو أقرب فإنه معنا أينما كنا،
فهو تعالى أقرب من حبل الوريد، إلى كل شقي و سعيد، و في هذه الآية من رحمة اللّه بخلقه ما لا يقدر قدره إلا العارفون به، فلنا بهذه الآية جوار، و للجار حق مشروع، فينبغي للإنسان أن يحضر هذا الجوار الإلهي عند الموت، حتى يطلب من الحق ما يستحقه الجار على جاره من حيث ما شرع، و هو قوله لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يقول (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) أي الحق الذي شرعته لنا، فعاملنا به حتى لا ننكر شيئا منه مما يقتضيه الكرم.
[سورة ق (50): الآيات 17 الى 18]
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)
[ «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» الآية:]
وكّل اللّه تعالى بالعباد ملائكة يكتبون ما تلفظوا به من كلمات، و ظهر الكفر في العالم و الإيمان، بأن تكلم كل شخص بما في نفسه من إيمان و كفر، و كذب و صدق، لتقوم الحجة للّه على عباده ظاهرا بما تلفظوا به، فأنفاس الإنسان عليه معدودة، و تصرفاته محدودة، قال تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ» سمى الكلام باللفظ، لأن اللفظ الرمي، فرمت النفس ما كان عندها مغيبا بالعبارة إلى أسماع السامعين، و الملائكة الكتاب لا يكتبون على العبد من أفعاله السيئة إلا ما تكلم بها، و هو قوله تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» و هو الكاتب، فالملك الحافظ الكاتب عند الإنسان كل ما لفظ كتبه الملك، فلا يكتب إلا ما يلفظ به الإنسان، فإذا لفظه رمى به، فبعد الرمي يتلقاه الملك فيكتبه، فالملك يرقب حركة العبد و يكتب منه حركة لسانه إذا تلفظ، فيحصي عليه ألفاظه التي رمى بها، لا يترك منها شيئا حتى يوقفه اللّه عليها،
إما في الدنيا إن كان من أهل العناية، و إما في الآخرة في الموقف العام الذي لا بد منه، فاللّه يقيد كل قائل بما سمع منه، فلا يتخيل قائل أن اللّه أهمله و إن أمهله، فالملائكة يحصون الأقوال، و إن كانوا يعلمون ما تفعلون، كما قال تعالى: (وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) ما قال يكتبون، فعليك أن تراعي أقوالك كما تراعي أفعالك، فإن أقوالك من جملة أعمالك، روينا أن الملك لا يكتب على العبد ما يعمله حتى يتكلم به، فإذا تكلمت فتكلم بميزان ما شرع اللّه لك أن تتكلم به، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يمزح و لا يقول إلا حقا، فعليك بقول الحق الذي يرضي اللّه، فما كل حق يقال يرضي اللّه، فإن النميمة حق، و الغيبة حق، و هي لا ترضي اللّه، و راع ما نهاك اللّه أن تقوله في كتابه، فلا تقل ما نهاك اللّه عنه أن تقوله و تتلفظ به، فإنه كما نهاك عن أمور نهاك عن القول و إن كان حقا، ورد في الخبر الصحيح: [إن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط اللّه ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفا، و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيرفع بها في عليين] فلا تنطق إلا بما يرضي اللّه، لا بما يسخط اللّه عليك، و ذلك لا يتمكن لك إلا بمعرفة ما حده لك في نطقك، و هذا باب أغفله الناس، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [و هل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم] و قال الحكيم: لا شيء أحق بسجن من لسان، و قد جعله اللّه خلف بابين، الشفتين و الأسنان، و مع هذا يكثر الفضول و يفتح الأبواب، ثم إنه من كرم اللّه- و قد ورد به خبر- أن العبد إذا عمل السيئة قال الملك لصاحبه الذي أمره الحق أن يستأذنه في كتابة السيئة: أ أكتب؟ فيقول له: لا تكتب و أنظره إلى ست ساعات من وقت عمله السيئة، فإن تاب أو استغفر فلا تكتبها، و إن مرت عليه ست ساعات و لم يستغفر فاكتبها سيئة واحدة، و لا تكتبها إلا إذا تلفظ بها، بأن يقول: فعلت كذا، أو تكون السيئة في القول، فتكتب بعد مضي هذا القدر من الزمان، و أي مؤمن يمضي عليه ست ساعات لا يستغفر اللّه فيها؟.
[سورة ق (50): الآيات 19 الى 21]
وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (21)
الإنسان بين قضاء اللّه و قدره، فلا يقدر يتعداهما، فهما الحادي و الهادي، و هما السائق و الشهيد، و لهما الخلف و الأمام، و الناس اليوم في عمى عن شهود هذين و في الآخرة يرونهما، و السائق فيه إشارة للزجر و التهديد و الرهبوت.
[سورة ق (50): آية 22]
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
[ «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» الآية:]
في كشف الغطاء رفع الضرر و احتداد البصر، فإذا كشف الغطاء و جاء العطاء، تسرحت الحواس و ارتفع الالتباس، و تخلص النص و زال البحث و الفحص، فقد جمع التكليف شمل الكون، فلا تقل هذا حجر، و هذا شجر، فلا أبالي، غاية العين أن يعرفك الحجر و الشجر و الحيوان، و لا تعرفهم إلا بعد كشف الغطاء، و لا تقبل المعاذير– الوجه الأول- إذا كانت هذه الآية في حق الميت فمعناها: تدرك النّفس ما لم تكن أدركته بالموت، فهو يقظة بالنسبة لما كانت عليه في حال الحياة الدنيا، فإنه بالموت تنكشف الأغطية،
و يتبين الحق لكل أحد، و لكن ذلك الكشف في ذلك الوقت لا يعطي سعادة إلا لمن كان في العامة عالما بالتوحيد، فإذا كشف الغطاء فرأى ما علم عينا فهو سعيد، و أما أصحاب الشهود هنا فهو لهم عين، و عند كشف الغطاء تكون تلك العين لهم حقا، فينتقل أهل الكشف من العين إلى الحق، و ينتقل العالم من العلم إلى العين، و ما سوى هذين الشخصين فينتقلون من العمى إلى الإبصار، فيشهدون الأمر بكشف غطاء العمى عنهم، لا عن علم تقدم، فلا بد من مزيد لكل طائفة عند الموت و رفع الغطاء، و لهذا قال من قال من الصحابة: لو كشف الغطاء- فأثبت الغطاء- ثم قال: ما ازددت يقينا، يعني فيما علم إذا عاينه، فلا يزيد يقينا في العلم، لكن يعطيه كشف الغطاء أمرا لم يكن عنده، فيصح قوله ما ازددت يقينا في علمه إن كان ذا علم، و في عينه إن كان ذا عين، لا أنه لا يزيد بكشف الغطاء أمرا لم يكن له، إذ لو كان كذلك لكان كشف الغطاء في حق من هذه صفته عبثا معرى عن الفائدة، فما كان الغطاء إلا و وراءه أمر وجودي لا عدمي
– الوجه الثاني- ذلك قبل خروجه من الدنيا، فما قبض أحد من مؤمن و لا مشرك إلا على كشف حين يقبض، فيميل إلى الحق عند ذلك، و الحق التوحيد و الإيمان، فمن حصل له هذا اليقين قبل الاحتضار فمقطوع بسعادته و اتصالها، و لا يكون الاحتضار إلا بعد أن يشهد الأمر الذي ينتقل إليه الخلق، و ما لم يشاهد ذلك فما حضره الموت و لا يكون ذلك احتضارا، فمن آمن قبل ذلك الاحتضار بنفس واحد أو تاب نفعه ذلك الإيمان و المتاب عند اللّه في الدار الآخرة، و حاله عند قبض روحه حال من لا ذنب له، و سواء رده لذلك شدة ألم و مرض أوجب له قطع ما يرجوه من الحياة الدنيا أو غيره، فهو مؤمن تائب ينفعه ذلك، فإنه غير محتضر، فما آمن و لا تاب إلا لخميرة كانت في باطنه و قلبه لا يشعر بها، فما مال إلى ما مال إليه إلا عن أمر كان عليه في نفسه، لم يظهر له حكم على ظاهره، و لا له في نفسه إلا في ذلك الزمن الفرد الذي جاء في الزمان الذي يليه الاحتضار، و من حصل له هذا اليقين و الإيمان عند الاحتضار فهو في المشيئة، و إن كان المآل إلى السعادة، و لكن بعد ارتكاب شدائد في حق من أخذ لذنوبه
– الوجه الثالث- يعني عند الموت، أي يعاين ما هو أمره عليه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [يموت المرء على ما عاش عليه، و يحشر على ما عليه مات] و ما يعاينه إنما يعاينه شهودا بالبصر، لما تجسدت المعاني و ظهرت بالأشكال و المقادير، فيعاين المحتضر ما لا يعاينه الحاضر، و يرى ما لا يرى من عنده، من أهله الذين حجبهم اللّه تعالى عن رؤية ذلك إلى أن يأتيهم أجلهم، فالمحتضر يرى ما لا يراه جلساؤه، و يخبر جلساءه بما يراه و يدركه، و يخبر عن صدق، و الحاضرون لا يرون شيئا، كما لا يرون الملائكة و لا الروحانيين الذين هم معه في مجلس واحد، و لذلك شرع تلقين المحتضر، فإن الهول شديد و المقام عظيم، و هو وقت الفتنة التي هي فتنة المحيا التي استعاذ منها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أمر بالاستعاذة منها، فإنه يتمثل للمحتضر من سلف من معارفه على الصور التي يعرفهم فيها، و هم الشياطين، تتمثل إليه على صورهم بأحسن زي و أحسن صورة، و يعرفونه أنهم ما وصلوا إلى ما هم فيه من الحسن إلا بكونهم ماتوا مشركين باللّه، فينبغي للحاضرين عنده في ذلك الوقت من المؤمنين أن يلقنوه شهادة التوحيد، و يعرفوه بصورة هذه الفتنة ليتنبه بذلك، فيموت مسلما موحدا مؤمنا، فإنه عند ما يتلفظ بشهادة التوحيد و يتحرك بها لسانه، أو يظهر نورها في قلبه بتذكره إياها، فإن ملائكة الرحمة تتولاه و تطرد عنه تلك الصور الشيطانية التي تحضره، جعلنا اللّه عزّ و جل في ذلك المقام ممن يشهد ما يسره لا ما يسوءه آمين بعزته
[تحقيق: إذا انكشف الغطاء علمت أنه ما أعطاك إلا ما كان بيدك:]
– تحقيق- إذا انكشف الغطاء و كان البصر حديدا علمت أنه ما أعطاك إلا ما كان بيدك، فما زادك من عنده، و لا أفادك مما لديه إلا تغيير الصور، و لا يموت أحد من أهل التكليف إلا مؤمنا، عن علم و عيان محقق لا مرية فيه و لا شك، من العلم باللّه و الإيمان به خاصة، هذا هو الذي يعم، و ما بقي إلا هل ينفعه ذلك الإيمان أم لا؟
أما في رفع العقوبة فلا، إلا من اختصه اللّه مثل قوم يونس، و أما نفع ذلك الإيمان في المآل فإن ربك فعال لما يريد، فإذا احتد البصر و انكشف الغطاء و جاء العطاء، استدعى هناك صاحب الهوى عقله و ترك نقله، فوعزة العزيز ما نفعه، و تركه لمن صرعه، حاصدا ما زرعه، و اعلم أن اللّه متجل على الدوام، لا تقيد تجليه الأوقات، و الحجب إنما ترتفع عن أبصارنا، لذلك قال تعالى: «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ» فتجليه دائم و تدليه لازم، و الذي بين ذا و ذا أنك اليوم نائم، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [الناس نيام فإذا ماتوا انتهبوا] لما في الموت من لقاء اللّه، أ لا ترى إلى قوله في المحتضر «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» و لم يقل عقلك، فكل ما أنت فيه من الدنيا إنما هو رؤيا.
[سورة ق (50): آية 23]
وَ قالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23)
اعلم أن الإنسان إذا خلقه اللّه في أمة لم يبعث فيها رسول لم يقترن به ملك و لا شيطان، و يبقى يتصرف بحكم طبعه، ناصيته بيد ربه خاصة، فإذا بعث فيهم رسول أو خلق في أمة فيهم رسول لزمه من حين ولادته قرينان ملك و شيطان، من حين يولد، لأجل وجود الشرع، و أعطي لكل واحد من القرينين لمة يهمزه و يقبضه بها، و لا تقل إن المولود غير مكلف فلما ذا يقرن به هذان القرينان؟
فاعلم أن اللّه ما جعل له هذين القرينين في حق المولود، و إنما ذلك من أجل مرتبة والديه أو من كان، فيهمزه القرين الشيطان فيبكي، أو يلعب بيده فيفسد شيئا مما يكره فساده أبوه أو غيره، فتكون تلك الحركة من المولود الغير مكلف سببا مثيرا في الغير ضجرا أو تسخطا كراهة لفعل اللّه، فيتعلق به الإثم، فلهذا يقرن به الشيطان لا لنفسه، و كذلك الملك، و هو كل حركة تطرأ من المولود مما تثير في نفس الغير أمرا موجبا للشر أو الخير، فإن كان شرا فمن الشيطان، و إن كان خيرا فمن الملك.
[سورة ق (50): الآيات 24 الى 29]
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28)
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29)
[ «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ …» الآية:]
– الوجه الأول- «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» فما يكون منه إلا ما سبق به العلم، و هذا إخبار من اللّه تعالى، أزال الاختيار بإزالة الإمكان من العالم، و انتفى الإمكان بالنسبة إلى اللّه، فما ثمّ إلا أن يكون أو لا يكون، فليس في الكون واقع إلا أمر واحد، علمه من علمه و جهله من جهله، و ليس في الأصل إلا أمر واحد عند اللّه، و هكذا يكون اللّه علمه في الأشياء سابق لا يحدث له علم «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» لتصرفي في ملكي، فلم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور و الحيف
– الوجه الثاني- «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» لأنه خلاف المعلوم فوقوعه محال، فما حكم به العلم سبق به الكتاب، و ذلك لحكم الكتاب على الجميع، و في ذلك قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يبقى بينه و بين الجنة إلا شبر، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار] و كذلك قال في أهل الجنة، ثم قال: [و إنما الأعمال بالخواتيم] و هي على حكم السوابق، فلا يقضي اللّه قضاء إلا بما سبق الكتاب به أن يقضي، فعلمه تعالى في الأشياء عين قوله في تكوينه، فما يبدل القول لديه، فما حكم و سبق به العلم لا يتبدل عقلا و لا شرعا، لذلك قال تعالى: «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» و لرائحة الجبر في ذلك أعقبه تعالى بقوله:
«وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» لئلا يتوهم متوهم ذلك، إذ كان الحكم للعلم فيه، فما نجري عليهم إلا ما سبق به العلم، و لا أحكم فيهم إلا بما سبق به؛ و ما كتب تعالى إلا ما علم، و لا علم إلا ما شهد من صور المعلومات على ما هي عليه في أنفسها، ما يتغير منها و ما لا يتغير، فيشهدها كلها في حال عدمها على تنوعات تغييراتها إلى ما لا يتناهى، فلا يوجدها إلا كماهي عليه في أنفسها، فإنه ما علم تعالى إلا ما أعطته المعلومات، فالعلم يتبع المعلوم، و لا يظهر في الوجود إلا ما هو المعلوم عليه، فلله الحجة البالغة، لذلك قال: «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» أي ما قدرت عليهم الكفر الذي يشقيهم، ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به، بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم، و ما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم مما هم عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون، و من لم يعرف الأمر هكذا فما عنده خبر بما هو الأمر عليه، فالإنسان جاهل بما يكون منه قبل كونه، فإذا وقع منه ما وقع فما وقع إلا بعلم اللّه فيه، و ما علم إلا ما كان المعلوم عليه، فصح قوله (وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) و الرضا إرادة فلا تناقض بين الأمر و الإرادة، و إنما النقض بين الأمر و ما أعطاه العلم التابع للمعلوم، فهو فعال لما يريد، و ما يريد إلا ما هو عليه العلم، و هذا هو عين سر القدر لمن فهمه، و كم منع الناس من كشفه لما يطرأ على النفوس الضعيفة الإيمان من ذلك،
فليس سر القدر الذي يخفى عن العالم عينه إلا اتباع العلم المعلوم، فلا شيء أبين منه و لا أقرب مع هذا البعد، و سبق الكتاب هو إضافة الكتاب إلى ما يظهر به ذلك الشيء في الوجود، على ما شهده الحق في حال عدمه، فالكتاب سبق وجود ذلك الشيء، و الحكم للقول، و ذلك ليس إلا للّه، و من هنا تعلم ما هو النسخ، فإن مفهوم النسخ في القائلين به رفع الحكم بحكم آخر كان ما كان من أحكام الشرع، فإن السكوت من الشارع في أمر ما حكم على ذلك المسكوت عنه، فما ثمّ إلا حكم فهو تبديل، و قد قال تعالى: «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» فما ثمّ نسخ على هذا القول، و لو كان ثمّ نسخ لكان من الحكمة و صورته أن الزمان إذا اختلف اختلف الحكم بلا شك، فالنسخ ثابت أبدا لأن الاختلاف واقع أبدا، فالحكمة تثبت النسخ و الحكمة ترفع النسخ، و الفرق بين الحكمة و العلم أن الحكمة لها الجعل، و العلم ليس كذلك، لأن العلم يتبع المعلوم، و الحكمة تحكم في الأمر أن يكون هكذا، فيثبت الترتيب في أعيان الممكنات في حال ثبوتها بحكمة الحكيم، لأنه ما من ممكن إلا و يمكن إضافته إلى ممكن آخر لنفسه، لكن الحكمة اقتضت بحكمها أن ترتبه كما هو، بزمانه و حاله في حال ثبوته، و هذا هو العلم الذي انفرد به الحق تعالى و جهل منه،
و ظهر به الحكم في ترتيب أعيان الممكنات في حال ثبوتها قبل وجودها، فتعلق بها العلم الإلهي بحسب ما رتبها الحكيم عليه، فالحكمة أفادت الممكن ما هو عليه من الترتيب الذي يجوز خلافه، و الترتيب أعطى العالم العلم بأن الأمر كذا هو، فلا يوجد إلا بحسب ما هو عليه في الثبوت الذي هو ترتيب الحكيم عن حكم الحكمة، فما يبدل القول لديه، فإنه ما يقول إلا ما رتبته الحكمة، كما أنه ما علم إلا ما رتبته الحكمة- الوجه الثالث- القول الإلهي منه ما يقبل التبديل و منه ما لا يقبل التبديل، و هو إذا حق القول منه، فالقول الواجب لا يبدل، و القول المعروض يقبل التبديل، فقد تقدم القول من الحق لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم بالتكثير في الصلاة و بدله بالتخفيف و التقليل، و قال له في آخر رجعة «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ»– الوجه الرابع- «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» و هو الأمر الذي لا يعصيه مخلوق، و هو قوله (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ) هذا الأمر الذي لا يمكن للممكن المأمور به مخالفته.
[سورة ق (50): آية 30]
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)
يقول اللّه تعالى لجهنم «هَلِ امْتَلَأْتِ» فتقول: «هَلْ مِنْ مَزِيدٍ»، فإذا وضع الجبار فيها قدمه قالت: قطني قطني، و في رواية قط قط، أي قد امتلأت، فقد ملأها بقدمه على ما شاء سبحانه من علم ذلك، فيخلق اللّه فيها خلقا يعمرونها، ورد في الخبر الصحيح:
[إن اللّه لما خلق الجنة و النار قال لكل واحدة منها: لها علي ملؤها] أي أملؤها سكانا، إذ كان عمارة الدار بساكنها، و النار موجودة من العظمة، و الجنة موجودة من الكرم، فلهذا اختص اسم الجبار بالقدم للنار و أضافه إليه، لأن هذا الاسم للعظمة، و قدم الجبار ليست إلا غضب اللّه، فإذا وضعه فيها امتلأت، فإن المخلوق الذي من حقيقته أن يفني لا يملؤه مخلوق، فإنه كل ما حصل منه فيه أفناه، فلا يملأ مخلوقا إلا الحق، و غضب اللّه حق، فأنعم به على جهنم فوضعه فيها فامتلأت بحق.
[سورة ق (50): الآيات 31 الى 35]
وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ (35)
الوفاء من الحق وفاء وجوب و استحقاق، و زيادة لزيادة، و زيادة لا لزيادة، و هي الزيادة المذكورة في القرآن.
[سورة ق (50): الآيات 36 الى 37]
وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ (37)
«إِنَّ فِي ذلِكَ»
[ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ …» الآية:]
يشير إلى العلم باللّه من حيث المشاهدة «لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» يتقلب فيفهم قول اللّه، و يعقل به عن اللّه، و لم يقل تعالى غير ذلك، فإن القلب معلوم بالتقليب في الأحوال دائما، فهو لا يبقى على حالة واحدة، و كذلك التجليات الإلهية، فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها، فإن العقل يقيده، و غيره من القوى، إلا القلب فإنه لا يتقيد، و هو سريع التقلب في كل حال، و لذا قال الشارع: [إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء] فهو يتقلب بتقلب التجليات، و العقل ليس كذلك، فإن العقل تقييد من العقال، فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل، فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال لمن كان له قلب، فإن كل إنسان له عقل، و ما كل إنسان يعطى هذه القوة التي وراء طور العقل، المسماة قلبا في هذه الآية، فلا معنى للحس هاهنا، فإن استفاضة النور من عين البصيرة على ساحة القلب كانعكاس الشعاع من العين على المبصرات، فينظر إلى عجائب الملكوت،
و تتصل الأنوار و تنفتح عند ذلك العين الثانية في القلب، و هو عين اليقين، فإن للّه في القلب عينين، عين بصيرة و هو علم اليقين، و العين الأخرى عين اليقين، فعين البصيرة تنظر بالنور الذي يهدي به، و عين اليقين تنظر بالنور الذي يهدي إليه، قال تعالى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) و هو نور اليقين، و قال في النور الآخر: (وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) فإذا اتصل النور الذي يهدي به بالنور الذي يهدي إليه عاين الإنسان ملكوت السموات و الأرض، فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب لا بالعقل، ثم يقبلها العقل من القلب، فإن القلب له التقليب من حال إلى حال، و به سمي قلبا، فمن فسر القلب بالعقل فلا معرفة له بالحقائق، فالحق تعالى هو المقيد بما قيد به نفسه من صفات الجلال، و هو المطلق بما سمى به نفسه من أسماء الكمال، و هو الواحد الحق،الجلي الخفي، لا إله إلا هو العلي العظيم «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ»
– الوجه الأول- لخطاب اللّه الحق فألقى السمع لما قيل له و عرّف به– الوجه الثاني- «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» هم أهل الإيمان المقلدة، الذين قلدوا الأنبياء و الرسل فيما أخبروا به عن الحق لا من قلد أصحاب الأفكار و المتأولين الأخبار الواردة بحملها على أدلتهم العقلية، فهؤلاء الذين قلدوا الرسل صلوات اللّه و سلامه عليهم هم المرادون بقوله: «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» فالذي ينبغي للعبد أن يصغي إلى الحق و يخلي سمعه لكلامه، حتى يكون الحق هو الذي يتلوه بلسانه و يسمعه، و يتولى شرح كلامه و يترجم للعبد عن معناه، فيأخذ العلم منه لا من فكره و اعتباره، و إنما ألقى السمع لما يقوله الحق له، فيقول له: يا عبدي أردت بهذه الآية كذا و كذا، و بهذه الآية الأخرى كذا و كذا.
– الوجه الثالث- «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» فسمع باللّه «وَ هُوَ شَهِيدٌ»– الوجه الأول- «وَ هُوَ شَهِيدٌ» فأبصر باللّه.– الوجه الثاني- «وَ هُوَ شَهِيدٌ» أي حاضر معه فيما يلقى إليه المخبر، فيمثله نصب عينيه، فكأنه يشاهده، فإنه خبر صدق جاء به صادق أمين فهو تنبيه على حضرة الخيال و استعمالها، و هو قوله عليه السلام في الإحسان [أن تعبد اللّه كأنك تراه] و [اللّه في قبلة المصلي] فلذلك هو شهيد.
– الوجه الثالث- «وَ هُوَ شَهِيدٌ» لمواقع الخطاب الإلهي على الشهود و الكشف.– الوجه الرابع- «وَ هُوَ شَهِيدٌ» لتقلبه في نفسه، فيعلم أن الأمر كذلك– الوجه الخامس- «وَ هُوَ شَهِيدٌ» لما يحدث اللّه في كونه من الشأن، فإنه قال: «إِنَّ فِي ذلِكَ» إشارة إلى قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) مع غير ذلك «لَذِكْرى» لعبرة «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» أي لمن له فطنة بالتقلب في الأحوال، أو تقلب الأحوال عليه، فيعلم من ذلك شئون الحق و حقائق الأيام التي الحق فيها في شأن، فالشأن واحد العين و القوابل مختلفة كثيرة، يتنوع فيها هذا الشأن بتنوعها و اختلافها، فهو من اللّه واحدة، و في صور العالم كثيرة، «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» لما يتلى عليه من قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) و أمثاله «وَ هُوَ شَهِيدٌ» من نفسه تقلب أحواله، فيكون على بصيرة في ذلك من اللّه، فحصرت الآيات في السمع و البصر، فإما شهود و إما خبر، فإن المراد من جميع التكليف سلامة القلب، و من لم يكن له قلب سليم فلا أقل من الحضور لفهم المسموع أو التفهيم، فإن من السمع الفهم عن اللّه سبحانه، قال تعالى: (وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) فمن ألقى السمع و هو شهيد فهو عارف، و حظه السماع من التنزيل العزيز و البكاء، و إياه أراد بقوله: (وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) الآية، فمن كان سمعه كذلك فعليه التخلق بما يسمع، و المبادرة إلى الانقياد للتكليفات في جميع الأعضاء و القوابل في ظاهره و باطنه، و فعل ما قدر عليه من المندوبات، و اجتناب ما سمع النهي عنه من المحرمات، و التعفف عن المكروهات، و ترك فضلات المباحات بجميعه، فقد خوطب بذلك على التفصيل،
فأما من له قلب فإنه بجميعه سمع، كما أنه بجميعه يد، كما أنه بجميعه رجل، كما أنه بجميعه فرج، كما أنه بجميعه قلب، و لا يكون شهيدا، إلا أن يقطع بأن ما سمعه حق، لا من جوّز سواه، و من جوّز ذلك فعليه تعلم الإيمان بالمبادرة إلى امتثال ما سمع، فإن من عمل على الشك صادقا في طلبه أورثه اليقين، و اللّه يقول: (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) فلو سمعوا لاستجابوا، فبادر أيها السالك إلى مفهومك، مما سمعت، و لا تقف على البواطن، فالذي يلزمك مفهومك، و من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لا يعلم (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً) فإن أدركت زائدا على الظاهر موافقا مراد الآمر فبفضل اللّه على عقلك، و إلا فلا حكم لعقلك على سمعك، سيما بعد الشهادة، فاتهم عقلك مبادرا إلى ما فهمت من ظاهره، و من لم يكن له قلب و لا ألقى السمع و هو شهيد فليس من أهل الذكرى.
[سورة ق (50): آية 38]
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38)
«وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» فأضاف الحق العمل إليه، و ذكر في الخلق أنه بيديه و بأيد و بيده و بقوله، قال تعالى: «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» مع قدرته على خلقه إياها دفعة واحدة من غير تدريج، لكن القدرة لا تؤثر في القدر، و إنما أثرها في المقدور بشاهد القدر، فإن شهد بها القدر بالتأثير أثرت، و إلا أمسكت عن إذن القدر لا عن نفسها، فمن حكم القدر كونها في ستة أيام، فلا سبيل إلى عدول القدرة عما حكم به القدر، «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» ثم أعلمنا أنه و إن اتصف بالعمل أنه لم يؤثر فيه تعب فقال:
«وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ» فيما خلقه، و هو قوله: (وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) فإن اللغوب هو الإعياء، ورد أنه سبحانه نظر إلى ما خلق في يوم السبت، فاستلقى و وضع إحدى رجليه على الأخرى و قال: أنا الملك لظهور الملك، و لهذا سمي يوم السبت، و السبت الراحة، و لهذا أخبر تعالى أنه ما مسه من لغوب فيما خلقه، فهي راحة لا عن إعياء كما هي في حقنا.
[سورة ق (50): الآيات 39 الى 41]
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبارَ السُّجُودِ (40) وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41)
من المعلوم أن بعثة الخلائق و حشرهم يكون من الأرض المقدسة، و قد فسر قوله تعالى:
«وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» أي من صخرة بيت المقدس.
[سورة ق (50): الآيات 42 الى 45]
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45)
«نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ» أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان، و إنما وظيفتك أن تبلغ عنا ما نزل إليهم، و أمرهم إلينا «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ».
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 183