تفسیر ابن عربی سوره القمر

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة القمر

(54) سورة القمر مكيّة

[سورة القمر (54): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (1)

[انشقاق القمر على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:]

ورد في الخبر عن الصاحب أن القمر انشق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عند سؤال طائفة من العرب أن يكون لهم آية على صدقه، فانشق، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: اشهدوا. و قال تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ» فلا يدرى هل أراد الانشقاق الذي وقع فيه السؤال؟ و هو الظاهر من الآية فإنه أعقب الانشقاق بقوله:

[سورة القمر (54): آية 2]

وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)

و كذا وقع القول منهم لما رأوا ذلك، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم للحاضرين:

[اشهدوا] لوقوع ما سألوا وقوعه، و ما لهم إلا ما ظهر، و هل هو ذلك الواقع في نفس الأمر أو في نظر الناظر؟ هذا لا يلزم، فإنه لا يرتفع الاحتمال إلا بقول المخبر إذا أخبر أنه في نفس الأمر كما ظهر في العين، و قول المخبر هو محل النزاع، و ما اشترطوا في سؤالهم أن لا يظهر منهم ما ظهر منهم من الإعراض عند وقوع ما سألوا وقوعه، فلم يلزم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أكثر مما وقع فيه من السؤال، ثم جاء الناس من الآفاق يخبرون بانشقاق القمر في تلك الليلة، و لهذا قال اللّه تعالى عنهم: إنهم قالوا فيه‏ «سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» فقال اللّه:

[سورة القمر (54): آية 3]

وَ كَذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3)

و كان ذلك الأمر ما كان.

[سورة القمر (54): الآيات 4 الى 8]

وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى‏ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)

«مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ» و هو اللّه تعالى‏ «يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ».

 

[سورة القمر (54): الآيات 9 الى 14]

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَ قالُوا مَجْنُونٌ وَ ازْدُجِرَ (9) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَ حَمَلْناهُ عَلى‏ ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ (13)

تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14)

«تَجْرِي بِأَعْيُنِنا» أي بحيث نراها، يشير الحق بذلك إلى أنه يحفظها، لأن المحفوظ لا يختفي عنه، و قال تعالى: «بِأَعْيُنِنا» فكثر دلالة على أنها تجري في حفظ اللّه من حفظ إلى حفظ، و وصف الحق نفسه بالأعين لأن مدبر السفينة يحفظها، و المقدم يحفظها، و صاحب الرجل يحفظها، و كل من له تدبير في السفينة يحفظها، بل يحفظ ما يخصه من التدبير، فقال تعالى فيها: إنها تجري بأعين الحق، و ما ثمّ إلا هؤلاء، و هم الذين وكّلهم اللّه بحفظها، فكل حافظ في العالم أمرا ما فهو عين الحق، إذ الحفظ لا يكون إلا ممن لا يغالب على محفوظه و لا يقاوى على حفظه، و الحق تعالى مع بعض عباده بالولاية و العناية و الكلاءة و الرعاية، فله تعالى عين في كل أين، و لذلك قال: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنا» فجمع، و القول الحق إذا جاء صدع، فكل مدبر عينه، و كل عامل يده و كونه.

[سورة القمر (54): الآيات 15 الى 49]

وَ لَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (16) وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19)

تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (21) وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (24)

أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ (27) وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى‏ فَعَقَرَ (29)

فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34)

نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ (37) وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ (39)

وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَ لَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44)

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)

 

[ «إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» الآية- علم القضاء و القدر:]

كل شي‏ء بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس، فكل شي‏ء بقضائه أي بحكمه، و قدره أي وزنه، و هو تعيين وقت، حالا كان وقته أو زمانا أو صفة أو ما كان، فالقضاء الذي له المضي في الأمور هو الحكم الإلهي على الأشياء بكذا، و هو مجمل، و المقضي به تفصيل ذلك المجمل و هو القدر، لأن القدر توقيت الحكم، فالقدر ما يقع بوجوده في موجود معين المصلحة المتعدية منه إلى غير ذلك الموجود، فالقضاء في أم الكتاب،

و يطلبه حكم الإمام المبين الذي فيه ما يتكون عن المكلفين خاصة و هو القدر، و كلا الكتابين محصور لأنه موجود، و علم اللّه في الأشياء لا يحصره كتاب مرقوم، فالقضاء يحكم على القدر، و القدر لا حكم له في القضاء، بل حكمه في المقدّر لا غير بحكم القضاء، فالقاضي حاكم و المقدار مؤقت، فالقدر التوقيت في الأشياء، فما أنزل اللّه شيئا إلا بقدر معلوم، و لا خلق شيئا إلا بقدر، و بالقدر تقوم الحجة للّه في عباده، فكل شي‏ء بقضاء و قدر أي بحكم مؤقت، فمن حيث التوقيت المطلق يجب الإيمان بالقدر خيره و شره حلوه و مره، و من حيث التعيين يجب الإيمان به لا الرضا ببعضه، فإن اللّه تعالى أمرنا بالرضا قبل القضاء مطلقا،

فعلمنا أنه يريد الإجمال، فإذا فصّله حال المقضي عليه بالمقضي به انقسم إلى ما يجوز الرضا به و إلى ما لا يجوز، و علم القدر طوي عن كل ما سوى اللّه، فإن القدر نسبة مجهولة خاصة، و هو مرتبة بين الذات و بين الحق من حيث ظهوره، فلا يعلم أصلا و عز عن العلم به أو تصوره، فلا ينال أبدا، و قد كان العزير رسول اللّه عليه السلام كثير السؤال عن القدر إلى أن قال له الحق: يا عزير لئن سألت عنه لأمحون اسمك من ديوان النبوة، فإن من علم اللّه علم القدر، و من جهل اللّه جهل القدر، و اللّه سبحانه مجهول، فالقدر مجهول، و سبب طي علم القدر، سبب ذاتي، حتى لا يشارك الحق في علم حقائق الأشياء من طريق الإحاطة بها، إذ لو علم أي معلوم كان بطريق الإحاطة من جميع وجوهه كما يعلمه الحق لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشي‏ء، فالعبد جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقا بمعلومه، فلا يصح أن يقع الاشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما، و من المعلومات العلم بالعلم، و ما من وجه من المعلومات إلا و للقدر فيه حكم لا يعلمه إلا اللّه،

فلو علم القدر علمت أحكامه، و لو علمت أحكامه لاستقل العبد في العلم بكل شي‏ء، و ما احتاج إلى الحق في شي‏ء، و كان الغنى له على الإطلاق، لذلك طواه اللّه عن عباده، و من الأسباب التي لأجلها طواه عن الإنسان كون ذات الإنسان تقتضي البوح به، لأنه أسنى ما يمدح به الإنسان و لا سيما الرسل، فحاجتهم إليه آكد من جميع الناس، لأن مقام الرسالة يقتضي ذلك، و ما ثمّ علم و لا آية أقرب للدلالة على صدقهم من مثل هذا العلم، و الرسالة تعطي الرغبة في هداية الخلق أجمعين، و لا طريق للهداية أوضح من هذا الفن، فالذي كانوا يلقونه من الكتم من الألم و العذاب في أنفسهم لا يقدر قدره، لأن الغيرة الإلهية اقتضت طي هذا العلم عمن لا ينبغي أن يظهر عليه، فخفف اللّه عن الرسل مثل هذا الألم فطوى هذا العلم عنهم، فإن النشأة العنصرية تقتضي عدم الكتم فيما ينبغي أن تمدح به.

 

[سورة القمر (54): آية 50]

وَ ما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50)

[ «وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» الآية]

الأمر الإلهي كلمة واحدة كلمح بالبصر، و ليس في التشبيه الحسي أعظم و لا أحق تشبيها به من اللمح بالبصر، فإن البصر لا شي‏ء أسرع منه، فإن زمان لمحة العين- أي زمان التحاظه- عين زمان تعلقه بالملموح، و لو كان في البعد ما كان، فهو زمان التحاقه بغاية ما يمكن أن ينتهي إليه في التعلق، و أبعد الأشياء في الحس الكواكب الثابتة التي في فلك المنازل، و عند ما تنظر إليها يتعلق اللمح بها، فهذه سرعة الحس، فما ظنك بالمعاني المجردة عن التقييد في سرعة نفوذها؟

فإن للسرعة حكما في الأشياء لا يكون لغير السرعة، و من هنا يعرف قول الحق للشي‏ء؛ كن فيكون؛ فحال كن الإلهية حال المكون المخلوق‏ «وَ ما أَمْرُنا» و هو قوله: كن‏ «إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» و من أراد أن يعرف ذلك في صورة نش‏ء العالم و ظهوره، و سرعة نفوذ الأمر الإلهي فيه و ما أدركت الأبصار و البصائر منه، فلينظر إلى ما يحدث في الهواء من سرعة الحركة بجرة النار في يد المحرك لها، إذا أدارها، فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطا مستطيلا إن أخذ بالحركة طولا أو أي شكل شاء، و لا تشك أنك أبصرت دائرة نار و لا تشك أن ما ثمّ دائرة،

و إنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة، فالدائرة مثل عين الصورة المخلوقة الظاهرة لإدراك العين عن قوله: كن، فتحكم من حيث نظرك ببصرك و بصيرتك و فكرك أنه خلق و بعلمك و كشفك أنه حق مخلوق به، و اعلم أن الكيفيات لا تنقال، و لكن تقال بضرب من التشبيه، فإن أمره واحدة أي كلمة واحدة مثل لمح بالبصر، فإن اللمحة الواحدة من البصر تعمّ من أحكام المرئيات من حيث الرائي إلى الفلك الأطلس جميع ما يحوي عليه في تلك اللمحة من الذوات و الأعراض القائمة بها من الأكوان و الألوان، و شبّه الإمضاء بلمح البصر، و سبب ذلك أن الذي يصدر منه الأمر لا يتقيد، فهو في كل مأمور بحيث أمر، فينفذ الأمر بحكمه دفعة واحدة.

[سورة القمر (54): الآيات 51 الى 53]

وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53)

«وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» في اللوح المحفوظ، و هو القضاء و القدر، فما فيه إلا ما يقع، و لا ينفذ الملائكة الولاة في العالم إلا ما فيه، و ما من حدث يحدث اللّه في العالم إلا و قد وكل اللّه بإجرائه ملائكة.

[سورة القمر (54): آية 54]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ (54)

[إشارة: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ» الآية:]

أي في ستر وسعة– إشارة- في ستور علوم جارية واسعة، كلما قلت: هذا؛ جاء غيره، لأن النهر جار على الدوام بالأمثال.

[سورة القمر (54): آية 55]

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)

«فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ» في حضرة منيعة، و ما أقعدهم ذلك المقعد إلا صدقهم‏ «عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ»

[الاسم الإلهي القادر و المقتدر:]

فإن الاقتدار يناسب الصدق، فإن معناه القوي، يقال: رمح صدق، أي صلب قوي، و لما كانت القوة صفة هذا الصادق، حيث قوي على نفسه فلم يتزين بما ليس له، و التزم الحق في أقواله و أحواله و أفعاله و صدق فيها، أقعده الحق عند مليك مقتدر، أي أطلعه على القوة الإلهية التي أعطته القوة في صدقه الذي كان عليه، فإن الملك هو الشديد أيضا، فهو مناسب للمقتدر، يقال: ملكت العجين إذا شددت عجنه، فالمتقي ما نال مقعد الصدق إلا من كونه محقا، لأنه صادق في تقواه‏ «عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» عند ملك ماضي الكلمة في ملكه، لأنهم كل ما همّوا به انفعل لهم، و حكم الاقتدار ما هو حكم القادر، فالاقتدار حكم القادر في ظهور الأشياء بأيدي الأسباب، و الأسباب هي المتصفة بكسب القدرة، فهو تعالى المقتدر على كل ما يوجده عند سبب أو بسبب، كيف شئت قل، فما أوجده على أيدي الأسباب هو قوله: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا) و ليست سوى الأسباب‏

– اعتبار-

اعترضت لي عقبة وسط الطريق في السفر
فأسفرت عن محن‏ فيمن طغى أو من كفر
من دونها جهنم‏ ذات زفير و سعر
ترمي من الغيظ وجو ه المجرمين بشرر
بحورها قد سجرت‏ و سقفها قد انفطر
و شمسها قد كورت‏ و نجمها قد انكدر
أتيتكم أخبركم‏ لتعرفوا معنى الخبر
و لا تقولوا مثل من‏ قال فما تغني النذر؟
فكان من أمرهم‏ ما قد سمعتم و ذكر
قالوا: و قد دعاكم‏ الداعي إلى شي‏ء نكر
فيخرجون خشّعا مثل الجراد المنتشر
شعثا حفاة حسرا في يوم نحس مستمر
إلى عذاب و ثوى‏ إلى خلود في سقر
فلو ترى نبيهم‏ حين دعاهم فازدجر
و قد دعا مرسله‏ أني ضعيف فانتصر
فقال: يا عين انسكب‏ و أنت يا أرض انفجر
حتى التقى الماء على‏ أمر حكيم قد قدر
فاصطفقت أمواجه‏ و ذاكم البحر الزخر
فالحكم حكم فاصل‏ و الأمر أمر مستقر
و أمره واحدة كمثل لمح بالبصر
سفينة قامت من أل واح نجاة و دسر
تجري بعين حفظه‏ وعدا لمن كان كفر
تسوقها الأرواح عن‏ أمر مليك مقتدر
أنزلها الجود على ال جودي فقالوا: لا وزر
ناداهم الحق اخرجوا منها أنا عين الوزر
حطوا و قالوا: ربنا لديك نعم المستقر
فيا سماء أقلعي‏ من سح ماء منهمر
و أنت يا أرض ابلعي‏ ماءك و اخزن و احتكر
قد قضي الأمر فمن‏ كان عدوا قد غبر
تركتها تذكرة لكم فهل من مدّكر؟
و كل ما كان و ما يكون منكم مستطر
و إن ما يفعله‏ في الكون من خير و شر
مقدّر مؤقت‏ كذا أتانا في الزّبر
الموت سم ناقع‏ و الحشر أدهى و أمر
سفينكم أجسامكم‏ في بحر دنيا قد زخر
و أنتم ركابها و أنتم على خطر
ما لكم من ساحل‏ غير القضاء و القدر
فابتهلوا و اجتهدوا فما من اللّه مفر
هذا الذي أشهدته‏ في ليلتي حتى السحر
فازدجروا و اعتبروا و اتعظوا بمن غبر
فالكل و اللّه بلا شك على ظهر سفر

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 232

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=