تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره مريم

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة مريم

الجزء الثاني‏

سورة مريم‏

[1- 11]

[سورة مريم (19): الآيات 1 الى 11]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نادى‏ رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)

وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى‏ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً (9)

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (11)

كهيعص‏ قد تقدم فيما سلف أن كل طالب ينادي ربّه و يدعوه إنما يستحق الإجابة إذا دعاه بلسان الحال و ناداه باسمه الذي هو مصدر مطلوبه بحسب اقتضاء استعداده في ذلك الحال، علم أو لم يعلم، إذ العطاء و الفيض لا يكون إلا بحسب الاستعداد، و الاستعداد لا يطلب إلا مقتضى ذلك الاسم فيجيبه بتجلي ذلك الاسم الذي يجبر نقصه و يقضي حاجته بإفادة مطلوبه كما أن المريض إذا قال: يا ربّ، فمراده: يا شافي، إذ الحق يبريه بذلك الاسم عند إجابته.

و كذا الفقير إذا ناداه أجابه باسمه المغني إذ هو ربّه. فنادى زكريا عليه السلام ربّه ليهب له وليّا يقوم مقامه في أمر الدين، و توسل إليه بأمرين، و اعتذر إليه معتلا بأمرين، توسل بالضعف و الشيخوخة و الوهن و العجز عن القيام بأمر الدين في قوله: وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فأجابه باسمه الكافي فكفاه ضعفه و أعطاه القوّة و أيّده بالولد ثم بعنايته به قديما بقوله: وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا فأجابه باسمه الهادي و هداه إلى مطلوبه بالبشارة و الوعد، لأن العناية[1] المقتضية للسعادة المستلزمة لسلب الشقاوة، كما أشار إليها، يلازمها عبارة عن علمه تعالى في الأزل بعين في العدم و تقتضي باستعدادها سعادة تناسبها و هو عين إرادته تعالى ذلك الكمال لها عند وجودها فلا بد من هداية لها إليه، و الهداية إنما تتم بالتوفيق، و هو ترتيب الأسباب الموافقة لذلك المطلوب المؤدّية إليه، و لم يجدها موافقة و وجد خلافها فخاف و اعتذر إليه بالخوف من الموالي لعدم صلاحيتهم لذلك، فأجابه باسمه الواقي، فوقاه شرّهم، و بامتناع وجود الولي من نسله لعدم الأسباب بقوله: وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فأجابه باسمه العليم لأنه علم عدم الأسباب الذي تعلل به محتجا بها عن المسبب و علم وجوده مع عدمها و ما علمه لا بدّ من كونه، كما قالت الملائكة لامرأة إبراهيم عليه السلام:كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ‏[2].

و لما بشره بالولد، و هداه إلى مقتضى العلم، تعجب منه لضراوته في عالم الأسباب بالحكمة و كرر التعلل بعدم الأسباب بقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ‏ إلخ، لأنه كان يطلب ولدا حقيقيا يلي أمره و يحذو حذوه و يسلك طريقه في القيام بأمر الدين و إن لم يكن من نسله لعدم أهلية مواليه لذلك، فكرر البشارة و هداه إلى سهولة ذلك في قدرته، فالتمس علامة تدل عليه، فهداه إليها و أنجز وعده باسمه الصادق فرحمه بهبة يحيى له. فاقتضت الأحوال الأربعة مع حال الوعد و البشارة إجابته بالرحمة عليه بالأسماء الخمسة.

فعلى هذا يكون (ك) إشارة إلى الكافي الذي اقتضاه حال ضعفه و شيخوخته و عجزه و (ه) إشارة إلى الهادي الذي اقتضاه عنايته به و إرادة مطلوبه له و (ي) إشارة إلى الواقي الذي اقتضاه حال خوفه من الموالي و (ع) إشارة إلى العالم الذي اقتضاه إظهاره لعدم الأسباب و (ص) إشارة إلى الصادق الذي اقتضاه الوعد. و مجموع الأسماء الخمسة هو: الرحيم بهبة الولد، و إفاضة مطلوبه في هذه الأحوال.

فذكر هذه الحروف و تعدادها إشارة إلى أن ظهور هذه الصفات التي حصل بها هذه الأسماء هو ظهور رحمة عبده زكريا وقت ندائه و ذكرها ذكر تلك الرحمة التي هي وجود يحيى عليه السلام. و لهذا قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: (ك) عبارة عن الكافي و (ه) عن الهادي و (ي) عن الواقي و (ع) عن العالم و (ص) عن الصادق و اللّه أعلم.

و التطبيق أن يقال: نادى زكريا الروح في مقام استعداد العقل الهيولاني نداء خفيّا، و اشتكى ضعفه، و توسل بعنايته، و اشتكى خوف موالي القوى النفسانية و عقر امرأة النفس بولد القلب‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏ العقل الفعّال‏ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا موصوفا بالكمالات المرضية نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ‏ القلب‏ اسْمُهُ يَحْيى‏ لحياته أبدا رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أتوصل بها إليه‏ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ‏ ناس الحواس بالشواغل الحسيّة و المخالطة بالأمور الطبيعية فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا أي: كونوا على عبادتكم المخصوصة بكل واحد منكم بالرياضة و ترك الفضول دائما.

 

 

 

[12- 15]

[سورة مريم (19): الآيات 12 الى 15]

يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا وَ زَكاةً وَ كانَ تَقِيًّا (13) وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (14) وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

يا يَحْيى‏ القلب‏ خُذِ كتاب العلم، المسمى بالعقل الفرقاني‏ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ‏ أي:الحكمة صَبِيًّا قريب العهد بالولادة المعنوية وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا أي: رحمة بكمال تجليات الصفات‏ وَ زَكاةً أي: تقدّسا و طهارة بالتجرّد وَ كانَ تَقِيًّا مجتنبا صفات النفس‏ وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ‏ الروح و النفس‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ‏ أي: تنزّه و تقدّس عن ملابسة المواد يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ‏ بالفناء في الوحدة وَ يَوْمَ يُبْعَثُ‏ بالبقاء بعد الفناء حَيًّا باللّه.

 

 

 

[16- 24]

[سورة مريم (19): الآيات 16 الى 24]

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا المكان الشرقي هو مكان العالم القدسي لاتصالها بروح القدس عند تجرّدها و انتباذها عن ممكن الطبيعة و مقرّ النفس و أهلها القوى النفسانية و الطبيعية. و الحجاب الذي اتخذته من دونهم هو حظيرة القدس الممنوع من أهل عالم النفس بحجاب الصدر الذي هو غاية مبلغ علم القوى المادية و مدى سيرها، و ما لم تترق إلى العالم القدسي بالتجرد لم يمكن إرسال روح القدس إليها، كما أخبر عنه تعالى في قوله: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا و إنما تمثل لها بشرا سويّ الخلق، حسن الصورة، لتتأثر نفسها به و تستأنس فتتحرّك على مقتضى الجبلة و يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها، فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام و تنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد.

و قد مرّ أن الوحي قريب من المنامات الصادقة لهذه القوة البدنية و تعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم، فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا: قلبا، و الاتصالات التي لها بالأرواح القدسية يسري في النفس الحيوانية و الطبيعية و ينفعل منه البدن. و إنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن منيّ الذكر في تكوّن الولد بمنزلة الإنفحة في الجبن، و منيّ الأنثى بمنزلة اللبن أي:

العقد من منيّ الذكر، و الانعقاد من منيّ الأنثى لا على معنى أنّ منيّ الذكر ينفرد بالقوة العاقدة  و منيّ الأنثى بالقوة المنعقدة. بل على معنى أنّ القوة العاقدة في منيّ الذكر أقوى و المنعقدة في منيّ الأنثى أقوى و إلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. و لم ينعقد منيّ الذكر حتى يصير جزء من الولد، فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس، القوية القوى، و كان مزاج كبدها حارّا كان المنيّ المنفصل عن كليتها اليمنى أحرّ كثيرا من الذي ينفصل عن كليتها اليسرى، فإذا اجتمعا في الرحم و كان مزاج الرحم قويا في الإمساك و الجذب.

قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام الذكر في شدّة قوة العقد و المنفصل من الكلية اليسرى مقام منيّ الأنثى في قوة الانعقاد فيتخلق الولد، هذا و خصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة و البدن و يغير المزاج و يمدّ جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس و اللّه أعلم.

وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ‏ دالة على البعث و النشور وَ رَحْمَةً منا عليهم بتكميلهم به بالشرائع و الحكم و المعارف و هدايتهم بسبب فعلنا ذلك فهو صورة الرحمة الإلهية المعنوية وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا في اللوح، مقدرا في الأزل. و عن ابن عباس: فاطمأنت إليه بقوله:إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا فدنا منها، فنفخ في جيب الدرع، أي: البدن، و هو سبب إنزالها على ما ذكرنا كالغلمة مثلا و المعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال.

و قيل: إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله و اتصاله بها و تعلقه بنطفتها، و الحق أنه روح القدس لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده، كما قال: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا. و اتصال روح عيسى بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم و استقرارها فيه ريثما تمتزج و تتحد و تقبل مزاجا صالحا لقبول الروح‏ فَانْتَبَذَتْ بِهِ‏ أي: معه‏ مَكاناً قَصِيًّا أي: بعيدا من المكان الأول الشرقي لأنها وقعت به في المكان الغربي الذي هو عالم الطبيعة و الأفق الجسماني، و لهذا قال: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَةِ نخلة النفس‏ فَناداها مِنْ تَحْتِها أي: ناداها جبريل من الجهة السفلية بالنسبة إلى مقامها من القلب، أي:

من عالم الطبيعة الذي كان حزنها من جهته و هو الحمل الذي هو سبب تشوّرها و افتضاحها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أي: جدولا من غرائب العلم الطبيعي و علم توحيد الأفعال الذي خصك اللّه بها و اصطفاك كما رأيت من تولد الجنين من نطفتك وحدها.

 

 

 

 

[25- 34]

[سورة مريم (19): الآيات 25 الى 34]

وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32) وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)

وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ‏ نخلة نفسك التي بسقت في سماء الروح باتصالك بروح القدس، و اخضرّت بالحياة الحقيقية بعد يبسها بالرياضة و جفافها بالحرمان عن ماء الهوى و حياته، و أثمرت المعارف و المعاني، أي: حركيها بالفكر تُساقِطْ عَلَيْكِ‏ من ثمرات المعارف و الحقائق‏ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي‏ أي: من فوقك رطب الحقائق و المعارف الإلهية و علم تجليات الصفات و المواهب و الأحوال‏ وَ اشْرَبِي‏ من تحتك ماء العلم الطبيعي و بدائع الصنع و غرائب الأفعال الإلهية و علم التوكل و تجليات الأفعال و الأخلاق و المكاسب، كما قال تعالى:

لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏[3] وَ قَرِّي عَيْناً بالكمال و الولد المبارك الموجود بالقدرة، الموهوب بالعناية فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً أي: من أهل الظاهر المحجوبين عن الحقائق بظواهر الأسباب و بالصنع و الحكمة عن الإبداع و القدرة الذين لا يفهمون قولك و لا يصدّقون بك و بحالك لوقوفهم مع العادة، و احتجابهم بالعقول المشوبة بالوهم المحجوبة عن نور الحق‏ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي: لا تكلميهم في أمرك شيئا و لا تماديهم فيما لا يمكنهم قبوله حتى ينطق هو بحاله‏ وَ السَّلامُ عَلَيَ‏ في المواطن الثلاثة كما على يحيى لكون ذاتي مجردة مقدّسة لا تحتجب بالمواد حتى في الطفولة، إذ معنى السلام: التنزّه عن العيوب اللاحقة بواسطة تعلق المادة ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ‏ أي: كلمته التي هي عبارة عن ذات مجرّدة أزلية، كما مرّ غير مرة.

 

 

 

[35- 39]

[سورة مريم (19): الآيات 35 الى 39]

ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39)

ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ لامتناع وجود شي‏ء آخر معه‏ سُبْحانَهُ‏ عن أن يوجد معه شي‏ء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ أي: يبدعه بمجرّد تعلق إرادته به من غير زمان.

 

 

 

[40- 51]

[سورة مريم (19): الآيات 40 الى 51]

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40) وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44)

يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى‏ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (49)

وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى‏ إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا (51)

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها في القيامة الكبرى بالفناء المطلق و الشهود الذاتي.الصدق أصل كل فضيلة، و ملاك كل كمال، و خميرة كل مقام، و استعداد كل موهبة لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ مما سوى اللّه من الأكوان التي تطلبها و تنسب التأثير إليها وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً في الحقيقة لعدم تأثيره.

قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ‏ أي: التوحيد الذاتي‏ سَلامٌ عَلَيْكَ‏ أي: جرّد اللّه ذاتك عن المواد التي احتجبت بها سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي‏ سأطلب منه ستر ذاتك بنوره و محو غشاوات صفاتك بصفاته و دناءة هيئات نفسك بأفعاله إن أمكن‏ إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً بالكسر، أي: مجرّدا ذاته و علمه في السلوك لوجه اللّه لم يلتفت إلى ما سواه من وجهة حتى صفاته تعالى، بل نفاها عن ذاته، و هو ما زاغ البصر و ما طغى بقوله: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏[4].

و مخلصا بالفتح، أي: أخلصه اللّه عن أنانيته و أفنى البقية منه فخلص من الطغيان المذكور بالتجلي الذاتي التام، و استقام بتمكين اللّه إياه كما قال: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ‏[5] من ذنب ظهور الأنانية وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا مقام الرسالة دون مقام النبوّة لكونها مبينة للأحكام كالحلال و الحرام، منبهة على الأوضاع كالصلاة و الصيام فهي متعلقة ببيان أحكام المكلفين. و أما النبوّة فهي عبارة عن الإنباء عن المعاني الغيبية كأحوال المعاد و البعث و النشور و المعارف الإلهية كتعريف الصفات و الأسماء و ما يليق باللّه من التحميدات و التمجيدات و الولاية فوقهما جميعا لكونها عبارة عن الفناء في ذات اللّه من غير اعتبار الخلق فهي أشرف المقامات لكونها تتقدم عليهما لأنها ما لم تحصل أولا لم تمكن النبوّة و لا الرسالة لكونها مقوّمة إياهما و لهذا قدم كونه مخلصا في القرآن بالفتح، و أخرت النبوة عن الرسالة لكونها أشرف و أدل على المدح و التعظيم منها و لم يؤخر الولاية عنهما باعتبار الشرف لأنها و إن كانت أشرف لكنها باطنة لا يعرف شرفها و فضلها إلا الأفراد من العرفاء المحققين المخصوصين بدقة النظر دون غيرهم فلا يفيد المدح و التعظيم و لا الاقتصار عليها بقوله مخلصا و إن كانت أشرف لأنها قد توجد بدونهما بخلاف العكس، فلا يحسن وصفه إلا على هذا الترتيب.

 

 

 

[52- 59]

[سورة مريم (19): الآيات 52 الى 59]

وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا (52) وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (53) وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا (54) وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56)

وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَ إِسْرائِيلَ وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)

وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ‏ أي: طور وجوده الذي هو نهاية طور القلب في مقام السرّ الذي هو محل المناجاة، و لهذا قال: وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا و سمي كليم اللّه. و إنما وصفه بالأيمن الذي هو الأشرف و الأقوى و الأكثر بركة احترازا عن جانبه الأيسر الذي هو الصدر، لأن الوحي إنما يأتي من عالم الروح الذي هو الوادي المقدس‏ وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا إن كان بمعنى المكانة فهو قربه من اللّه و رتبته في مقام الولاية من عين الجمع، و إن كان بمعنى المكان فهو الفلك الرابع الذي هو مقرّ عيسى عليه السلام لما ذكر من كونه مركز روحه في الأصل و المبدأ الأول لفيضانه إذا فاض عن محرك فلك الشمس و معشوقه‏ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ‏ سمعوا بالنفس من كل آية ظاهرها، و بالقلب باطنها، و فهموا بالسرّ حدّها، و صعدوا بالروح مطلعها، فشاهدوا المتكلم موصوفا بالصفة التي تجلى بها في الآية خَرُّوا سُجَّداً فنوا في ذلك الاسم الذي تجلى به عند ظهوره بتلك الصفة الكاشفة عنها تلك الآية، و بكوا اشتياقا إلى مشاهدته بسائر الصفات المشتمل عليه الرحمن أو اللّه و هو بكاء القلب إن لم يكن مستلزما لبقاء النفس من خوف البعد، كما قال الشاعر:

و يبكي إن نأوا شوقا إليهم‏ و يبكي إن دنوا خوف الفراق‏

أضاعوا صلاة الحضور لكونهم في مقام النفس، و الحضور إنما يكون بالقلب، و لا صلاة إلا به. و لذلك الاحتجاب بصفات النفس عن مقام القلب لزم اتباع الشهوات‏ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا شرّا و ضلالا إذ كلما أمعنوا في اتباعها ازداد حجابهم فازداد ضلالهم و ارتكبت الذنوب على الذنوب، فازداد تورّطهم فيها، كما قال عليه الصلاة و السلام: «الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول».

 

 

 

 [60- 63]

[سورة مريم (19): الآيات 60 الى 63]

إِلاَّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63)

إِلَّا مَنْ تابَ‏ عن الذنب الأول فرجع إلى مقام القلب‏ وَ آمَنَ‏ باليقين‏ وَ عَمِلَ صالِحاً باكتساب الفضيلة فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ المطلقة بحسب استحقاقهم و درجتهم في الإيمان و العمل‏ وَ لا يُظْلَمُونَ‏ أي: لا ينقصون مما اقتضاه حالهم و مقامهم‏ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ‏ مرتبة بحسب درجاتهم في مقام النفس و القلب و الروح‏ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ‏ المفيض بجلائل النعم و أصولها و عمومها عِبادَهُ بِالْغَيْبِ‏ في حالة كونهم غائبين عنها إِلَّا سَلاماً أي: ما يسلمهم من النقائص و يجردهم عن المواد من المعارف و الحكم‏ وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا أي: دائما أو بكرة في جنة القلب وقت ظهور نور شمس الروح، و عشيّا في جنة النفس وقت غروبه.

تِلْكَ الْجَنَّةُ المطلقة التي تقع على واحدة منها الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا مطلقا بحسب تقواه، فإن اتقى الرذائل و المعاصي نورثه جنة النفس أي جنة الآثار، و إن اتقى أفعاله بالتوكل فله جنة القلب و حضور تجليات الأفعال، و إن اتقى صفاته في مقام القلب فله جنة الصفات، و إن اتقى ذاته و وجوده بالفناء في اللّه فله جنة الذات.

 

 

 

[64- 70]

[سورة مريم (19): الآيات 64 الى 70]

وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَ يَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً (67) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)

ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى‏ بِها صِلِيًّا (70)

وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ‏ تنزّل الملائكة و اتصال النفس بالملإ الأعلى إنما يكون بأمرين: استعداد أصلي و صفاء فطري يناسب به جوهر الروح العالم الأعلى، و استعداد حاليّ بالتصفية و التزكية و لا يكفي مجرد حصولها فيه، بل المعتبر هو الملائكة.

ألا ترى إلى قوله:إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ[6] كيف رتّب التنزل على الاستقامة التي هي التمكين الدال على الملكة. و إلى قوله في تنزّل الشياطين: تَنَزَّلُ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)[7] كيف أورد في حصول استعداد تنزّلهم بناء المبالغة الدال على الملكة و الدوام فكذا لا تتنزل الملائكة إلا على الصدّيق الخير.

و هذا الاستعداد الثاني إذا اجتمع مع الأول كان علامة إذن الحق و أمره، إذ الفيض عام، تام، غير منقطع، فحيث تأخر إنما تأخر لعدم الاستعداد، فلذا لما استبطأ الوحي و قلّ صبره نزلت، أي: و ما نتنزّل باختيارنا بل باختياره و أمره ليس إلا.

لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا من أطوار الجبروت التي فوقنا و تتقدّم أطوارنا التي وجوهنا إليها و لا يحيط علمنا بها وَ ما خَلْفَنا من أطوار الملكوت الأرضية التي دون أطوارنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ‏ من الأطوار الملكوتية التي نحن فيها، كلهم في ملكة قهره و تحت سلطنة أمره و إحاطة علمه‏ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ينسى شيئا يستعدّ لكمال فلا يفيض عليه أو تاركا لمستحق بدون حقه بل يحيط بكل الاستعدادات علما و يفيض الكمال عليها و ينزل مقتضاها مع الحصول دفعة فإن تأخر الوحي فإنما كان من جهتك لا من جهته هو رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يرب كلا منهما باسم يخصه و يدبره و يفيض ما يقتضيه حاله عليه فيرب الكل بجميع أسمائه‏ فَاعْبُدْهُ‏ بعبادتك التي يقتضيها حالك حتى تستعدّ لقبول الفيض و نزول الوحي و لا يكفي وجود العبادة بتهيئة الاستعداد بالتصفية مرة أو مرتين بل الدوام على ذلك معتبر، فدم على ذلك الصفاء الموجب للقبول‏ وَ اصْطَبِرْ لعبادته بالتوجه إليه على الدوام‏ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا مثلا، فتلتفت إليه و تقبل بوجهك نحوه فيفيض عليك مطلوبك‏ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً في عالم الشهادة محسوسا أو شيئا يعتدّ به، كما قال: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً[8] لأن الوجود العيني في الأزل قبل الخلق كلا وجود لانطماسه في عين الجمع‏ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ‏ أي: لنحشرنّ المحجوبين المنكرين للبعث مع الشياطين الذين أغووهم و أضلوهم عن الحق لأنّ نفوس المحجوبين تناسب في الكدورة و البعد عن النور نفوس الشياطين، فبالضرورة يحشرون معهم خصوصا إذا اتبعوهم في الاعتقاد ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ‏ الطبيعة في العالم السفلي لاحتجابهم بالغواشي الهيولانية و الغواسق الظلمانية في الهياكل السجنية مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران‏ جِثِيًّا لاعوجاج هياكلهم بسبب عوج نفوسهم فلا يستطيعون قياما ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي: لنخصّن من كل فرقة من هو أشدّ عتيا على الرحمن بعذاب أشدّ على ما علمنا من حاله، فنحن أعلم به منه، فنصليه بعذاب هو أولى به.

 

 

 

[71]

[سورة مريم (19): آية 71]

وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71)

وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي: لا بدّ لكل أحد عند البعث و النشور أن يرد عالم الطبيعة لكونها مجاز عالم القدس‏ كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا أي: حكما جزما، مقطوعا به. و من بعث بردّ روحه إلى الجسد لا يمكنه الجواز على الصراط إلا بالجواز على جهنم، لأن المؤمن لما جاء أطفأ نوره لهبها فلم يشعر بها. كما روي أنها تقول: جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي. و لو سألته بعد دخول الجنة: كيف كان حالك في النار؟ لقال: ما أحسست بها. كماسئل الصادق عليه السلام:

أ تردونها أنتم أيضا؟ فقال: جزناها و هي خامدة.

و عن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة. وعن جابر بن‏ عبد اللّه أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن ذلك فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: وردتموها و هي خامدة».

وعنه رحمه اللّه أنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «الورود الدخول لا يبقى برّ و لا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا و سلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى أنّ للنار ضجيجا من بردها».

و أما قوله: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏[9] فالمراد عن عذابها.

 

 

 

[72- 75]

[سورة مريم (19): الآيات 72 الى 75]

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (72) وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَ رِءْياً (74) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً (75)

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا لتجردهم بالجواز على الصراط الذي هو سلوك طريق العدالة إلى التوحيد كالبرق‏ وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ‏ الذين نقصوا نور استعدادهم في الظلمات أو وضعوه غير موضعه‏ فِيها جِثِيًّا لا حراك بهم لتوردهم في المواد الظلمانية كما قال عليه السلام: «الظلم ظلمات يوم القيامة».

 

 

 

 [76- 82]

[سورة مريم (19): الآيات 76 الى 82]

وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ مَرَدًّا (76) أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَ وَلَداً (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً (80)

وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)

وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً‏ أي: كما يمد أهل الضلالة في ضلالتهم بالخذلان مدّا يزداد فيه ضلالهم و احتجابهم كلما أمعنوا في جهلهم و رذائلهم كذلك يزيد اللّه المهتدين بالتوفيق كلما عملوا بما علموا استعدوا لقبول علم آخر فورثوه كما قال عليه السلام: «من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم» .

فيزيدهم عند العمل بمقتضى العلم اليقيني عين اليقين، و عند العمل بمقتضاه حق اليقين‏ وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ‏ من العلوم و الفضائل‏ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً لأدائها إلى التجليات الوصفية و الجنات القلبية وَ خَيْرٌ مَرَدًّا بالرجوع إلى الذات الأحدية.

 

 

 

[83، 84]

[سورة مريم (19): الآيات 83 الى 84]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)

أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا قد مرّ في باب تنزّل الملائكة أن النفس الخيّرة تستمد من الملكوت و الملائكة السماوية لاتصالها بهم في الصفاء و التجرّد و النورية، و النفوس الشريرة تستمد من النفوس المظلمة الأرضية لمناسبتها إياهم و مجانستها لهم في الظلمة و الكدورة و الخبث، فتعجب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من شدّة ظلمتهم و تماديهم في الغواية و الاحتجاب، حيث تنزّل عليهم الشياطين دائما فتؤزهم أي: تحرّضهم و تخذلهم بإلقاء الوساوس و الهواجس من أنواع الشرّ على التوالي‏ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي: أنفاسهم المقرّبة لهم إلى المصير إلى وبال كفرهم و أعمالهم و عذاب هيئاتهم و عقائدهم، فإن لكل أجلا معينا سيصير إليه عن قريب.

 

 

 

[85]

[سورة مريم (19): آية 85]

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85)

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً إنما ذكر اسم الرحمن لعموم رحمته بحسب مراتب تقواهم كما ذكر في قوله: مَنْ كانَ تَقِيًّا[10]، و لهذا لما سمعها بعض العارفين قال: و من كان مع الرحمن فإلى من يحشر؟ فأجابه بعضهم بقوله: من اسم الرحمن إلى اسم الرحمن و من اسم القهّار إلى اسم اللطيف. فإن المتّقي عن المعاصي و الرذائل و صفات النفس الذي هو في أول درجة التقوى قد يحشر إلى الرحمن في جنة الأفعال ثم الصفات ثم بعد الوصول إلى اللّه في جنة الصفات له سير في اللّه بحسب تجليات الصفات، و إذا انتهى السير إلى الذات يكون السير سيرا للّه وفدا مكرمين.

 

 

 

[86- 92]

[سورة مريم (19): الآيات 86 الى 92]

وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وِرْداً (86) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90)

أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91) وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92)

وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ‏ لأعمالهم الخبيثة إِلى‏ جَهَنَّمَ‏ الطبيعة وِرْداً كأنهم إبل عطاش فيوردهم النار لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً هذا العهد هو ما عاهد اللّه أهل الإيمان من الوفاء بالعهد السابق بالتوبة و الإنابة إليه في الصفاء الثاني بعد الصفاء الأول، و ذلك الانسلاخ عن حجب صفات النفس و الاتصاف بصفات الرحمن و الاتصال بعالم القدس الذي هو حضرة الصفات و لهذا ذكر اسم الرحمن المعطي لأصول النعم و جلائلها المشتمل على سائر الصفات اللطيفة، أي: لا يملك أحد أن يشفع له بالأمداد الملكوتية و الأنوار القدسية إلا من استعدّ لقبول الرحمة الرحمانية و اتصل بالجناب الإلهي بالعهد الحقيقي.

و عن ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لأصحابه ذات يوم: «أ يعجز أحدكم أن يتخذ عند كل صباح و مساء اللهمّ فاطر السموات و الأرض، عالم الغيب و الشهادة، أني أعهد إليك أني أشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، و أنّ محمدا عبدك و رسولك، و أنك إن تكلني إلى نفسي تقرّبني من الشرّ و تباعدني من الخير، و إني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهد تؤتنيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد».

 

 

 

 

 [93]

[سورة مريم (19): آية 93]

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93)

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لكونهم في حيز الإمكان و مكمن العدم لا وجود لهم و لا كمال إلا به، أفاض باسم الرحمن وجوداتهم و كمالاتهم، فهم أنفسهم ليسوا شيئا، فلو لم يعبدوه حق عبادته باستعدادات أعيانهم في العدم لما وجدوا، و لو لم يعبدوه بعد الوجود بالقيام بحقوق نعمه التي أنعمها عليهم لما كملوا، فهم مربوبون، مجبورون و في طيّ قهره و ملكته مقهورون.

 

 

 

[94]

[سورة مريم (19): آية 94]

لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا (94)

لَقَدْ أَحْصاهُمْ‏ في الأزل بإفادة أعيانهم و استعداداتهم الأزلية من فيضه الأقدس و تعيينها بعلمه‏ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا فما هيأتهم و حقائقهم إنما هي صور معلومات ظهرت في العدم بمحض عالميته و برزت إلى الوجود بفيض رحمانيته، فكيف تماثله و تناسبه.

 

 

 

[95]

[سورة مريم (19): آية 95]

وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95)

وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ الصغرى منفردا مجردا عن الأسباب و الأعوان كما كان في النشأة الأولى و يوم القيامة الوسطى‏ فَرْداً من العلائق البدنية مجردا عن الصفات النفسانية و القوى الطبيعية. و أما في القيامة الكبرى فكل من عليها فان، و يبقى وجه ربّك ذو الجلال و الإكرام.

 

 

 

[96- 98]

[سورة مريم (19): الآيات 96 الى 98]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (97) وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان الحقيقي العلمي أو العيني‏ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ من الأعمال المزكية المصفية المعدّة لقبول تجليات الصفات بالتجرد عن ملابس صفاتهم‏ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا كما قال: لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و يده التي يبطش بها».

و في الحقيقة هذا الودّ أثر و نتيجة العناية الأولى المستفادة من قوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‏[11]، فإذا أحبه قبل الظهور في مكمن الغيب بمحبة الاجتباء ألزمه حبّه للّه عند البروز و حرّكه إلى الوفاء بالعهد السابق فتجدّد ذلك العهد بالعقد اللاحق الذي هو العهد مع اللّه بالوفاء بذلك في متابعة الحبيب المطلق كما قال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)[12].

و إن صحت المتابعة في الأعمال و الأحوال أحبه اللّه بمحبة الاصطفاء فوق المحبة التي هي ثمرة المحبة الأولى لكون الأولى عينية كامنة و لكونها كمالية بارزة وقعت محبته في قلوب الخلق و ظهر له القبول عند أهل الإيمان الفطري. و

عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا أحبّ اللّه عبدا يقول اللّه تعالى: يا جبريل قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: أن اللّه تعالى قد أحبّ فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له المحبة في الأرض».

و عن قتادة: ما أقبل عبد إلى اللّه إلا أقبل اللّه بقلوب العباد إليه. و هذا معنى قوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا


[1] ( 1) قوله: لأن العناية إلخ .. كذا في الأصل، و لعل الناقل أحله، و ليحرر. اه.

[2] ( 1) سورة الذاريات، الآية: 30.

[3] ( 1) سورة المائدة، الآية: 66.

[4] ( 1- 2) سورة الأعراف، الآية: 143.

[5] ( 1- 2) سورة الأعراف، الآية: 143.

[6] ( 1) سورة فصلت، الآية: 30.

[7] ( 2) سورة الشعراء، الآية: 222.

[8] ( 1) سورة الإنسان، الآية: 1.

[9] ( 1) سورة الأنبياء، الآية: 101.

[10] ( 1) سورة مريم، الآية: 63.

[11] ( 1) سورة المائدة، الآية: 54.

[12] ( 2) سورة آل عمران، الآية: 31.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=