تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الصافات
سورة الصافات
[1- 5]
[سورة الصافات (37): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4)
رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (5)
وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا أقسم بنفوس السالكين في سبيله طريق التوحيد، الصافات في مقامهم و مراتب تجلياتهم و مواقف مشاهداتهم صَفًّا واحدا في التوجه إليه فَالزَّاجِراتِ في دواعي الشياطين، و فوارغ التمنيات النفسانية في الأحايين زَجْراً بالأنوار و الأذكار و البراهين فَالتَّالِياتِ نوعا من أنواع الأذكار بحسب أحوالهم باللسان أو القلب أو السرّ أو الروح كما ذكر غير مرة على وحدانية معبودهم لتثبيتهم في التوجه عن الزيغ و الانحراف بالالتفات إلى الغير رَبُ سموات الغيوب السبعة التي هم سائرون فيها، و أرض البدن وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُ مشارق تجليات الأنوار الصفاتية، وصفه بالوحدانية الذاتية في أطوار الربوبية الكاشفة عن وجوه التحوّلات بتعدّد الأسماء ليتحفظوا عند تعدّد تجليات الصفات و ترتب المقامات من الاحتجاب بالكثرة.
[6]
[سورة الصافات (37): آية 6]
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6)
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي: العقل الذي هو أقرب السموات الروحانية بالنسبة إلى القلب بِزِينَةٍ كواكب الحجج و البراهين، كقوله: بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ[1].
[7]
[سورة الصافات (37): آية 7]
وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7)
وَ حِفْظاً أي: و حفظناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ من شياطين الأوهام و القوى التخيلية عند الترقي إلى أفق العقل بتركيب الموهومات و المخيلات في المغالطات و التشكيكات مارِدٍ خارج عن طاعة الحق و العقل.
[8- 9]
[سورة الصافات (37): الآيات 8 الى 9]
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (9)
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى من الروحانيات و الملكوت السماوية بتلك الحجج مِنْ كُلِّ جانِبٍ من جميع الجهات السماوية، أي: من أي وجه من وجوه المغالطة و التخييل يركبون القياس و يرتقون به، يقذفون بما يبطله من الدحور و الطرد، أو مدحورين مطرودين وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ دائم الرياضات و أنواع الزجر في المخالفات.
[10- 39]
[سورة الصافات (37): الآيات 10 الى 39]
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (10) فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ (12) وَ إِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (13) وَ إِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)
وَ قالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ داخِرُونَ (18) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (19)
وَ قالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (20) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ وَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23) وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24)
ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)
وَ ما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34)
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَ ما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39)
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ في الاستراق فموّه كلامه بهيئة جليّة و أوهم الحق بصورة نورية استفادها من كلمة حقة ملكية فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ من برهان نيّر عقليّ، أو إشراق نور قدسي فأبطلها و طرد الجنيّ بنفي الصورة الوهمية التي أوهمها.
[40]
[سورة الصافات (37): آية 40]
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40)
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع، أي: لكن عباد اللّه المخصوصون به لفرط عنايتهم به، الذين أخلصهم اللّه عن شوب الغيرية و الأنانية و البقية و استخلصهم لنفسه بفناء الأنانية و الاثنينية.
[41- 43]
[سورة الصافات (37): الآيات 41 الى 43]
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَواكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43)
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعلمه اللّه دون غيره و هو معلومات اللّه المقوّية لقلوبهم المغذيّة لأرواحهم.
فَواكِهُ ملذة غاية التلذيذ، إذ الفاكهة ما يتلذّذ به، أي: يتلذذون في مكاشفاتهم بما يحضرهم من معلوماته تعالى وَ هُمْ مُكْرَمُونَ في مقعد صدق عند مليك مقتدر في الجنات الثلاث يتنعمون بقرب الحق في حضرته غاية الإكرام و التنعم.
[44- 48]
[سورة الصافات (37): الآيات 44 الى 48]
عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيها غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48)
عَلى سُرُرٍ مراتب و درجات مُتَقابِلِينَ في الصف الأول، مترائين لا يحجب بعضهم عن بعض و لا يتفاضلون في المقاعد يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ خمر العشق مَعِينٍ مكشوف لأهل العيان إذ دنّه المعاينة فكيف لا يعاين.
بَيْضاءَ نورية من عين الأحدية الكافورية، لا شوب فيها و لا مزج من التعينات لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ يغتال العقل لأنهم أهل صحو أخلصهم اللّه من الشوائب و الحجاب فلا ينكر لهم وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ بذهاب العقول و إلا لم يكونوا أهل الجنات الثلاث في مقام البقاء.
وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ من أهل الجبروت و الملكوت و النفوس المجرّدة، الواقفات تحت مراتبهم في مقام تجليات الصفات و سرادقات الجلال، و في مجالي مشاهداتهم تحت قباب الجمال في روضات القدس و حضرة الأسماء عِينٌ لأنّ ذواتهم كلها عيون لا يمدون طرفا عنهم لفرط محبّتهم و عشقهم لهم لأنهم هم المعشوقون.
[49- 63]
[سورة الصافات (37): الآيات 49 الى 63]
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ (53)
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58)
إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63)
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ في الأداحي لغاية صفائها في خدور القدس و نقائها من موادّ الرجس يَتَساءَلُونَ يتحادثون بأحاديث أهل الجنة و النار و مذاكرة أحوال السعداء و الأشقياء، مطلعين على كلا الفريقين و ما هم فيه من الثواب و العقاب، كما ذكر في وصف أهل (الأعراف).
[64- 65]
[سورة الصافات (37): الآيات 64 الى 65]
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65)
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ و هي شجرة النفس الخبيثة المحجوبة النابتة في قعر جهنم الطبيعة، المتشعبة أغصانها في دركاتها القبيحة الهائلة، ثمراتها من الرذائل و الخبائث كأنها من غاية القبح و التشوّه و الخبث بالتنفر رُؤُسُ الشَّياطِينِ أي: تنشأ منها الدواعي المهلكة و النوازع المردية الباعثة على الأفعال القبيحة و الأعمال السيئة، فتلك أصول الشيطنة و مبادئ الشرّ و المفسدة، فكانت رؤوس الشياطين.
[66]
[سورة الصافات (37): آية 66]
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66)
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها يستمدّون منها، و يغتذون و يتقوّون، فإن الأشرار غذاؤهم من الشرور و لا يلتذون إلا بها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ بالهيئات الفاسقة و الصفات المظلمة، كالممتلئ غضبا و حقدا و حسدا وقت هيجانها.
[67]
[سورة الصافات (37): آية 67]
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ الأهواء الطبيعية، و المنى السيئة الرديئة، و محبات الأمور السفلية، و قصور الشرور الموبقة التي تكسر بعض غلّة الأشرار.
[68- 82]
[سورة الصافات (37): الآيات 68 الى 82]
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72)
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَ لَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77)
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ لغلبة الحرص، و الشره بالشهوة، و الحقد و البغض و الطمع و أمثالها، و استيلاء دواعيها مع امتناع حصول مباغيها.
[83- 101]
[سورة الصافات (37): الآيات 83 الى 101]
وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (85) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ (91) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92)
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95) وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (96) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101)
و يمكن تطبيق قصة إبراهيم عليه الصلاة و السلام على حال الروح الساذج من الكمال إِذْ جاءَ رَبَّهُ بسابقة معرفة الأزل و الوصلة الثابتة في العهد الأول بِقَلْبٍ باق على الفطرة و استعداد صاف سَلِيمٍ عن النقائص و الآفات محافظة على عهد التوحيد الفطري، منكر على المحتجبين بالكثرة عن الوحدة، ناظر في نجوم العلوم العقلية الاستدلالية و الحجج و البراهين النظرية، مدرك بالاستبصار و الاستدلال سقمه من جهة الأعراض النفسانية و الشواغل البدنية الحاجبة، فأعرض عنه قومه البدنيون المدبرون عن مقصده و وجهته لإنكاره عليهم في تقيد الأكوان و طاعة الشيطان إلى عيدهم و اجتماعهم على اللذات و الشهوات التي يعودون إليها كل وقت فَراغَ أي: فأقبل مخفيّا حاله عنهم على كسر آلهتهم بفأس التوحيد و الذكر الحقيقي يضربهم ضَرْباً بيمين العقل فرجعوا إِلَيْهِ غالبين مستولين عند ضعفه، ساعين في تخريب قالبه فَأَلْقُوهُ في نار حرارة الرحم، فجعلها اللّه عليه بردا و سلاما، أي: روحا و سلامة من الآفات لبقاء صفاء استعداده و نقاء فطرته، و بنى عليه بنيان الجسد و جعل اللّه أعداءه من النفس الأمّارة و القوى البدنية الملقية إياه في النار من الأسفلين لتكامل استعداده، فتوجه إلى ربّه بالسلوك وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ و دعا ربّه بلسان الاستعداد الكامل الأصلي أن يهب له ولد القلب الصالح، فبشّره به و رزقه.
[102- 138]
[سورة الصافات (37): الآيات 102 الى 138]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106)
وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)
وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَ هارُونَ (114) وَ نَجَّيْناهُما وَ قَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَ نَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116)
وَ آتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَ هَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَ تَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121)
إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ (124) أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126)
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (130) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131)
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136)
وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (138)
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ بالسلوك في طريق الكمالات الخلقية و الفضائل النفسانية، أوحى إليه أن يذبحه بالفناء في التوحيد و التسليم لربّه الحق بالتجريد من الصفات الكمالية. فأخبره بذلك، فانقاد و أسلم وجهه بالفناء في ذاته عن صفاته، ففدى على يد جبريل العقل الفعّال بذبح النفس الشريفة، السمينة العلوم، العظيمة الأخلاق و كمالات الفضائل، فذبحت بالفناء فيه، و أنجى إسماعيل القلب بالفناء الحقاني الموهوب المفدّى من جهة اللّه، و ترك اللّه عليه السلام في العالمين المتخلفين عن مقامه لاهتدائهم بنوره و اقتدائهم بإيمانه و هديه.
[139- 142]
[سورة الصافات (37): الآيات 139 الى 142]
وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ (142)
وَ إِنَّ يُونُسَ القلب لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى أهل النقصان، المحتجبين بالأبدان، المتّبعين للشيطان، المتظاهرين بالطغيان إِذْ أَبَقَ إلى فلك البدن الْمَشْحُونِ بالقوى البدنية و كمالاتها الحسيّة الجاري في بحر الهيولى فَساهَمَ أي: فاقترع معهم في الحظوظ البدنية و اختيارها بالأفكار العقلية فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المحجوبين، المزلقين بالحجة البرهانية اليقينية لأنهم بدنيون أهل البحر و السفينة، و هو القدسيّ المجرّد من سكان الحضرة الإلهية، الآبق من سيده إلى السفينة، الملقي بيده إلى التهلكة، فألقي في البحر، فالتقمه حوت الرحم كلقطه النطفة وَ هُوَ مُلِيمٌ مستحق للملامة للتعلق بالملابس البدنية الموجبة لوقوعه في تلك البليّة.
[143- 182]
[سورة الصافات (37): الآيات 143 الى 182]
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ (145) وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148) فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152)
أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157)
وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ (161) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (162)
إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163) وَ ما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَ إِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167)
لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172)
وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177)
وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182)
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين لربّه بالتقديس حالة التجريد و التوحيد لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ كسائر القوى الطبيعية و النفسانية المنغمسة في بطون حيتان الصور النوعية الجسمانية من الطبائع الهيولانية إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي: يوم يبعث المجرّدون عن مراقد أبدانهم مع بقائه في مرقده كسائر الغافلين، أو يوم يبعث رفقاؤه البدنيون في القيامة الصغرى فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ أي: بالفضاء من عرصة الدنيا بالولادة وَ هُوَ سَقِيمٌ ضعيف ممنوّ بالأعراض المادية و اللواحق الطبيعية وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ لا تقوم على ساق و تنسرح على وجه الأرض تظلل عليه بأوراقها من الغواشي البدنية. و قد قيل في التفاسير الظاهرة: إنه قد ضعف بدنه في بطن الحوت و صار كطفل ساعة يولد وَ أَرْسَلْناهُ عند الكمال إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 185