تفسیر ابن عربی سوره الروم

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الرّوم

(30) سورة الرّوم مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة الروم (30): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)

و في قراءة غلبت بفتح الغين و اللام، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا سمع أن الروم قد ظهرت على فارس يظهر السرور في وجهه، مع كون الروم كافرين به صلّى اللّه عليه و سلم، و لكن الرسول لعلمه‏ صلّى اللّه عليه و سلم كان منصفا لأنه علم أن مستند الروم لمن استند إليه أهل الحق، لأنهم أهل كتاب يؤمنون به، لكنهم طرأت عليهم شبهة من تحريف أئمتهم ما أنزل عليهم حالت بينهم و بين الإقرار و الإيمان بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلم.

[سورة الروم (30): آية 3]

فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)

و في قراءة غلبت بفتح الغين و اللام‏ «سَيَغْلِبُونَ» بضم الياء و فتح اللام، و هذه القراءة تشير إلى زمان فتح بيت المقدس، حيث كان ظهور المسلمين في أخذ حج الكفار عام ثلاث و ثمانين و خمسمائة هجرية، أما الإشارة إلى زمان فتح بيت المقدس فهو يعرف من عدد حروف‏ «الم» و هو علم الجمّل، و ذلك بأن تأخذ عدد حروف‏ «الم» بالجزم الصغير، فتكون ثمانية فتجمعها إلى ثمانية (في بضع سنين) فتكون ستة عشر، فتزيل الواحد الذي للألف للأس، فيبقى خمسة عشر، فتمسكها عندك، ثم ترجع إلى العمل في ذلك بالجمل الكبير و هو الجزم، فتضرب ثمانية البضع في أحد و سبعين، و اجعل ذلك كله سنين، يخرج لك من الضرب خمسمائة و ثمانية و ستون، فتضيف إليها الخمسة عشر التي رفعتها، فتصير ثلاثة و ثمانين و خمسمائة سنة، و هو زمان فتح بيت المقدس، و كان أبو الحكم عبد السلام ابن برجان قد ذكر ذلك في كتاب له، فكان فتح بيت المقدس كما قال:

[سورة الروم (30): آية 4]

فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)

«لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» القبل و البعد من صيغ الزمان، فلا بد أن يكون الزمان أمرا متوهما لا وجودا، و لهذا أطلقه الحق على نفسه، و لو كان الزمان أمرا وجوديا في نفسه ما صح تنزيه الحق عن التقييد، إذ كان حكم الزمان يقيده، فعرفنا أن هذه الصيغ ما تحتها أمر وجودي فالزمان هو ما يدخل الأزل من التقديرات الزمانية فيه، بتعيين توجهات الحق لإيجاد الكائنات في الأزمان المختلفات التي يصحبها القبل و البعد و الآن. «وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ»

[سورة الروم (30): الآيات 5 الى 7]

بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)

«يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا» فعملوا بما علموا «وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» فلم يعملوا لها، فإنه أغفلهم عنها فنسوا آخرتهم و تركوا العمل لها، و منهم الفقهاء الذين يعلمون و لا يعملون، و يقولون بالظاهر و لا يعرفون الباطن، فإن الرجل الكامل هو الذي أحكم العلم و العمل، فجمع بين الظاهر و الباطن.

[سورة الروم (30): آية 8]

أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8)

[الحق المخلوق به‏]

اعلم أن الموجودات هي كلمات اللّه التي لا تنفد، قال تعالى في وجود عيسى عليه السلام إنه كلمته ألقاها إلى مريم و هو عيسى، و اعلم أن اللّه سبحانه ما استوى على عرشه إلا بالاسم الرحمن، إعلاما بذلك أنه ما أراد بالإيجاد إلا الرحمة بالموجودين، و لم يذكر غيره من الأسماء، و ذكر الاستواء على أعظم المخلوقات إحاطة من عالم الأجسام، و لما ذكر اللّه عن نفسه أن له كلاما ذكر أن له نفسا من الاسم الرحمن الذي به استوى على العرش، فلما علمنا أن له نفسا و أن له كلاما و أن الموجودات كلماته،

علمنا أن اللّه ما أعلمنا بذلك إلا لنقف على حقائق الأمور بأنا على الصورة «أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» فنقبل جميع ما تنسبه الألوهة إليها على ألسنة رسلها و كتبها المنزلة، فلما عرفنا اللّه أنه باطن و ظاهر، و له نفس و كلمة و كلمات، نظرنا ما ظهر من ذلك، و لم ينسب إلى ذاته النفس و ما يحدث عنه؟ فقلنا: عين النفس هو العماء، فهو نفس المتنفس المقصود بالعبارة عنه ما يتنزل منزلة الريح، و إنما يتنزل منزلة البخار، فالنفس هذا حقيقته حيث كان، فكان عنه العماء، فكان ربنا قبل خلق الخلق في عماء، و هو النفس الإلهي، و أبرز في هذا النفس الإلهي افتتاح الوجود بالكون، إذ كان و لا شي‏ء معه، فأوجد العالم و فتح صورته في العماء، و هو النفس الذي‏ هو الحق المخلوق به مراتب العالم و أعيانه، و أبان منازله، فجعل منه عالم الأجسام و عالم الأرواح،

و جعل في النفس الإلهي علة الإيجاد من جانب الرحمة بالخلق، ليخرجهم من شر العدم إلى خير الوجود، فلو تفكر الإنسان في نفسه و في الصورة التي خلق عليها، و كونه ذا نفس و حروف و كلمات، ذا ظاهر و باطن، و تفكّر في كل ما يتعلق بعلم الحروف و ما يتكون عنها من الكلمات، لعلم أنه الحق و أن الإنسان الكامل أقامه الحق برزخا بين الحق و العالم، فيظهر بالأسماء الإلهية فيكون حقا، و يظهر بحقيقة الإمكان فيكون خلقا، و كما أن الحضرة الإلهية على ثلاث مراتب: باطن و ظاهر، و وسط و هو ما يتميز به الظاهر عن الباطن و ينفصل عنه،

و هو البرزخ فله وجه إلى الباطن و وجه إلى الظاهر، كذلك جعل الإنسان على ثلاث مراتب، عقل و حس و هما طرفان، و خيال و هو البرزخ الوسط بين المعنى و الحس‏ «أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» فيروا الإنسان الكامل المختصر الظاهر بحقائق الكون كله حديثه و قديمه‏ «ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما» الثلاث مراتب‏ «إِلَّا بِالْحَقِّ»– الوجه الأول- و هو نفس الرحمن؛-

الوجه الثاني- باعتبار الإنسان هو المخلوق على الصورة الإلهية، فيكون الإنسان الكامل هو الحق المخلوق به، أي المخلوق بسببه العالم، فإن الإنسان أكمل الموجودات و هو الغاية، و لما كانت الغاية هي المطلوبة بالخلق المتقدم عليها، فما خلق ما تقدم عليها إلا لأجلها و ظهور عينها، و لولاها ما ظهر ما تقدمها، فالغاية هو الأمر المخلوق بسببه ما تقدم من أسباب ظهوره، و هو الإنسان الكامل؛ و إنما قلنا: الكامل لأن اسم الإنسان قد يطلق على المشبه به في الصورة، و هو على الحقيقة حيوان في شكل إنسان، ففي الإنسان الكامل قوة كل موجود في العالم و له جميع المراتب، و لهذا اختص، و مده بالصورة فجمع بين الحقائق الإلهية و هي الأسماء و بين حقائق العالم، فإنه آخر موجود، و ما انته لوجوده النفس الرحماني حتى جاء معه بقوة مراتب العالم كله،

فيظهر بالإنسان ما لا يظهر بجزء جزء من العالم و لا بكل اسم اسم من الحقائق الإلهية، فكان الإنسان أكمل الموجودات، فكل ما سوى الإنسان خلق إلا الإنسان فإنه خلق و حق‏ «وَ أَجَلٍ مُسَمًّى» كل أمر حادث في الدنيا قيل أجله كذا في الدنيا، لأن كل ما في الدنيا يجري إلى أجل مسمى فتنتهي فيه المدة بالأجل، فخاتمة ذلك الشي‏ء ما ينتهي إليه حكمه، فانتهاء الأنفاس في الحيوان آخر نفس يكون منه عند انتقاله إلى البرزخ، ثم تنتهي المدة في البرزخ إلى الفصل بينه و بين البعث،ثم تنتهي المدة في القيامة إلى الفصل بينها و بين دخول الدارين، ثم تنتهي المدة في النار في حق من هو فيها من أهل الجنة إلى الفصل الذي بين الإقامة فيها و الخروج منها بالشفاعة و المنة، ثم تنتهي المدة في عذاب أهل النار الذين لا يخرجون منها إلى الفصل بين حال العذاب و بين حصول حكم الرحمة التي وسعت كل شي‏ء، فهم يتنعمون في النار باختلاف أمزجتهم، ثم لا يبقى بعد ذلك أجل ظاهر بالمدة، و لكن آجال خفية دقيقة، و ذلك أن المحدث الدائم العين، من شأنه تقلب الأحوال عليه ليلزمه الافتقار إلى دوام الوجود له دائما، فلا تفارق أحواله الآجال، فلا يزال في أحواله بين سابقة و خاتمة «وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ».

[سورة الروم (30): آية 9]

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)

السير في الأرض هو السياحة في نواحيها ليرى آثار ربه فيما يراه منها «أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا» بأقدامهم و أفكارهم.

[سورة الروم (30): الآيات 10 الى 11]

ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏ أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (10) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)

«اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» إن اللّه هو الحكيم الخبير، و هو على كل شي‏ء قدير، و أنه قبل كل شي‏ء، أوجد الأشياء لا من شي‏ء، و لكن مع اتصافه بهذه القدرة المحققة، النافذة المطلقة، لم يوجد المعادن ابتداء حتى خلق سبحانه و تعالى الأفلاك العلوية، و الروحانيات السماوية، و اللمحات الأفقية، و أودع كل فلك روحانية كوكبية، تحتوي على خاصية، و عند وجودها خلق الأرض و الماء و الهواء و الأثير، ثم أوجد فيها منها دائرة الزمهرير، ثم أجرى الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره، و خص كل متكون عن هذه الأجزاء بسرمن مكنون سره، فلما أكمل هذه الأركان، لإنشاء ما يريد من المعادن و النبات و الحيوان، أقام النجوم الثابتة، و البروج الحاكمة، و الكواكب السيارة و حركات أفلاكها،

و فتح مسالك أملاكها، فأقامها فكانت الآباء العلويات و الأمهات السفليات، فتناكحا بالحقائق الروحانيات، و الرقائق السماويات، فتولد بينهما بنات الحكم المعدنيات و النباتيات و الحيوانيات، ثم أنشأ الحق بستانا ذا أفنان، فيه من كل وليد و قهرمان، و من الجواري الحسان، و النخيل و الأعناب و الرمان، ضروب ألوان، تنساب فيها الجداول انسياب الثعابين، بين تلك الأزهار و البساتين، و ابتنى قصورا من الذهب و الفضة البيضاء، و أسكنها من كل جارية غضاء، و فرشها بالحرير من السندس و الاستبرق، و العبقري المرقق، و جعل حصاها الياقوت و المرجان و الزمرد و الجوهر، و ترابها فتيت المسك و أكمامها العنبر، ثم أنشأ دارا أخرى ذات لهب و سعير، و برد و زمهرير، و قيود و أغلال، و سرابيل من قطران، و أفاعي كأنها البخت، و أساود عظيمة الشخت، و عقارب مكونة من السحت، و بيوت مظلمة، و مسالك ضيقة، و كروب و غموم، و مصائب و هموم.

فإذا كان اللّه تعالى مع قدرته و نفوذ إرادته و قوة علمه، لم يوجد شيئا من المعادن إلا بعد خلق هذه الأدوات، و أجرام هذه المسخرات، فاعلم أن اللّه ما أسكنك هذه الدار، إلا لتجعلها دار اعتبار، فتتفكر و تعتبر، و تذكر و تزدجر، و تعظّم من سواك فعدلك، و صورك فجمّلك، و ولاك و ملّكك، و علمك و حنّكك، فإن كنت مطيعا لربك، عادلا في رعيتك، فستصير إلى النعيم عند اللّه، و إن كنت عاصيا جائرا في حكمك ظالما، فستصير إلى ضيق و عذاب و جحيم، فخف ربك و ذنبك، و أصلح مع اللّه قلبك، و أنذر قومك، و طهر ثوبك، و لا يحجبنك سلطان عادتك، عن تحصيل أسباب سعادتك، فإن الدنيا لمحة بارق، و خيال طارق، و كم من ملك مثلك قد ملكها، ثم رحل عنها و تركها، و لا بد لك من الرحلة عنها إلى الآخرة، فإما أن تعمر درجها، و إما أن تعمر دركها. و اعلم أن اللّه تعالى ما جعلك ملكا على خلقه، (كلكم راع و كل راع مسئول عن رعيته) و أقامك بين الباطل و الحق في مقام حقه، لقصور قدرته عن إصلاح الخلق و تدبيره، و تصريفه في إظهار الملك و تسخيره،

و إنما ضرب لك بك مثلا في عالم الفناء، لتستدلّ به على ترتيب الملك الإلهي في دار البقاء، و لهذا جعل هذه الدنيا ظلّا زائلا، و عرضا مائلا، و جعلك‏ عنها راحلا، فهي جسر منصوب على بحر الهلاك، و ميدان موضوع لمصارع الهلّاك، كم أبادت من القرون الماضية، و الأمم الخالية، و الجبابرة المتألهين الطاغية، و الفضلاء و الحكماء، و الأدباء و العقلاء، و الأولياء و الأنبياء، فهل ترى لهم من باقية؟ و أنت على قارعة مذهبهم، و عن قريب تلحق بهم، فإما إلى نعيم في دار الخلود بجوار الصمد، و إما إلى عذاب الأبد «هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» فاجهد في تحصيل أدوات البقاء و النجاة، فإن الدنيا متاع قليل و الآخرة خير لمن اتقى، و العارية مردودة، و أعمالك بين يديك موجودة غير مفقودة، في كتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة، و لا علانية و لا سريرة (و اللّه يعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون) فالسعادة كل السعادة في المحافظة على الأمور الشرعية، و القيام بالحدود الوضعية.

[سورة الروم (30): الآيات 12 الى 17]

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَ كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (13) وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (16)

فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ (17)

فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية قال تعالى: (و سبحوه) آي صلوا له‏ (بُكْرَةً وَ عَشِيًّا).

[سورة الروم (30): آية 18]

وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ (18)

«وَ لَهُ الْحَمْدُ» أي الثناء المطلق في السموات و الأرض.

[سورة الروم (30): الآيات 19 الى 20]

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)

اعلم أن الحق سبحانه لا يعين لفظا و لا يقيد أمرا إلا و قد أراد من عباده أن ينظروا فيه من حيث ما خصصه و أفرده لتلك الحالة، أو عيّنه بتلك العبارة، و متى لم ينظر الناظر في هذه الأمور بهذه العين فقد غاب عن الصواب المطلوب، فإن النفوس ما تنبعث و تهتز إلا للآيات الخارقة للعادة. و الآيات الإلهية منها معتاد و غير معتاد، و القرآن قد ورد في الآيات المعتادة كثير، و من آياته، و من آياته و يذكر أمورا معتادة، ثم يقول إن في ذلك لآيات، و لكن لا ترفع العامة بها رأسا لجري العادة لاستيلاء الغفلة و عدم الحضور ..

[الآيات المعتادة و الآيات غير المعتادة]

إذا كانت الآيات تعتاد لم يكن‏ لها أثر في نفس كل جهول‏
و ما لم تكن تعتاد فهي لديهمو إذا نظروا فيها أدل دليل‏
و أما فحول القوم لا فرق عندهم‏ لقد خصصوا منها بأقوم قيل‏
إذا جاءت الآيات تترى تراهمو سكارى لها خوفا بكل سبيل‏
فسبحان من أحياهمو و اصطفاهمو و إنهمو فينا أقل قليل‏

[سورة الروم (30): آية 21]

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

[ «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً» الآية]

«وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً» أعلم أن الزوجة مخلوقة من عين الزوج و نفسه‏ «لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً» المودة المجعولة بين الزوجين هو الثبات على النكاح الموجب للتوالد، و الرحمة المجعولة هو ما يجده كل واحد من الزوجين من الحنان إلى صاحبه فيحن إليه و يسكن، فمن حيث المرأة حنين الجزء إلى كله، و الفرع إلى أصله، و الغريب إلى وطنه، و حنين الرجل إلى زوجته حنين الكل إلى جزئه- لأنه به يصح عليه اسم الكل، و بزواله لا يثبت له هذا الاسم- و حنين الأصل إلى الفرع لأنه يمده، فبالمودة و الرحمة طلب الكل جزأه، و الجزء كله، فالتحما فظهر عن ذلك الالتحام أعيان الأبناء، و جعل اللّه ذلك آية، أي علامة و دليلا لقوم يتفكرون،

فقال: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ‏ يَتَفَكَّرُونَ» فإن من الآيات ما تغمض بحيث لا يدركها إلا من له التفكر السليم، فيعلمون أنه الحق، و فائدة هذا التفكر أن الإنسان إذا تزوج المرأة و وجد السكون إليها و أن اللّه جعل بينهما المودة و الرحمة علم أن اللّه يريد التحامهما، فإذا ارتفع السكون من أحدهما إلى صاحبه أو منهما و زالت المودة- و هي ثبوت هذا السكون و بهذا سمي الود حبا لثبوته- و زالت الرحمة من بينهما أو من أحدهما بصاحبه فأعرض عنه، فيعلم أن اللّه قد أراد طلاقهما، و ما يعرف ما قلناه إلا أهل التفكر من عباد اللّه، فإن اللّه ما جعله آية إلا لهم، هذا المقصود بالتفكر هنا، لأن التفكر في ذات اللّه محال، فلا يبقى إلا التفكر في الكون، و متعلق الفكرة

[لطيفة: الجمال العرضي حجاب على الجمال المطلق‏]

الأسماء الحسنى و سمات المحدثات- لطيفة- اعلم أن الجمال العرضي حجاب على الجمال المطلق، و الحسن البديع الفائق المحقق، القائم بذات الحق، الذي لا يتقيد بالوقت، و لا يدرك بالنعت فقال: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها» فتعشقت نفسها بنفسها، حتى لا تتعلق بغير جنسها، فكان يذهب عنها ما كان لها من العز بالأمس، من حسن التقويم و النظام، و يظهر التيه عليها ممن نقص عن مقامها، و تقاصر عن تمامها، فبقيت بذلك عزتها عليها موقوفة، و همم غير جنسها إليها بالخدمة مصروفة.

لذلك قال تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» فمن انحجب عن هذه الأرواح المجسدة بهذا الحجاب عن هذا الجمال، لم يزل في سفال العوال، و من لم ينحجب به صح له المقام العال:.

[سورة الروم (30): آية 22]

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (22)

«وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ» التي جعل اللّه فيها من الآيات في خلقه، فكان منها التشاجر الموجود في العالم لاختلاف الألسنة و الألوان، «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ».

[سورة الروم (30): آية 23]

وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)

من نظر إلى حسن نظم القرآن و جمعه، و لما ذا قدم ما كان ينبغي في النظر العقلي في ظاهر الأمر أن يكون على غير هذا النظم، فإن النهار لابتغاء الفضل و الليل للمنام، تبين له من خلف ستار هذه الآية و حسن العبارة عنها الرافعة سترها، و هو قوله: «مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ» أمر زائد على ما يفهم منه في العموم بقرائن الأحوال في ابتغاء الفضل للنهار و المنام لليل، و هو أن اللّه نبه بهذه الآية على أن نشأة الآخرة الحسية لا تشبه هذه النشأة الدنياوية، و أنها ليست بعينها، بل تركيب آخر و مزاج آخر، كما وردت به الشرائع و التعريفات النبوية في مزاج تلك الدار،

و إن كانت هذه الجواهر عينها بلا شك، فإنها التي تبعثر في القبور و تنشر، و لكن يختلف التركيب و المزاج بأعراض و صفات تليق بتلك الدار لا تليق بهذه الدار، و إن كانت الصورة واحدة في العين و السمع و الأذن و الفم و اليدين و الرجلين بكمال النشأة، و لكن الاختلاف بيّن، فمنه ما يشعر به و يحس و منه ما لا يشعر به، و لما كانت صورة الإنشاء في الدار الآخرة على صورة هذه النشأة، لم يشعر بما أشرنا إليه، و لما كان الحكم يختلف عرفنا أن المزاج اختلف، فهذا الفرق بين حظ الحس و العقل، فقال تعالى:

[ «وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ …» الآية]

«وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ» و لم يذكر اليقظة و هي من جملة الآيات، فذكر المنام دون اليقظة في حال الدنيا، فدل على أن اليقظة لا تكون إلا عند الموت، و أن الإنسان نائم أبدا ما لم يمت، فذكر أنه في منام بالليل و النهار في يقظته و نومه، و في الخبر [الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا] أ لا ترى أنه لم يأت بالباء في قوله تعالى: «وَ النَّهارِ» و اكتفى بباء الليل، ليحقق بهذه المشاركة أنه يريد المنام في حال اليقظة المعتادة، فحذفها مما يقوي الوجه الذي أبرزناه في هذه الآية، فالمنام هو ما يكون فيه النائم في حال نومه، فإذا استيقظ يقول:

رأيت كذا و كذا، فدل أن الإنسان في منام ما دام في هذه النشأة في الدنيا إلى أن يموت، فلم يعتبر الحق اليقظة المعتادة عندنا في العموم، بل جعل الإنسان في منام في نومه و يقظته كما أوردناه في الخبر النبوي من قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا] فوصفهم بالنوم في الحياة الدنيا، و العامة لا تعرف النوم في المعتاد إلا ما جرت به العادة أن يسمى نوما، فنبه النبي صلّى اللّه عليه و سلم بل صرح أن الإنسان في منام ما دام في الحياة الدنيا حتى ينتبه في الآخرة، و الموت أول أحوال الآخرة، فصدّقه اللّه بما جاء به في قوله تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ» و هو النوم العادى‏ «وَ النَّهارِ» و هو هذا المنام الذي صرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لهذا جعل الدنيا عبرة جسرا يعبر، أي تعبر كما تعبّر الرؤيا التي يراها الإنسان في نومه، فكما أن الذي يراه الرائي في حال نومه ما هو مراد لنفسه إنما هو مراد لغيره،

فيعبر من تلك الصورة المرئية في حال النوم إلى معناها المراد بها في عالم اليقظة إذا استيقظ من نومه، كذلك حال الإنسان في الدنيا ما هو مطلوب للدنيا، فكل ما يراه من حال و قول و عمل في الدنيا إنما هو مطلوب للآخرة، فهناك يعبر و يظهر له ما رآه في الدنيا، كما يظهر له في الدنيا إذا استيقظ ما رآه في المنام، فالدنيا جسر يعبر و لا يعمر، كالإنسان في حال ما يراه من نومه يعبّر و لا يعمّر، فإنه إذا استيقظ لا يجد شيئا مما رآه، من خير يراه أو شر، و ديار و بناء و سفر، و أحوال حسنة أو سيئة، فلا بد أن يعبّر له العارف بالعبارة ما رآه فيقول له: تدل رؤياك لكذا، على كذا، فكذلك الحياة الدنيا منام،

إذا انتقل إلى الآخرة بالموت لم ينتقل معه شي‏ء مما كان في يده و في حسه، من دار و أهل و مال، كما كان حين استيقظ من نومه لم ير شيئا في يده مما كان له حاصلا في رؤياه في حال نومه، فلهذا قال تعالى: إننا في منام بالليل و النهار، و في الآخرة تكون اليقظة، و هناك تعبر الرؤيا، فمن نور اللّه عين بصيرته و عبر رؤياه هنا قبل الموت أفلح، و يكون فيها مثل من رأى رؤيا ثم رأى في رؤياه أنه استيقظ، فيقص ما رآه و هو في النوم على حاله على بعض الناس الذين يراهم في نومه فيقول: رأيت كذا و كذا، فيفسره و يعبره له ذلك الشخص بما يراه في علمه بذلك، فإذا استيقظ حينئذ يظهر له أنه لم يزل في منام، في حال الرؤيا و في حال التعبير لها،

و هو أصح التعبير، و كذلك الفطن اللبيب في هذه الدار مع كونه في منامه يرى أنه استيقظ، فيعبر رؤياه في منامه لينتبه و يزدجر و يسلك الطريق الأسدّ، فإذا استيقظ بالموت حمد رؤياه، و فرح بمنامه و أثمرت له رؤياه خيرا، فلهذه الحقيقة ما ذكر اللّه في هذه الآية اليقظة و ذكر المنام، و أضافه إلينا بالليل و النهار، و كان ابتغاء الفضل فيه في حق من رأى في نومه أنه استيقظ في نومه فيعبر رؤياه، و هي حال الدنيا، فهذا تفصيل آيات المنام بالليل و النهار و الابتغاء من الفضل، و جعله‏ «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ»* أي يفهمون عن اللّه، فهم أهل الفهم عن اللّه، فإن اللّه تعالى قال: (وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي لا يفهمون.

[سورة الروم (30): آية 24]

وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)

للعقل نور يدرك به أمورا مخصوصة، و للإيمان نور به يدرك كل شي‏ء ما لم يقم مانع، فبنور العقل تصل إلى معرفة الألوهية و ما يجب لها و ما يستحيل، و ما يجوز منها فلا يستحيل و لا يجب، و بنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذات و ما نسب الحق إلى نفسه من النعوت، فإن للعقول حدا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي قابلة، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلا: قد لا يستحيل نسبة إلهية كما نقول فيما يجوز عقلا: يستحيل نسبة إلهية.

[سورة الروم (30): الآيات 25 الى 27]

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (26) وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)

[بدء الخلق و الإعادة]

«وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» إن اللّه هو المبدئ، فهو يبدئ كل شي‏ء خلقا، ثم يعيده أي يرجع الحكم إليه بأن يخلق، فقوله: «يُعِيدُهُ» أي يعيد الخلق أي يفعل في العين التي يريد إيجادها ما فعل فيمن أوجدها، و ليس إلا الإيجاد، فإن الخلق يراد به المخلوق في موضع مثل قوله: (هذا خَلْقُ اللَّهِ) و يراد به الفعل مثل قوله: (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ) فقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» إنما يراد به هنا الفعل لا المخلوق، فإن عين المخلوقات ما زالت من الوجود من قوله: «هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» و أعني به الذات القائمة بنفسها،

و إنما انتقلت من الدنيا إلى البرزخ، كما تنتقل من البرزخ إلى الحشر إلى الجنة أو إلى النار، و هي هي من حيث جوهرها، لا أنها عدمت ثم وجدت، فتكون الإعادة في حقها، فهو انتقال من وجود إلى وجود، من مقام إلى مقام، من دار إلى دار، لأن النشأة التي تخلق عليها في الآخرة ما تشبه نشأة الدنيا إلا في اسم النش‏ء، فنشأة الآخرة ابتداء، فلو عادت هذه النشأة لعاد حكمها معها، لأن حكم كل نشأة لعينها، و حكمها لا يعود فلا تعود، و الجوهر عينه لا غيره، موجود من حين خلقه اللّه لم ينعدم، فإن اللّه يحفظ عليه وجوده بما يخلق فيه مما به بقاؤه، فالإعادة إنما هي في كون الحق يعود إلى الإيجاد بالنظر إلى حكم ما فرغ من إيجاده من هذا المخلوق، فكلما فرغ ابتداء عاد إلى حكم الابتداء، هذا حكم إلهي لا يزول، فحكم الإعادة ما خرج حكمها عن الحق، فحكمها فيه لا في الخلق الذي هو المخلوق، فالعالم بعد وجوده ينتقل في أحوال جديدة يخلقها اللّه له،

فلا يزال الحق يخلق و يعود إلى الخلق فيخلق‏ «وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» و ليس هذا الهين عن صعوبة في الابتداء، و لهذا القول بالمفهوم ضعيف في الدلالة، لأنه لا يكون حقا في كل موضع‏ «وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»– الوجه الأول- هو قوله: (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) ابتداء، و إعادتهم أهون من ابتدائهم، و ابتداؤهم أهون من خلق السموات و الأرض- الوجه الثاني- «وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏» في التجلي الصوري‏ «فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و ما ثمّ إلا سماء و أرض، و له المثل الأعلى، فله صورة في كل سماء و أرض‏ «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» الذي لا يرى من حيث هويته‏ «الْحَكِيمُ» في تجليه حتى يقال إنه رئي.

[سورة الروم (30): آية 28]

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)

«تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» أي كخيفتكم أمثالكم، لا عين نفس الخائف.

[سورة الروم (30): آية 29]

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (29)

فحرمان الجهل أوقع بهم.

 

[سورة الروم (30): آية 30]

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30)

[الفطرة]

«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً» أي مائلا في جميع أحوالك من اللّه إلى اللّه عن مشاهدة و عيان، و من نفسك إلى اللّه عن أمر اللّه و إيثار لجناب اللّه، و من كل ما ينبغي أن يحال عنه عن أمر اللّه‏ «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» إن الإيمان الأصلي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، و هو شهادتهم له سبحانه بالوحدانية في الأخذ الميثاقي، فكل مولود يولد على ذلك الميثاق، و لكن لما حصل في حصر الطبيعة بهذا الجسم محل النسيان جهل الحالة التي كان عليها مع ربّه و نسيها، فافتقر إلى النظر في الأدلة على وحدانية خالقه، إذا بلغ إلى الحالة التي يعطيها النظر،

و إن لم يبلغ هذا الحد فحكمه حكم والديه، فإن كانا مؤمنين أخذ بتوحيد اللّه تعالى منهما تقليدا، و إن كانا على أي دين كان ألحق بهما، فالفطرة التي فطر الناس عليها هي‏ (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏) فكل مولود يولد على هذه الفطرة؛ و فطرة كل شي‏ء هو ما يقع به الفصل بين الصور فيقال: هذا ليس هذا، إذ قد يقال: هذا عين هذا من حيث ما يقع به الاشتراك، ففطرة اللّه التي فطر الناس عليها كونهم عبيده، فمن أحوال الفطرة التي فطر اللّه الخلق عليها أن لا يعبدوا إلا اللّه، فبقوا على تلك الفطرة في توحيد اللّه، فما جعلوا مع اللّه مسمى آخر هو اللّه، بل جعلوا آلهة على طريق القربة إلى اللّه، و لهذا قال:

سموهم؛ فإنهم إذا سموهم بان أنهم ما عبدوا إلا اللّه، فما عبد كل عابد إلا اللّه في المحل الذي نسب الألوهية له، فصح بقاء التوحيد للّه الذي أقروا به في الميثاق و أن الفطرة مستصحبة «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ»– الوجه الأول- و هو الفطرة و هو ما شهد به للّه في أول مرة- الوجه الثاني- «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» أي التبديل للّه ليس للخلق تبديل، و قد يكون معناه لا تبديل لخلق اللّه من كونه أعطى كل شي‏ء خلقه، و خلق اللّه كلماته فلا تبديل لخلق، لا تبديل لكلمات اللّه، و إنما التبديل للّه، فيسوغ في هذه الآية أن خلق اللّه هي كلمات اللّه،

فهي عبارة عن الموجودات، كما قال في عيسى عليه السلام إنه كلمته ألقاها إلى مريم، فنفى أن يكون للموجودات تبديل، بل التبديل للّه، و لا سيما و ظاهر الآية يدل على هذا التأويل،أي ليس لهم في الفطرة تبديل، و هذه بشرى من اللّه بأن اللّه ما فطرنا إلا على الإقرار بربوبيته، فما يتبدل ذلك الإقرار بما ظهر من الشرك بعد ذلك في بعض الناس، لأن اللّه نفى عنهم أن يكون لهم تبديل في ذلك بل هم على فطرتهم، و إليها يعود المشرك يوم القيامة عند تبري الشركاء منهم، و إذا لم يضف التبديل إليهم فهي بشرى في حقهم بمآلهم إلى الرحمة، و إن سكنوا النار فبحكم كونها دارا لا كونها دار عذاب و آلام، بل يجعلهم اللّه على مزاج يتنعمون به في النار، بحيث لو دخلوا الجنة بذلك المزاج تألموا لعدم موافقة مزاجهم لما هي عليه الجنة من الاعتدال.

[سورة الروم (30): الآيات 31 الى 41]

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَ إِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)

وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)

ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)

«ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ» من خسف و غير ذلك و قحط و وباء و قتل و أسر «وَ الْبَحْرِ» و كذلك في البحر مثل هذا مع غرق و تجرع غصص لزعزع ريح متلفة «بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ» أي بما عملوا «لنذيقهم بعض الذي عملوا» و هو عين الجزاء و هو في الدنيا، فيوم الدنيا أيضا هو يوم الدين أي الجزاء، لما فيه من إقامة الحدود لذلك قال تعالى: «لنذيقهم بعض الذي عملوا» و هو عين الجزاء، و هو أحسن في حق العبد المذنب من جزاء الآخرة، لأن جزاء الدنيا مذكّر و هو يوم عمل، و الآخرة ليست كذلك، و لهذا قال في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» يعني إلى اللّه بالتوبة، فيوم الجزاء أيضا يوم الدنيا كما هو يوم الآخرة، و هو في الدنيا أنفع، فما ابتليت البرية و هي برية، إنما هو جزاء، ما هو ابتداء.

 

[سورة الروم (30): الآيات 42 الى 47]

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (45) وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى‏ قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)

 

[ «وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» الآية و كيف يظهر الكافرون على المؤمنين؟]

«وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» لم يقيد الحق مؤمنا من مؤمن، بل أوجب على نفسه نصر المؤمنين، و لم يقل بمن، بل أرسلها مطلقة و جلاها محققة، فالمؤمنون في كلام اللّه نوعان و هم الكافرون، فنوع آمن باللّه و كفر بالطاغوت و هو الباطل فهم أهل الجنة المعبر عنهم بالسعداء، و النوع الآخر آمن بالباطل و كفر باللّه و هو الحق فهم أهل النار المعبر عنهم بالأشقياء، فقال عزّ و جل في حق السعداء (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏) و هؤلاء هم الذين حق على اللّه نصرهم، و الألف و اللام للعهد و التعريف، و قال تعالى في حق الأشقياء (وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين، و لكن قد أطلق الحق نصرته هنا للمؤمنين و لم يخصص، و هنا سر من أسرار اللّه تعالى في ظهور المشركين على المؤمنين في أوقات، فتدبره تعثر عليه إن شاء اللّه، فما ورد حتى نؤمن به، إلا أن الإيمان إذا قوي في صاحبه بما كان، فله النصر على الأضعف، و الميزان يخرج ذلك،

و قولي هذا ما كان لقوله‏ (وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) فسماهم مؤمنين، و لكن تحقق في إيمانهم بالباطل أنهم ما آمنوا به من كونه باطلا، و إنما من كونهم اعتقدوا فيه ما اعتقد أهل الحق في الحق، فمن هنا نسب الإيمان إليهم، و بما هو في نفس الأمر على غير ما اعتقدوه سماه الحق لنا باطلا، لا من حيث ما توهموه، فالنصر أجر الإيمان لذاته، و لكن يقتضيه المؤمن و هو الذي صفته الإيمان، و هو سبحانه و فيّ، فلا بد من نصر الإيمان، و لا يظهر ذلك إلا في المؤمن، و المؤمن لا يتبعض فيه الإيمان، فاعلم ذلك، و كل من تبعض فيه الإيمان لأجل تعداد الأمور التي يؤمن بها، فآمن المؤمن ببعضها و كفر ببعضها فليس بمؤمن، فما خذل إلا من ليس بمؤمن، فإن الإيمان حكمه أن يعم و لا يخص، فلما لم يكن له وجود عين في الشخص لم يجب نصره على اللّه، فإذا ظهر الكافر على المؤمن في صورة الحكم الظاهر، فليس ذلك بنصر الكافر عليه، و إنما الذي يقابله لما ولّى، و أخلى له موضعه، ظهر فيه الكافر، و هذا ليس بنصر،

و إذا جعلت الألف و اللام في نصر المؤمنين للجنس، فمن اتصف بالإيمان فهو منصور، و من هنا يظهر المؤمنون بالباطل في أوقات على الكافرين بالطاغوت، فيجعلون ذلك الظهور نصرا، لأن النصر عبارة عمّن ظهر على خصمه، فمن جعل الألف و اللام للجنس جعل إيمان أهل الباطل بالباطل أقوى من إيمان أهل الحق بالحق، فالمؤمن من لا يولي الدبر و يتقدم و يثبت حتى يظفر أو يقتل، و لهذا ما انهزم نبي قط لقوة إيمانه بالحق، و قد توعد اللّه المؤمن إذا ولّى دبره في القتال لغير قتال أو انحياز إلى فئة تعضده، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) فخاطب أهل الإيمان، و بقرائن الأحوال علمنا أنه تعالى أراد المؤمنين بالحق، و أرسل الآية في اللفظ دون تقييد بمن وقع الإيمان به، لكن قرائن الأحوال تخصص و تعطي العلم المقصود من ذلك، غير أن الحق ما أرسلها مطلقة إلا ليقيم الحجة على الذين آمنوا بالباطل إذا هزمهم الكافرون بالطاغوت لما دخلهم من خلل في إيمانهم بالباطل، و هو عندنا ليس بنصر ذلك الظهور الذي للمؤمنين بالباطل على الكافرين بالطاغوت،

و إنما المؤمنون بالحق لما تراءى الجمعان، كان في إيمانهم خلل، فأثر فيه الجبن الطبيعي، فزلزل أقدامهم فانهزموا في حال حجاب عن إيمانهم بالحق، و لا شك أن الخصم إذا رأى خصمه انهزم أمامه و فر و أخلى له مكانه، لا بد أن يظهر عليه و يتبعه، فإن شئت سميت ذلك نصرا من اللّه لهم، فما انتصروا على المؤمنين بالحق و إنما انتصروا على وجه الخلل الذي دخل في إيمانهم و استتر عنهم بالخوف الطبيعي، فكانوا كفارا من ذلك الوجه، فكان نصرهم نصر الكفار بعضهم على بعض و هم المؤمنون بالباطل، لأن هؤلاء المؤمنين بالحق آمنوا بما خوفهم به الطبع من القتل و هو باطل، فآمنوا بالباطل لخوفهم من الموت؛ و الشهيد ليس بميت فإنه حيّ يرزق، فلمّا آمنوا به أنه موت آمنوا بالباطل، فهزم أهل الباطل أهل الباطل، و هذا يسمى ظهورا لا نصرا، إلا إذا جعلت الألف و اللام للجنس فتشمل كل مؤمن بأمر ما من غير تعيين، و ليس المؤمن إلا من لم يدخل إيمانه بأمر ما خلل يقدح في إيمانه، و من ذلك يعلم أن الصدق سيف اللّه في الأرض،

ما قام بأحد و لا اتصف به إلا نصره اللّه، لأن الصدق نعته و الصادق اسمه، فينصر اللّه المؤمن الذي لم يدخله خلل في إيمانه على من دخله خلل في إيمانه، فإن اللّه يخذله على قدر ما دخله من الخلل، أي مؤمن كان من المؤمنين، فالمؤمن الكامل منصور أبدا، و لهذا ما انهزم نبي قط و لا ولي، أ لا ترى يوم حنين لما ادعت الصحابة رضي اللّه عنهم توحيد اللّه، ثم رأوا كثرتهم فأعجبتهم كثرتهم فنسوا اللّه عند ذلك فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، مع كون الصحابة مؤمنين بلا شك، و لكن دخلهم الخلل باعتمادهم على الكثرة، و نسوا قول اللّه‏ (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) فما أذن اللّه هنا إلا للغلبة، فأوجدهافغلبتهم الفئة القليلة بها عن إذن اللّه،

و من هنا نكون في راحة مع اللّه إذا كانت الغلبة للكافرين على المسلمين، فتعلم أن إيمانهم تزلزل و دخله الخلل، و أن الكافرين فيما آمنوا به من الباطل و المشركين لم يتخلخل إيمانهم و لا تزلزلوا فيه، فالنصر أخو الصدق حيث كان تبعه، و لو كان خلاف هذا ما انهزم المسلمون قط، كما أنه لم ينهزم نبي قط، و أنت تشاهد غلبة الكفار و نصرتهم في وقت، و غلبة المسلمين و نصرتهم في وقت، و الصادق من الفريقين لا ينهزم جملة واحدة، بل لا يزال ثابتا حتى يقتل أو ينصرف من غير هزيمة، و من تفسير هذه الآية بوجه عام أن الموحد إذا أخلص في إيمانه و ثبت نصر على قرنه بلا شك، فإذا طرأ عليه خلل و لم يكن مصمت الإيمان و تزلزل خذله الحق،

و ما وجد في نفسه قوة يقف بها لعدوه من أجل ذلك الخلل فانهزم، فلما رآه عدوه منهزما تبعه و ظهرت الغلبة للعدو على المؤمن، فما نصر اللّه العدو و إنما خذل المؤمن لذلك الخلل الذي داخله، فلما خذله لم يجد مؤيدا فانهزم بالضرورة يتبعه عدوه، فما هو نصر للعدو و إنما هو خذلان للمؤمن لما ذكرناه. و أما من جهة التحقيق في هذه الآية فإنه لما تقرر في نفس المشرك أن الحجر أو الكوكب أو ما كان من المخلوقات أنه إله، و هو مقام محترم لذاته، تعيّن على المشرك احترام ذلك المنسوب إليه، لكون المشرك يعتقد أن تلك النسبة إليه صحيحة و لها وجه، و لما علم سبحانه أن المشرك ما احترم ذلك المخلوق إلا لكونه إلها في زعمه، نظر الحق إليه لأنه مطلوبه،

فإذا وفّى بما يجب لتلك النسبة من الحق و الحرمة، و كان أشد احتراما لها من الموحد، و تراءى الجمعان كانت الغلبة للمشرك على الموحد، إذ كان معه النصر الإلهي لقيامه بما يجب عليه من الاحترام للّه و إن أخطأ النسبة، و قامت الغفلة و التفريط في حق الموحد فخذل، و لم تتعلق به الولاية لأنه غير مشاهد لإيمانه، إذ يقول تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) و إنما قاتل ليقال، فما قاتل للّه، فأي شخص صدق في احترام الألوهية و استحضرها و إن أخطأ في نسبتها و لكن هي مشهوده كان النصر الإلهي معه، فما جعل اللّه نصره واجبا عليه للموحد، و إنما جعله للمؤمنين بما ينبغي للألوهية من الحرمة و وفّى بها، فالمؤمن منصور بلا شك غير مخذول، فمن خذل فلينظر من أين خذل، فسيعدم من ذلك الأين الإيمان فإن قوله تعالى: «وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» قول صدق.

 

[سورة الروم (30): الآيات 48 الى 54]

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى‏ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (50) وَ لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52)

وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)

[نصيحة و إشارة: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ …» الآية]

«اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» فاللّه تعالى خلقنا من ضعف و ما خلقنا إلا عليه، فما أنشأ العالم إلا منه و عليه، فخلق الإنسان فقيرا إلى ربه، مسكينا ظاهر الضعف و الحاجة بلسان الحال و المقال، و هكذا الطفل عند ولادته لا يقدر على القيام، فهو طريح قريب إلى أصله و هو الأرض، و كذا المريض الذي لا يقدر على القيام و القعود، و يبقى طريحا لضعفه و هو رجوعه إلى أصله، فالضعف أصل الإنسان لكونه ممكنا، و الممكن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الترجيح على كل حال، ثم جعل اللّه له قوة عارضة و هو قوله: «ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً» لما نقلنا من حال الطفولة إلى حال الشباب و التكليف، فهي قوة الشباب، و ذلك حال الفتوة و فيها يسمى فتى، و ما قرن معها شيئا من الضعف،

فإن الفتوة ليس فيها شي‏ء من الضعف، إذ هي حالة بين الطفولة و الكهولة، و هو عمر الإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعين من ولادته، إلا أنه مع هذه القوة لا يستقل، فأمر بطلب المعونة،ثم ردّ اللّه تعالى الإنسان إلى أصله من الضعف، فإن القوة للّه جميعا، و العبد موطنه الضعف و العبودية، و الضعف مرتبته، فإنه خلق من ضعف ابتداء، و ردّ إلى الضعف انتهاء، فقال عزّ و جل: «ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ» قوة الشباب‏ «ضَعْفاً» يعني ضعف الكهولة إلى آخر العمر «وَ شَيْبَةً» يعني وقارا أي سكونا لضعفه عن الحركة، فإن الوقار من الوقر و هو الثقل، فقرن مع هذا الضعف الثاني الشيبة التي هي الوقار، فإن الطفل و إن كان ضعيفا فإنه متحرك جدا، روي أن إبراهيم عليه السلام لما رأى الشيب قال: يا رب ما هذا؟ قال:

الوقار، قال: اللهم زدني وقارا؛ فالضعف هو أول العالم و آخره، فإنا ما وجدنا للقوة ذكرا في الأول و لا في الآخر، بل جاءت في الوسط و هي محل الدعوى الواقعة في الإنسان، و إذا نظرنا في معنى هذا الضعف الذي خلقنا منه لوجدناه عدم الاستقلال بالإيجاد، فشرع لنا الاستعانة به في الاقتدار، ثم جعل لنا قوة غير مستقلة، فإنه لو لا أن للمكلف نسبة و أثرا في العمل ما صح التكليف و لا صح طلب المعونة من ذي القوة المتين، فهو و إن خلقنا من ضعف فإنه جعل فينا قوة لولاها ما كلفنا بالعمل و الترك، لأن الترك منع النفس من التصرف في هواها، و بهذا عمت القوة العمل و الترك، و قرن الشيب بالضعف الذي رجعنا إليه، ليرينا بذلك الشيب و هو نور أن ذلك الضعف ما هو ضعف ثان من أجل ما نكّره، فهو رجع إلى الضعف الأول،

فكان الضعف الثاني رجوعا إلى الأصل، فسمي هرما، و الشيب للشيخوخة، و هذا الضعف الأخير إنما أعده اللّه لإقامة النشأة الآخرة عليه كما قامت النشأة الدنيا على الضعف، و إنما كان هذا ليلازم الإنسان ذاته الذلة و الافتقار و طلب المعونة و الحاجة إلى خالقه، و مع هذا كله يذهل عن أصله و يتيه بما يعرض له من القوة، فإذا استوى قائما و بعد عن أصله (و هو الأرض) تفر عن و تجبّر و ادعى القوة، و قال: أنا؛ فالرجل من كان مع اللّه في حال قيامه و صحته، كحاله في اضطجاعه من المرض و الضعف و هو عزيز- نصيحة- الاعتناء بالصغير رحمة به لضعفه، فإذا كبر وكل إلى نفسه، فإن بقي في كبره على أصله من الضعف صحبته الرحمة، و إن تكبر عن أصله و ادعى القوة المجعولة فيه بعد ضعفه أضاعه اللّه في كبره برد الضعف إليه، فاستقذره وليه و تمنى مفارقته، و في ضعف صغره كان يشتهي حياته و يرغب في تقبيله و لا يستقذره- إشارة- «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً» هذا حال وقت نظرك إن نظرت‏ «ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً» فنكصت على عقبك، فانظر كيف تكون؟.

 

[سورة الروم (30): الآيات 55 الى 60]

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (58) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59)

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 361

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=