تفسیر ابن عربی سوره ص

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة ص

(38) سورة ص مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة ص (38): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)

[حرف الصاد]

أقسم الحق تعالى عند ذكر حرف الصاد بمقام جوامع الكلم، فإن الصاد حرف من حروف الصدق، و الصون، و الصورة، فهو حرف شريف عظيم، و تضمنت هذه السورة من أوصاف الأنبياء عليهم السلام و من أسرار العالم كله الخفية عجائب و آيات، و كل من له نصيب من هذه السورة يحصل له من بركات الأنبياء عليهم السلام المذكورين في هذه السورة، و يلحق الأعداء الكفار ما في هذه السورة من البؤس لا من المؤمنين.

[سورة ص (38): الآيات 2 الى 3]

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ (3)

فإن العطاء عام و النفع خاص، عم التنادي و ما عمت الإباية، لما لم تقع هنا الإنابة.

[سورة ص (38): آية 4]

وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)

[إشارة: في حق الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و منة اللّه تعالى عليه‏]

– إشارة- في حق الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و منة اللّه تعالى عليه: كأن الحق تعالى يقول له:

عبدي خرقت لك الحجاب، و أظهرت لك الأمر العجاب، حتى أتيت قومك باللباب، فقالوا: ساحر كذاب. عبدي وهبتك أسرار الأخلاق، و ملكتك مفتاح اسمي الخلّاق، فقال الكافرون: إن هذا إلا اختلاق. عبدي ملكتك سر النون من قولي كن فيكون، فقالوا: ساحر مجنون، عبدي أتيتهم بأسرار الكوثر، فقالوا: إن هذا إلا سحر يؤثر.

عبدي أعطتك القوا في زمامها، و رفعت لك المعاني معارفها و أعلامها، فجريت سابقا، في حلبة الناظم و الناثر، فقالوا: ما هذا رسول بل هو شاعر. عبدي كشفت لهم عن النور المبين، و أطلعتهم على علم اليقين، فقالوا: إن هذا إلا أساطير الأولين. أما شرح ما في هذه الإشارة، فقوله: «خرقت لك الحجاب» أي أشهدتك أسرار الغيب، حتى عرفت ما تعطيه خواص الأشياء في أزمنة مخصوصة،

و قوله: «وهبتك أسرار الأخلاق» هو ما أعطي من جوامع الكلم، إذ كان القرآن معجزته، و قوله: «ملكتك سر النون» هو ما يظهر من الرسول من الاقتدار الذي لا ينبغي أن يكون إلا للّه تعالى، من إحياء الموتى و أشباهه، و يريد «بأسرار الكوثر» علما خاصا، كما أن الكوثر خاصة مائه أنه من شرب منه لا يظمأ، فكذلك هذا العلم الذي هو بهذه المثابة، من شرب منه ما يروى،

قوله: «أعطتك القوافي زمامها و المعاني» إلى آخر الفصل، يريد دلالة الألفاظ بحكم التطابق على المعاني على طريق الإعجازبعدم المعارضة، و قوله «النور المبين» و «علم اليقين» يريد قوله تعالى‏ (ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ).

[سورة ص (38): آية 5]

أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ (5)

[الإله لا يكون بالجعل‏]

قال المشركون لما دعوا إلى توحيد الإله في ألوهته بقوله تعالى: (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) أكثروا التعجب و قالوا: «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» فهي حكاية اللّه لنا عن المشرك أنه قال هكذا، إما لفظا و إما معنى، و المشرك هو من جعل مع اللّه إلها آخر من واحد فما زاد، و كان ذلك من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون اللّه، المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع، و الذي قالوا فيه‏ (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏) «إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ» فالناس يحملون هذا القول على أنه من قول الكفار، حيث دعاهم إلى توحيد إله و هم يعتقدون كثرتها،

و ما علموا أن جعل الألوهية من الكثيرين أعجب، ففي الحقيقة ليس العجب ممن وحّد، و إنما العجب ممن كثر الآلهة بلا دليل و لا برهان، و هذا القول عندنا من قول الحق، أو قول الرسول، و أما قول الكفار فانته في قوله‏ «إِلهاً واحِداً» و التعجب أنه بأول العقل يعلم الإنسان أن الإله لا يكون بجعل جاعل، فإنه إله لنفسه، و لهذا وقع التوبيخ بقوله تعالى: (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) و الإله في ضرورة العقل لا يتأثر، و قد كان هذا خشبة يلعب بها أو حجرا يستجمر به، ثم أخذه و جعله إلها يذل و يفتقر إليه و يدعوه خوفا و طمعا، فمن مثل هذا يقع التعجب مع وجود العقل عندهم، فوقع التعجب من ذلك، ليعلم من حجب العقول عن إدراك ما هو لها بديهي و ضروري،

ذلك لتعلموا أن الأمور بيد اللّه، و أن الحكم فيها للّه، و أن العقول لا تعقل بنفسها، و إنما تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربها و خالقها، و لهذا تتفاوت درجاتها، فمن عقل مجعول عليه قفل، و من عقل محبوس في كنّ، و من عقل طلع على مرآته صدأ، فلو كانت العقول تعقل لنفسها، لما أنكرت توحيد موجدها في قوم و عقلته في قوم، و الحد و الحقيقة فيها على السواء، فلهذا جعلنا قوله تعالى‏ «إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ» ليس من قول الكفار بل قال اللّه عند قولهم‏ «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» «إن هذا لشي‏ء عجاب» حيث جعلوا الإله الواحد آلهة، و خصوص وصفه أنه إله، و به يتميز، فلا يتكثر بما به يتميز، و يشهد لهذا النظر قولهم فيما حكى اللّه عنهم‏ (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏) فهم يعلمون أنهم نصبوهم آلهة،

و لهذا وقع الذم عليهم بقوله‏ (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟) و الإله من له الخلق و الأمر من قبل و من بعد. و اعلم أنّ اللّه تعالى عصم لفظ «اللَّهِ» أن يطلق على أحد، و ما عصم لفظ إله، فكثرت الآلهة في العالم لقبولها التنكير، و اللّه واحد معروف لا يجهل، أقرت بذلك عبدة الآلهة فقالت: (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏) و ما قالت: إلى إله كبير هو أكبر منها؛

و لهذا أنكروا ما جاء به صلّى اللّه عليه و سلم في القرآن و السنة من أنه إله واحد من إطلاق الإله عليه، و ما أنكروا اللّه، و لو أنكروه ما كانوا مشركين، فبمن يشركون إذا أنكروه؟ فما أشركوا إلا بإله لا باللّه، فقالوا: «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟» و ما قالوا: أجعل الآلهة اللّه؟

فإن اللّه ليس عند المشركين بالجعل. و من ذلك قول السامري‏ (هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏) في الجعل، و لم يقل: هذا اللّه الذي يدعوكم إليه موسى؛ و قول فرعون‏ (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏) و لم يقل: إلى اللّه الذي يدعو إليه موسى عليه السلام؛ و قال: (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي).

[سورة ص (38): الآيات 6 الى 7]

وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7)

لما جاءهم التعريف على يدي واحد منهم، و لم يعرفوا العناية الإلهية و الاختصاص الرباني و الاختلاق لم يكن فيما تعجبوا منه، لأنه لو أحالوه بالكلية ما تعجبوا، و إنما نسبوا الاختلاق لمن جاء به إذ كان من جنسهم و مما يجوز عليه ذلك، حتى يتبين لهم برؤية الآيات فيعلمون أنه ما اختلق هذا الرسول، و أنه جاءه من عند اللّه الذي عبد هؤلاء هذه المسماة آلهة عندهم على جهة القربة إلى اللّه الكبير المتعال، و الاختلاق الكذب لهذا قالوا:

[سورة ص (38): الآيات 8 الى 9]

أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)

[قوله تعالى: «الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ»]

الاسم الوهاب أول اسم يطلب أن يظهر أثره في الأعيان لفقرها، و الوهب امتنان على‏ الموهوب له، و يبتدئ بإعطاء الوجود لكل عين، و لما كان الوهب له تعالى ذاتيا فإنه لا يقدح في غناه عن كل شي‏ء، فكان العزيز الوهاب، فإنه عز أن يكون غناه علة لشي‏ء، لأن العلة تطلب معلولها، و الوهب ليس كذلك، فإنه امتنان على الموهوب له، و الوهاب هو الذي يعطي لينعم لا لطلب شكر و لا عوض.

[سورة ص (38): الآيات 10 الى 15]

أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14)

وَ ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15)

فوحد الصيحة.

[سورة ص (38): آية 16]

وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16)

«وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا» أي نصيبنا «قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ» قالوا ذلك سخرية.

[سورة ص (38): آية 17]

اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)

«ذَا الْأَيْدِ» أي صاحب القوة، ما هو جمع يد، فكان فيما أعطاه الحق على طريق الإنعام عليه القوة، و نعته بها.

[سورة ص (38): آية 18]

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ (18)

السبحة صلاة النافلة، يقول عبد اللّه بن عمر و هو عربي في النافلة في السفر: لو كنت مسبحا أتممت؛ و الإشراق أول النهار، و صلاة الإشراق أربع ركعات، و هي غير صلاة الضحى، فإنها ثمان ركعات بعد صلاة الإشراق.

[سورة ص (38): الآيات 19 الى 20]

وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ (20)

[الحكمة، و من هم الحكماء على الحقيقة]

الحكمة علم تفصيلي عملي، و العلم بالمجمل علم تفصيلي، فإنه فصله عن العلم التفصيلي، و لو لا ذلك لم يتميز المجمل من المفصل، فمن الحكمة العلم بالمجمل و التجميل و المفصل و التفصيل، و الحكمة صفة تحكم و يحكم بها و لا يحكم عليها، فإن الحكيم من حكمته الحكمة فصرّفته، لا من حكم الحكمة، فإنه من حكم الحكمة له المشيئة فيها، و من حكمته الحكمة فهي المصرفة له،

و إذا قامت الصفة بالموصوف أعطته حكمها عطاء واجبا، فامتن اللّه تعالى على داود بأن آتاه الحكمة فقال: «وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ» عملا بإعطاء كل ذي حق حقه، و لا يفعل ذلك حتى يعلم ما يستحقه كل ذي حق من الحق، و ليس إلا بتبيين الحق له ذلك،

و لذلك أضافه إليه تعالى فقال: «وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ» و هي هبة من اللّه تعالى فأعطاه الحكمة «وَ فَصْلَ الْخِطابِ» في المقال، و هو من الحكمة، و الأمر كله مفصّل في علم اللّه، ما عند اللّه إجمال، و إنما وقع الإجمال عندنا و في حقنا و فينا ظهر، فمن كشف التفصيل في عين الإجمال علما أو عينا أو حقا فذلك الذي أعطاه اللّه الحكمة و فصل الخطاب،

و ليس إلا الرسل و الورثة خاصة، فإنه من أوتي الفهم عن اللّه من كل وجه فقد أوتي الحكمة و فصل الخطاب، و هو تفصيل الوجوه و المرادات من الكلام، و فصل الخطاب من المقال، و سلطانه في قلت و قال، و القول يطلب السمع، و يؤذن بالجمع، فالحكيم يجري مع كل حال و موطن بحسب ذلك الحال و ذلك الموطن، فإنه لفصل الخطاب موطن، تعطي الحكمة لصاحبها أن لا يظهر منه في ذلك الموطن إلا فصل الخطاب،

و هو الإيجاز في البيان في موطنه، لسامع خاص لذي حال خاص؛ و الإسهاب في البيان في موطنه، لسامع خاص ذي حال خاص، و مراعاة الأدنى أولى من مراعاة الأعلى، فإن ذلك من الحكمة، فإن الخطاب للإفهام، فإذا كرر المتكلم الكلام ثلاث مرات حتى يفهم عنه، كما كان كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيما يبلغه عن اللّه للناس يراعي الأدنى، ما يراعي من فهم من أول مرة، فيزيد صاحب الفهم في التكرار أمورا لم تكن عنده، أفادها إياه التكرار، و الأدنى الذي لم يفهم فهم الأول فهم بالتكرار ما فهمه الأول بالقول الأول، أ لا ترى العالم الفهم المراقب‏ أحواله يتلو المحفوظ عنده من القرآن،

فيجد في كل تلاوة معنى لم يجده في التلاوة الأولى، و الحروف المتلوة هي بعينها ما زاد فيها شي‏ء، و لا نقص، و إنما الموطن و الحال تجدد، و لا بد من تجدده، فإن زمان التلاوة الأولى ما هو زمان التلاوة الثانية، فالحكماء على الحقيقة هم أهل اللّه الرسل و الأنبياء و الأولياء، لا الحكماء باللقب، إلا أن الحكماء باللقب أقرب إلى العلم من غيرهم.

[سورة ص (38): الآيات 21 الى 24]

وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى‏ سَواءِ الصِّراطِ (22) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ (24)

«وَ قَلِيلٌ ما هُمْ»– الوجه الأول- يقول: ما هم قليل، يعني كثير، أي الذين آمنوا و عملوا الصالحات و هو قوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)– الوجه الثاني- [ما] من وجه قد تكون زائدة، فيكون القليل هم من آمن باللّه، فإن الموحدين هم الذين وحدوا اللّه باللّه، و أما الموحدون الذين وحدوا اللّه لا باللّه بل بأنفسهم فهم الذين أشركوا في توحيده، قال تعالى: (وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ) و من رحمة اللّه بخلقه أن خلق الظن فيهم و جعله من بعض وزعة الوهم، و اللّه ما يوجد إلا عند ظن العبد به فليظن به خيرا، و لو لا الظن ما عصى اللّه مخلوق أبدا، قال تعالى: «وَ ظَنَّ داوُدُ» و الظن هنا على‏ بابه‏ «أَنَّما فَتَنَّاهُ» أي اختبرناه، فإن الفتنة في اللسان الاختبار،

تقول العرب: فتنت الفضة على النار أي اختبرتها؛ و الفتنة الابتلاء، و ليس الابتلاء مما يحط درجة العبد عند اللّه، بل ما يبتلي اللّه إلا الأمثل فالأمثل من عباده، فإن الحق أوصى داود بقوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏) «فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ» فاستغفر داود ربّه أي طلب الستر من اللّه الحائل بينه و بين الهوى المضل ليتصل به، فيؤثر في الحكم الذي أرسل به، فطلب طلبا مؤكدا الستر من ربه، فإن الاستفعال يؤذن بالتوكيد «وَ خَرَّ راكِعاً» و وقع خاضعا «وَ أَنابَ» و رجع إلى اللّه فيما طلب لا لحوله و قوته، فكان سقوطه إلى الأرض اختيارا قبل أن تسقطه الأهواء، فكان ركوعه رجوعا إلى أصله من نفسه، فهو عين الستر الذي طلبه في الاستغفار، فعصمه اللّه و ستره، فما خر داود عن زلة أتى بها، بل رجوعا إلى أسّه.

[سورة ص (38): آية 25]

فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ (25)

«فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ» فقضينا حاجته فيما رجع إلينا فيه، و سترناه عن الأغيار، فجهل قدره، مع تصريحنا بخلافته عنا في الحكم في عبادي و التحكم و التصريف‏ «وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏» تقريب مما هو له منا، لا يرجع من ذلك إلى الأكوان و الأغيار شي‏ء «وَ حُسْنَ مَآبٍ» و خاتمة حسنة، و السجدة هنا ليست من عزائم السجود، و قد سجدها داود عليه السلام توبة و شكرا معا، و هي لمن سجدها سجدة شكر- إشارة- لما كان آدم أول من ظهر فيه أحكام الأسماء الإلهية،

و لم يزل يرتقي في أطوار بنيه، لأن خلافته لم تكن منبسطة تماما لقلة عدد هذا النوع معه، و لذلك كان نوح عليه السلام أول الرسل حتى بلغ ذلك إلى داود عليه السلام، و من ثمّ وقع النص على خلافته في الأرض، و تزوج تسعا و تسعين امرأة ضرب مثال من الأسماء، فلما طمع في الظهور باسم الذات، ضرب له المثل المعروف السابق ذكره.

[سورة ص (38): آية 26]

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26)

[داود عليه السلام نص على خلافته بالاسم و مع ذلك نهي عن اتباع الهوى.]

«يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» لمن تقدمك أو نيابة عنا؛ و صرح الحق بالخلافتين على التعيين في حق آدم و داود عليهما السلام، فقال تعالى في خلافة آدم: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) يريد آدم و بنيه، و قال تعالى في داود عليه السلام‏ «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» و سبب ذلك لما لم يجعل في حروف اسم داود حرفا من حروف الاتصال جملة واحدة، فما في اسمه حرف يتصل بحرف آخر من حروف اسمه، فكان داود عليه السلام في دلالة اسمه عليه، أشبه بني آدم بآدم في دلالة اسمه عليه، فصرح اللّه بخلافته في القرآن في الأرض كما صرح بخلافة آدم في الأرض،

فإن حروف آدم غير متصلة بعضها ببعض، و حروف داود كذلك، إلا أن آدم فرق بينه و بين داود بحرف الميم الذي يقبل الاتصال القبلي و البعدي، فأتى اللّه به آخرا حتى لا يتصل به حرف سواه، و جعل قبله واحدا من الحروف الستة التي لا تقبل الاتصال البعدي، فأخذ داود من آدم ثلثي مرتبة الأسماء (الألف و الدال)، و أخذ محمد صلّى اللّه عليه و سلم ثلثيه أيضا، و هو الميم و الدال. و شرف اللّه داود في هذه الآية بتعيينه باسمه في الخلافة في الأرض، و جمع له بين أداة المخاطب و بين ما شرفه به، و هذا شرف لم يجمع لأبيه آدم لا في تعيينه بالاسم، و لا جمع له بين أداة المخاطب و بين ما شرفه به كما حصل لداود عليه السلام في هذه الآية،

و ذلك جبرا لقلب داود عليه السلام بعد أن جحد آدم الستين سنة التي أعطاها له، و رغم ذلك فإن اللّه أراد تأديب داود عليه السلام لما يعطيه الذكر الذي سماه اللّه به من النفاسة على أبيه، و لا سيما و قد تقدم من أبيه في حقه ما تقدم من الجحد لما امتن اللّه به عليه، فلما جبره اللّه بذكر اسمه في الخلافة، قال له من أجل ما ذكرناه من تطرق النفاسة التي في طبع هذه النشأة «فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» الذي أوحيت به إليك و أنزلته عليك، أي احكم بما يقتضيه أمر الحق المشروع، و هو تمشية أوامر اللّه و إنفاذ كلماته لا غير «وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» و هو ما خالف شرعك، و هو إرادة النفوس التي يخالفها حكم الحق، فيحتمل قوله تعالى‏ «وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» يعني هوى نفسه، أي لا تحكم بكل ما يخطر لك،

و يحتمل لا تتبع هوى أحد يشير عليك بخلاف ما أوحى اللّه به إليك، فإنه تعالى قال‏ «وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» و لم يقل تعالى: هواك، أي لا تحكم بما يهوى‏ كل أحد منك، فإنه لو كان هوى غيره نهي أن يتبعه، فاتبعه، فما يتبعه إلا بهوى نفسه، فطاوع نفسه في ذلك، فلذلك تعين أنه أراد بالهوى نفسه لا غيره، و هو أن يأمره بمخالفة ما أمره اللّه به أن يفعله أو ينهاه عنه،

فقوله تعالى: «وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» يعني محابك، بل اتبع محابي و هو الحكم بما رسمته لك، فشغله ذلك الحذر عن الفرح بما حصل له من تعيين اللّه له باسمه، و لكن حصل له الفرح و أخذ حظه منه قبل أن يصل إليه زمان‏ «وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» لا عن اللّه، فأمره بمراقبة سبيل اللّه، و هو ما شرعه لدار القرار التي هي محل سعادتك، فكان قوله تعالى لخليفته داود عليه السلام: «فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» و هو ما شرعه اللّه لك على الخصوص، فإن اللّه تعالى يقول: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً) و الهوى يحيرك و يتلفك،

و يعمّي عليك السبيل الذي شرعته لك و طلبت منك المشي عليه، و هو الحكم به، فالهوى هنا محاب الإنسان، فأمره الحق بترك محابه إذا وافق غير الطريق المشروعة له، لأن الهوى يهوي بمتبعه عن درجة الخلافة التي أهّلت لها و أهّلت لك، فالرجل هو الذي رأى الحق حقا فاتبعه، و حكم الهوى و قمعه، «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» و هو ما شرعه لعباده في كتبه و على ألسنة رسله،

و الضلال عن سبيل اللّه اتباع الهوى‏ «لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» يحتمل و اللّه أعلم يوم الدنيا، حيث لم يحاسبوا نفوسهم فيه، فإن النسيان الترك، يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا] فإن يوم الدنيا أيضا هو يوم الدين، أي يوم الجزاء لما فيه من إقامة الحدود، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون، و لم يقل تعالى لداود عليه السلام: فإنك إن ضللت عن سبيل اللّه لك عذاب شديد؛ فتلطف به في الخطاب ثانيا.

 

[سورة ص (38): آية 27]

وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)

«وَ ما خَلَقْنَا» أي قدّرنا «السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا» فما هي عبث فإن الخالق حكيم، فإذا قدرها فما تكون عبثا و لا باطلا، فإن ذلك لحكمة فيها يعلمها من علّمه اللّه، لذلك قال: «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ».

 

[سورة ص (38): الآيات 28 الى 29]

أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)

يقول اللّه في حق ما أنزل من القرآن إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يخاطب به ثلاث طبقات من الناس، فهو في حق طائفة (بلاغ) يسمعون حروفه إيمانا بها أنها من عند اللّه لا يعرفون غير ذلك- سورة إبراهيم آية 52- و طائفة تلاه عليها «لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ» أي يتفكروا فيها و في معاني القرآن، حتى يعلموا أن الآتي بها لم يأت بها من نفسه، بل هي من عند مرسله سبحانه، و تدبر القرآن من كونه قرآنا و فرقانا، فللقرآن موطن، و للفرقان موطن، فقم في كل موطن باستحقاقه تحمدك المواطن، و المواطن شهداء عدل عند اللّه، فإنها لا تشهد إلا بصدق، و طائفة ثالثة قال فيها «وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» أرباب العقول ما كانوا قد علموه قبل، فإن التذكر لا يكون إلا عن علم غفل عنه أو نسيان من عاقل، أي ما جاءوا بما تحيله الأدلة الغامض إدراكها، فإنها لب الدلالات، فينتبهون من نوم غفلتهم و يتذكرون بعقولهم ما كانوا قد نسوه،

و هذا يدلك على أنهم كانوا على علم متقدم في شيئية الثبوت و أخذ العهد، فمن باب الإشارة سمي هذا الجنس بالناس، اسم فاعل من النسيان معرفا بالألف و اللام، لأنه نسي أن الحق سمعه و بصره و جميع قواه في حال كونه كله نورا، و هو المقام الذي سأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من ربه أن يقيم فيه أبدا، فقال: [و اجعلني نورا] فإن اللّه من أسمائه النور، بل هو النور، للحديث الثابت [نور أنّى أراه‏] فلما لم يتذكر الناسي هذه الحال، و هو في نفسه عليها غافل عنها، خاطبه الحق مذكرا له بها في القرآن الذي تعبده بتلاوته‏ «لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» ما كانوا قد نسوه.

[سورة ص (38): آية 30]

وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)

سليمان هبة اللّه تعالى لداود، و الهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام، لا بطريق الوفاق أو الاستحقاق، فهو النعمة السابغة، و الحجة البالغة، و الضربة الدامغة.

 

[سورة ص (38): الآيات 31 الى 32]

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32)

[قول سليمان عليه السلام‏ «أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي»]

يقول سليمان عليه السلام‏ «إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي» لأنه سماه خيرا، و الخير منسوب إلى اللّه فقال: «عَنْ ذِكْرِ رَبِّي» إياه بالخيرية أحببته، فأحب عليه السلام حب الخير، و حب الخير إما أن يريد حب اللّه إياه، أو حب الخير من حيث وصف الخير بالحب، و الخير لا يحب إلا الأخيار، فإنهم محل وجود عينه، فكذلك سليمان عليه السلام قال: «أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ» أي أنا في حبي كالخير في حبه، و لهذا لما توارت بالحجاب، أعني الصافنات الجياد، اشتاق إليها، لأنه فقد المحل الذي أوجب له هذه الصفة الملذوذة، فإنها كانت مجلى له فقال.

[سورة ص (38): آية 33]

رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ (33)

فطفق يمسح بيده على أعرافها و سوقها فرحا و إعجابا بخير ربه:

إن الفتى من رأى الأفراس توصله‏ به فيمسح بالأعناق و السوق‏
حبا لها عند ما كانت أدلته‏ عليه لم يرها جاءت لتشقيق‏
و كيف جاءت لتشقيق و إن لها تسبيح خالقها حقا بتصديق‏
اللّه كرمها جودا و أهلها لكل صالحة تأهيل معشوق‏

و أما المفسرون الذي جعلوا التواري للشمس، فليس للشمس هنا ذكر، و لا للصلاة التي يزعمون، و مساق الآية لا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة.

[سورة ص (38): آية 34]

وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34)

– الوجه الأول- و أما استرواح المفسرين فيما فسروه بقوله: «وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ» ليس تلك الفتنة و هو الاختبار إذا كان متعلقه الخيل و لا بد، فيكون اختبار سليمان عليه السلام‏ إذا رآها هل يحبها عن ذكر ربه لها؟ أو هل يحبها لعينها؟

فأخبر صلّى اللّه عليه و سلم أنه أحبها عن ذكر ربه إياها، لانفسها، مع حسنها و جمالها و حاجته إليها، و هي جزء من الملك الذي طلب أن لا ينبغي لأحد من بعده، فأجابه الحق إلى ما سأل في المجموع، و رفع الحرج عنه فقال له:

[بحث الفرق بين الأجسام و الأجساد]

«هذا عَطاؤُنا»– الوجه الثاني- «وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً» فأقام إبليس لعنه اللّه صورة الجنة في الخيال المنفصل لسليمان عليه السلام، ليفتنه بها و لا علم لسليمان عليه السلام بذلك، لأن الصورة المحسوسة التي تظهر فيها الروحانيات تسمى أجسادا، فصنعت سحرة الجان لسليمان عليه السلام أرضا من الذهب الأصفر و رصعتها بالدر و الياقوت و الجوهر، تريد فتنته و لم يعلم، فحسن ظنه بربه و اعتقدها من عوائد أفضاله و بشائر إقباله، فسجد شكرا للّه حيث أتحفه بها، و زاد في معاملته صبرا و هو قوله تعالى:

«ثم أناب فأبقاها اللّه له جنة محسوسة يتنعم بها، و أثبتها له جنة قدس معجلة يراها مكاشفة عين، و خصّه بها مدة ما أمهله، و رجع إبليس خاسرا لأنه أراد بذلك فتنته- بحث الفرق بين الأجسام و الأجساد- الأجسام هي هذه المعروفة في العموم لطيفها و شفافها و كثيفها، ما يرى منها و ما لا يرى، و الأجساد هي ما يظهر فيها الأرواح في اليقظة الممثلة في صور الأجسام، و ما يدركه النائم في نومه من الصور المشبهة بالأجسام فيما يعطيه الحس، و هي في نفسها ليست بالأجسام.

[سورة ص (38): آية 35]

قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)

قوله «لا ينبغي» أنه يريد لا ينبغي ظهوره في الشاهد للناس لأحد، و إن حصل بالقوة لبعض الناس، كمسألة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مع العفريت الذي فتك عليه، فأراد أن يقبضه و يربطه بسارية من سواري المسجد حتى ينظر الناس إليه، فتذكر دعوة أخيه سليمان فرده اللّه خاسئا؛ فعلمنا من هذه القصة أنه أراد الظهور في ذلك لأعين الناس،

و يحتمل أن الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، الظهور بالمجموع على طريق التصرف فيه، ثم إن اللّه أجاب سليمان عليه السلام إلى ما طلب منه بأن ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بدعوة أخيه سليمان حتى لا يمضي ما قام بخاطره من إظهار ذلك، و من هذه الآية نعلم أن حب العارف للمال و الدنيا لا يقدح في حبه للّه و الآخرة، فإنه ما يحبه منه لأمر ما إلا ما يناسب ذلك الأمر في الإلهيات،أ ترى سليمان عليه السلام سأل ما يحجبه عن اللّه؟ أو سأل ما يبعده عن اللّه؟

هيهات، بل هي صفة كمالية سليمانية «إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» فما أليق هذا الاسم بهذا السؤال- إشارة- ارغب في ملك لا ينبغي لسواك، أي لا يكون ملكك سواك، بل يكون ملكك عبوديتك، فتكون أنت عين ملكك، و تكون نفسك في ملكك تردها و تحكم عليها، فهذا هو الملك الذي لا يشارك فيه، فلمثل هذا فليعمل العاملون، و في مثله فليتنافس المتنافسون- لطيفة- لا يعرف لذة الاتصاف بالعبودية إلا من ذاق الآلام عند اتصافه بالربوبية و احتياج الخلق إليه،

مثل سليمان عليه السلام حين طلب أن يجعل اللّه أرزاق العباد على يديه حسا، فجمع ما حضره من الأقوات في ذلك الوقت، فخرجت دابة من دواب البحر فطلبت قوتها، فقال لها: خذي من هذا قدر قوتك في كل يوم، فأكلته حتى أتت على آخره،

فقالت: زدني فما وفيت برزقي، فإن اللّه يعطيني كل يوم مثل هذا عشر مرات، و غيري من الدواب أعظم مني و أكثر رزقا، فتاب سليمان عليه السلام إلى ربه، و علم أنه ليس في وسع المخلوق ما ينبغي للخالق تعالى، فإنه طلب من اللّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فاستقال من سؤاله حين رأى ذلك، و اجتمعت الدواب عليه تطلب أرزاقها من جميع الجهات، فضاق لذلك ذرعا، فلما قبل اللّه سؤاله و أقاله، وجد من اللذة لذلك ما لا يقدر قدره، ثم إن اللّه تمم هذه النعمة لسليمان عليه السلام بدار التكليف فقال.

 

[سورة ص (38): آية 36]

فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36)

فجعل اللّه الريح مأمورة، يعلمنا أنها تعقل، و لا يسمى الهواء ريحا إلا إذا تحرك و تموج، فإذا اشتدت حركته كان زعزعا، و إن لم يشتد كان رخاء أي ريحا لينا. و الريح ذو روح يعقل كسائر أجسام العالم، و هبوبه تسبيحه، و التسخير الذي اختص به سليمان و فضل به على غيره، و جعله اللّه له من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، هو كونه عن أمره، فإن اللّه يقول في حقنا كلنا من غير تخصيص‏ (وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) و قد ذكر تسخير الرياح و النجوم و غير ذلك، و لكن لا عن أمرنا، بل عن أمر اللّه، فما اختص سليمان إن عقلت إلا بالأمر من غير جمعية و لا همة، بل بمجرد الأمر، فكان من سليمان مجرد التلفظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة و لا جمعية.

 

[سورة ص (38): الآيات 37 الى 38]

وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ (37) وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38)

ثم قال تعالى لسليمان عليه السلام إتماما لنعمته عليه.

[سورة ص (38): آية 39]

هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (39)

«هذا عَطاؤُنا» و لم يقل لك و لا لغيرك‏ «فَامْنُنْ» أي أعط «أَوْ أَمْسِكْ» فرفع عنه الحجر في التصريف بالاسم المانع و المعطي، و ما حجب هذا الملك سليمان عليه السلام عن ربه عزّ و جل، أما قوله تعالى‏ «بِغَيْرِ حِسابٍ» يعني لست محاسبا عليه، و للّه عباد سليمانيون يقول اللّه لهم: «هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ» و هم سبعون ألفا في هذه الأمة، قد نعتهم النبي صلّى اللّه عليه و سلم في الخبر الصحيح، و عكاشة منهم بالنص عليه.

[سورة ص (38): آية 40]

وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ (40)

«وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا» يعني في الآخرة «لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ» أي ما ينقصه هذا الملك من ملك الآخرة شي‏ء، كما يفعله مع غيره حيث أنقصه من نعيم الآخرة على قدر ما تنعم به في الدنيا، قال تعالى في حق قوم‏ (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها).

[سورة ص (38): الآيات 41 الى 42]

وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ (42)

«ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ» يعني ماء «بارِدٌ» لما كان عليه من فرط حرارة الألم، فسكّنه اللّه ببرد الماء «وَ شَرابٌ» لإزالة العطش الذي هو من النصب و العذاب الذي مسه به الشيطان ركض أيوب برجله عن أمر ربه، فأزال بتلك الركضة آلامه، و نبع الماء الذي هو سر الحياة السارية في كل حي طبيعي، فمن ماء خلق، و به بري‏ء، فجعله رحمة له، و هو قوله تعالى.

 

[سورة ص (38): آية 43]

وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى‏ لِأُولِي الْأَلْبابِ (43)

لما لم يناقض الصبر الشكوى إلى اللّه، و لا قاوم الاقتدار الإلهي بصبره، و علم اللّه هذا من أيوب عليه السلام، أعطاه اللّه أهله و مثلهم معهم، و جعل الحق تعالى ذكرى لنا و له عليه السلام، و رفق اللّه تعالى بأيوب عليه السلام فيما نذره تعليما لنا، ليتميز في الموفين بالنذر فقال.

[سورة ص (38): آية 44]

وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

[الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر]

«وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ» لا تعود لسانك الحنث، و بر يمينك و لو بالضغث، و هو قبضة الحشيش، و جعلت الكفارة في أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم لسترهم عما يعرض لهم من العقوبة في الحنث، و الكفارة عبادة و الأمر بها أمر بالحنث إذا رأى خيرا مما حلف عليه، فراعى الإيمان‏ «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» لا يرفع اسم الصبر عن العبد إذا حل به بلاء فسأل اللّه تعالى في رفع ذلك البلاء،

كما فعل أيوب عليه السلام فقال: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) و أثنى اللّه عليه فقال: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ» فما قص الحق عليك أمر أيوب عليه السلام إلا لتهتدي بهداه، إذا كان الرسول سيد البشر يقال له‏ (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) فما ظنك بالتابع؟ و لذلك إذا ابتلاك الحق بضر فاسأله رفعه عنك، و لا تقاومه بالصبر عليه، و ما سماك صابرا إلا لكونك حبست نفسك عن سؤال غير الحق في كشف الضر الذي أنزله بك‏ «إِنَّهُ أَوَّابٌ» أي رجّاع إلينا فيما ابتليناه به،

و أثنى عليه بالعبودية، و هذا يدل على أن الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر، بل من آداب العبودية الشكوى إلى اللّه في رفع الضر و البلاء، فليس الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه في رفع البلاء أو دفعه، و إنما الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى غير اللّه، و الركون إلى ذلك‏

[إشارة: أعظم الفتن الخبر «خلق اللّه آدم على صورته»]

الغير- إشارة- أعظم الفتن التي فتن اللّه بها الإنسان تعريفه إياه بأن خلقه على صورته، ليرى هل يقف مع عبوديته و إمكانه؟ أو يزهو من أجل مكانة صورته؟ إذ ليس له من الصورة إلا حكم الأسماء، فيتحكم في العالم تحكم المستخلف القائم بصورة الحق على الكمال و كذلك‏ من تأييد هذه الفتنة،

قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم يحكيه عن ربه: إن العبد إذا تقرب إلى اللّه بالنوافل أحبه، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به، و ذكر اليد و الرجل- الحديث- و إذا علم العبد أنه بهذه المثابة يسمع بالحق و يبصر بالحق و يبطش بالحق و يسعى بالحق لا بنفسه، و بقي مع هذا النعت الإلهي عبدا محضا فقيرا، و يكون شهوده من الحق و هو بهذه المثابة، كون الحق ينزل إلى عباده بالفرح بتوبتهم، و التبشيش لمن يأتي إلى بيته، و التعجب من الشاب الذي قمع هواه، و اتصافه بالجوع نيابة عن جوع عبده، و بالظمإ نيابة عن ظمأ عبده، و بالمرض نيابة عن مرض عبده، مع علمه بما تقتضيه عزة ربوبيته و كبريائه في ألوهيته،

فما أثر هذا النزول في جبروته الأعظم و لا في كبريائه الأنزه الأقدم، كذلك العبد إذا أقامه الحق نائبا فيما ينبغي للرب تعالى يقول العبد: و من كمال الصورة التي قال إنه خلقني عليها أن لا يغيب عني مقام إمكاني، و منزلة عبوديتي، و صفة فقري و حاجتي، كما كان الحق في حال نزوله إلى صفتنا حاضرا في كبريائه و عظمته، فيكون الحق مع العبد إذا وفّى بهذه الصفة، يثني عليه بأنه نعم العبد إنه أواب، حيث لم يؤثر فيه هذه الولاية الإلهية و لا أخرجته عن فقره و اضطراره؛ و من تجاوز حدّه في التقريب انعكس إلى الضد، و هو البعد من اللّه و المقت،

فاحذر نفسك فإن الفتنة بالاتساع أعظم من الفتنة بالحرج و الضيق، فإن كنت صاحب غرض، و تحس بمرض و ألم فاحبس نفسك عن الشكوى لغير من آلمك بحكمه عليك، كما فعل أيوب عليه السلام، و هو الأدب الإلهي الذي علمه أنبياءه و رسله، فإنه ما آلمك و حكم عليك بخلاف غرضك إلا لتسأله في رفع ذلك عنك، فإن من لم يشك إلى اللّه مع الإحساس بالبلاء و عدم موافقة الغرض فقد قاوم القهر الإلهي، فالأدب كل الأدب في الشكوى إلى اللّه في رفعه لا إلى غيره، و يبقى عليه اسم الصبر كما قال تعالى في رسوله أيوب عليه السلام‏ «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» في وقت الاضطراب و الركون إلى الأسباب، فلم يضطرب و لا ركن إلى شي‏ء غير اللّه، إلا إلينا، لا إلى سبب من الأسباب. فإنه لا بد طبعا عند الإحساس من الاضطراب و تغير المزاج، بخلاف الآلام النفسية إذا وردت الأمور التي من شأنها أن تتألم النفوس عند ورودها،

فقد يتلقاها بعض العباد و لا أثر لها فيه على ظاهره، و الأمور المؤلمة إذا أحسّ بها تحرك لها طبعا، إلا إن شغله عنها أمر يزيل إحساسه، و كلامنا في ذلك مع الإحساس كأيوب و ذي النون سلام اللّه عليهما.

 

 

 

[سورة ص (38): الآيات 45 الى 47]

وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)

[معنى المصطفين الأخيار]

المصطفون من بين الخلائق باجتبائه‏ «الْأَخْيارِ» و هم الذين تولاهم اللّه بالخيرة قال تعالى: (أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ) جمع خيرة و هي الفاضلة من كل شي‏ء، و الفضل يقتضي الزيادة على ما يقع فيه الاشتراك مما لا يشترك فيه من ليس من ذلك الجنس.

فالأخيار كل من زاد على جميع الأجناس بأمر لا يوجد في غير جنسه، من العلم باللّه على طريق خاص لا يحصل إلا لأهل ذلك الجنس، ثم في هذا الجنس العالم بهذا العلم الخاص الذي به سموا أخيارا منهم من أعطي الإفصاح عما علمه، و منهم من لم يعط الإفصاح عما علمه في نفسه، فالذي أعطي الإفصاح أخير ممن هو دونه، و هو المستحق بهذا الاسم، فإن الخير بالكسر الكلام، يقال: في فلان كرم و خير، أي كرم و فصاحة، فإذا أعطي الفصاحة عما عنده اهتدى به من سمع منه فكانت المنفعة به أتم، فكان أفضل من غيره، و لهذا ورد في أوصاف المرسلين، لأن الرسول لا بد أن يكون مؤيدا بالنطق، ليبين لمن أرسل إليه ما أرسل به إليه، فهم الأخيار أصحاب هذه الفضيلة.

 

 

[سورة ص (38): الآيات 48 الى 62]

وَ اذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ ذَا الْكِفْلِ وَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) هذا ذِكْرٌ وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَ شَرابٍ (51) وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52)

هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54) هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسَّاقٌ (57)

وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (58) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61) وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى‏ رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62)

يقول أهل النار هذا القول عند ما لا يرون من كانوا يعدونهم من الأشرار، و هو من دخل النار من أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم التي بعث إليها في مشارق الأرض و مغاربها، فلا تخلد أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم في النار، فلا يبقى في النار موحد ممن بعث إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

 

 

 

[سورة ص (38): الآيات 63 الى 64]

أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)

[اختصام الملأ الأعلى‏]

فوصفهم بالمخاصمة و هي المشاجرة، و منها (قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ) و (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ) و غير ذلك مما ورد في القرآن، و ذلك الخصام هو نفس عذابهم في تلك الحال.

 

 

[سورة ص (38): آية 65]

قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65)

«وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ» في ألوهيته‏ «الْقَهَّارُ» للمنازعين له في ألوهيته من عباده، و المزاحمين له في أفعاله، و القهار لمن نازعه من عباده بجهالة و لم يتب.

 

 

[سورة ص (38): الآيات 66 الى 69]

رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)

الخلاف فيما علا عن رتبة المولد من الأركان أقل و إن كان لا يخلو، أ لا ترى إلى الملأ الأعلى كيف يختصمون؟ و ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون حتى أعلمه اللّه بذلك، فقال تعالى مخبرا عن نبيه صلّى اللّه عليه و سلم‏ «ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [إن اختصام الملأ الأعلى في الكفارات، و نقل الأقدام إلى‏ الصلاة في الجماعات، و إسباغ الوضوء في المكاره، و التعقيب‏ في المساجد إثر الصلوات‏] فمعنى ذلك أي هذه الأعمال أفضل؟ و معنى أفضل على وجهين: الواحد أي الأعمال أحب إلى اللّه من هذه الأعمال، و الوجه الآخر أي الأعمال أعظم درجة في الجنة للعامل بها، فنزاع الملائكة هنا في الأولى؛ و قد ورد اختصام ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب في الشخص الذي مات بين القريتين؛ و من اختصام الملأ الأعلى أن ملائكة التوحيد و الوحدات- و هم من ملائكة العرش الذين لا يرون إلا الكلمة الواحدة و هي الرحمة العامة- إذا جمعهم مع المقسمات- و هم من ملائكة الكرسي أي المقسمات أمرا الذين لا يشهدون إلا انقسام الكلمة إلى رحمة و غضب- إذا جمعهم مجلس واحد و جرت بينهما مفاوضات في الأمر اختصما،

لأنهما على النقيض، و هذا من جملة ما يختصم فيه الملأ الأعلى، فيقول الصنف الواحد بالوحدة، و يقول الآخر بالانقسام و الثنوية. فالخصام من حكم الملائكة لأنها تحت حكم الطبيعة، و لو لا أن الملأ الأعلى له جزء من الطبيعة، و مدخل من حيث هيكله النوري، ما وصفهم الحق بالخصام، و لا يختصم الملأ الأعلى إلا من حيث المظهر الطبيعي الذي يظهر فيه، كظهور جبريل في صورة دحية، و كذلك ظهورهم في الهياكل النورية المادية، و هي هذه الأنوار التي تدركها الحواس، فإنها لا تدركها إلا في مواد طبيعية عنصرية، و أما إذا تجردت عن هذه الهياكل فلا خصام و لا نزاع، إذ لا تركيب.

و لنبين أولا سبب الاختصام فنقول: هذه الآية مما يدل على أن الملائكة من عالم الطبيعة مخلوقون، مثل الأناسي غير أنهم ألطف، كما أن الجن ألطف من الإنسان مع كونهم من نار من مارجها، و النار من عالم الطبيعة، فكذلك الملائكة عليهم السلام من عالم الطبيعة، و هم عمّار الأفلاك و السموات، فإنهم يختصمون، و الخصام من الطبيعة لأنها مجموع أضداد، و المنازعة و المخالفة هي عين الخصام، و لا يكون إلا بين ضدين، فلو لا أن الملائكة في نشأتها على صورة نشأتنا، أي أن نشأتها عنصرية، ما ذكر اللّه عنهم أنهم يختصمون، و الخصام لا يكون إلا مع الأضداد، فالملائكة عليهم السلام لو لم تكن الأنوار التي خلقت منها موجودة من الطبيعة، مثل السموات التي عمرتها هؤلاء الملائكة، فإنها كانت دخانا،

فكانت السموات أجساما شفافة، لأن كمية الحرارة و اليبس فيه أكثر من الرطوبة، و خلق اللّه عمّار كل فلك من طبيعة فلكه، فلذلك‏ كانت الملائكة من عالم الطبيعة، و إن كانت أجسامهم نورية فمن نور الطبيعة، كنور السراج، فأثر فيهم حكم الطبيعة الخصام لما فيها من التقابل و التضاد، و الضد و المقابل منازع لمقابله، فهذه هي الحقيقة التي أورثتهم الخصومة، و نعتوا بأنهم يختصمون لأن الخصام لا يكون إلا فيمن ركب من الطبائع لما فيها من التضاد، فلا بد فيمن يتكون عنها أن يكون على حكم الأصل، فالنور الذي خلقت منه الملائكة نور طبيعي، فكانت فيها الموافقة من وجه و المخالفة من وجه، فهذا سبب اختلاف الملأ الأعلى فيما يختصمون فيه.

و مما دعا الملأ الأعلى إلى الخصام التخيير في الكفارات، و التخيير حيرة فإنه يطلب الأرجح أو الأيسر، و لا يعرف ذلك إلا بالدليل، فلو أن اللّه يعلمهم بما هو الأفضل عنده من هذه الأعمال و الأحب إليه ما تنازعوا، و لو أنهم يكشفون ارتباط درجات الجنان بهذه الأعمال لحكموا بالفضيلة للأعلى منها، و إنما اللّه سبحانه غيّب عنهم ذلك، فهم في هذه المسألة بمنزلة علماء البشر إذا قعدوا في مجلس مناظرة فيما بينهم في مسئلة من الحيض الذي لا نصيب لهم فيه، بخلاف المسائل التي لهم فيها نصيب،

و إنما قلنا ذلك لأن الكفارات إنما هي لإحباط ما خالف فيه المكلف ربه من أوامره و نواهيه، و الملائكة قد شهد اللّه لهم بالعصمة أنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون به، و ما بلغنا أن عندهم نهي، و إذا لم يعصوا و كانوا مطيعين فليس لهم في أعمال الكفارات قدم، فهم يختصمون فيما لا قدم لهم فيه، و كذلك ما بقي من الأعمال التي لا قدم لهم فيها، فهم مطهرون فلا يتطهرون فلا يتصفون في طهارتهم بالإسباغ و الإبلاغ في ذلك و غير الإسباغ، و كذلك المشي إلى مساجد الجماعات لشهود الصلوات ليس لهم هذا العمل، فإن قلت: فإنهم يسعون إلى مجالس الذكر، و يقول بعضهم لبعض:

هلموا إلى بغيتكم. فاعلم أن الذكر ما هو عين الصلاة، و نحن إنما نتكلم في عمل خاص في الجماعة ليس لهم فيه دخول مثل ما لبني آدم، فإنهم ليسوا على صور بني آدم بالذات، و إنما لهم التشكل فيهم، و قد علم جبريل عليه السلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الصلوات بالفعل، و تلك من جبريل حكاية يحكيها للتعليم و التعريف بالأوقات؛ و أما التعقيب إثر الصلوات فإنما ذلك للمصلين على هذه الهيئة المخصوصة التي ليست للملائكة، فما اختصموا في أمر هو صفتهم، فلهذا ضربنا مسئلة الحيض مثلا، و سبب ذلك أن الملائكة تدعو بني آدم في لماتها إلى العمل الصالح و ترغبهم في الأفضل، فلهذا اختصمت في الأفضل حتى تأمرهم به.

و أما قوله صلّى اللّه عليه و سلم كفارات جمع كفّارة ببنية المبالغة، إنباء بذلك على أنه لصورة العمل الواحد أنواع كثيرة من البلاء، و أن الكفارات إنما شرعت لتكون حجابا بين العبد و بين ما عرّض إليه نفسه من حلول البلايا بالمخالفات التي عملها، مأمورا كان بذلك العمل أو منهيا عنه، فكانت الكفارات عواصم من القواصم، كما أن للشي‏ء الواحد و إن لم يكن معصية كفارات مختلفة، مثل الحاج يحلق رأسه لأذى يجده، أو المتمتع أو المظاهر أو من حلف على يمين فرأى خيرا منها، فإن مثل هذا له كفارات مختلفة، أيّ عمل مكفر فعل سقط عنه الآخر،

فقام هذا العمل الواحد مقام ما بقي مما سقط عنه، فيتصور خطاب الملائكة أي كفارات التخيير أولى بأن يفعل، أو لما ذا تكون كفارة و ما عمل شيئا تجب أن تتوجه فيه العقوبة حتى تكون هذه الكفارة تدفعه، فالملأ الأعلى يختصمون في مثل هذا أيضا، و لكي تخرج من الحيرة فإذا خيرك الحق في أمور فانظر إلى ما قدم منها بالذكر فاعمل به، فإنه ما قدمه حتى تهمم به و بك، فكأنه نبّهك على الأخذ به، فما تزول الحيرة عن التخيير إلا بالأخذ بالمتقدم، تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حين أراد السعي في حجة الوداع‏ (إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) ثم قال: [أبدأ بما بدأ اللّه به‏] فبدأ بالصفا،

و هذا عين ما أمرتك به لإزالة حيرة التخيير، لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة، و الظاهر من هذه الآية في هذا الأمر أن الملائكة لهم نظر فكري يناسب خلقهم، فإنه لما نبهت الشريعة باختصام الملأ الأعلى علمنا أنه من عالم الطبيعة، و أن للطبيعة في الملائكة أثرا كما أن للأركان في أجسام المولدات أثرا، فإن أردت أن ترفعه عنها، و تنزله منزلتها منها، فقل: لاختلاف الأسماء، و هذا أوضح ما يكون من الإيماء.

[سورة ص (38): الآيات 70 الى 71]

إِنْ يُوحى‏ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71)

سمي الإنسان بشرا من المباشرة، لمباشرة الحق خلقه بيديه بحسب ما يليق بجلاله، فإن اللّه خلقه برفع الوسائط مع المباشرة فقال‏ (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) و اختص الإنسان بهذا الاسم مع مباشرة الحق لخلق الموجودات، لأن الإنسان أكمل الموجودات خلقا، و كل نوع من الموجودات ليس له ذلك الكمال في الوجود، فالإنسان أتم المظاهر،فاستحق اسم البشر دون غيره من الأعيان، و سرت هذه الحقيقة في البنين فلم يوجد أحد منهم إلا عن مباشرة، حتى في وجود عيسى عليه السلام لما تمثّل لها الروح بشرا سويا، فجعله واسطة بينه تعالى و بين مريم في إيجاد عيسى، تنبيها على المباشرة بقوله: (بَشَراً سَوِيًّا).

[سورة ص (38): آية 72]

فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72)

[سجود الملائكة لآدم عليه السلام‏]

اعلم أنه لما أقام الحق تعالى الإنسان بهذا المقام الأكمل، و رداه برداء المعلم الأجمل، فنظرت إليه الروحانيات العلى بعين التعظيم، و ذلك قبل وجود مركبه البهيم، فإنه تعالى قال لهم: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلم يزل عالي الكلمة بعلم الأسماء، مميزا لتفاصيل الأشياء، إلى أن أخذت مقاماتها الأملاك، و دارت بأشواقها الأفلاك، و انفعلت الأكوان لذلك الدور، و انعطف المكور عليها بعد الكور، و ظهرت المولدات الجسمانيات و الجسميات، ذوات الكميات و الكيفيات، كالمعدن و النبات و الحيوان، و ليس للإنسان وجود في الأعيان، حتى إذا بلغت الدورة المخصوصة، و توجهت الكلمة المنصوصة، من الحضرة العلية المأنوسة، بإيجاد هذه الكلمة الهوية المحروسة، قبض الحق سبحانه- كما روي- من الأرض قبضة من حيث لا يعلمون،

و خمر طينته بيديه من غير تشبيه و لا تكييف و هم لا يشعرون، و سواه متجاور الأضداد، و ميّزه بالحركة المستقيمة من بين سائر الأولاد، و أعطته قوى هذه البنية التصرف بالحركة المنكوسة و الأفقية، ثم أنطق الفهوانية في الروحانيات بخلافته، فطعنت من فورها في نيابته، و لو عاينت تشريف اليدين، ما حجبتهم مجاورة الضدين، و لأنه سبحانه ما ذكر لملائكته إلا خلافته في الأرض، و ما تعرض للملائكة، فلما ظهر من الملائكة في حق آدم ما ظهر،

قام ذلك الترجيح منهم لأنفسهم، و كونهم أولى من آدم بذلك، و رجحوا نظرهم على علم اللّه في ذلك، فقام لهم ذلك مقام خطايا بني آدم، فكان سببا لسيادة آدم على الملائكة، فأمروا بالسجود له لتثبيت سيادته عليهم، فقال تعالى: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» فأمر اللّه سبحانه الملائكة بالسجود لمعلمهم سجود أمر- كسجود الناس إلى الكعبة- و تشريف، لا سجود عبادة، فهذا السجود كالتواضع و الخضوع، و الإقرار بالسبق و الفخر و الشرف‏ و التقدم له، كتواضع التلميذ لمعلمه، و ذلك تشريف من اللّه سبحانه، و دليل قاطع على ثبوت إرادته، يختص برحمته من عباده من يشاء، فلما نفخ فيه الروح الأنزه، و السر الحاكم المتأله، عرفت الملائكة حينئذ قدر هذا البيت الأعلى، و المحل الأشرف الأسنى، فأوقفهم الحق بين يديه طالبين، و أمرهم فوقعوا له ساجدين.

 

[سورة ص (38): آية 73]

فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)

[تحقيق: تقسيم الأمر إلى حق و خلق‏]

– تحقيق- اعلم أن الأمر حق و خلق، و أنه وجود محض لم يزل و لا يزال، و إمكان محض لم يزل و لا يزال، و عدم محض لم يزل و لا يزال، فالوجود المحض لا يقبل العدم أزلا و أبدا، و العدم المحض لا يقبل الوجود أزلا و أبدا، و الإمكان المحض يقبل الوجود لسبب، و يقبل العدم لسبب أزلا و أبدا، فالوجود المحض هو اللّه ليس غيره، و العدم المحض هو المحال وجوده ليس غيره، و الإمكان المحض هو العالم ليس غيره، و مرتبته بين الوجود المحض و العدم المحض، فبما ينظر منه إلى العدم يقبل العدم،

و بما ينظر منه إلى الوجود يقبل الوجود، فمنه ظلمة و هو الطبيعة، و منه نور و هو النفس الرحماني الذي يعطي الوجود لهذا الممكن؛ فالعالم حامل محمول، فبما هو حامل هو صورة و جسم و فاعل، و بما هو محمول هو روح و معنى و منفعل، فما من صورة محسوسة أو خيالية أو معنوية إلا و لها تسوية من جانب الحق و تعديل، كما يليق بها و بمقامها و حالها، و ذلك قبل التركيب، أعني اجتماعها مع المحمول الذي تحمله، فإذا سواها الرب بما شاء- من قول أو يد أو يدان أو أيد، و ما ثمّ سوى هذه الأربعة، لأن الوجود على التربيع قام- و عدله،

و هو التهيؤ و الاستعداد للتركيب و الحمل، تسلمه الرحمن فوجه عليه نفسه و هو روح الحق في قوله‏ (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) و هو عين هذا النفس قبلته تلك الصورة، و اختلف قبول الصور بحسب الاستعداد، فإذا كانت الصورة عنصرية و اشتعلت فتيلتها بذلك النفس، سميت حيوانا عند ذلك الاشتعال، و إن لم يظهر لها اشتعال و ظهر لها في العين حركة و هي عنصرية سميت نباتا، و إن لم يظهر لها اشتعال و لا حركة أعني في الحس و هي عنصرية سميت معدنا و جمادا. و قد عرفنا الحق أن سبب الحياة في صور المولدات إنما هو النفخ الإلهي، و هو النفس الذي أحيا اللّه به الإيمان فأظهره، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن‏] فحييت بذلك‏ النفس الرحماني صورة الإيمان في قلوب المؤمنين و الأحكام المشروعة،

و هذا الروح المنفوخ هو السر الذي عند المخلوق من اللّه، فلا يراه إلا به، و لا يسمع كلامه إلا به، فإنه يتعالى و يتقدس أن يدرك إلا به، فكل العناصر تجتمع على هذا السر الإلهي و تشتمل عليه، و به سبّحت الصورة بحمده، و حمدت ربها إذ لا يحمده سواه، و لو حمدته الصورة من حيث هي لا من حيث هذا السر لم يظهر الفضل الإلهي و لا الامتنان على هذه الصورة، و قد ثبت الامتنان له على جميع الخلائق، فثبت أن الذي كان من المخلوق للّه من التعظيم و الثناء إنما كان من ذلك السر الإلهي، ففي كل شي‏ء من روحه، و ليس شي‏ء فيه، فالحق هو الذي حمد نفسه، و سبح نفسه، و ما كان من خير إلهي لهذه الصورة عند ذلك التحميد و التسبيح فمن باب المنة لا من باب الاستحقاق الكوني، فإن جعل الحق له استحقاقا فمن حيث أنه أوجب‏

[إشارة: أثر المزاج في الروح‏]

ذلك على نفسه.- إشارة- الأرواح المنفوخة في الأجسام من أصل مقدس نقي، فإن كان المحل طيب المزاج زاد الروح طيبا، و إن كان غير طيب خبّثه و صيّره بحكم مزاجه، فرسل اللّه الذين هم خلفاؤه أطهر الناس محلا، فهم المعصومون، فما زادوا الطيب إلا طيبا، و ما عداهم من الخلفاء منهم من يلحق بهم، و هم الورثة في الحال و الفعل و القول، و منهم من يختل بعض اختلال و هم العصاة، و منهم من يكثر منه ذلك الاختلال و هم المنافقون، و منهم المنازع و المحارب و هم الكفار و المشركون، فيبعث اللّه إليهم الرسل ليعذروا من نفوسهم إذا عاقبهم بخروجهم عليه و استنادهم إلى غيره الذي أقاموه إلها فيهم من أنفسهم، و الإرسال من اللّه إنما أرسلهم من كونه ملكا إلى النفوس الناطقة من عباده لكونهم مدبرين مدائن هياكلهم، و رعاياهم جوارحهم الظاهرة، و قواهم الباطنة، فيبعث اللّه رسله إلى هذه النفوس الناطقة،

و هي التي تنفذ في الجوارح ما تنفذ من طاعة و مخالفة، و لها قبول الرسالة و الإقبال على الرسول و التحفي به أو الإهانة، و قد يكون الرد بحسب ما أعطاها اللّه من الاستعداد من توفيق أو خذلان، فجعل النفوس ملوكا على أبدانها، و آتاها ما لم يؤت أحدا من العالمين، و هو طاعة رعاياها لها، فالجوارح و القوى لا تعصي لها أمرا بوجه من الوجوه، و سائر الملوك الذين رعاياهم غير متصلين بهم قد يعصون أوامر ملوكهم، كما أن من هؤلاء الملوك من قد يعصي ما أمره به الملك الحق سبحانه و تعالى على لسان رسوله إليهم و قد يطيع، فتوجيه الرسل و بعث اللّه إليهم، أثبت لهم كونهم ملوكا، فإن الرسل عرفاء لا تمشي إلا بين‏ الملوك لا بين الرعايا، فلما أنزلهم الحق منزلته في الملك، علمنا أنه لو لا ثمّ مناسبة تقتضيه ما كان هذا،

فإذا المناسبة في أصل الخلقة، و هي قوله تعالى: (وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) فهو ولّاه و ملّكه و جعله خليفة عنه، فما كانت الرسل إلا إلى ولاته، فهذه إشارة إلى أن النفس الناطقة هي المخاطبة من الحق بواسطة الرسول، و لما كانت صورة الإنسان الأول المخلوق باليدين على الصورة الإلهية الجامعة، و توجه عليها الرحمن بنفسه، و نفخ فيها روحا من أمره، فحمل الإنسان الأول في تلك النفخة علم الأسماء الإلهية التي لم يحملها صورة العقل أول مخلوق، فخرج على صورة الحق، و فيه انته حكم النفس، إذ لا أكمل من صورة الحق، فقال تعالى: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ».

[سورة ص (38): آية 74]

إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74)

سمى اللّه إبليس كافرا، لأنه يستر عن العباد طريق سعادتهم التي جاء بها الشرع في حق كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك، و لم يقل من المشركين، لأنه يخاف اللّه رب العالمين، و يعلم أن اللّه واحد- راجع البقرة آية 34-.

[سورة ص (38): آية 75]

قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75)

إن اللّه خلق آدم بيديه على جهة التشريف لقرينة الحال، حين عرّف بذلك إبليس لما ادعى الشرف على آدم بنشأته، فما توجهت اليدان إلا على طينة آدم و طبيعته، فقال تعالى:

«ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» فما أضاف الحق آدم إلى يديه إلا على جهة التشريف و الاختصاص على غيره، و التنويه لتعلم منزلته عند اللّه، فإنه لم يجمع سبحانه لشي‏ء مما خلقه من أول موجود إلى آخر مولود و هو الحيوان بين يديه تعالى إلا الإنسان و هذه النشأة البدنية الترابية، بل خلق كل ما سواها إما عن أمر إلهي، أو عن يد واحدة، قال تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فهذا عن أمر إلهي، و ورد في الخبر [إن‏ اللّه عزّ و جل خلق جنة عدن بيده، و كتب التوراة بيده، و غرس شجرة طوبى بيده، و خلق آدم الذي هو الإنسان بيديه‏] فلما جمع اللّه لآدم في خلقه بين يديه، علمنا أنه قد أعطاه صفة الكمال فخلقه كاملا جامعا، و لهذا قبل الأسماء كلها؛ و قد وردت الأخبار و الآيات بتوحيد اليد الإلهية و تثنيتها و جمعها،

و ما ثنّاها إلا في خلق آدم عليه السلام و هو الإنسان الكامل، و لا شك أن التثنية برزخ بين الجمع و الإفراد، بل هي أول الجمع، و التثنية تقابل الطرفين بذاتها، فلها درجة الكمال، لأن المفرد لا يصل إلى الجمع إلا بها، و الجمع لا ينظر إلى المفرد إلا بها، فبالإنسان الكامل ظهر كمال الصورة، فهو قلب لجسم العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى اللّه، و هو البيت المعمور بالحق لما وسعه و لا يسوغ هنا حمل اليدين على القدرة لوجود التثنية، و لا على أن تكون اليد الواحدة النعمة، و الأخرى يد القدرة، فإن ذلك سائغ في كل موجود، فلا شرف لآدم بهذا التأويل، فلا بد أن يكون لقوله‏ «بِيَدَيَّ» خلاف ما ذكرناه مما يصح به التشريف، فإنه لما أراد اللّه كمال هذه النشأة الإنسانية جمع لها بين يديه، و أعطاها جميع حقائق العالم، و تجلى لها في الأسماء كلها،

فحازت الصورة الإلهية، و الصورة الكونية و جعلها روحا للعالم، و جعل أصناف العالم له كالأعضاء من الجسم للروح المدبر له، فلو فارق العالم هذا الإنسان مات العالم، كما يتعطل الدنيا بمفارقة الإنسان، فالدار الدنيا جارحة من جسد العالم الذي الإنسان روحه، و لكونه جامعا قابل الحضرتين بذاته، فصحت له الخلافة، و تدبير العالم و تفصيله، فإذا لم يحز إنسان رتبة الكمال فهو حيوان، تشبه صورته الظاهرة صورة الإنسان، فإن اللّه ما خلق أولا من هذا النوع إلا الكامل و هو آدم عليه السلام‏ «أَسْتَكْبَرْتَ» في نظرك؟ بقوله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) و كذلك كان، فإن اللّه أخبر عنه أنه استكبر فقوله تعالى‏ «أَسْتَكْبَرْتَ»؟ على من هو مثلك يعني عنصريا «أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» أي أنك في نفس‏

 

[العالون من الملائكة]

الأمر خير منه فكنت من العالين عن العنصر، و لست كذلك، و يعني بالعالين من علا بذاته عن أن يكون عنصريا في نشأته النورية العنصرية و إن كان طبيعيا، فهو علو المكانة عند اللّه، فهنا ظهر جهل إبليس، و قد يريد بالعالين الملائكة المهيمة في جلال اللّه الذين لم يدخلوا تحت الأمر بالسجود، فهم المهيمون الكروبيون، و هم أرواح ما هم ملائكة، فإن الملائكة هم الرسل من هذه الأرواح، كجبريل عليه السلام و أمثاله، فإن الألوكة هي الرسالة في‏ لسان العرب، و لم تدخل الأرواح المهيمة فيمن خوطب بالسجود، فإن اللّه ما ذكر أنه خاطب إلا الملائكة، فقال: «أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» و هم هذه الأرواح المهيمة في جلال اللّه، لا تعلم أن اللّه خلق آدم و لا شيئا لشغلهم باللّه، أي هل أنت من هؤلاء الذين ذكرناهم فلم تؤمر بالسجود؟

فالعالون هم العابدون بالذات لا بالأمر، ما أمروا بالسجود لأنهم ما جرى لهم ذكر في تعريف اللّه إيانا، و من العالين اللوح و القلم فلا يتمكن لهم إنكار آدم الإنسان الكامل، و القلم قد سطره، و اللوح قد حواه، فإن القلم لما سطره سطّر رتبته و ما يكون منه، و اللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه، و أما الأرواح المهيمة فإن اللّه خلقها في العماء و هيّمها في جلاله، ثم خلق الخلق فشغلهم هيمانهم في جلال جماله أن يروا سواه، فهم الذين لا يعرفون أن اللّه خلق أحدا، فأعلاهم الحق أن يكون شي‏ء من الخلق لهم مشهودا و لا نفوسهم، فهم عبيد اختصهم اللّه لذاته، و التجلي لهم دائم، و هم فيه هائمون لا يعلمون ما هم فيه، فهم لا يشهدون علو الحق، لأنه لا يشهد علو الحق إلا من شهد نفسه،

و هم في أنفسهم غائبون، فهم أرفع الأرواح العلوية، و كل روح لا يعطي رسالة فهو روح، لا يقال فيه: ملك إلا مجازا. فالعالون ليسوا بملائكة من حيث الاسم، فإنه موضوع للرسل منهم خاصة، فمعنى الملائكة الرسل، و هو من المقلوب و أصله مألكة، و الألوكة الرسالة و المألكة الرسالة، فما تختص بجنس دون جنس، و لهذا دخل إبليس في الخطاب بالأمر بالسجود لما قال اللّه للملائكة (اسْجُدُوا)* لأنه ممن كان يستعمل في الرسالة فهو رسول، فأمره اللّه فأبى، فالرسالة جنس حكم يعم الأرواح الكرام البررة السفرة و الجن و الإنس، من كل صنف من أرسل، فكان قوله تعالى لإبليس‏ «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» بحسب ما يليق بجلاله على جهة التشريف الإلهي الذي خص به آدم بخلقه بيديه، إذ اليد بمعنى القدرة لا شرف فيها على من شرف عليه، و اليد بمعنى النعمة مثل ذلك،

فإن النعمة و القدرة عمت جميع الموجودات، فلا بد أن يكون لقوله بيدي أمر معقول له بخصوص وصف بخلاف هذين و هو المفهوم من لسان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، فإذا قال صاحب اللسان: إنه فعل هذا بيده، فالمفهوم منه رفع الوسائط «أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» على طريق الاستفهام بما هو به عالم، ليقيم شهادته على نفسه بما ينطق به.

– مسئلة- هذه الآية من أدل الأدلة على إثبات الأسباب عند اللّه، فإن اللّه قادر أن يكون‏ آدم ابتداء من غير تخمير و لا توجه يديه و لا تسوية و لا تعديل لنفخ روح، بل يقول له:كن فيكون، و مع هذا خمر طينته بيديه و سواه و عدله، ثم نفخ فيه الروح، و علمه الأسماء، و أوجد الأشياء على ترتيب. فقال إبليس.

 

[سورة ص (38): آية 76]

قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)

فاستكبر على آدم لا على أمر اللّه، و ما كان من العالين، فأخذه اللّه بقوله، و كان من الكافرين نعمة اللّه عليه حين أمر بالسجود لآدم، و ألحقه بالملإ الأعلى في الخطاب بذلك، فحرمه اللّه لشؤم النشأة العنصرية- راجع سورة الأعراف آية 11-.

[سورة ص (38): الآيات 77 الى 82]

قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ (78) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)

قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)

كأن إبليس يري الحق أنه يعلم من نشأة الإنسان قبوله لكل ما يلقى إليه، فأقسم باللّه تعالى فقال: «فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» و هو مجبور في الإغواء و إن كان من اختياره إبرارا لقسمه بربه، فإنه و إن سبق له الشقاء فله شبهة يستند إليها في امتثال أمر سيده، بعد أن حقت الكلمة كلمة العذاب عليه بقوله تعالى: اذهب، و استفزز، و أجلب، وعدهم.فإنه يجد لذلك تنفيسا.

[سورة ص (38): آية 83]

إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

يعني الذين اصطنعهم الحق لنفسه، فهم الذين أخلصهم اللّه إليه مما ألقى إليهم، و فيهم من نور الحفظ و العصمة، و لذلك قال تعالى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)* أي قوة و قهر و حجة، لأن اللّه تولى حفظهم و تعليمهم بما جعل فيهم من التقوى، فلما اتخذوا اللّه جل جلاله وقاية لم يجد اللعين من أين يدخل عليهم بشي‏ء، فإنه أينما تولى منه ليدخل‏ عليه بما يخرجه عن دينه و علمه، وجد في تلك الجهة وجه اللّه يحفظه، فلا يستطيع الوصول إليه بالوسوسة. و لما سأل إبليس ذلك أجاب اللّه سؤاله فقال له: (اذْهَبْ) الآية رقم 63 سورة الإسراء- يعني إلى ما سألته مني، و ذكر له جزاءه و جزاء من اتبعه من الإنس، فكان جزاء الشيطان أن رده إلى أصله الذي منه خلقه، و الذي اتبعه كذلك، فقال.

[سورة ص (38): الآيات 84 الى 85]

قالَ فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)

فغلّب جزاء الإنسان على جزاء إبليس، فإن اللّه ما جعل جزاءهما إلا جهنم و فيها عذاب إبليس، فإن جهنم برد كلها ما فيها شي‏ء من النارية، فهو عذاب لإبليس أكثر من متبعه، و إنما كان ذلك لأن إبليس طلب أن يشقي الغير، فحار وباله عليه لما قصده، فهو تنبيه من الحق لنا أن لا نقصد وقوع ما يؤدي إلى الشقاء لأحد، فعذاب الشياطين من الجن في جهنم أكثر ما يكون بالزمهرير لا بالحرور، و قد يعذب بالنار، و بنو آدم أكثر عذابهم بالنار، و سميت جهنم جهنما لأنها كريهة المنظر، و الجهام السحاب الذي هرق ماءه، و الغيث رحمة اللّه فلما أزال اللّه الغيث من السحاب بإنزاله أطلق عليه اسم الجهام، لزوال الرحمة الذي هو الغيث منه، كذلك الرحمة أزالها اللّه من جهنم، فكانت كريهة المنظر و المخبر، و سميت أيضا جهنم لبعد قعرها يقال: ركية جهنام، انظر الإشارة سورة فاطر آية رقم 6.

[سورة ص (38): الآيات 86 الى 88]

قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 530

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=