تفسیر ابن عربی سوره الناس

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّاس

(114) سورة النّاس مكيّة

[سورة الناس (114): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2)

من باب التحقيق لما سماهم الناس، و لم يسمهم باسم يقتضي أن يكونوا حقا، أضاف نفسه إليهم باسم الملك، فإن عبوديتهم يستحيل رفعها و عتقها، فإنها صفة ذاتية.

[سورة الناس (114): الآيات 3 الى 4]

إِلهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (4)

– إشارة- صلاة الخائف عند المسايفة-

حال المسايفة هو حال العبد مع الشيطان في وسواسه، و حين توسوس إليه نفسه، و اللّه في تلك الحالة أقرب إليه من حبل الوريد، فهو مع قربه في حرب عظيم، فإذا نظر العبد في هذه الحال إلى هذا القرب الإلهي منه، فإنه يصلي و لا بد من هذه حالته، و لو قطع الصلاة كلها في محاربته، فإنه إنما يحاربه باللّه، فإنه يؤدي الأركان المشروعة كما شرعت، بالقدر الذي هو فيه من الحضور مع اللّه في باطنه في‏ صلاته، كما يؤدي المجاهد الصلاة حال المسايفة بباطنه كما شرعت، بالقدر الذي يستطيعه من الإيماء بعينيه و التكبير بلسانه في جهاد عدوه في ظاهره، فإن وسوسة الشيطان في ذلك الوقت لم تخرجه عما كلفه اللّه من أداء ما افترضه عليه، و إن أخطر له الشيطان إذا رأى عزمه في الجهاد في اللّه، أن يقاتل ليقال، رغبة منه و حرصا أن يحبط عمل هذا العبد، و كان قد أخلص النية أولا عند شروعه في القتال، أنه يقاتل ذابا عن دين اللّه، و لتكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى، فلا يبالي بهذا الخاطر، فإن الأصل الذي بنى عليه صحيح، و الأساس قوي، و هو النية في أول الشروع، فإن عرض الشيطان له بترك ذلك العمل الذي قد شرع فيه على صحة، و وسوس إليه أنه فاسد بما خطر له من الرياء، فيرد عليه بقوله تعالى‏ (وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) فتدفع بهذه الآية الشبهة التي ألقاها إليك من ترك العمل.

[سورة الناس (114): آية 5]

الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)

اعلم أن النفس و إن كانت مقيدة، فهي لا تشتهي التقييد بذاتها، و تطلب السراح و التصرف بما يخطر لها من غير تحجير، فإذا رأيت النفس قد حبّب إليها التحجير فقامت به طيبة، و كره إليها تحجير فقامت به و إن قامت غير طيبة مكرهة، فتعلم قطعا أن ذلك التحجير مما ألقي إليها من غير ذاتها، كان التحجير ما كان، فإذا حبب إلى نفوس العامة القيام بتحجير خاص، فتعلم قطعا أن ذلك التحجير هو الباطل، الذي يؤدي العامل به إلى شقاوة العامل به و الواقف عنده، فإن الشيطان الذي يوسوس في صدره يوسوس إليه دائما و يحببه إليه، لأن غرضه أن يشقيه، و إذا رأيته يكره ذلك التحجير و يطلب تأويلا في ترك العمل به، فتعلم أن ذلك تحجير الحق الذي يحصل للعامل به السعادة، و لهذا نرى من ليس بمسلم يثابر على دينه و ملازمته- كأكثر اليهود و النصارى- أكثر مما يثابر المسلم في إقامة جزئيات دينه، و مثابرته على ذلك دليل على أنه على طريق يشقى بسلوكه عليها.

[سورة الناس (114): آية 6]

مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ (6)

«الْجِنَّةِ» يعني بهاهنا الشياطين، و لو لا تنبيه الشارع على لمة الشيطان و وسوسته في صدور الناس، ما علم غير أهل الكشف أن ثمّ شيطانا «وَ النَّاسِ» شياطين الإنس قال تعالى‏ (شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ) فشرّك بينهما في الشيطنة، فإن شياطين الإنس لهم سلطان على ظاهر الإنسان و باطنه، و شياطين الجن هم نواب شياطين الإنس في بواطن الناس، و شياطين الجن هم الذين يدخلون الآراء على شياطين الإنس و يدبرون دولتهم، فيفصلون لهم ما يظهرون فيها من الأحكام:

إذا عذت بالرحمن في كل حالة تعوذ بما جاء في سورة الفلق‏
و في سورة الناس التي جاء ذكرها إلى جنبها تتلى كما عاذ من سبق‏
و إن عذت عذ بالرب إن كنت مؤمنا بما جاء في القرآن فانظر تعذ بحق‏
فما ذكر التعويذ إلا بربنا فكن تابعا لا تتبع غير من صدق‏

انتهت النسخة الأولى في يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول عام 1387 الموافق الثامن عشر من حزيران عام 1967 بدمشق و انتهى التصحيح للنسخة الثانية المعدلة في يوم السبت التاسع عشر من ربيع الأول عام 1396 الموافق العشرين من آذار عام 1976 بدمشق. و انتهت المراجعة الثالثة و الأخيرة يوم الجمعة العاشر من شعبان عام 1409 ه الموافق للسابع عشر من آذار عام 1989 بدمشق و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

محمود محمود الغراب‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 563

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=