تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التحريم
(66) سورة التحريم مدنيّة
[سورة التحريم (66): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)
لما خلق سبحانه من كل شيء زوجين خلق كتابين: كتابا سماه أمّا، فيه ما كان قبل إيجاده و ما يكون، كتبه بحكم الاسم المقيت، فهو كتاب ذو قدر معلوم، فيه بعض أعيان الممكنات و ما يتكون عنها؛ و كتابا آخر ليس فيه سوى ما يتكون عن المكلفين خاصة، فلا تزال الكتابة فيه ما دام التكليف، و به تقوم الحجة للّه على المكلفين، و به يطالبهم لا بالأم، من الكتاب الثاني يسمى الحق خبيرا، و من الأم يسمى عليما، فهو العليم بالأول الخبير بالثاني.
[سورة التحريم (66): آية 4]
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (4)
[ليس في العالم المخلوق أعظم قوة من المرأة:]
اعلم أنه ليس في العالم المخلوق أعظم قوة من المرأة، لسر لا يعرفه إلا من عرف فيم وجد العالم؟ و بأي حركة أوجده الحق تعالى؟ و أنه عن مقدمتين فإنه نتيجة، و الناكح طالب، و الطالب مفتقر، و المنكوح مطلوب، و المطلوب له عزة الافتقار إليه، و الشهوة غالبة، فقد بان لك محل المرأة من الموجودات، و قد نبه اللّه على ما خصها به من القوة في قوله في حق عائشة و حفصة «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ» أي تتعاونا عليه «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ» أي ناصره «وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» هذا كله في مقاومة امرأتين، و ما ذكر إلا الأقوياء الذين لهم الشدة و القوة، فلو نظر الإنسان و تأمل العظمة التي جعل اللّه نفسه في مقابلتها و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة، و ذلك في حق امرأتين من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، لعلم الإنسان لمن استندتا و من يقويهما، و ما أظن أن أحدا من خلق اللّه استند إلى ما استند هاتان المرأتان، و قد عرفت عائشة و حفصة،
و لو علم الناس علم ما كانتا عليه لعرفوا معنى الآية، و لو لا ما ذكر اللّه نفسه في النصرة ما استطاعت الملائكة و المؤمنون مقاومتهما، فإنه لا يعلم قدر النساء إلا من علم و فهم عن اللّه ما قاله في حق زوجتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عند ما تعاونتا عليه و خرجتا عليه، و جعل في مقابلة هاتين المرأتين في التعاون عليه من يعاون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليهما و ينصره، و هو اللّه و جبريل و صالح المؤمنين ثم الملائكة بعد ذلك، و ليس ذلك إلا لاختلاف السبب الذي لأجله يقع التعاون، فثمّ أمر لا يمكن إزالته إلا باللّه لا بمخلوق، و لذلك أمرنا أن نستعين باللّه في أشياء، و بالصبر في أشياء، و بالصلاة في أشياء، فثمّ أمر و إن كان بيد اللّه، فإن اللّه قد أعطى جبريل اقتدارا على دفع ذلك الأمر،
فأعان محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم في دفعه إن تعاونتا عليه، و إن رجعتا عنه و أعطيتا الحق من نفوسهما سكت عنهما، و كذلك صالح المؤمنين كان عندهما أمر نسبته في الإزالة بصالحي المؤمنين أقرب من نسبته إلى غيرهم، فيكون صالح المؤمنين معينا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و صالح المؤمنين يفعل بالهمة و هو أقوى الفعل، ثم الملائكة بعد ذلك، إذ لم يبق إلا ما يناسب عموم الملائكة التي خلقت مسخرة، يدفع بها ما لا يندفع في الترتيب الإلهي إلا بالملائكة، مع انفراد الحق بالأمر كله في ذلك و القيام به، و لكن للجواز العقلي أخبر الحق بالواقع لو وقع كيف كان يقع،
فما يقع إلا كما قاله، و ما قال إلا ما علم أنه يقع بهذه الصورة، فأنزل الحق الملائكة بعد ذكر نفسه و جبريل و صالح المؤمنين منزلة المعينين، فإن الظهير هو المعين، و لا قوة إلا باللّه، فدل أن نظر الاسم القوي إلى الملائكة أقوى في وجود القوة فيهم من غيرهم، فإنه منه أوجدهم، فمن يستعان عليه فهو فيما يستعان فيه أقوى مما يستعان به، فكل ملك خلقه اللّه من أنفاس النساء هو أقوى الملائكة، فإنه من النفس الأقوى، فتوجه الاسم الإلهي القوي في وجود القوة على إيجاد ملائكة أنفاس النساء أعطى للقوة فيهم من سائر الملائكة و إنما اختصت الملائكة بالقوة لأنها أنوار، و أقوى من النور فلا يكون.
| تعجبت من أنثى يقاوم مكرها | بخير عباد اللّه ناصره الأعلى | |
| و جبريل أيضا ناصر ثم بعده | ملائكة بالعون من عنده تترى | |
| و من صلحاء المؤمنين عصابة | سمعناه قرآنا بآذاننا يتلى | |
| و ما ذاك إلا عن وجود تحققت | به المرأة الدنيا و مرتبة عليا | |
| و قد صح عند الناس أن وجودها | من النفس في القرآن و الضلع العوجاء | |
| فإن رمت تقويما لها قد كسرتها | و ما كسرها إلا طلاق به تبلى | |
| و إن شئت أن تبقى بها متمتعا | فمعوجها يبقى و راحتكم تفنى | |
| فما أمها إلا الطبيعة وحدها | فكانت كعيسى حين أحيا بها الموتى | |
| لقد أيد الرحمن بالروح روحه | و هذي تولاها الإله و ما ثنّى | |
| فإن كنت تدري ما أشرت به فقد | أبنت لكم عنها و عن سرها الأخفى | |
– تحقيق- [خلق آدم من الفردانية و المرأة من الوحدانية]
خلق آدم من الفردانية، و خلقت حواء من الوحدانية، فآدم فرد و حواء واحد، و الواحد في الفرد مبطون فيه، فقوة المرأة من أجل الوحدانية أقوى من قوة الفردانية، فإن الفرد لا يكون إلا بعد وجود الاثنين، فضعف عن عزة الوحدانية- راجع سورة النساء آية 1.
[سورة التحريم (66): آية 5]
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً (5)
قال عليه الصلاة و السلام: [إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن رمت تقويمها كسرتها، و كسرها طلاقها، و إن استمتعت استمتعت و بها عوج].
[سورة التحريم (66): آية 6]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (6)
لما كانت الملائكة نورا عمّت جميع الجهات، فلا أثر للهواء في النور، أ لا ترى النور في الشمس و السراج و في كل جسم مستنير، نسبته إلى العلو و الجنبات نسبة واحدة، و الملائكة مخلوقون من نور، فلا أثر للهوى فيهم، فلا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، فعالم الغيب أمر بلا نهي، و لهذا سموا عالم الأمر، و ذلك لأن عالم الغيب عقل مجرد لا شهوة لهم، فلا نهي عندهم في مقام التكليف، فإن اللّه فطر الملائكة على المعرفة و الإرادة لا الشهوة، و أمرهم و أخبر أنهم لا يعصونه لما خلق لهم من الإرادة، و لو لا الإرادة ما أثنى عليهم بأنهم لا يعصونه، فإن الملائكة لما أمرت بالسجود امتثلت و بادرت، فأثنى اللّه عليهم بقوله: «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» فهم كما أثنى اللّه عليهم في كتابه العزيز، فإن الأرواح الملكية لا نهي عندها، و لهذا لم يذكر لهم نهي عن شيء لأن حقائقهم لا تقتضيه،
و لو لم تكن في قوة الملائكة و نشأتهم ما يقتضي رد أمر اللّه و ما يقتضي قبوله، ما أثنى اللّه عليهم بما أثنى به من نفي العصيان عنهم و فعلهم ما أمرهم به، فإن المجبور لا ثناء عليه، فالملك لا يتصور منه المخالفة، و قد شهد اللّه له بذلك لتعريه عن لباس البشرية، فلا يعصي اللّه ما أمره، لأنه ما هو على حقائق متضادة تجذبه في أوقات، و تغفله و تنسيه عما دعي إليه كما يوجد ذلك في النشأة العنصرية، و الإنسان نشأة عنصرية تطلبه حقائق متجاذبة بالفعل، صاحب غفلة و نسيان، يؤمر و ينهى فيتصور منه المخالفة و الموافقة، فالملك أشد موافقة للّه من الإنسان لما تعطيه نشأته و نشأة الإنسان، فالملك أفضل في الموافقة لأمر اللّه، و الخليفة الإنسان أعلم بالأسماء الإلهية، فالخليفة أتم في الجمعية و أفضل، و الملك أفضل من وجه خاص أو وجهين، لكن ما له فضل الجمع، و الصورة لا تكون إلا بالمجموع
– تحقيق- [ «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ» الآية]
أثنى اللّه تعالى على الملائكة بقوله: «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ» و الحقيقة تنادي من خلف هذا الثناء: لا يعصون اللّه ما أراد منهم؛ ثم قرن الأمر منه بإرادته فقال: «وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» و لما لم تعص الملائكة أمر اللّه أجابها اللّه في كل ما سألته فيه، حتى أن العبد إذا وافق في الصلاة تأمينه تأمين الملائكة غفر له، فكما أمر اللّه عبده فعصاه، كذلك دعاه عبده فلم يجبه فيما سأل فيه كما أمره فلم يطعه، فلا يلومن العبد إلا نفسه إذا دعا الحق في أمر فلم يجبه.
[سورة التحريم (66): الآيات 7 الى 8]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)
[الناس لا يسعون يوم القيامة إلا في أنوارهم:]
اعلم أن يوم القيامة ليس له ضوء جملة واحدة، و الناس لا يسعون فيه إلا في أنوارهم، و لا يمشي مع أحد منهم غيره في نوره، فلكل مخلوق نور على قدره ينفهق منه، و هو النور الذي يمشون فيه يوم القيامة، قال تعالى في المؤمنين: «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ» يريد ما قدموه من الأعمال الصالحة عند اللّه، فالمؤمن من كان قوله و فعله مطابقا لما يعتقده في ذلك الفعل، ورد في الخبر أن الصراط يظهر يوم القيامة متنه للأبصار على قدر نور المارين عليه، فيكون دقيقا في حق قوم عريضا في حق آخرين، يصدق هذا الخبر قوله تعالى:
«نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ» و السعي مشي، و ما ثمّ طريق إلا الصراط، و إنما قال «وَ بِأَيْمانِهِمْ» لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له، كما أن أهل النار لا يمين لهم.
[سورة التحريم (66): آية 9]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (9)
كن جبارا، على من تمرد و استكبر استكبارا، و البس خلعة الحق و هو قوله: «وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ».
[سورة التحريم (66): الآيات 10 الى 11]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)
[الجار قبل الدار:]
شهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لآسية امرأة فرعون بالكمال، فقالت العارفة المشهود لها بالكمال «رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ» دار المآل، فقدّمت الحق على البيت، و قدمت الجار على الدار، لما علمت أن بالدار يصح الجوار، و هو الذي جرى به المثل في قولهم: الجار قبل الدار؛ و لم تطلب مجاورة موسى و لا أحد من المخلوقين، بل قدمت الحق، و طلبت جواره و العصمة من أيدي عداته، فقالت «وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» حتى لا تنتهك الحرمة.
[سورة التحريم (66): آية 12]
وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ كُتُبِهِ وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (12)
روح عيسى منفوخ بالجمع و الكثرة، ففيه قوى جميع الأسماء و الأرواح، فإنه قال:
«فَنَفَخْنا فِيهِ» بنون الجمع «مِنْ رُوحِنا» فإن جبريل عليه السلام وهب لها بشرا سويا، فتجلى في صورة إنسان كامل، فنفخ و هو نفخ الحق، كما قال على لسان عبده [سمع اللّه لمن حمده] «وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها» و ما هو إلا عيسى عليه السلام، و قد قال عنه تعالى:
(وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ) فجعله كلمات لها لأنه كثير من حيث نشأته الظاهرة و الباطنة، فكل جزء منه ظاهرا كان أو باطنا فهو كلمة، فلهذا قال فيه: «وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها» لان عيسى روح اللّه من حيث جملته، و من حيث أحدية كثرته هو قوله: (وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ) و لذلك كان شرف مريم و كمالها الذي شهد لها به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بنسبة عيسى عليه السلام إليها فقيل: عيسى ابن مريم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 353