تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره المزمل

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة المزمل

سورة المزمل‏

[1- 4]

[سورة المزمل (73): الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ‏ أي: المتلفف في غواشي البدن و ملابسه‏ قُمِ‏ من نوم الغفلة سائرا في سبيل اللّه، سالكا مسالك بيداء النفس و مراحل مفازة القلب إلى اللّه، ليل مقام النفس و استيلاء الطبع‏ إِلَّا قَلِيلًا بحكم الضرورة للاستراحة و الأكل و الشرب و مصالح البدن و مهماته التي لا يمكن التعيّش بدونها و ذلك هو نصفه، أي: نصف كونه في مقام الطبيعة من الزمان بأسره ليكون الربع من الدورة التامة التي هي أربع و عشرون ساعة للاستراحة و الربع لضروريات البدن‏ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا إن كنت من الأقوياء حتى يبقى الثلث فيكون السدس للاستراحة و السدس لضروريات المعاش‏ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ‏ قليلا إن كنت من الضعفاء حتى يصير إلى الثلثين فيكون الثلث للاستراحة و الثلث للضروريات و الثلث للاشتغال باللّه و السير في طريقه.

وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ‏ أي: فصل ما في فطرتك من المعاني و الحقائق مجموعة، و في استعدادك مكنونة بإظهارها و إبرازها بالتزكية و التصفية.

[5- 7]

[سورة المزمل (73): الآيات 5 الى 7]

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ‏ بتأييدك بروح القدس و إفاضة نوره عليك حتى يخرج ما فيك بالقوة إلى الفعل من المعاني و الحكم‏ قَوْلًا ثَقِيلًا ذا وزن و اعتبار إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ‏ أي: النفس المنبعثة من مقام الطبيعة و مقيل الغفلة هِيَ أَشَدُّ موافقة للقلب و أصوب، قولا صادرا من العلم لا من التخيل و الظنّ و الوهم‏ إِنَّ لَكَ‏ في نهار مقام القلب و زمان طلوع شمس الروح‏ سَبْحاً أي: سيرا و تصرّفا و تقلّبا في الصفات الإلهية و مقامات الطريقة طَوِيلًا بلا أمد و نهاية.

[8- 9]

[سورة المزمل (73): الآيات 8 الى 9]

وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9)

وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ‏ الذي هو أنت، أي: اعرف نفسك و اذكرها و لا تنساها فينساك اللّه، و اجتهد لتحصيل كمالها بعد معرفة حقيقتها وَ تَبَتَّلْ‏ و انقطع إلى اللّه بالإعراض عما سواه انقطاعا تاما معتدّا به‏ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ‏ أي: الذي ظهر عليك نوره فطلع من أفق وجودك بإيجادك، و المغرب الذي اختفى بوجودك و غرب نوره فيك و احتجب بك‏ لا إِلهَ‏ في الوجود إِلَّا هُوَ أي: لا شي‏ء في الوجود يعبد غيره، هو الأول و الآخر، و الظاهر و الباطن‏ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا أي: انسلخ عن فعلك و تدبيرك برؤية جميع الأفعال منه فيكون أمرك موكولا إليه يدبر أمرك و يفعل بك ما يشاء فكنت متوكلا.

[10- 11]

[سورة المزمل (73): الآيات 10 الى 11]

وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10) وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11)

وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏ و احبس نفسك عن الطيش و الاضطراب و الحركة في طلب الرزق و الاهتمام به على ما توسوس إليك قوى نفسك و تلقي إليك من خواطر الوهم و دواعي الشهوة و نوازغ الهوى فتبعثك و تتعبك في حوائجك‏ وَ اهْجُرْهُمْ‏ بالإعراض عنهم‏ هَجْراً مبنيا على العلم الشرعيّ و العقلي لا على الهوى و الرعونة وَ ذَرْنِي‏ و إياهم فإنهم المكذبون بمقام التوكل و تكفلي بحوائجك لاحتجابهم بما أنعمت عليهم من نعمة الإدراك و الشعور و القدرة و الإرادة عني فلا يشعرون إلا بقواهم و قدرهم و لا يصدّقون قولي‏ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ريثما أسلب عنهم القوة و القدرة بتجلي الصفات فيظهر عجزهم.

[12- 13]

[سورة المزمل (73): الآيات 12 الى 13]

إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَ جَحِيماً (12) وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ وَ عَذاباً أَلِيماً (13)

إِنَّ لَدَيْنا قيودا شرعية و تكاليف مانعة لهم عن أفعالها وَ جَحِيماً من حر نار التعب في الطلب‏ وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ من مخالفات طباعهم و حقوقهم بدل حظوظهم‏ وَ عَذاباً أَلِيماً من أنواع الرياضة و المجاهدة.

[14- 20]

[سورة المزمل (73): الآيات 14 الى 20]

يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (14) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18)

إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلاً (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)

يَوْمَ تَرْجُفُ‏ أرض النفس باستيلاء إشراقات أنوار التجليات في القلب فتقشعرّ و تضطرب، و جبال هيئاتها و صفاتها فتندكّ.

وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا فتنمحى و تذهب. أو ريثما يهيج أعصير انحراف المزاج و غلبة بعض الكيفيات بعضا إن لدينا أنكالا من الهيئات المنكرة و الصور المعذّبة المؤذية و جحيما من نيران الطبيعة و طعاما ذا غصّة مما لا تستلذه من أنواع الغسلين و الزقوم و الضريع، و عذابا أليما بتلك النيران و الصور يوم ترجف أرض البدن بزهوق الروح و سكرات الموت و جبال الأعضاء فتتفتت و تصير كثيبا مهيلا، و اللّه أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 384

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=