تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة القصص
(28) سورة القصص مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة القصص (28): الآيات 1 الى 7]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
[سلطان الوحى]
لا يتصور المخالف إذا كان الكلام وحيا، فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم، و كذلك فعلت أم موسى و لم تخالف، مع أن الحالة تؤذن أنها ألقته في الهلاك، و لم تخالف و لا ترددت و لا حكمت عليها البشرية بأن إلقاءه في اليم في تابوت من أخطر الأشياء، فدل ذلك على أن الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى إليه من طبعه الذي هو عين نفسه، و أرشد الحق تعالى في وحيه هذا إلى أم موسى عليه السلام عند الخوف أن تلقيه من يدها و تخرجه عن حفظها، فإن اللّه تعالى يتولاه بحفظه و يبقيه برحمته، أ لا ترى إلى قوله تعالى (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا) الآية، فعند زعم القدرة عليها أخذت و زالت.
[سورة القصص (28): الآيات 8 الى 9]
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8) وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)
«وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ» فبه قرت عينها بالكمال الذي حصل لها، و كان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه اللّه عند الغرق «لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا» و كذلك وقع، فإن اللّه نفعهما به عليه السلام.
[سورة القصص (28): آية 10]
وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)
«وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً» من الهم الذي أصابها، فإن اللّه عصمه من فرعون.
[سورة القصص (28): الآيات 11 الى 12]
وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12)
«وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ» ثم إن اللّه حرم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمه فأرضعته، ليكمل اللّه لها سرورها به.
[سورة القصص (28): آية 13]
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)
«فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها» بتربيته و تشاهد انتشاءه في حجرها «وَ لا تَحْزَنَ».
[سورة القصص (28): الآيات 14 الى 15]
وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
[الادب فى نسبة الافعال]
إذا ساعد الشيطان على الإنسان القدر السابق بالفعل فوقع منه الفعل، و رأى أن ذلك من الشيطان مؤمنا مصدقا كما قال موسى عليه السلام «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» فعمل، تاب إثر و عقيب وقوع الفعل، و التوبة هنا الندم، فإنه معظم أركان التوبة، فقد ورد أن الندم توبة، فإن الحضور مع الإيمان عند وقوع المخالفة يرد ذلك العمل حيا بحياة الحضور، يستغفر لفاعله إلى يوم القيامة، فالشيطان في هذه الحالة يكون قد سعى في تضعيف الخير للعبد و هو لا يشعر، فإن الحرص أعماه،
و يحور الوبال و إثم تلك المعصية عليه، و هذا من مكر اللّه تعالى بإبليس، فإنه لو علم أن اللّه يسعد العبد بتلك اللمة من الشيطان سعادة خاصة ما ألقى إليه شيئا من ذلك، و الأدب يقضي بأمر كلي أن ما حسن عرفا و شرعا نسبه العبد للحق، فأظهر الحق فيه و جلاه للبصائر و الأبصار، و ما قبح عرفا و شرعا نسبه إلى نفسه إن شاء و أظهر نفسه فيه و جلّاه، أو نسبه إلى الشيطان إن شاء و أظهر عين الشيطان فيه و جلّاه.
[سورة القصص (28): الآيات 16 الى 17]
قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17)
الظهير المعين، و هو خبير بمن هو له نصير.
[سورة القصص (28): الآيات 18 الى 28]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22)
وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
لما علم موسى عليه السلام قدر النساء و منزلتهن استأجر نفسه في مهر امرأة عشر سنين، و أعني بالنساء الأنوثة السارية في العالم، و كانت في النساء أظهر.
[سورة القصص (28): آية 29]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
فلو نظرت فيما أنتج اللّه من الكلام لموسى عليه السلام، حين خرج ساعيا لأهله لما كانوا يحتاجون إليه من النار، فبسعيه على عياله و استفراغه ناداه الحق و كلمه في عين حاجته و هي النار، فإنه عليه السلام قد استفرغه طلب النار لأهله، و هو الذي أخرجه لما أمر به من السعي على العيال، و الأنبياء أشد الناس مطالبة لأنفسهم للقيام بأوامر الحق، فلم يكن في نفسه سوى ما خرج إليه، فلما أبصر حاجته و هي النار التي لاحت له من الشجرة من جانب الطور الأيمن ناداه الحق من عين حاجته بما يناسب الوقت
[إذا جئت إلى الحق فلا تترك منك مع الكون شيئا]
– إشارة- إن سرت بأهلك، أي إذا جئت إلى الحق فلا تترك منك مع الكون شيئا، بل احضر بجمعيتك، فلا يكون لك خاطر تفرقة أبدا، بل يكون مجموع الهم في دخولك على اللّه تعالى، و إذا خرجت من عند الحق اترك الكون عنده، و إخراج بالحق إلى الحق، فإنك إن سرت بأهلك آنست نارا، و كلمك العزيز جهارا.
[سورة القصص (28): آية 30]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30)
فثبته الخطاب الأول بالنداء لأنه خرج على أن يقتبس نارا أو يجد على النار هدى، و هو قوله: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) أي من يدله على حاجته، فكان منتظرا للنداء، قد هيأ سمعه و بصره لرؤية النار، و سمعه لمن يدله عليها فالشجرة ظهر النور فيها للمكلّم موسى عليه السلام، فإنه كان طلب موسى عليه السلام النار لأهله، ليصلح به عيشهم،
و نودي في شجرة واديه، من التشاجر، و هو مقام تداخل المقامات، لأنه مشهد للكلام، و الكلام متداخل المعاني على كثرتها، فأشبه الشجرة، فنودي من الشجرة و في النار لأنها مطلوبه، فلا يتغير عليه الحال، فيسرع بالإجابة من غير انتقال من حال إلى حال، فإن النار تراءت له متعلقة بالشجرة، و أهل الكشف الذين يرون الوجود للّه بكل صورة، جعلوا الشجرة هي صورة المتكلم، كما كان الحق لسان العبد و سمعه و بصره بهويته لا بصفته، كما يظهر في صورة تنكر و يتحول إلى صورة تعرف، و هو هو لا غيره، إذ لا غير، فما تكلم من الشجرة إلا الحق فالحق صورة شجرة،
و ما سمع من موسى إلا الحق فالحق صورة موسى من حيث هو سامع، كما هو الشجرة من حيث هو متكلم، و الشجرة شجرة و موسى موسى لا حلول، لأن الشيء لا يحل في ذاته، فإن الحلول يعطي ذاتين، و هنا إنما هو حكمان- مسئلة- إن الملائكة إذا تكلم اللّه بالوحي كأنه سلسلة على صفوان تصعق الملائكة، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان إذا أنزل عليه الوحي كسلسلة على صفوان يصعق، و هو أشد الوحي عليه، فينزل جبريل على قلبه فيفنى عن عالم الحس و يرغو و يسجى إلى أن يسرى عنه،
و إنه لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيتفصد جبينه عرقا، و موسى صلّى اللّه عليه و سلم كلمه اللّه تكليما بارتفاع الوسائط، و ما صعق و لا زال عن حسه، و قال و قيل له، و هذا المقام أعظم من مقام الوحي بوساطة الملك، فهذا الملك يصعق عند الكلام،
و هذا أكرم البشر يصعق عند نزول الروح بالوحي، و هذا موسى لم يصعق و لا جرى عليه شيء مع ارتفاع الوسائط، و صعق لذلك الجبل؟ اعلم أن موسى لما جاءه النداء بأمر مناسب لم ينكره و ثبت، فلما علم أن المنادي ربه و قد صح له الثبوت، و جاء النداء من خارج لا من نفسه ثبت ليوفي الأدب حقه في الاستماع، فإنه لكل نوع من التجلي حكم، و حكم نداء هذا التجلي التهيؤ لسماع ما يأتي به، فلم يصعق و لا غاب عن شهوده، فإنه خطاب مقيد بجهة، مسموع بأذن، و خطاب تفصيلي، فالمثبت للإنسان على حسه و شهود محسوسه قلبه المدبر لجسده،
و لم يكن لهذا الكلام الإلهي الموسوي توجه على القلب، فليس للقلب هنا إلا ما يتلقاه من سمعه و بصره و قواه حسبما جرت به العادة، فلم يتعد الحال حكمه في موسى عليه السلام، و أما أمر محمد صلّى اللّه عليه و سلم فهو نزول قلبي و خطاب إجمالي كسلسلة على صفوان، فاجعل بالك لهذا التشبيه، فاشتغل القلب بما نزل إليه ليتلقاه، فغاب عن تدبير بدنه، فسمي ذلك غشيا و صعقا، و كذلك الملائكة.
[سورة القصص (28): الآيات 31 الى 34]
وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (32) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
هارون عليه السلام نبي بحكم الأصل، و أخذ الرسالة بسؤال أخيه موسى عليه السلام
[- إشارة- لا تطلب ردءا سواه]
– إشارة- لا تطلب ردءا سواه، فمن توكّل على اللّه كفاه، اطلب الردء من جنسك، فإنه قد شاء أن يكون أقوى لنفسك- فلا تطلب ردءا سواه، أي معينا، و اطلب الردء من جنسك، لخور الطبع، فإذا كنت في مقام لا تقوى فيه على ما يقتضيه المقام الأول، فانزل إلى المقام الثاني، فهو بمنزلة قوله عليه السلام: [اعقلها و توكل] ليكون القلب مطمئنا.
[سورة القصص (28): الآيات 35 الى 38]
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (35) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَ ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَ قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38)
لما كان عند فرعون علم باللّه، لكن الرئاسة و حبها غلب عليه في دنياه قال «ما عَلِمْتُ لَكُمْ» و لم يقل (ما علمت للعالم) لما علم أن قومه يعتقدون فيه أنه إله لهم، فأخبر بما هو الأمر عليه و صدق في إخباره بذلك، فإنه علم أنه ليس في علمهم أن لهم إلها غير فرعون، لذلك قال «مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» أي في اعتقادكم، و هو على أي حال قد تكبر على اللّه،
فإنه ادعى الربوبية لنفسه و نفاها عن اللّه بقوله لقومه (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) و ما في علمي أن أحدا يقع منه هذا القول و هو يجوع و يغوط و أمثال هذا إلا فرعون لمّا استخف قومه «فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى» و لم يقل إلى اللّه الذي يدعو إليه موسى عليه السلام، فإن اللّه عصم لفظ اللّه أن يطلق على أحد و ما عصم إطلاق إله فجعل قوله «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» ظنا بعد شك أو إثباتا في قوله: «لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ».
[سورة القصص (28): الآيات 39 الى 41]
وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41)
فإن قيل كيف جعلهم أئمة و قد قال لإبراهيم عليه السلام لما سأله (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي) قال تعالى له (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)؟
[أن من نصبه الناس إماما فأئمتهم رجلان: ظالم و عادل]
فاعلم أن من نصبه الناس إماما فأئمتهم رجلان: ظالم و عادل، فالعادل هو الذي يقوم فيهم بسنة نبيهم و هديه، و يسلك بهم أوامر الحق المشروع لهم من عند اللّه، و هم أئمة الهدى الذين يأمرون بالقسط من الناس فهم ممن ينال عهد اللّه، و طائفة أخرى نصبهم الناس فظلموا و ضلوا و أضلوا و عدلوا عن الحق، فهؤلاء الذين لم ينالوا عهد اللّه بحكم تعيينهم بالأمر بالتقدم، و لكن قال تعالى فيهم «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ» بقضائنا لا بأمرنا «وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ».
[سورة القصص (28): الآيات 42 الى 44]
وَ أَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44)
فإنه ليس حكم من شاهد الأمور حكم من لم يشاهدها إلا بالإعلام، فللعيان حال لا يمكن أن يعرفه إلا صاحب العيان، كما أن للعلم حالا لا يعرفه إلا أولو العلم.
[سورة القصص (28): الآيات 45 الى 46]
وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)
«وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا» موسى عليه السلام.
[سورة القصص (28): الآيات 47 الى 55]
وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَ لَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَ قالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قالُوا لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55)
«وَ قالُوا لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» لما يئسوا من إرشادهم و فلاحهم سلموا الأمر إليه، و اشتغلوا بما يزلفهم لديه، فأعرضوا شرعا و سلموا حقيقة، فأثنى الحق تعالى عليهم لنقتدي بهم و نعرف أنا إذا سلكنا مسلكهم كان لنا نصيب من ذلك الثناء.
[سورة القصص (28): آية 56]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)
لقد حرص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بعمه أبي طالب أن يؤمن فلم يفعل، و نفذت فيه سابقة علم اللّه و حكمه، و قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» المقصود بالهدى هنا الهدى التوفيقي، و ما توفيقي إلا باللّه، لا الهدى بمعنى البيان، فالهدى التوفيقي «وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» و هو الذي يعطي السعادة لمن قام به، فهو اختصاص من اللّه (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»* أي بالقابلين للتوفيق
[- تحقيق- لا يصح أن يكون كلام الإنسان مؤثرا في الأشياء مطلقا في هذه الدار، بل محله الجنان]
– تحقيق- لا يصح أن يكون كلام الإنسان مؤثرا في الأشياء مطلقا في هذه الدار، بل محله الجنان، فإنه لا أكبر من محمد صلّى اللّه عليه و سلم و قد قال لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا اللّه، فما ظهرت عن نشأة أمره (لا إله إلا اللّه) في محل المأمور، و إن كان على بصيرة فيه، و لكنه مأمور أن يأمر، و هو حريص على الأمة، فكان قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» أي إنك لا تقدر على من تريد أن تجعله محلا لظهور ما تريد إنشاءه فيه أن يكون محلا لوجود إنشائك فيه، فقد كان صلّى اللّه عليه و سلم يقول لعمه: قل لا إله إلا اللّه في أذني أشهد لك بها عند اللّه؛ و هو يأبى.
[سورة القصص (28): آية 57]
وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)
«أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا» لا من الجهات، فإن الحق ما أضاف الرزق إلى غيره مع قوله تعالى: «ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ» فعمّ، و لم يقل ذلك في غير مكة «وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» نسبوها إلى الجهات و ما ذكروا الحق.
[سورة القصص (28): الآيات 58 الى 60]
وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَ أَهْلُها ظالِمُونَ (59) وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ (60)
احذر من فتنة الحياة الدنيا و زينتها، و فرق بين زينة اللّه و زينة الشيطان و زينة الحياة الدنيا، إذا جاءت الزينة مهملة غير منسوبة فإنك لا تدري من زيّنها لك، فانظر ذلك في موضع آخر و اتخذه دليلا على ما انبهم عليك، مثل قوله (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) و مثل قولهم (أ فمن زين له سوء عمله) و لم يذكر من زينه، فتستدل على من زيّنه من نفس العمل، فزينة اللّه غير محرمة، و زينة الشيطان محرمة، و زينة الدنيا ذات وجهين: وجه إلى الإباحة و الندب، و وجه إلى التحريم، و الحياة الدنيا وطن الابتلاء، فجعلها اللّه حلوة خضرة، و استخلف فيها عباده، فناظر كيف يعملون فيها،
بهذا جاء الخبر النبوي، فاتق فتنتها و ميّز زينتها و قل رب زدني علما، «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى» و ما عند اللّه إلا العالم فهو خير و أبقى، من حيث أنه أعطى العلم بنفسه للعالم به، أي من حيث أن العلم تابع للمعلوم، و هو حكم لا يزال باقيا، فإن العلم تابع للمعلوم في الحادث و القديم، فأعيان العالم محفوظون في خزائنه عنده، و خزائنه علمه، و مختزنه نحن، فنحن أثبتنا له حكم الاختزان، لأنه ما علمنا إلا منا،
[- تحقيق- الزاهد في الدنيا]
– تحقيق- الزاهد في الدنيا مال إلى قوله: «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى» و العارف مال إلى قوله تعالى: (وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى).
[سورة القصص (28): الآيات 61 الى 68]
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ رَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)
[ «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ»]
«وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ» أي يقدّر و يوجد «ما يَشاءُ» لو كان وجود العالم لذات الحق لا للنسب الإلهية لكان العالم مساوقا للحق في الوجود، و ليس كذلك، فالنسب حكم للّه أزلا، و هي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق، فيصح حدوث العالم، و ليس ذلك إلا لنسبة المشيئة التي هي مفتاح الغيب، و سبق العلم بوجوده، فكان وجود العالم مرجّحا على عدمه، و الوجود المرجح لا يساوق الوجود الذاتي الذي لا يتصف بالترجيح، فكل ما سوى الحق عرض زائل و غرض مائل و إن اتصف بالوجود،
فهو في نفسه في حكم المعدوم «وَ يَخْتارُ» كذا فعل سبحانه في جميع الموجودات، فاختار من كل أمر في كل جنس أمرا ما، كما اختار من الأسماء الحسنى كلمة اللّه، و اختار من الناس الرسل، و اختار من العباد الملائكة، و اختار من الأفلاك العرش، و اختار من الأركان الماء، و اختار من الشهور رمضان، و اختار من العبادات الصوم، و اختار من القرون قرن النبي صلّى اللّه عليه و سلم،
و اختار من أيام الأسبوع يوم الجمعة، و اختار من أحوال السعادة في الجنة الرؤية، و اختار من الأحوال الرضى، و اختار من الأذكار لا إله إلا اللّه، و اختار من الكلام القرآن، و اختار من سور القرآن يس، و اختار من أي القرآن آية الكرسي،
و اختار من قصار المفصل: قل هو اللّه أحد، و اختار من أدعية الأزمنة دعاء عرفة، و اختار من المراكب البراق، و اختار من الملائكة الروح، و اختار من الألوان البياض، و اختار من الأكوان الاجتماع، و اختار من الإنسان القلب، و اختار من الأحجار الحجر الأسود، و اختار من البيوت البيت المعمور، و اختار من الأشجار السدرة، و اختار من النساء مريم و آسية، و اختار من الرجال محمدا صلّى اللّه عليه و سلم، و اختار من الكواكب الشمس،
و اختار من الحركات الحركة المستقيمة، و اختار من النواميس الشريعة المنزلة، و اختار من البراهين البراهين الوجودية، و اختار من الصور الصورة الآدمية، لذلك أبرزها على الصورة الإلهية، و اختار من الأنوار ما يكون معه النظر، و اختار من النقيضين الإثبات، و من الضدين الوجود، و اختار الرحمة على الغضب،
و اختارمن أحوال أفعال الصلاة السجود، و من أقوالها ذكر اللّه، و اختار من أصناف الإرادات النية، و التحقيق أنه ما ثمّ حثالة و لا كناسة فإن ربك يخلق ما يشاء و يختار، و المختار هو المصطفى، فالنفوس نفايس، فيختار الأنفس و يبقي النفيس، فهذا ما كان من اختيار اللّه
[الجبر و الاختيار]
– الوجه الأول- «ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» بل هي للّه، و اللّه فعال لما يريد، فنفى أن تكون لهم الخيرة، و عندنا أن [ما] هنا اسم، و هو في موضع نصب على أنه مفعول بقوله: و يختار الذي كان لهم الخيرة، يعني فيه، فإذا علم العبد ذلك سلّم الحكم فيه للّه و استسلم، و كان بحكم وقت ما يمضيه اللّه فيه، لا بحكم ما يختاره لنفسه في المنشط و المكره، و يرى أن الكل له فيه خير، فيعامله اللّه في كل ذلك بخير، فإن كان وقته يعطي نعمة- و كان عقده مع اللّه مثل هذا- رزقه الشكر عليها و القيام بحق اللّه فيها و أعين عليها، و إن كان بلاء رزق الصبر عليه و الرضا به و جعل اللّه له مخرجا من حيث لا يحتسب، فإذا اقتضى الحق أمرا و كان له بك عناية أجراه عليك و رزقك القيام بحقه-
الوجه الثاني- لا ينبغي للعبد أن يكون له اختيار مع سيده قال تعالى: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» فيما يختاره لهم، فليس لهم أن يختاروا، بل يقفون عند المراسم الشرعية، فإن الشارع هو اللّه تعالى- تحقيق الجبر و الاختيار- العبد مجبور في اختياره، و مع أن اللّه فاعل مختار فإن ذلك من أجل قوله: و يختار، و قوله: و لو شئنا، و لا يفعل إلا ما سبق به علمه، و تبدل العلم محال، و ما رأيت أحدا تفطن لهذا القول الإلهي، فإن معناه في غاية البيان، و لشدة وضوحه خفي، فإنه سر القدر، و من وقف على هذه المسألة لم يعترض على اللّه في كل ما يقضيه و يجريه على عباده و فيهم و منهم، و لهذا قال: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ) فالعبد مجبور في اختياره الذي ينسب إليه، و هو أصل يشمل كل موجود، لا أحاشي موجودا من موجود- نسبة الاختيار إلى الحق تعالى- يستحيل عندنا أن ينسب الجواز إلى اللّه تعالى حتى يقال:
يجوز أن يغفر اللّه لك و يجوز أن لا يغفر اللّه لك، و يجوز أن يخلق و يجوز أن لا يخلق، هذا على اللّه محال، لأنه عين الافتقار إلى المرجح لوقوع أحد الجائزين، و ما ثمّ إلا اللّه، و أصحاب هذا المذهب قد افتقروا إلى ما التزموه من هذا الحكم إلى إثبات الإرادة حتى يكون الحق يرجح بها، و لا خفاء بما في هذا المذهب من الغلط، فإنه يرجع الحق محكوما عليه بما هو زائد على ذاته، و هو عين ذات أخرى، و إن لم يقل فيها صاحب هذا المذهب إن تلك الذات الزائدة عين الحق و لا غير عينه، فالذي نقول به: إن هذه العين المخلوقة من كونها ممكنة تقبل الوجود و تقبل العدم، فجائز أن تخلق فتوجد، و جائز أن لا تخلق فلا توجد، فإذا وجدت فبالمرجّح و هو اللّه، و إذا لم توجد فبالمرجّح و هو اللّه، يستقيم الكلام و يكون الأدب مع اللّه أتم،
بل هو الواجب أن يكون الأمر كما قلنا، و أما احتجاجهم بقوله: (لَوْ شاءَ اللَّهُ)* و (لَوْ أَرادَ اللَّهُ) فهو عليهم هذا الاحتجاج لا لهم، لزومية أن لو حرف امتناع لامتناع و لو لا حرف امتناع لوجود، فالإمكان للممكن هو الحكم الذي أظهر الاختيار في المرجّح و الذي عند المرجّح أمر واحد، و هو أحد الأمرين لا غير، فما ثمّ بالنظر إلى الحق إلا أحدية محضة لا يشوبها اختيار، أ لا تراه يقول تعالى: لو شاء كذا لكان كذا؛ فما شاء فما كان ذلك، فنفى عن نفسه تعلق المشيئة، فنفى الكون عن ذلك المذكور، فالاختيار تعلق خاص للذات أثبته الممكن لإمكانه في القبول لأحد الأمرين على البدل، و لو لا معقولية هذين الأمرين و معقولية القبول من الممكن ما ثبت للإرادة و لا للاختيار حكم، فإن المشيئة الإلهية ما عندها إلا أمر واحد في الأشياء،
و لا تزال الأشياء على حكم واحد معيّن من الحكمين، فمشيئة الحق في الأمور عين ما هي الأمور عليه فزال الحكم، فإن المشيئة إن جعلتها خلاف عين الأمر فإما أن تتبع الأمر و هو محال، و إما أن يتبعها الأمر، و هو محال، و بيان ذلك أن الأمر هو أمر لنفسه كان ما كان، فهو لا يقبل التبديل، فهو غير مشاء بمشيئة ليست عينه، فالمشيئة عينه، فلا تابع و لا متبوع، فتحفظ من الوهم، فمحال على اللّه الاختيار في المشيئة، لأنه محال عليه الجواز، لأنه محال أن يكون للّه مرجح يرجح له أمرا دون أمر، فهو المرجح لذاته، فالمشيئة أحدية التعلق لا اختيار فيها، و لهذا لا يعقل الممكن أبدا إلا مرجّحا، و لذلك أقول بالحكم الإرادي لكني لا أقول بالاختيار، فإن الخطاب بالاختيار الوارد إنما ورد من حيث النظر إلى الممكن معرى عن علته و سببيته
[- نصيحة- لا يثبت العبد لنفسه ما نفاه الحق]
– نصيحة- لا يثبت العبد لنفسه ما نفاه الحق عنه، و يختار ما لم يختره له الحق.
[سورة القصص (28): الآيات 69 الى 70]
وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ (69) وَ هُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
هذا هو التوحيد الثالث و العشرون في القرآن،
[توحيد الاختيار]
و هو توحيد الاختيار (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ) و هو من توحيد الهوية، فإن الدليل يعطي أن لا يكون في العالم تفاضل، و لا مختار يفضل عند اللّه غيره من حيث نسبة العالم إلى اللّه، فإن نسبته واحدة، و رأينا الأمر على غير هذا خرج، و في القرآن كثير من تفضيل كل جنس بعضه على بعض، حتى القرآن و هو كلام اللّه يفضل على سائر الكتب المنزلة و هي كلام اللّه، و القرآن نفسه يفضل بعضه على بعض مع نسبته إلى اللّه أنه كلامه بلا شك، فآية الكرسي سيدة آي القرآن، و هي قرآن، فعلمنا من هذا أن الحكمة التي يقتضيها النظر العقلي ليست بصحيحة، و أن حكمة اللّه في الأمور هي الحكمة الصحيحة التي لا تعقل، و إن كانت لا تعلم فما تجهل، لكن لا تعيّن بمجرد فكر و لا نظر، فلما رأينا التفاضل و الاختيار وقع في العالم حتى في الأذكار الإلهية المشروعة كما ذكرنا، علمنا أن ثمّ أمرا معقولا ما هو عين أعيان الكائنات،
فإذا بذلك عين المشيئة، فيها ظهر هذا التفضيل في الواحد، و التفضيل في المتساوي، و الواحد لا يتصف بالتفضيل، و المتساوي لا ينعت بالتفضيل، فعلمنا أن سر اللّه مجهول لا يعلمه إلا هو، فوجدناه توحيد الاختيار في حضرة السر «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى» و هو حمد الإجمال «وَ الْآخِرَةِ» و هو حمد التفصيل، فتميزت المحامد في العين الواحدة فكان حمدها عينها «وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي الحكم و هو القضاء، فالضمير في «إِلَيْهِ» يعود على الحكم، فإنه أقرب مذكور،
فلا يعود على الأبعد و يتعدى الأقرب إلا بقرينة حال، هذا هو المعلوم في اللسان الذي أنزل به القرآن فالقضاء الذي له المضي في الأمور هو الحكم الإلهي على الأشياء بكذا، و القدر ما يقع بوجوده في موجود معين المصلحة المتعدية منه إلى غير ذلك الموجود، فالقضاء يحكم على القدر، و القدر لا حكم له في القضاء، بل حكمه في المقدر لا غير بحكم القضاء، فالقاضي حاكم و المقدّر مؤقت، و لما أوجد سبحانه كتابين من كونه سبحانه خلق من كل شيء زوجين، فالقضاء و هو الحكم للكتاب الأول و هو الأم، و يطلبه حكم الكتاب الثاني و هو القدر الذي به تقوم الحجة، «وَ لَهُ الْحُكْمُ» بالكتاب الأول «وَ إِلَيْهِ» إلى هذا الكتاب «تُرْجَعُونَ».
[سورة القصص (28): الآيات 71 الى 73]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ (72) وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)
«وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ» فأعاد الضمير على الليل «وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ» يريد في النهار، فأضمر لما يتضمنه النهار غالبا من الحركات في المعاش و قوام النفوس و مصالح الخلق و تنفيذ الأوامر و إظهار الصنائع و إقامة المصنوعات في نشأتها و تحسين هيئاتها، و إن كان الضميران يعودان على المعنى المقصود، فقد يعمل الصانع بالليل و يبيع و يشتري بالليل، كما أنه ينام أيضا و يسكن بالنهار، و لكن الغالب في الأمور هو المعتبر.
[سورة القصص (28): الآيات 74 الى 75]
وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَ نَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75)
«فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» فعلموا أنّهم كانوا من الذين لا يعلمون.
[سورة القصص (28): آية 76]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
«إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ»
[الحزن]
– الوجه الأول- هذا ليس نهيا من اللّه تعالى و إنما حكى اللّه نهي قوم قارون له، و هو فرح خاص من شأن النفوس أن تفرح به، و أن اللّه لا يحب الفرح بذلك الفرح، و من فرح بهذا الأمر المعيّن مثل جمعه المال الذي يتركه بالموت في الدنيا و لا يقدمه عاد فرحه بذلك ترحا، فحزن لفرحه على قدر فرحه، فإن كان عظيما عظم حزنه، و إن كان دون ذلك كان الحزن و الترح بحسبه- الوجه الثاني- الحزن إذا فقد من القلب في الدنيا خرب لحصول ضده، إذ لا يخلو، و الدار الدنيا لا تعطي الفرح لما فيه من نفي المحبة الإلهية عمن قام به، فلا يزال الحزن دائما أبدا، و هو مقام مستصحب للعبد ما دام مكلفا و في الآخرة ما لم يدخل الجنة، فإنه ليس في الوسع الإمكاني تحصيل جملة الأمر، فلا بد من فوت فلا بد من حزن.
| الحزن مركبه صعب و غايته | ذهابه فولّي اللّه من حزنا | |
| قلب الحزين هنا تقوى قواعده | هناك و الغرض المقصود منك هنا | |
| دار التكاليف دار ما بها فرح | فاللّه ليس يحب الفارح اللسنا | |
[سورة القصص (28): آية 77]
وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
[ «وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ»]
«وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» الإحسان الذي يسمى به العبد محسنا هو أن يعبد اللّه كأنه يراه، أي يعبده على المشاهدة، و إحسان اللّه هو مقام رؤيته عباده في حركاتهم و تصرفاتهم، فشهوده لكل شيء هو إحسانه، فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك، فكل حال ينتقل فيه العبد فهو من إحسان اللّه، إذ هو الذي نقله تعالى،
و لهذا سمي الإنعام إحسانا، فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلا من يعلمك، و من كان علمه عين رؤيته فهو محسن على الدوام، فإنه يراك على الدوام لأنه يعلمك دائما، و لما كان سعي الإنسان في حق الغير إنما يسعى لنفسه في نفس الأمر، لذا أمر بالإحسان، فما زاد على ما يقوتك و يقوت من كلفك اللّه السعي عليه مما فتح اللّه به عليك فأوصله إنعاما منك إلى من شئت،
ممن تعلم منه أنه يستعمله في طاعة اللّه، فإن جهلت فأوصله إلى من شئت، فإنك لن تخيب من فائدته من كونك منعما بما سمي ملكا لك، فأنت فيه كربّ النعمة، فأنت نائبه و خليفته، و قد رزق النبات و الحيوان و الطائع و العاصي، فكن أنت كذلك، و تحرى الطائع جهد استطاعتك، فإن ذلك أوفر لحظك و أعلى، و في حقك أولى و أثنى «وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» الفساد هنا المراد به تغيير الحكم الإلهي، لا تغيير العين و لا إبدال الصورة.
[سورة القصص (28): الآيات 78 الى 83]
قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82)
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ» يريد دار السعادة، فإن في الآخرة منزل شقاوة و منزل سعادة، فالدار الآخرة هنا الجنة خاصة دون النار «نَجْعَلُها» اي نملكها ملكا «لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً» سواء حصل لهم ذلك المراد أو لم يحصل، فقد أرادوه و حصل في نفوسهم، فإن الأرض قد جعلها اللّه ذلولا و العبد هو الذليل، و الذلة لا تقتضي العلو، فمن جاوز قدره هلك،
فليس للعبد أن يتصف بأوصاف سيده لا في حضرته و لا عند إخوانه من العبيد و إن ولاه عليهم، فالرب رب إلى غير نهاية، و العبد عبد إلى غير نهاية، فإن الصفات النفسية لا تكون مرادة للموصوف فيها، فمن علا بغيره و لم يكن له حافظ يحفظ عليه علوه سقط و قوتل، فالعالي من أعلى اللّه منزلته، و لما كانت الرفعة من اللّه- الذي له العلو الذاتي- حفظ على كل من أعلى اللّه منزلته علوه، و من علا بنفسه من الجبارين و المتكبرين قصمه اللّه و أخذه للكبرياء الذي كان عليه في نفسه، و لهذا قال: «وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، أي عاقبة العلو الذي علا به من أراد علوا في الأرض يكون للمتقين، أي يعطيهم اللّه العلو في المنزلة في الدنيا و الآخرة،
فأما في الآخرة فأمر لازم لا بد منه، لأن وعده صدق و كلامه حق، و الدار الآخرة محل تميز المراتب و تعيين مقادير الخلق عند اللّه و منزلتهم منه تعالى، فلا بد من علو المتقين يوم القيامة، و أما في الدنيا فإنه كل من تحقق صدقه في تقواه و زهده، فإن نفوس الجبارين و المتكبرين تتوفر دواعيهم إلى تعظيمه، لكونهم ما زاحموهم في مراتبهم، فأنزلهم ما حصل في نفوسهم من تعظيم المتقين عن علوهم و قصدوا خدمتهم و التبرك بهم، و انتقل ذلك العلو الذي ظهروا به إلى هذا المتقي، و كان عاقبة العلو للمتقي و الجبار لا يشعر،
و يلتذ الجبار إذا قيل فيه إنه قد تواضع و نزل إلى هذا المتقي، فيتخيل الجبار أن المتقي هو الأسفل و أن الجبار نزل إليه، بل علو الجبار انتقل إلى المتقي من حيث لا يشعر، و نزل الجبار تحت علو هذا المتقي، و لو سئل المتقي عن علوه ما وجد عنده منه شيء، فثبت أن العلو في الإنسان إنما هو تحققه بعبوديته، و عدم خروجه و اتصافه بما ليس له بحقيقة، فاحذر يا ولي أن تريد علوا في الأرض فإن من أراده أراد الولاية،
و قال عليه السلام: [إنها يوم القيامة حسرة و ندامة]، و الزم الخمول و إن أعلى اللّه كلمتك فما أعلى إلا الحق، و إن رزقك الرفعة في قلوب الخلق، فذلك إليه عزّ و جل، و الذي يلزمك التواضع و الذلة و الانكسار، فإنه إنما أنشأك من الأرض فلا تعلو عليها فإنها أمك، و من تكبر على أمه فقد عقّها، و راقب اللّه فيما أعطاك، من رفعة في الأرض، بولاية و تقدّم تخدم من أجله و يغشى بابك و يلزم ركابك، فلا تبرح ناظرا لعبوديتك و أصلك، و اعلم أن تلك الرفعة إنما هي للرتبة و المنصب لا لذاتك، فالذي أوصيك به أنك لا تريد علوا في الأرض، و إن أعطاك اللّه لا تطلب أنت من اللّه إلا أن تكون في نفسك صاحب ذلة و مسكنة و خشوع.
[سورة القصص (28): آية 84]
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84)
«مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها» و هو عشر أمثالها «وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» قال صلّى اللّه عليه و سلم: [إنما هي أعمالكم ترد عليكم].
[سورة القصص (28): الآيات 85 الى 86]
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (86)
«فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» أي معينا للكافرين.
[سورة القصص (28): الآيات 87 الى 88]
وَ لا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَ ادْعُ إِلى رَبِّكَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
[وحدة الوجود]
تفسير هذه الآية من وجوه، و ذلك راجع إلى الضمير في قوله تعالى: «إِلَّا وَجْهَهُ» فإنه من وجه يعود على الشيء، و من وجه يعود على الحق، فمن الوجه الذي يعود فيه الضمير على الحق يقول تعالى: «وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ» نهى تعالى أن يدعو مع اللّه إلها، فنكّر المنهي عنه، إذ لم يكن ثمّ، إذ لو كان ثمّ لتعين، و لو تعين لم يتنكر، فدل على أنه من دعا مع اللّه إلها آخر فقد نفخ في غير ضرم،
و استسمن ذا ورم، و كان دعاؤه لحما على وضم، ليس له متعلق يتعين، و لا حق يتضح و يتبين، فكان مدلول دعائه العدم المحض، فلم يبق إلا من له الوجود المحض «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ» فكل شيء يتخيل فيه أنه شيء هالك في عين شيئيته عن نسبة الألوهية إليه لا عن شيئيته «إِلَّا وَجْهَهُ» فوجه الحق باق، و هو ذو الجلال و الإكرام و الآلاء الجسام، فالحق الخالص من كان في ذاته يعلم فلا يجهل، و يجهل فلا يحاط به علما،
فعلم من حيث أنه لا يحاط به علما، و جهل من حيث أنه لا يحاط به علما، فعلم من حيث جهل، فالعلم به عين الجهل به، فإذا علمنا أن الحقيقة واحدة دون أن تنسب إلى قديم أو حديث، نقول: جعل اللّه نفسه عين كل شيء بقوله تعالى:
«كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» لأن السبحات له، فهي مهلكة، و المهلك لا يكون هالكا، فكل شيء هو موجود تشاهده حسا و عقلا ليس بهالك، لأن وجه الشيء حقيقته، فما في الوجود إلا اللّه، فما في الوجود إلا الخير و ان تنوعت الصور، فكل ما ظهر فما هو إلا هو، لنفسه ظهر، فما يشهده أمر و لا يكثّره غير، و لذلك قال: «لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي من يعتقد أن كل شيء جعلناه هالكا، و ما عرف ما قصدناه إذا رآه ما يهلك، و يرى بقاء عينه مشهودا له دنيا و آخرة،
علم ما أردنا بالشيء الهالك، و أن كل شيء لم يتصف بالهلاك فهو وجهي، فعلم أن الأشياء ليست غير وجهي فإنها لم تهلك، فرد حكمها إلي، فهذا معنى قوله: «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» و هو معنى لطيف يخفى على من لم يستظهر القرآن، فالعالم لم يزل مفقود العين هالكا بالذات في حضرة إمكانه، و أحكامه يظهر بها الحق لنفسه بما هو ناظر من حقيقة حكم ممكن آخر، فالعالم هو الممد بذاته ما يظهر في الكون من الموجودات، و ليس إلا الحق لا غيره، و بعبارة أخرى «لَهُ الْحُكْمُ» و هو ما ظهر في عين الأشياء، ثم قال: «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي مردكم من كونكم أغيارا إليّ، فيذهب حكم الغير، فالأحكام في الحق صور العالم كله، ما ظهر منه و ما يظهر،
و الأحكام منه و لهذا قال: «لَهُ الْحُكْمُ» ثم يرجع الكل إلى أنه عينه، فهو الحاكم بكل حكم في كل شيء حكما ذاتيا لا يكون إلا هكذا، فسمى نفسه بأسمائه، فحكم عليه بها، و سمى ما ظهر به من الأحكام الإلهية في أعيان الأشياء ليميز بعضها عن بعض، فأعيان العالم لا يقال: إنها عين الحق و لا غير الحق، بل الوجود كله حق، و لكن من الحق ما يتصف بأنه مخلوق، و منه ما يوصف بأنه غير مخلوق، لكنه كل موجود، فإنه موصوف بأنه محكوم عليه بكذا، فالكل محكوم عليه،
كما حكمنا على كل شيء بالهلاك، و حكمنا على وجهه بالاستثناء من حكم الهلاك، و من ذلك يكون وجه الشيء حقيقته، فالشيء هنا ما يعرض لهذه الذات، فإن كان للعارض وجه فما يهلك في نفسه، و إنما يهلك بنسبته إلى ما عرض له، فكل شيء و هو جميع صور العالم «هالِكٌ» موصوف بالهلاك يعني من حيث صوره، فهو هالك بالصورة للاستحالات، لأن هالك خبر المبتدأ الذي هو «كُلُّ شَيْءٍ» أي كل ما ينطلق عليه اسم شيء، فهو هالك في حال اتصافه بالوجود، كما هو هالك في حال اتصافه بالهلاك الذي هو العدم، فلا يزال كل شيء هالك كما لم يزل، لم يتغير عليه نعت و لا تغير على الوجود نعت، و الموصوف بأنه موجود موجود، و الموصوف بأنه معدوم معدوم، فإن وصف الممكن بالوجود فهو مجاز لا حقيقة، لأن الحقيقة تأبى أن يكون موجودا، فإن العدم للممكن ذاتي، أي من حقيقة ذاته أن يكون معدوما «إِلَّا وَجْهَهُ» الاستثناء هنا استثناء منقطع،
و الضمير في وجهه يعود على الشيء، و وجهه ذاته و عينه و كونه و حقيقته، فهي شيئية ذاته، و هي المستثناة و لا بد، لأن الحقائق لا تتصف بالهلاك، و إنما يتصف بالهلاك الأمور العوارض للحقائق من نسبة بعضها إلى بعض، فكل شيء من صور العالم هالك من حيث صورته، إلا من حقائقه فليس بهالك، و لا يتمكن أن يهلك،
فهو غير هالك من حيث وجهه و حقيقته، فتختلف عليه الأحكام باختلاف الصور، فما ثمّ إلا هلاك و إيجاد في عين واحدة، و مثال ذلك للتقريب، أن صورة الإنسان إذا هلكت و لم يبق لها في الوجود أثر، لم تهلك حقيقته التي يميزها الحد، و هي عين الحد له، فنقول: الإنسان حيوان ناطق، و لا نتعرض لكونه موجودا أو معدوما، فإن هذه الحقيقة لا تزال له و إن لم تكن له صورة في الوجود، فالحقائق في العلم معقولات، و هي للحق معلومات، و للحق و لأنفسها معقولات، و لا وجود لها في الوجود الوجودي و لا في الوجود الإمكاني، فيظهر حكمها في الحق فتنسب إليه و تسمى أسماء إلهية، فينسب إليها من نعوت الأزل ما ينسب إلى الحق،
و تنسب أيضا إلى الخلق بما يظهر من حكمها فيه، فينسب إليها من نعوت الحدوث ما ينسب إلى الخلق، فهي الحادثة القديمة، و الأبدية الأزلية، فالعالم إن نظرت حقيقته وجدته عرضا زائلا، أي في حكم الزوال، و هو قوله تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أصدق بيت قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل] يقول ما له حقيقة يثبت عليها من نفسه، فما هو موجود إلا بغيره،
و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم: [أصدق بيت قالته العرب: ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل]- وجه آخر- «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ» فإنه لا يبقى حالة أصلا في العالم كونية و لا إلهية، و هو قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) «إِلَّا وَجْهَهُ» يريد ذاته، إذ وجه الشيء ذاته، فلا تهلك، فكل ما سوى ذات الحق فهو في مقام الاستحالة السريعة و البطيئة، و هو تبدله من صورة إلى صورة دائما أبدا، فالضمير في وجهه يعود على الشيء، فالشيء هالك من حيث صورته، غير هالك من حيث وجهه و حقيقته،
و ليس إلا وجود الحق الذي ظهر به لنفسه و حقيقته، و ليس إلا وجود الحق الذي ظهر به لنفسه. «لَهُ الْحُكْمُ» أي لذلك الشيء الحكم في الوجه، فتختلف عليه الأحكام باختلاف الصور «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» في ذلك الحكم، أي إلى ذلك الشيء يرجع الحكم الذي حكم به على الوجه، فما ثم إلا هلاك و إيجاد في عين واحدة، و من هذه الآية لا نثبت إطلاق لفظ الشيئية على ذات الحق، لأنها ما وردت و لا خوطبنا بها، و الأدب أولى، «وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»
[توحيد الحكم]
هذا هو التوحيد الرابع و العشرون في القرآن، و هو توحيد الحكم بالتوحيد الذي إليه رجوع الكثرة إذ كان عينها، و هو توحيد الهوية «لَهُ الْحُكْمُ» و هو القضاء «وَ إِلَيْهِ» الضمير في إليه يعود على الحكم فإنه أقرب مذكور، فالقضاء الذي له المضي في الأمور هو الحكم الإلهي على الأشياء «تُرْجَعُونَ» أي إلى القضاء.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3،