تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأحقاف
(46) سورة الأحقاف مكيّة
[سورة الأحقاف (46): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4)
«قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ما لفظة تطلق على كل شيء ممن يعقل و مما لا يعقل، كذا قاله سيبويه، و هو المرجوع إليه في العلم باللسان، فإن بعض المنتحلين لهذا الفن يقولون إن لفظة ما تختص بما لا يعقل و من تختص بمن يعقل، و هو قول غير محرر، و قد رأينا في كلام العرب جمع من لا يعقل جمع من يعقل، و إطلاق ما على من يعقل، و إنما قلنا هذا لئلا يقال في قوله «ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» إنما أراد من لا يعقل و عيسى عليه السلام يعقل فلا يدخل في هذا الخطاب، و قول سيبويه أولى «أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ» فلو قالوا:
عيسى خلق من الأرض طيرا، فقدم الحق لأجل هذا القول، أن خلق عيسى للطير كان بإذن اللّه، فكان خلقه له عبادة يتقرب بها إلى اللّه، لأنه مأذون له في ذلك فقال: (و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذني) فما أضاف خلقه إلا لإذن اللّه، و المأمور عبد، و العبد لا يكون إلها.
[سورة الأحقاف (46): الآيات 5 الى 9]
وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (5) وَ إِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَ كانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَ ما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
«قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ»
[هل النبوة مكتسبة؟:]
فنفى أن يكون الفعل له و لنا، بل يفعل به و بنا، فما ثمّ ثقة بشيء لجهلنا بما في علم اللّه فينا، فيا لها من مصيبة «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» أي ما لي علم و لا نظر بغير ما يوحى إلي، هذا مع غاية الصفاء المحمدي، فمقام الوحي لا يعطى منه الإنسان إلا على قدر ما يريد اللّه تعالى، و أما من جهة العلم باللّه فهذا قوله صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو خير البشر و أكثرهم عقلا و أصحهم فكرة و روية، فأين الفكر في العلم باللّه؟ هيهات؛ تلف أصحاب الأفكار و القائلون باكتساب النبوة و الولاية، كيف لهم ذلك و النبوة و الولاية مقامان وراء طور العقل، ليس للعقل فيهما كسب؟
بل هما اختصاصان من اللّه تعالى لمن شاء «وَ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» و هو قوله: (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) فإياك أن تنزل أحدا من اللّه منزلة لا تعرفها، لا بتزكية عند اللّه فيه و لا تجريح، إلا أن تكون على بصيرة من اللّه تعالى فيه، فإن ذلك افتراء على اللّه، و لو صادفت الحق فقد أسأت الأدب، و هذا داء عضال؛ بل حسّن الظن به و قل: فيما أحسب و أظن هو كذا و كذا، و لا تزكي على اللّه أحدا، فهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لا يدري ما يفعل به و لا بنا، بل يتبع ما يوحى إليه، فما عرّف به من الأمور عرفها، و ما لم يعرف به من الأمور لم يعرفه و كان فيه كواحد من الناس، فكم رجل عظيم عند الناس و يأتي يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة.
[سورة الأحقاف (46): الآيات 10 الى 15]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً وَ هذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14)
وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
[أقل مدة الحمل ستة أشهر:]
«وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» و قال تعالى: (وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ) على أقل ما يولد من زمن الحمل و يعيش، و هو ستة أشهر حملا و سنتان رضاعا على التمام، و إن أتم الحمل المعتاد في الغالب و هو تسعة أشهر كانت مدة الرضاع حولين إلا ربع حول، و هي إحدى و عشرون شهرا «حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ» الآية- حد الأربعين هو حد الزمان الذي تبعث فيه الرسل الذين هم أكمل العالم علما بالأمور الإلهية.
[سورة الأحقاف (46): الآيات 16 الى 24]
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16) وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (18) وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (19) وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)
قالت عاد «هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» حجبتهم العادة حين رأوا السحابة السوداء قد طلعت عليهم و كانوا مقحطين، فسروا بذلك و استبشروا، لكون الغيث أبدا يستلزم الغمام، فقيل لهم «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» فكان الريح هي عين الأهواء التي كانوا عليها، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذا رأى ذلك يتغير، و يدخل و يخرج، فإذا نزل الغيث و علم أنه رحمة سكن.
[سورة الأحقاف (46): آية 25]
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
ما كل كلّ في كل موضع ترد تعطي الحصر، فإنه قد تأتي و يراد بها القصر، مثل قوله في الريح العميم (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) و قد مرت على الأرض و ما جعلتها كالرميم، مع كونها أتت عليها، و ما جعل الحق الحكم في الأرض إليها، فقال:
«فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» لما أهلك اللّه تعالى قوم هود، بعث عليهم طيرا سودا فنقلهم إلى البحر «فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» و كانت مساكنهم الشحر بين عمان و حضرموت «كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ».
[سورة الأحقاف (46): الآيات 26 الى 29]
وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَ صَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَ ذلِكَ إِفْكُهُمْ وَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (28) وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
هكذا أخبر الحق عن الجن في سماعهم القرآن أنهم قالوا: «أَنْصِتُوا» و قال في حق الإنس آمرا (وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا) فإن الاسم اللطيف أورث الجن الاستتار عن أعين الناس فلا تدركهم الأبصار إلا إذا تجسدوا، و جعل سماعهم القرآن إذا تلي عليهم أحسن من سماع الإنس.
[سورة الأحقاف (46): آية 30]
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)
[الأرواح و الجن استماعهم لكلام اللّه أوثق و أحسن من الإنس:]
اعلم أن الأرواح و الجن استماعهم لكلام اللّه أوثق و أحسن من الإنس للمشاركة في سرعة التنوع و التقلب من حال إلى حال، و هو من صفات الكلام، فهم بالصفة إليه أقرب مناسبة و أعلم بكلام اللّه منا، و كذا قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لأصحابه عن الجن لما تلا عليهم سورة الرحمن، أ لا ترى الجن لما منعوا السمع و حيل بينهم و بين السماء بالرجوم، قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فأمر زوبعة أصحابه و غيره أن يجولوا مشارق الأرض و مغاربها، لينظروا ما هذا الأمر الذي حدث و أحدث منعهم من الوصول إلى السماء، فلما وصل أصحاب زوبعة إلى تهامة مروا بنخلة، فوجدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يصلي صلاة الفجر و هو يقرأ، فلما سمعوا القرآن أصغوا إليه و قالوا: هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء؛ فلو لا معرفتهم برتبة القرآن و عظم قدره ما تفطنوا لذلك، فولوا إلى قومهم منذرين فقالوا «يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.
[سورة الأحقاف (46): آية 31]
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31)
«أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ» الإجابة إلى فعل ما كلفوه على حد ما كلفوه، فإنه تعالى ما خلق الجن و الإنس إلا ليعبدوه.
[سورة الأحقاف (46): آية 32]
وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32)
«وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ» انتهى قول الجن، و ما قال اللّه و لا روي عن أحد من الإنس أنه قال مثل هذا القول، ثم يقول اللّه تعالى: «وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» فضمت شريعته صلّى اللّه عليه و سلّم الجن و الإنس، و عم بشريعته الإنس و الجن.
[سورة الأحقاف (46): الآيات 33 الى 35]
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35)
أولو العزم من الرسل هم الذين لقوا الشدائد في تمهيد السبيل، و هم الذين أرسلوا بالسيف لكمالهم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 132