تفسیر ابن عربی سوره الجمعة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الجمعة

(62) سورة الجمعة مدنيّة

[سورة الجمعة (62): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)

الاسم الملك هو المهيمن على الأجناد الأسمائية فإن أسماءه سبحانه و تعالى عساكره، و هي التي يسلطها على من يشاء و يرحم بها من يشاء، فهو تعالى‏ «الْمَلِكِ» بنسبة ملك السموات و الأرض إليه، فإنه رب كل شي‏ء و مليكه‏ «الْقُدُّوسِ» أي الطاهر، و التقديس الذاتي يطلب التبري من تنزيه المنزهين، فإنهم ما نزهوا حتى تخيلوا و توهموا، و ما ثمّ متخيل و لا متوهم يتعلق به أو يجوز أن يتعلق به فينزه عنه، بل هو القدوس لذاته، لذلك قال‏ «الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ»

 

 

– إشارة- في التقديس‏

، كأنه تعالى يقول: عبدي أنا الواحد الذي لا تحيط بي الأفكار، و لا تنتهي إليّ الأسرار، و لا تدركني البصائر و لا الأبصار، و أنا اللطيف الخبير، الحكيم القدير، أنا كما كنت، عدمت أو وجدت، ما طرأ حال كنت عدمته، و لا فقدت شيئا ثم وجدته، علمي محيط ببسيطك، و قدرتي ظاهرة في تخطيطك، تنزهت عن التنزيه، فكيف عن التشبيه؟ في العجز معرفتي على الكمال،

و هي حضرة الجلال، ليس لي مثل معقول، و لا دلت عليه العقول، الألباب حائرة في كبريائي، و الأسرار مطيفون بعرش ردائي، أنت و أنا حرف و معنى، بل معنى و معنى، أنت المثل الخفي، المنقول اللغوي‏، و أنا الواحد الجلي، أنت الواحد و أنا الواحد، و الواحد في الواحد بالواحد، فإذا ضرب الفرد في الفرد، بقي الرب و فني العبد.

شرح بعض ما يوهم مما جاء مرموزا، قوله (أنت و أنا حرف و معنى) أي أن الحرف يتضمن المعنى، و أنت لا تتضمن ربك، فلذلك قال (بل معنى و معنى) أي هو أشد بيانا، و إن دللت عليه بحرفيتك فإنما تدل عليه من كونه موجدك فقط، فما دللت إلا على نفسك، أما قوله (أنت المثل الخفي) أي لكونك على الصورة، و قوله (اللغوي) أي بأدنى ما يقع به التشبيه في مجرد اللفظ، كقولك: عالم و عالم، و قوله (و أنا الواحد الجلي) أي الذي لا يقبل التشبيه.

 

 

[سورة الجمعة (62): آية 2]

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2)

 

بحث في الأمية- [تعريف الأمي و الأمية]

الأمية لا تنافي حفظ القرآن و لا حفظ الأخبار النبوية، و لكن الأمية عندنا من لم يتصرف بنظره الفكري و حكمه العقلي في استخراج ما تحوي عليه من المعاني و الأسرار و ما تعطيه من الأدلة العقلية في العلم بالإلهيات، و ما تعطيه للمجتهدين من الأدلة الفقهية و القياسات و التعليلات في الأحكام الشرعية، فإذا سلم القلب من علم النظر الفكري شرعا و عقلا كان أميا، و كان قابلا للفتح الإلهي على أكمل ما يكون بسرعة دون بطء، و يرزق من العلم اللدني في كل شي‏ء ما لا يعرف قدر ذلك إلا نبي أو من ذاقه من الأولياء، و به تكمل درجة الإيمان و نشأته،

و تقف بهذا العلم على إصابة الأفكار و غلطاتها، و بأي نسبة ينسب إليها الصحة و السقم، و كل ذلك من اللّه، فإن الموازين العقلية و ظواهر الموازين الاجتهادية في الفقهاء ترد كثيرا من الأمور، إذ كان جله و معظمه فوق طور العقل، و ميزانه لا يعمل هنالك، و فوق ميزان المجتهدين من الفقهاء لا فوق الفقه، فإن ذلك عين الفقه الصحيح و العلم الصريح، و في قصة موسى و الخضر دليل قوي على ما ذكرناه، فكيف حال الفقيه؟ و أين الأينية و ما شاكلها التي نسبها الشارع إلى الإله من الموازين النظرية و البراهين العقلية على زعم العقل و حكم المجتهد؟

فالرحمة التي يعطيها اللّه عبده أن يحول بينه و بين العلم النظري و الحكم الاجتهادي من جهة نفسه، حتى يكون اللّه يحابيه بذلك في الفتح الإلهي و العلم الذي يعطيه من لدنه، فيعطي البصر حقه في حكمه و سائر الحواس، و يعطي العقل حكمه و سائر القوى المعنوية، و يعطي النسب الإلهية و الفتح الإلهي حكمهم، فبهذا يزيد العالم الإلهي على غيره، و هو البصيرة التي نزل القرآن بها في قوله تعالى: (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي)

و هو تتميم قوله تعالى: «بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ» فهو النبي الأمي الذي يدعو على بصيرة مع أميته، و الأميون هم الذين يدعون معه إلى اللّه على بصيرة، فهم التابعون له في الحكم إذ كان رأس الجماعة. و المجتهد و صاحب الفكر لا يكون أبدا على بصيرة فيما يحكم به، فأما المجتهد فقد يحكم اليوم في نازلة شرعية بحكم، فإذا كان في غد لاح له أمر آخر أبان له خطأ ما حكم به بالأمس في النازلة، فرجع عنه و حكم اليوم بما ظهر له، و يمضي حكمه في الأول و الآخر، و يحرم عليه الخروج عما أعطاه الدليل في اجتهاده في ذلك الوقت، فلو كان على بصيرة لما حكم بالخطإ في النظر الأول، بخلاف حكم النبي، فإن ذلك صحيح، أعني الحكم الأول، ثم رفع اللّه ذلك الحكم بنقيضه‏ و سمّي ذلك نسخا، و أين النسخ من الخطأ؟ فالنسخ يكون مع البصيرة، و الخطأ لا يكون مع البصيرة، و كذلك صاحب العقل،

و هو واقع من جماعة من العقلاء، إذ نظروا و استوفوا في نظرهم الدليل و عثروا على وجه الدليل أعطاهم ذلك العلم بالمدلول، ثم تراهم في زمان آخر أو يقوم له خصم من طائفة أخرى كمعتزلي أو أشعري أو برهمي أو فيلسوف بأمر آخر يناقض دليله الذي كان يقطع به و يقدح فيه، فينظر فيه فيرى أن ذلك الأول كان خطأ، و أنه ما استوفى أركان دليله و أنه أخل بالميزان في ذلك و لم يشعر، و أين هذا من البصيرة؟

 

[سورة الجمعة (62): الآيات 3 الى 9]

وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

[صلاة الجمعة:]

اعلم أن يوم الجمعة هو آخر أيام الخلق، و فيه خلق من خلقه اللّه على الصورة و هو آدم، فيه ظهر تمام الخلق و غايته، و به ظهر أكمل المخلوقات و هو الإنسان، و لما جمع اللّه خلق الإنسان فيه بما أنشأه تعالى عليه من الجمع بين الصورتين- صورة الحق و صورة العالم-

سماه اللّه بلسان الشرع يوم الجمعة، و لما زينه اللّه بزينة الأسماء الإلهية و حلّاه بها و أقامه خليفة فيها بها فظهر بأحسن زينة إلهية في الكمال،- و من كان مجلى كمال الحق فلا زينة أعلى من زينة اللّه- أطلق اللّه عليه اسما على ألسنة العرب في الجاهلية، و هو لفظ العروبة، أي هو يوم الحسن و الزينة، فظهر الحق في أكمل الخلق و هو آدم، فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة،

فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق الإنسان فيه، الذي خلقه اللّه على صورته، فيوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، و ما بيّنه اللّه لأحد إلا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم لمناسبته الكمالية، فإنه أكمل الأنبياء و نحن أكمل الأمم، و سائر الأمم و أنبيائها ما أبان الحق لهم عنه، لأنهم لم يكونوا من المستعدين له لكونهم دون درجة الكمال، أنبياؤهم دون محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و أممهم دوننا في الكمال، فلما كان يوم الجمعة أكمل الأيام و خلق فيه أكمل الموجودات، خصّه اللّه بالساعة التي ليست لغيره من الأيام، و الزمان كله ليس سوى هذه الأيام،

فلم تحصل هذه الساعة لشي‏ء من الزمان إلا ليوم الجمعة، و كان خلق الإنسان في هذه الساعة المذكورة المخصصة من يوم الجمعة، فإنها أشرف ساعاته، فالحمد للّه الذي اصطفانا و هدانا إلى يوم الجمعة، و خصّنا بساعته فإنه من أعظم الهداية التي هدى اللّه إليها هذه الأمة خاصة، فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه، فيوم الجمعة أشرف أيام الاسبوع و شرفه ذاتي لعينه، و لا يفاضل بيوم عرفة و لا غيره، فإن فضل يوم عرفة و عاشوراء لأمور عرضت،

إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض، و لهذا شرع الغسل- و هو فرض عندنا- ليوم الجمعة لا لنفس الصلاة، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة، فلا خلاف أنه أفضل بلا شك، و صلاة الجمعة واجبة على من تجب عليه الصلوات المفروضة، و اتفق العلماء على أن من شروطها الذكورة و الصحة، و أنها لا تجب على المرأة و المريض، و عندنا واجبة على المسافر،

و تجب على العبد، فللعبد أن يتأهب فإن منعه سيده فيكون السيد من الذين يصدون عن سبيل اللّه، و كل من ذكرناه و نذكر أنه لا تجب عليه الجمعة إذا حضرها صلاها، و شروط الجمعة شروط الصلاة المفروضة، و وقتها مخيّر فيه أن تكون قبل الزوال أو أن تكون وقت الزوال يعني وقت الظهر، و هي لا تجوز للمنفرد، فمن شروطها الجماعة و أقلها واحد مع الإمام، حضرا و سفرا، و الذي أذهب إليه أن صلاتها قبل الزوال أولى لأنه وقت لم يشرع فيه فرض، فينبغي أن يتوجه إلى‏ الحق سبحانه بالفرضية في جميع الأوقات،

فكانت صلاتها قبل الزوال أولى، و السعي إلى صلاة الجمعة من وقت النداء، و يكون الثواب من البدنة إلى البيضة، و هو حين يشرع الخطيب في خطبته، و من جاء من وقت طلوع الشمس إلى وقت النداء فله من الأجر بحسب بكوره، فالبدنة من وقت تعيين السعي، و الأذان وقته إذا جلس الإمام على المنبر، و هو كالأذان للصلوات المفروضة كلها، و لا توقيت في عدد المؤذنين،

و لا يجوز أن يؤذن اثنان و لا جماعة معا؛ بل واحد بعد واحد، فإن ذلك خلاف السنة، و من حين الأذان يحرم البيع و الشراء، فالأذان إعلام و إعلان للإتيان و السعي، و يجوز أن يقام جمعتان في مصر واحد إلا أن فيه ما لا يثلج الصدر به، و الأولى أن لا يكون، و لا يشترط المصر و لا المسجد، فإنه لم يأت في هذه الأمور كلها نص من كتاب و لا سنة،

فإذا صحت الجماعة وجبت الجمعة لا غير، و الخطبة ليست بفرض و في النفس من ذلك شي‏ء، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما نص على وجوبها و لا على خلافه، بل نقل بالتواتر أنه لم يزل يخطب فيها، و الوجوب حكم و تركه حكم، و لا ينبغي لنا أن نشرع وجوبها و لا غير وجوبها، فإن ذلك شرع لم يأذن به اللّه، فمذهبنا التوقف في الحكم عليها مع العمل بها و لا بد، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يزل يصليها بخطبة،

كما لم يزل يصلي العيدين بخطبة، مع اجتماعنا على أن صلاة العيدين ليست من الفروض و لا خطبتها، و ما جاء عيد قط إلا و صلى صلّى اللّه عليه و سلّم صلاة العيد و خطب، و لذلك يحتمل المعنى في قوله تعالى‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ» أنه يريد هنا بالذكر الخطبة، فإنها شرعت للموعظة، و العبد مأمور بالإنصات في حال الخطبة ليسمع ما يقول الواعظ و المذكر،

و إنما قلنا إنه يريد بالسعي إلى ذكر اللّه الخطبة لأن الصلاة بذاتها تنهي عن الفحشاء و المنكر، و لما لم يرد نص من الشارع بإيجاب الخطبة و لا بما يقال فيها إلا مجرد فعله، لم يصح عندنا أن نقول يخطب شرعا و لا لغة، إلا أنا ننظر ما فعل فنفعل مثله على طريق التأسي لا على طريق الوجوب، و يقبله اللّه على ما يعلمه من ذلك،

و من جاء و الإمام يخطب يوم الجمعة عليه أن يركع ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أمر بهما، و ما ورد نهي برفع هذا الأمر، غير أنه إذا ركع لا يجهر بتكبير و لا قراءة، بل يسر ذلك جهد الطاقة، و لا يزيد على التحية شيئا و لا سيما إن كان بحيث يسمع الإمام، و الداخل و الإمام يخطب قد أبيح له أن يسلم و ما خطأه أحد في ذلك، و لا توقيت لما يقرأ به الإمام في صلاة الجمعة، و الاتباع أولى،

فقد ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى و المنافقين في الثانية، و قد قرأ سورة الغاشية بدلا من المنافقين، و قرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، و في الثانية بالغاشية، و غسل الجمعة واجب على كل محتلم عندنا، و هو لليوم، و إن اغتسل فيه للصلاة فهو أفضل، يعني أنه إذا اغتسل فيه قبل الصلاة للصلاة فهو أفضل، و إلا فواجب عليه أن يغتسل لليوم و لو بعد الصلاة، و إذا كان الإنسان على مسافة بحيث أنه إذا سمع النداء يقوم للطهارة فيتطهر،

ثم يخرج إلى المسجد و يمشي بالسكينة و الوقار، فإذا وصل أدرك الصلاة، وجبت عليه الجمعة، فإن علم أنه لا يلحق الصلاة فلا تجب عليه، لأنه لبس بمأمور بالسعي إليها إلا بعد النداء، و أما قبل النداء فلا، و فضل الرواح إلى الجمعة من وقت النداء الأول إلى أن يبتدئ الإمام بالخطبة، و من بكر قبل ذلك فله من الأجر بحسب بكوره مما يزيد على البدنة مما لم يوقته الشارع، فالسعي من أول النهار إلى وقت النداء سعي مندوب إليه، و من وقت النداء إلى أن يدرك الإمام راكعا من الركعة الثانية سعي واجب، و الأجر الموقت للساعي إلى أول الخطبة، و ما بعد ذلك فأجر غير موقت، لأنه لم يرد في ذلك شرع، فأمر الأجر الموقت و هو بدنة إلى بيضة، و بينهما بقرة و هي تلي البدنة، و يليها كبش،

و تلي الكبش دجاجة، و البيضة تأتي بعد الدجاجة آخرا، و ليس بعدها أجر موقت، و قصد من الحيوانات في التمثيل ما يؤكل لحمه دائما غالبا مما لا خلاف في أكله، و به تعظم قوة الحياة في الشخص المتغذي، فكأن المتقرب به تقرب بحياته و قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) و قال عليه السلام في الجهاد [إنه جهاد النفس‏] و هو الجهاد الأكبر، و أحق بيع النفس من اللّه إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فيترك العبد جميع أغراضه و مراداته، و يأتي إلى مثل هذا السوق فيبيع من اللّه نفسه، لذلك قال تعالى‏ «وَ ذَرُوا الْبَيْعَ» و هو مما لكم فيه أغراض‏ «ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» و آداب الجمعة ثلاثة: و هو الطيب و السواك و الزينة و هو اللباس الحسن، و لا خلاف فيه بين أحد من العلماء.

[سورة الجمعة (62): الآيات 10 الى 11]

فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 331

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=