تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره آل عمران

تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق جیلی) سورة آل عمران

سورة آل عمران‏

[1- 7]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 1 الى 7]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ (3)

مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4)

إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (5)

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7)

الم* اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ مرّ تأويله‏ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ‏ أي:

رقّاك رتبة فرتبة، و درجة فدرجة، بتنزيل الكتاب عليك منجما إلى العلم التوحيدي الذي هو الحق باعتبار الجمع المسمّى بالعقل القرآني‏ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ‏ من التوحيد الأزليّ السابق المعلوم في العهد الأول المخزون في غيب الاستعداد وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ‏مِنْ قَبْلُ‏ هكذا ثمّ‏ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏ أي: التوحيد التفصيليّ الذي هو الحق باعتبار الفرق المسمّى بالعقل الفرقانيّ، و هو منشأ الاستقامة و مبدأ الدعوة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: احتجبوا عن هذين التوحيدين بالمظاهر و الأكوان التي هي آيات التوحيد في الحقيقة لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في البعد و الحرمان‏ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ أي: قاهر ذُو انْتِقامٍ‏ لا يقدر وصفه و لا يبلغ كنهه و لا يقدر على مثله، منتقم‏ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ في العالمين، فيعلم مواقع الانتقام‏ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏ سمت من أن يتطرق إليها الاحتمال و الاشتباه لا يحتمل إلا معنى واحدا هُنَّ أُمُ‏ أي: أصل‏ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏ تحتمل معنيين فصاعدا و يشتبه فيها الحق و الباطل، و ذلك أنّ الحق تعالى له وجه هو الوجه المطلق الباقي بعد فناء الخلق لا يحتمل التكثر و التعدّد، و له وجوه متكثرة إضافية متعدّدة بحسب مرائي المظاهر.

و هي ما يظهر بحسب استعداد كل مظهر فيه من ذلك الوجه الواحد، يلتبس فيها الحق بالباطل، فورد التنزيل كذلك لتنصرف المتشابهات إلى وجوه الاستعدادات فيتعلق كل بما يناسبه، و يظهر الابتلاء و الامتحان. فأمّا العارفون المحققون الذين يعرفون الوجه الباقي في أية صورة و أي شكل كان، فيعرفون الوجه الحق من الوجوه التي تحتملها المتشابهات فيردونها إلى المحكمات متمثلين بمثل قول الشاعر:

و ما الوجه إلا واحد غير أنه‏ إذا أنت أعددت المزايا تعدّدا

و أمّا المحجوبون‏ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏ عن الحق‏ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ‏ لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة. كما أن المحققين يتبعون المحكم، و يتبعونه المتشابه، فيختارون من الوجوه المحتملة ما يناسب دينهم و مذهبهم‏ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي: طلب الضلال و الإضلال الذي هم بسبيله‏ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ بما يناسب حالهم و طريقتهم.

إذا اعوج سكين فعوّج قرابه فهم كما لا يعرفون الوجه الباقي في الوجوه، لزم أن لا يعرفوا المعنى الحق من المعاني، فيزداد حجابهم و يغلظ ليستحقوا به العذاب‏ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏ العالمون، يعلمون بعلمه، أي: إنما يعلمه اللّه جميعا و تفصيلا يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ‏ يصدّقون علم اللّه به، فهم يعلمون بالنور الإيماني‏ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا لأن الكلّ عندهم معنى واحد غير مختلف‏ وَ ما يَذَّكَّرُ بذلك العلم الواحد المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة إلا الذين صفت عقولهم بنور الهداية و جرّدت عن قشر الهوى و العادة.

 

 

 

[8- 12]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 8 الى 12]

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)

رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11)

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (12)

رَبَّنا لا تُزِغْ‏ عن التوجه إلى جنابك، و السعي في طلب لقائك، و الوقوف ببابك، بالافتتان بحبّ الدنيا و غلبة الهوى، و الميل إلى النفس و صفاتها، و الوقوف مع حظوظها و لذاتها بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا بنورك إلى صراطك المستقيم، و الدين القويم، و بسبحات وجهك إلى جمالك الكريم‏ وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً رحيمية تمحو صفاتنا بصفاتك و ظلماتنا بأنوارك‏ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ‏ أي: يجمعهم ليوم الجمع الذي هو الوصول إلى مقام الوحدة الجامعة للخلائق أجمعين الأولين و الآخرين، فلا يبقى لهم شك في مشهدهم ذلك‏ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً بل هي سبب حجابهم و بعدهم من اللّه و تعذيبهم بعذابه لشدّة تعلقهم بهم و محبتهم إياهم.

 

 

 

[13]

[سورة آل‏عمران (3): آية 13]

قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى‏ كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13)

قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ يا معشر السالكين دالة على كمالكم و بلوغكم إلى التوحيد فِي‏ فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ القوى الروحانية الذين هم أهل اللّه و جنوده‏ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى‏ هي جنود النفس و أعوان الشياطين محجوبة عن الحقّ. ترى الفئة الأولى، مع قلّة عددهم، مثليهم عند التقائهما في معركة البدن لتأيد الفئة الأولى بنور اللّه و توفيقه و خذلان الفئة الثانية و ذلهم و عجزهم و ضعفهم و انقطاعهم عن عالم الأيد و القدرة.

فغلبت الأولى الثانية و قهروهم بتأييد اللّه و نصره، و صرفوا أموالهم التي هي مدركاتهم و معلوماتهم في سبيل معرفة اللّه و توحيده‏ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ من أهل عنايته المستعدّين للقائه‏ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً أي: اعتبارا أو أمرا يعتبر به في الوصول إلى الحقيقة للمستبصرين الذين انفتحت أعين بصائرهم و اكتحلت بنور الإيقان العلميّ من أهل الطريقة يعتبرون به أحوالهم في النهاية.

 

 

 

[14- 15]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 14 الى 15]

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)

قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15)

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ لأن الإنسان مركب من العالم العلويّ و السفليّ، و من نشأته و ولادته تحجبت فطرته و خمدت نار غريزته و انطفأ نور بصيرته بالغشاوات الطبيعية و الغواشي البدنية، و الماء الأجاج من اللذّات الحسيّة، و الرياح العواصف من الشهوات الحيوانية، فبقي مهجورا من الحق في أوطان الغربة و ديار الظلمة يسار به، مبلوّا بأنواع النصب و التعب، فإذا هو بشعشعة نور من التميز و لمعان برق من عالم العقل، و داع ينادينه من الهوى و الشيطان، فتبعه فصادف منزلا نزها، و روضة أنيقة، فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، فاستوطنه و شكر سعيه و رضيه مسكنا و قال:

عند الصباح يحمد القوم السرى و الداعي قد هيئ له القرى، فذلك حبّ الشهوات، أي: المشتهيات المذكورة و تزيينها له و هو تمتيع له بحسب ما فيه من العالم السفليّ، و كمال لحياته حجب به من تمتيع الحياة الأخرى و كمالها، بحسب ما فيه من العالم العلويّ، و لم يتنبه على أنها أبهى و ألذّ و أصفى مع ذلك و أبقى، و هو معنى قوله: وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ‏ فإن أدركه التوفيق الإلهيّ و التنبيه السريّ، و قارنه الإنباء النبوي كما قال: قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ‏ انبعث من باطنه شوق و عشق لحركة العلويّ إلى مركزه، و اشتعلت ناره التي قد خمدت، و تتتابع عليه لوامع الأنوار الإلهية و طوالع الإشراقات القدسية، فاستنار نور بصيرته الذي قد انطفأ، و رقّت الحجب التي منعت فطرته عن طلب المقرّ و المأوى، و تنغص عيشه الذي هو فيه فتكدّر ما هو عليه،و استظلم ما كان قد استصفاه من الحياة الدنيا و سكنت في نفسه سورة الهوى بغلبة الجزء الروحانيّ على الجسماني، و ذاق طعم ماء فرات الحياة الحقيقية فلم يصبر على الملح الأجاج و باشر قلبه خطرات اليقين بجريعات شربها من الماء المعين، فعلم أنه كان أكمن في سرب من الأرض، فاستلمع ضوء الكواكب ليلا و ظنه نهارا، فخرج فإذا هو ببريّة فيها ماء زعاق و أنواع من الحشائش كالخمخم و الجرجير و نحوها، فظنها رياحين و ثمارا، فحبس بما وجد عن ضياء الشمس و ألوان الطيب و الفواكه، فعزم على رحيل الأوبة و غشيته وحشة الغربة، فانتقى ما استطاب و استحلى. ثم سار و خلى حتى إذا أضاء نور صبح عين اليقين، و حان وقت طلوع شمس الوحدة، رأى جنة تحيّر فيها بصره و دهش في وصفها عقله، و كان ما كان مما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر.

فإذا أفاق و قد طلعت الشمس، وجد فيها ألافا و أحبابا و عرف أنه كان له مثوى و مآبا، و رجع إليه الأنس، و نزل محلة القدس، بدار القرار في جوار الملك الغفّار، و أشرقت عليه سبحات وجهه الكريم، و حلّ بقلبه روح الرضا العميم، و ذلك معنى قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إلى قوله:وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ، فالجنّات جنّات الأفعال، و الأزواج أصناف روحانيات عالم القدس، و الرضوان جنّات الصفات.

 

 

 

[16- 18]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 16 الى 18]

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (16)

الصَّابِرِينَ وَ الصَّادِقِينَ وَ الْقانِتِينَ وَ الْمُنْفِقِينَ وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17)

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا بأنوار أفعالك و صفاتك‏ فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي: ذنوب وجوداتنا بذاتك‏ وَ قِنا عَذابَ النَّارِ أي: نار الهجران و وجود البقية الصَّابِرِينَ‏ على غصص المجاهدة و الرياضة وَ الصَّادِقِينَ‏ في المحبة و الإرادة وَ الْقانِتِينَ‏ في السلوك إليه و فيه‏ وَ الْمُنْفِقِينَ‏ ما عداه من أموالهم و أفعالهم و صفاتهم و نفوسهم و ذواتهم‏ وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ‏ عن ذنوب تلويناتهم و بقياتهم في أسحار أيام التجليات النورية عند طلوع طوالع الأنوار، و ظهور تباشير صبح يوم القيامة الكبرى بالأفق الأعلى، فأجابهم وقت طلوع شمس الذات من مغرب وجودهم، فلم يبق مغربا بقوله‏ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ طلع الوجه الباقي، فشهد بذاته في مقام الجمع على وحدانيته، إذ لم يبق شاهد و لا مشهود غيره.

ثم رجع إلى مقام التفصيل فشهد بنفسه مع غيره على وحدانيته في ذلك المشهد فقال: وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ أي: مقيما للعدل في تفاصيل مظاهره، و صور كثرتها الذي هو ظلّ الوحدة في غير الجمع بإعطاء كلّ ذي حقّ بحسب استعداده و استحقاقه حقّه من جوده و كماله و تجليه فيه على‏ قدر سعة وعائه‏ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في المشهدين‏ الْعَزِيزُ* القاهر الذي يقهر كل شي‏ء باعتبار الجمع فلا يصل إليه أحد الْحَكِيمُ‏ الذي يدبر بحكمته كل شي‏ء، فيعطيه ما يليق به باعتبار التفصيل.

 

 

 

[19- 20]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 19 الى 20]

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19)

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20)

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ‏ هو هذا التوحيد الذي قرّره بنفسه. فإنّ دينه دين إسلام الوجوه كما قال إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم: «أسلمت وجهي للّه» أي: نفسي و جملتي، و انخلعت عن أنينتي، ففنيت فيه.

و أمر اللّه تعالى حبيبه عليه الصلاة و السلام فيما بعد بقوله: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ‏.

 

 

 

[21]

[سورة آل‏عمران (3): آية 21]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ‏ أي: المحجوبين عن الدين‏ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ‏ لكونهم محجوبين بدينهم لا يقبلون إلا ما هم عليه من التقيد و التقليد، و الأنبياء دعوهم إلى التوحيد و منعوهم عن التقيد فقتلوهم‏ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ‏ من أتباعهم، إذ العدل ظلّ التوحيد، فمن لم يكمل له لا يمكنه العدل، و هم قد حجبوا بتقييدهم بدينهم، فقد حجبوا بظلمهم عن العدل فخالفوهم و قتلوهم.

 

 

 

[22- 24]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 22 الى 25]

أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22)

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (23)

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24)

فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (25)

أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏ التي عملوها على دين نبيهم، لأنهم كانوا بتقليد نبيهم ناجين بالمتابعة، و أنبياؤهم كانوا شفعاءهم بتوسطهم بينهم و بين اللّه في وصول الفيض إليهم، فإذا أنكروا النبيين و أتباعهم العادلين فقد خالفوا نبيّهم لأن الأنبياء كلهم على ملّة واحدة في الحقيقة هي ملّة التوحيد، لا نفرّق بين أحد منهم في كونهم على الحقّ فمن خالف واحدا فقد خالف الكلّ، و كذا من خالف أهل العدل من أتباع النبيين فقد ظلم، و من ظلم فقد خرج‏ بظلمه عن المتابعة و أيضا فمنكر الاتباع منكر المتبوعين، و منكر الظلّ منكر الذات خارج عن نورها.

و إذا خالفوا نبيّهم لم يبق بينهم و بينه من الوصلة و المناسبة ما تمكن به الاستفاضة من نوره، فحجبوا عن نوره و كانت أعمالهم منوّرة بنوره لأجل المتابعة، لا نور ذاتيّ لها، إذ لم تكن صادرة عن يقين، فإذا زال نورها العارضي باحتجابهم عن نبيهم فقد أظلمت و صارت كسائر السيئات من صفات النفس الأمّارة، و فيه ما سمعت غير مرّة من قتل كفار قوى النفس الأمّارة أنبياء القلوب و الآمرين بالقسط من القوى الروحانية.

 

 

 

[26]

[سورة آل‏عمران (3): آية 26]

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (26)

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ‏ تملك ملك عالم الأجسام مطلقا، تتصرّف فيه لا مالك و لا متصرّف و لا مؤثر فيه غيرك‏ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ تجعله متصرّفا في بعضه‏ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ بجعل التصرّف في يد غيره و لا غير ثمة بل تقلّبه من يد إلى يد، فأنت المتصرّف فيه على كل حال بحسب اختلاف المظاهر وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بإلقاء نور من أنوار عزّتك عليه فإنّ العزّة للّه جميعا وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بسلب لباس عزّتك عنه فيبقى ذليلا بِيَدِكَ الْخَيْرُ كله، و أنت القادر مطلقا، تعطي على حسب مشيئتك، تتجلى تارة على بعض المظاهر بصفة العز و الكبرياء، فتكسوه لباس العز و البهاء، و تارة بصفة القهر و الإذلال فتكسوه لباس الهوان و الصغار، و تارة بصفة المعز فتكون مذلا، و تارة بصفة المذلّ فتكون معزا، و تارة بصفة الغني فتعطي المال، و تارة بصفة المغني فتفقره، أي: تجعله مستغنيا عن المال، فقيرا لا يحتاج إلى شي‏ء.

 

 

 

[27- 28]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 27 الى 29]

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27)

لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)

قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (29)

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ‏ تدخل ظلمة النفس في نور القلب فيظلم، و تدخل نور القلب في ظلمة النفس فتستنير بخلطهما معا مع بعد المناسبة بينهما وَ تُخْرِجُ الْحَيَ‏ أي: حيّ القلب‏ مِنَ الْمَيِّتِ‏ أي: من ميت النفس، و ميت النفس من حيّ القلب، بل تخرج حيّ العلم و المعرفة من ميت الجهل، و تخرج ميت الجهل من حيّ العلم تحجبه عن النور، كحال بلعم بن باعوره‏ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ من النعمة الظاهرة و الباطنة جميعا، أو من إحداهما بِغَيْرِ حِسابٍ‏لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏ إذ لا مناسبة بينهم في الحقيقة، و الولاية لا تكون إلّا بالجنسية و المناسبة، فحينئذ لا يمكن أن‏ تكون المحبة بينهم ذاتيّة، بل مجعولة مصنوعة بالتصنع و الرياء و النفاق و هي خصال مبعدة عن الحق إذ كلها حجب ظلمانية و لو لم يكن فيهم ظلمة تناسب حال الكفرة ما قدروا على مخالطتهم و مصاحبتهم‏ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ أي: من ولاية اللّه في شي‏ء، معتدّ به، إذ ليس فيهم نورية صافية يناسبون بها الحضرة الإلهية إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي: إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب أن يتقى، فتوالوهم ظاهرا ليس في قلوبكم شي‏ء من محبّتهم، و ذلك أيضا لا يكون إلا لضعف اليقين. إذ لو باشر قلوبهم اليقين لما خافوا إلا اللّه تعالى و شاهدوا معنى قوله تعالى: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ‏ فما خافوا غيره و لم يرجوا غيره، و لذلك عقبه بقوله:وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏ أي: يدعوكم إلى التوحيد العياني كي لا يكون حذركم من غيره بل من نفسه‏ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فلا تحذروا إلا إيّاه فإنه المطلع على أسراركم و علانياتكم، القادر على مجازاتكم إن توالوا أعداءه أو تخافوهم سرّا أو جهرا.

 

 

 

[30]

[سورة آل‏عمران (3): آية 30]

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30)

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ‏ الآية، كل ما يعمله الإنسان أو يقوله يحصل منه أثر في نفسه و تنتقش نفسه به و إذا تكرر صار النقش ملكة راسخة، و كذا ينتقش في صحائف النفوس السماوية، لكنه مشغول عن هيئات نفسه و نقوشها بالشواغل الحسيّة و الإدراكات الوهمية و الخيالية، لا يفرغ إليها، فإذا فارقت نفسه جسدها و لم يبق ما يشغلها عن هيئاتها و نقوشها وجدت ما عملت من خير أو شرّ محضرا، فإن كان شرّا تتمنى بعد ما بينها و بين ذلك اليوم أو ذلك العمل لتعذيبها به، فتصير تلك الهيئات و النقوش صورتها إن كانت راسخة و إلا وجدت جزاءها بحسبها و تكرّر وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏ تأكيدا لئلا يعملوا ما يستحقون به عقابه‏ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ فلذا يحذرهم عن السيئات تحذير الوالد المشفق ولده عمّا يوبقه.

 

 

 

[31- 32]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 31 الى 32]

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32)

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ لما كان عليه الصلاة و السلام حبيبه فكل من يدّعي المحبة لزمه اتباعه لأن محبوب المحبوب محبوب، فتجب محبة النبيّ، و محبته إنما تكون بمتابعته و سلوك سبيله قولا و عملا و خلقا و حالا و سيرة و عقيدة، و لا تمشي دعوى المحبة إلا بهذا فإنه قطب المحبة و مظهره و طريقته طلسم المحبة، فمن لم يكن له من طريقته‏ نصيب لم يكن له من المحبة نصيب، و إذا تابعه حق المتابعة ناسب باطنه و سرّه و قلبه و نفسه باطن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و سرّه و قلبه و نفسه و هو مظهر المحبة.

فلزم بهذه المناسبة أن يكون لهذا المتابع قسط من محبّة اللّه تعالى بقدر نصيبه من المتابعة، فيلقي اللّه تعالى محبته عليه و يسري من باطن روح النبي صلى اللّه عليه و سلم نور تلك المحبة إليه، فيكون محبوبا للّه، محبّا له، و لو لم يتابعه لخالف باطنه باطن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فبعد عن وصف المحبوبية و زالت المحبية عن قلبه أسرع ما يكون، إذ لو لم يحبّه اللّه تعالى لم يكن محبّا له‏ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏ كما غفر لحبيبه. قال تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و ذنبه المتقدّم ذاته، و المتأخر صفاته، فكذا ذنوب المتابعين كما قال تعالى:«لا يزال العبد يتقرّب إليّ …»إلى آخر الحديث. وَ اللَّهُ غَفُورٌ يمحو ذنوب صفاتكم و ذواتكم‏ رَحِيمٌ‏ يهب لكم وجودا و صفات حقانيّة خيرا منها.

ثم نزل عن هذا المقام لأنه أعزّ من الكبريت الأحمر.و دعاهم إلى ما هو أعمّ من مقام المحبة، و هو مقام الإرادة فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ‏ أي: إن لم تكونوا محبين و لم تستطيعوا متابعة حبيبي فلا أقل من أن تكونوا مريدين، مطيعين لما أمرتم به، فإن المريد يلزمه متابعة الأمر و امتثال المأمور به‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ أي: إن أعرضوا عن ذلك أيضا، فهم كفّار منكرون محجوبون، و اللّه لا يحب من كان كافرا. فبترك الطاعة يلزم الكفر، و بترك المتابعة لا يلزم، لأنّ تارك المتابعة يمكن أن يكون مطيعا بمتابعة الأمر. و معنى أطيعوا اللّه و الرسول: أطيعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏.

 

 

 

[33- 42]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 33 الى 43]

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33)

ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36)

فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37)

هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38)

فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)

قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40)

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ (41)

وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ (42)

يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً الاصطفاء أعمّ من المحبة و الخلة، فيشمل الأنبياء كلهم لأنهم خيرة اللّه و صفوته، و تتفاضل فيه مراتبهم، كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏ ، فأخص المراتب هو المحبة، و أشار إليه بقوله تعالى: وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ‏ فلذلك كان أفضلهم حبيب اللّه محمدا صلى اللّه عليه و سلم ثم الخلّة التي هي صفة إبراهيم عليه السلام، و أعمها الاصطفاء، أي: صفة آدم عليه السلام‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏ في الدين و الحقيقة، إذ الولاية قسمان: صورية و معنوية، و كل نبيّ يتبع نبيّا آخر في التوحيد و المعرفة، و ما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ في زماننا هذا.

و كما قيل: الآباء ثلاثة:أب ولدك، و أب رباك، و أب علمك. فكما أن وجود البدن في الولادة الصورية يتولد في رحم أمّه من نطفة أبيه، فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية يظهر في رحم استعداد النفس من نفحة الشيخ و المعلم. و إلى هذه الولادة أشار عيسى عليه السلام بقوله: «لن يلجّ ملكوت السموات من لم يولد مرتين».

و اعلم أنّ الولادة المعنوية أكثرها يتبع الصورية في التناسل، و لذلك كان الأنبياء في الظاهر أيضا نسلا، ثم ثمر شجرة واحدة، فإن عمران بن يصهر أبا موسى و هارون كان من أسباط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، و عمران بن ماثان أبا مريم أم عيسى عليه السلام كان من أسباط يهود ابن يعقوب، و كون محمد عليه الصلاة و السلام من أسباط إسماعيل بن إبراهيم مشهور و كذا كون إبراهيم من نوح عليه السلام.

و سببه أنّ الروح في الصفاء و الكدورة يناسب المزاج في الاعتدال و عدمه وقت التكوّن، فلكلّ روح مزاج يناسبه و يخصّه، إذ الفيض يصل بحسب المناسبة و تفاوت الأرواح في الأزل بحسب صنوفها و مراتبها في القرب و البعد، فتتفاوت الأمزجة بحسبها في الأبد لتتصل بها. و الأبدان المتناسلة الأرواح من بعض متشابهة في الأمزجة على الأكثر، اللهمّ إلا لأمور عارضة اتفاقية، فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة في الرتبة، متناسبة في الصفة. و هذا مما يقوي أن المهديّ عليه السلام من نسل محمد صلى اللّه عليه و سلم.

وَ اللَّهُ سَمِيعٌ‏ حين قالت امرأة عمران: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ‏ إلى قولها: الْعَلِيمُ‏ بنيتها كما شهدت بقولها إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏. و اعلم أن النيّات و هيئات النفس مؤثرة في نفس الولد، كما أن الأغذية مؤثرة في بدنه. فمن كان غذاؤه حلالا طيبا و هيئات نفسه نورية و نيّاته صادقة حقانيّة، جاء ولده مؤمنا صديقا أو وليّا أو نبيّا. و من كان غذاؤه حراما و هيئات نفسه ظلمانية خبيثة و نياته فاسدة رديئة جاء ولده فاسقا أو كافرا خبيثا. إذ النطفة التي يتكوّن الولد منها متولدة من ذلك الغذاء، مربّاة بتلك النفس، فتناسبها.

و لهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏:«الولد سرّ أبيه»، فكان صدق مريم و نبوّة عيسى عليهما السلام بركة صدق أبيها وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً يجوز أن يراد به الرزق الروحاني من المعارف و الحقائق و العلوم و الحكم الفائضة عليها من عند اللّه، إذ الاختصاص بالعندية يدلّ على كونها من الأرزاق اللدنيّة هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ‏ كان زكريا شيخا هرما، و كان مقدّما للناس، إماما، طلب من ربّه ولدا حقيقيا يقوم مقامه في تربية الناس و هدايتهم كما أشار إليه في سورة (كهيعص) فوهب له يحيى من صلبه بالقدرة، بعد ما أمر باعتكاف ثلاثة أيام و لك التأويل بالتطبيق على أحوالك و تفاصيل وجودك كما علمت، و هو أنّ الطبيعة الجسمانية، أي: القوة البدنية.

امرأة عمران الروح نذرت ما في قوّتها من النفس المطمئنة للّه تعالى بانقيادها لأمر الحق و مطاوعتها له، فوضعت أنثى النفس فكفلها اللّه، زكريا الفكر، بعد ما تقبلها لكونها زكيّة، قدسيّة، فكلما دخل عليها زكريا الفكر محراب الدماغ وجد عندها رزقا من المعاني الحدسيّة التي انكشفت عليها بصفائها من غير امتياز الفكر إيّاها. فهنالك دعا زكريا الفكر، تركيب تلك المعاني و استوهب من اللّه ولدا طيبا مقدّسا عن لوث الطبيعية، فسمع اللّه دعاءه، أي: أجاب، فنادته ملائكة القوى الروحانية و هو قائم بأمره في تركيب المعلومات، يناجي ربّه باستنزال الأنوار، و يتقرّب إليه بالتوجه إلى عالم القدس في محراب الدماغ.

أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ العقل بالفعل‏ مُصَدِّقاً بعيسى القلب، مؤمنا به، و هو كلمة من اللّه لتقدّسه عن عالم الإجرام و التولّد عن الموادّ وَ سَيِّداً لجميع أصناف القوى‏ وَ حَصُوراً مانعا نفسه عن مباشرة الطبيعة الجسمانية و ملابسة طبائع القوى البدنية وَ نَبِيًّا بالإخبار عن المعارف و الحقائق الكلية، و تعليم الأخلاق الجميلة، و التدابير السديدة بأمر الحق‏ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ من جملة المفارقات و المجرّدات التي تصلح بأفعالها أن تكون من مقرّبي حضرة اللّه تعالى بعد أن بلغ الفكر كبر منتهى طوره و لم يكن منتهيا إلى إدراك الحقائق القدسية، و المعارف الكلية. و كانت امرأته التي هي طبيعة الروح النفسانية لأنها محل تصرّف الفكر عاقرا بالنور المجرّد.

و علامة ذلك، أي: علامة حصول النور المجرّد و ظهوره من النفس الزكيّة، إمساكه عن‏ مكالمة القوى البدنية في تحصيل مطالبهم و مآربهم و مخالطتهم في فضول لذّاتهم و شهواتهم ثلاثة أيام، كلّ يوم عقد تامّ من أطوار عمره عشر سنين، إلا أن يرمز إليهم بإشارة خفيّة، و يأمرهم بتسبيحهم المخصوص بكل واحد منهم من غير أن يدنو منهم في مقاصدهم، و أن يشتغل في الأيام الثلاثة التي مداها ثلاثون سنة من ابتداء سنّ التمييز، الذي هو العشر الأول، بذكر ربّه في محراب الدماغ و التسبيح المخصوص به دائما. و كذا قالت ملائكة القوى الروحانية لمريم لنفس الزكية الطاهرة.

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ‏ لتنزّهك عن الشهوات‏ وَ طَهَّرَكِ‏ عن رذائل الأخلاق و الصفات المذمومة وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ نفوس الشهوانية الملونة بالأفعال الذميمة و الملكات الرديئة يا مَرْيَمُ‏ أطيعي لربك بوظائف الطاعات و العبادات‏ وَ اسْجُدِي‏ في مقام الانكسار و الذلّ و الافتقار و العجز و الاستغفار وَ ارْكَعِي‏ في مقام الخضوع و الخشوع مع الخاضعين.

 

 

 

[44- 46]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 44 الى 46]

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)

وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصَّالِحِينَ (46)

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ‏ أي: أحوال غيب وجودك‏ نُوحِيهِ إِلَيْكَ‏ يا نبيّ الروح‏ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏ لدى القوى الروحانية و النفسانية، أي: في رتبتهم و مقامهم‏ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏ أي: يتسابقون في سهامهم و يتبادرون في حظوظهم أيهم يدبر مريم النفس و يكفلها بحسب رأيه و مقتضى طبعه يترأس عليها و يأمرها بما يراه من مصلحة أمره‏ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏ في مقام الصدور الذي هو محل نزاع القوى الروحانية و النفسانية و محل نزاعهم الذي هو الصدر إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ يتنازعون و يتجاذبون في طلب الرياسة عند ظهوره قبل الرياضة و في حالها، إذ غلبت ملائكة القوى الروحانية بتوفيق الحق بعد الرياضة. و قالت لمريم النفس: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ القلب موهوبا مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ‏ لأنه يمسحك بالنور وَجِيهاً فِي الدُّنْيا لإدراكه الجزئيات و تدبير مصالح المعاش أجود و أصفى و أصوب ما يكون، فيطيعه و يذعن له، و يحتشمه و يعظمه، أنس القوى الظاهرة و جنّ القوى الباطنة وَ في‏ الْآخِرَةِ لإدراكه المعاني الكليّة و المعارف القدسيّة و قيامه بتدبير المعاد و الهداية إلى الحق، فنعطيه ملكوت سماء الروح، و نكرمه. و من جملة مقربي حضرة الحق قابلا لتجلياته و مكاشفاته‏ وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ‏ في مهد البدن‏ وَ كَهْلًا بالغا إلى قرب طور شيخ الروح، غالبا عليه بياض نوره‏ وَ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ لمقام المعرفة.

 

 

 

[47]

[سورة آل‏عمران (3): آية 47]

قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)

قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ تعجب النفس من حملها و ولادتها من غير أن يمسها بشر، أي من غير تربية شيخ و تعليم معلم بشري، و هو معنى بكارتها قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي: يصطفي من شاء بالجذب و الكشف و يهب له مقام القلب من غير تربية و تعليم كما هو حال المحبوبين و بعض المحبين.

 

 

 

[48- 51]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 48 الى 51]

وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ (48)

وَ رَسُولاً إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)

وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (50)

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)

وَ يُعَلِّمُهُ‏ بالتعليم الربانيّ، كتاب العلوم المعقولة، و حكم الشرائع، و معارف الكتب الإلهية من التوراة و الإنجيل، أي معارف الظاهر و الباطن‏ وَ رَسُولًا إلى المستعدّين الروحانيين من أسباط يعقوب الروح‏ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏ تدلّ على أني آتيكم من عنده‏ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ‏ بالتربية و التزكية و الحكمة العملية من طين نفوس المستعدّين الناقصين‏ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ الطائر إلى جناب القدس من شدّة الشوق‏ فَأَنْفُخُ فِيهِ‏ من نفث العلم الإلهيّ و نفس الحياة الحقيقية بتأثير الصحبة و التربية فَيَكُونُ طَيْراً أي: نفسا حيّة طائرة بجناح الشوق و الهمة إلى جناب الحقّ‏ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ‏ المحجوب عن نور الحق الذي لم تنفتح عين بصيرته قط و لم تبصر شمس وجه الحق و لا نوره و لا يعرف أهله بكحل نور الهداية وَ الْأَبْرَصَ‏ المعيوب نفسه بمرض الرذائل و العقائد الفاسدة و محبّة الدنيا و لوث الشهوات بطب النفوس‏ وَ أُحْيِ‏ موتى الجهل بحياة العلم‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ‏ تتناولون من مباشرة الشهوات و اللذّات‏ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‏ أي: في بيوت غيوبكم من الدواعي و النيّات‏ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي: من توراة علم الظاهر وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏ من أنوار الباطن‏ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ بدليل‏ مِنْ رَبِّكُمْ‏ هو التوحيد الذي لم يخالفني فيه نبيّ قط فَاتَّقُوا اللَّهَ‏ في مخالفتي، فإني على الحق‏ وَ أَطِيعُونِ‏ في دعوتكم إلى التوحيد.

 

 

 

[52- 53]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 52 الى 53]

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ القلب من القوى النفسانية الْكُفْرَ الاحتجاب و الإنكار و المخالفة قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ‏ أي: اقتضى من القوّة الروحانية نصرته عليهم في التوجه إلى اللّه‏ قالَ الْحَوارِيُّونَ‏ أي: صفوته و خالصته من الروحانيات المذكورة نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ‏ بالاستدلال و بالتنوّر بنور الروح‏ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ مذعنون منقادون‏ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ‏ من علم التوحيد و فيض النور وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏ الحاضرين لك، المراقبين لأمرك، أو من الشاهدين على وحدانيتك.

 

 

 

[54- 55]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 54 الى 55]

وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)

وَ مَكَرُوا أي: الأوهام و الخيالات في اغتيال القلب و إهلاكه بأنواع التسويلات‏ وَ مَكَرَ اللَّهُ‏ بتغليب الحجج العقلية، و البراهين القاطعة عن تخيلاتها و تشكيكاتها و رفع عيسى القلب إلى سماء الروح، و ألقى شبهه على النفس ليقع اغتيالهم‏ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ إذ غلب مكره.

و قال لعيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ‏ أي: قابضك إليّ من بينهم‏ وَ رافِعُكَ إِلَيَ‏ أي: إلى سماء الروح في جواري‏ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ‏ رجز جوار الَّذِينَ كَفَرُوا من القوى الخبيثة و مكرهم و خبث صحبتهم‏ وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ‏ من الروحانيين‏ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا من النفسانيات إلى يوم القيامة الكبرى و الوصول إلى مقام الوحدة ثُمَ‏ يومئذ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ‏ بالحق‏ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ قبل الوحدة من التجاذب و التنازع الواقع من القوى. فأقرّ كلا في مقرّه هناك و أعطيه ما يليق به من عندي فيرتفع التخالف و التنازع.

 

 

 

[56- 58]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 56 الى 58]

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56)

وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)

ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً بالحرمان عن مقام القلب، و الاحتجاب بهيئات أعمالهم‏ وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا من الروحانيات‏ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ من أنواع التزكية و التحلية و التصفية في إعانة القلب على النفس و متابعته في التوجه إلى الحق‏ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ‏ من الأنوار القدسية و الإشراقات الروحية عليهم‏ وَ اللَّهُ لا يُحِبُ‏ الذين ينقصون الأجور من الحقوق.

و أما التأويل بغير التطبيق، فهو أنهم مكروا ببعث من يغتال عيسى عليه السلام، فشبّه لهم صورة جسدانية هي مظهر عيسى روح اللّه عليه السلام بصورة حقيقة عيسى، فظنوها عيسى فقتلوها و صلبوها، و اللّه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء الرابعة لكون روحه عليه السلام فائضا من روحانية الشمس، و لم يعلموا لجهالتهم أنّ روح اللّه لا يمكن قتله. و لما تيقن حاله قبل الرفع قال لأصحابه: «إني ذاهب إلى أبي و أبيكم السماويّ»، أي: أتطهر من عالم الرجس، و أتصل بروح القدس الواهب الصور، المفيض للأرواح و الكمالات، المربي للناس بالنفث في الروح، فأمدّكم من فيضه. و كان إذ ذاك لا تقبل دعوته و لا يتبع مثله، فأمر الحواريين بالتفرّق بعده في البلاد و الدعوة إلى الحق، فقالوا: كيف ذاك إذا لم تكن معنا؟

و الآن أنت بين أظهرنا و لا تجاب دعوتنا؟ قال: «علامة إمدادي إيّاكم قبول الخلق دعوتكم بعدي». فلما رفع لم يدع أصحابه أحدا إلا أجابهم، و ظهر لهم القبول في الخلق، و علت كلمتهم، و انتشر دينهم في أقطار الأرض. و لما لم يصل إلى السماء السابعة التي عرّج بمحمد صلى اللّه عليه و سلم إليها، المعبر عنها ب «سدرة المنتهى» أعني: مقام النهاية في الكمال، و لم ينل درجة المحبة، لم يكن له بد من النزول مرة أخرى في صورة جسمانية، يتبع الملّة المحمدية لنيل درجتها، و اللّه أعلم بحقائق الأمور.

 

 

 

[59- 60]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 59 الى 60]

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ أي: إنّ صفته عند اللّه في إنشائه بالقدرة من غير أب‏ كَمَثَلِ آدَمَ‏ في إنشائه من غير أبوين. و اعلم أنّ عجائب القدرة لا تنقضي و لا قياس ثمة على أن لتكوّن الإنسان من غير الأبوين نظيرا من عالم الحكمة، فإن كثيرا من الحيوانات الناقصة الغريبة الخلقة تتولد خلقا في ساعة، ثم تتناسل و تتوالد، فكذا الإنسان، يمكن حدوثه بالتولد في دور من الأدوار، ثم بالتولد، و كذا التكوّن من غير أب، فإنّ منيّ الرجل أحرّ كثيرا من منيّ المرأة، و فيه القوة العاقدة أقوى كما في الإنفحة بالنسبة إلى الجبن، و المنعقدة في منيّ المرأة أقوى، كما في اللبن فإذا اجتمعا تمّ العقد و انعقد، و يتكوّن الجنين.

فيمكن وجود مزاج إناثيّ قوي يناسب المزاج الذكوري كما يشاهد في كثير من النسوان، فيكون المتولد في كليتها اليمنى بمثابة منيّ الذكر لفرط حرارته بمجاورة الكبد لمن مزاج كبدها صحيح قويّ الحرارة، و المتولد في كليتها اليسرى بمثابة منيّ الأنثى فإذا احتملت المرأة لاستيلاء صورة ذكورية على خيالها في النوم و اليقظة بسبب اتصال روحها بروح القدس و بملك آخر، و محاكاة الخيال، ذلك كما قال‏ تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا سبق المنيّان من الجانبين إلى الرحم فتكون في المنصب من الجانب الأيمن قوّة العقد أقوى، و في المنصب من الجانب الأيسر قوّة الانعقاد، فيتكوّن الجنين و يتعلق به الروح.

و قوله: كُنْ فَيَكُونُ‏ إشارة إلى نفخ الروح و كونه من عالم الأمر ليس مسبوقا بمادة و مدة، كخلق الجسد، فيتناسب آدم و عيسى بما ذكر في اشتراكهما في خرق العادة و بكون جسديهما مخلوقين من تراب العناصر، مسبوقين بمادة و مدة و كون روحهما مبدعا من عالم الأمر ليس مسبوقا بمادة و مدة.

 

 

 

[61- 81]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 61 الى 81]

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)

إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَ الْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (65)

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66)

ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)

وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (69)

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)

وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)

وَ لا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى‏ أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73)

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)

وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (75)

بَلى‏ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ وَ اتَّقى‏ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (78)

ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)

وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ‏ أي: في عيسى، الآية. إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس و تأييد اللّه إياهم به، و هو المؤثر بإذن اللّه في العالم العنصري فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات الواردة عليه كالغضب و الحزن و الفكر في أحوال المعشوق و غير ذلك من تحرّك الأعضاء عند حدوث الإرادات و العزائم و انفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا و سائر قوانا من هيئات أرواحنا. فإذا اتصل نفس قدسيّ به أو ببعض أرواح أجرام السماوية و النفوس الملكوتية كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصالي تأثير ما يتصل به فتنفعل أجرام العناصر و النفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد. ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه السلام بالخوف و أحجمت عن المباهلة و طلبت الموادعة بقبول الجزية. وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ‏ أي: ليس عيسى من الإلهية في شي‏ء، فلا يستحق العبادة بمجرد تجرّد ذاته، فإن عالم الملكوت و الجبروت كله كذلك.

سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ‏ أي: لم يختلف في كلمة التوحيد نبي و لا كتاب قط ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ‏ الآية. الاستنباء لا يكون إلا بعد مرتبة الولاية و الفناء في التوحيد. ما ينبغي لبشر محا اللّه بشريته بإفنائه عن نفسه و أثابه وجودا نورانيا حقّانيا قابلا للكتاب و الحكمة الإلهية، ثم يدعو الخلق إلى نفسه، إذ الداعي إلى نفسه يكون محجوبا بالنفس كفرعون و أضرابه من الذين علموا التوحيد و ما وجدوه حالا و ذوقا، و لم يصلوا إلى العيان و نفوسهم باقية ما ذاقت طعم الفناء، فاحتجبوا بها، فدعوا الخلق إلى نفوسهم و هم ممن‏ قال فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «شرّ الناس من قامت القيامة عليه و هو حيّ».

وَ لكِنْ‏ يقول‏ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ‏ منسوبين إلى الربّ لاستيلاء الربوبية عليهم و طمس البشرية بسبب كونهم عالمين عاملين معلمين تالين لكتب اللّه، أي: كونوا عابدين مرتاضين بالعلم و العمل و المواظبة على الطاعات حتى تصيروا ربانيين بغلبة النور على الظلمة وَ لا يَأْمُرَكُمْ‏ بتعبد معين و التقيد بصورة، فإنه حجاب و كفر و لا يأمر النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بالاحتجاب بعد إسلامكم الوجود للّه.

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ‏ إلى آخره، إن بين النبيين تعارفا أزليّابسبب كونهم أهل الصف الأول، عرفاء باللّه، و كل عارف يعرف مقام سائر العرفاء و متعهدهم من اللّه بعهد التوحيد عامّ لبني آدم، كما ذكر، و عهد النبيين خاص بهم و بمن يعرفهم بحق المتابعة، فقد أخذ اللّه من النبيين عهدين أحدهما ما ذكر في قوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ  إلى آخره. و ثانيهما ما ذكر في قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7) و هو عهد التعارف بينهم، و إقامة الدين، و عدم التفرّق به بتصديق بعضهم بعضا و دعوة الحق إلى التوحيد، و تخصيص العبادة باللّه تعالى، و طاعة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و تعريف بعضهم بعضا إلى أممهم و خصوصة بسبب أن معرفة اللّه تعالى في صورة التفاصيل، و حجب الصفات، و تكثر المظاهر أدق و أخفى من معرفته في عين الجمع و هم من رزق حق المتابعة عارفون بذلك و بأحكام تجلّيات الصفات التي هي الشرائع خاصة دون من عداهم.

 

 

 

[82- 84]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 82 الى 84]

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82)

أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ‏ أي: بعد ما علم عهد اللّه مع النبيين و تبليغ الأنبياء إليه ما عهد اللّه إليهم‏ فَأُولئِكَ هُمُ‏ الخارجون عن دين اللّه و لا دين غيره معتد به في الحقيقة إلا توهما أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ‏ و كلّ من في السموات و الأرض يدين بدينه‏ طَوْعاً كما عدا الإنسان و الشيطان‏ وَ كَرْهاً كالإنسان و الشيطان إذ الكفر لا يسع موجودا سواهما، فكلهم ممتثلون لما أمرهم اللّه، طائعون.

و الإنسان لاحتجابه بإرادته و نسيانه عهد اللّه و قبوله لدعوة الشيطان لمناسبته إياه بالظلمة النفسانية لا يؤمن و لا ينقاد إلا كرها، اللهمّ إلا من عصمه اللّه و اجتباه، و الشيطان لاحتجابه بعجبه و أنيته في قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ* و إبائه، و استكباره كفر، و هو مع ذلك يعلم عصيانه و يؤمن كرها، و يتحقق أن كفره بإرادته تعالى و ذلك عين الإيمان، كما قال تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (16) ، و قال تعالى:وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى‏ ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) ، و في موضع آخر: وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏ ، فهذه الآيات دالة على إيمانه و لكن حين لا ينفعه‏ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ في العاقبة، فلا يبقى دين غير دين اللّه بل الكلّ عند الرجوع يدين بدينه.

كلّ يدين بدين الحق لو فطنوا و ليس دين لغير الحق مشروع‏

 

 

 

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 85]

وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85)

[85] وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً المراد من الإسلام هاهنا: التوحيد الذي هو دين اللّه في قوله: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ‏ و هو المذكور في الآية التي قبلها، و ما وصف شموله لجميع الأديان و يلزمه الانقياد التام الطوعي المذكور في فاصلة الآية بقوله: وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ‏ لعدم وصول دينه إلى الحق تعالى لمكان الحجاب‏ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ الذين خسروا باشترائهم أنفسهم و ما حجبوا به بالحق.

[86- 91]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 86 الى 91]

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)

أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)

خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى‏ بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91)

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى آخره، أنكر هدايته تعالى لقوم قد هداهم أولا بالنور الاستعدادي إلى الإيمان، ثم بالنور الإيماني إلى أن عاينوا حقيّة الرسول صلى اللّه عليه و سلم و أيقنوا بحيث لم يبق لهم شك، و انضمّ إليه الاستدلال العقليّ بالبينات ثم ظهرت نفوسهم بعد هذه الشواهد كلها بالعناد و اللجاج و حجبت أنوار قلوبهم و عقولهم و أرواحهم الشاهدة ثلاثتها بالحق للحق لشؤم ظلمهم و قوّة استيلاء نفوسهم الأمّارة عليهم الذي هو غاية الظلم، فقال: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ لغلظ حجابهم و تعمقهم في البعد عن الحق، و قبول النور و هم قسمان: قسم رسخت هيئة استيلاء النفوس الأمّارة على قلوبهم فيهم و تمكنت و تناهوا في الغيّ و الاستشراء، و تمادوا في البعد و العناد، حتى صار ذلك ملكة لا تزول، و قسم لم يرسخ ذلك فيهم بعد و لم يصر على قلوبهم رينا، و يبقى من وراء حجاب النفس مسكة من نور استعدادهم عسى أن تتداركهم رحمة من اللّه و توفيق، فيندموا و يستحيوا بحكم غريزة العقول. فأشار إلى القسم الأول بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ‏ إلى آخره.

و إلى الثاني بقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا بالمواظبة على الأعمال و الرياضات ما أفسدوا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً إذ لا تقبل هناك إلا الأمور النورانية الباقية لأن الآخرة هي عالم النور و البقاء، فلا وقع و لا خطر للأمور الظلمانية فيها الفانية. و هل كان سبب كفرهم و احتجابهم إلا محبّة هذه الفواسق الفانية؟، فكيف تكون سبب نجاتهم و قربهم و قبولهم و ندبتهم و هي بعينها سبب هلاكهم و بعدهم و خسرانهم و حرمانهم.

 

 

 

 

[92]

[سورة آل‏عمران (3): آية 92]

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ كلّ فعل يقرّب صاحبه من اللّه فهو برّ، و لا يمكن التقرّب إليه إلا بالتبرّي عما سواه، فمن أحب شيئا فقد حجب عن اللّه تعالى به و أشرك شركا خفيّا لتعلق محبته بغير اللّه، كما قال تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ‏ و آثر نفسه به على اللّه، فقد بعد من اللّه بثلاثة أوجه و هي: محبة غير الحق، و الشرك، و إيثار النفس على الحق. فإن آثر اللّه به على نفسه و تصدّق به و أخرجه من يده، فقد زال البعد و حصل القرب، و إلا بقي محجوبا و إن أنفق من غيره أضعافه فما نال برّا لعلمه تعالى بما ينفق و باحتجابه بغيره.

 

 

 

[93- 95]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 93 الى 95]

كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى‏ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93)

فَمَنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)

كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ‏ أي: العقلاء بحكم الأصل، إذ العقل يحكم بأن الأشياء خلقت لمنافع العباد مطلقا فما يكون من جملة المطعومات خلقت لتناولها إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ‏ الروح‏ عَلى‏ نَفْسِهِ‏ بالنظر العقليّ عند التجربة و القياس و معرفة مضارها و منافعها على التفصيل بعد الحكم الإجمالي بحلها، فإن العقل يحكم بحرمة ما يضرّ أو يهلك.

مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي: من قبل نزول الحكم الشرعي بالتوراة و سائر الكتب الإلهية و ذلك أن الناس اختلفوا بعد ما كانوا أمّة واحدة على دين الحق، كما ذكر، فبعث اللّه النبيين لهدايتهم و إصلاح أحوال معاشهم و معادهم، و ردّهم إلى الحق و الاتفاق، فما اقتضت الحكمة الإلهية بحسب أحوالهم المختلفة و طباع قلوبهم المخرّفة و نفوسهم المريضة، حرمته من المألوفات و الأشياء الصارفة عن الحق الحاجبة بينهم و بين اللّه، و المهيجة للهوى و الشهوات و سائر المفاسد و الفتن المانعة إياهم عن كمالهم و اهتدائهم حرّم عليهم.

 

 

[96- 102]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 96 الى 102]

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ (96)

فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ ما تَعْمَلُونَ (98)

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَداءُ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100)

وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏ قيل: هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء و الأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، و كان زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض تحته. فالبيت إشارة إلى القلب الحقيقيّ، و ظهوره على وجه الماء تعلقه بالنطفة عند سماء الروح الحيوانيّ، و أرض البدن و خلقه قبل الأرض إشارة إلى قدمه، و حدوث البدن و تعيينه بألفي عام إشارة إلى تقدّمه على البدن بطورين: طور النفس، و طور القلب. تقدّما بالرتبة، إذ الألف رتبة تامة كما سبقت الإشارة إليه، و كونه زبدة بيضاء إشارة إلى صفاء جوهره، و دحو الأرض تحته إشارة إلى تكوّن البدن من تأثير، و كون أشكاله و تخطيطاته و صور أعضائه تابعة لهيئاته فهذا تأويل الحكاية.

و اعلم أن محل تعلق الروح بالبدن، و اتصال القلب الحقيقي به أولا هو القلب الصوري، و هو أول ما يتكوّن من الأعضاء، و أول عضو يتحرك و آخر عضو يسكن فيكون أول بيت وضع للناس‏ لَلَّذِي بِبَكَّةَ الصدر صورة أو أوّل متعبد و مسجد وضع للناس للقلب الحقيقي الذي ببكة الصدر المعنويّ، و ذلك الصدر أشرف مقام من النفس و موضع ازدحامات القوى المتوجهة إليه‏ مُبارَكاً ذا بركة إلهية من الفيض المتصل منه بجميع الوجود و القوّة و الحياة، فإنّ جميع القوى التي في الأعضاء تسري منه أولا إليها وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ سبب هداية و نور يهتدى به إلى اللّه‏ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ‏ من العلوم و المعارف و الحكم و الحقائق‏ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ أي: العقل الذي هو موضع قدم إبراهيم الروح، يعني محلّ اتصال نوره من القلب‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ‏ من السالكين و المتحيرين في بيداء الجهالات‏ كانَ آمِناً من أغواء سعالى المتحيلة، و عفاريت أحاديث النفس، و اختطاف شياطين الوهم، و جنّ الخيالات، و اغتيال سباع القوى النفسانية و صفاتها.

وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ‏ هذا الْبَيْتِ‏ و الطواف به‏ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا من السالكين، المستعدّين الصادقين في الإرادة، القادرين على زاد التقوى، و راحلة قوّة العزم دون من عداهم من الضعاف في الاستعداد، القاعدين من الضعف و المرض و سائر الموانع الخلقية أو العارضة النفسانية أو البدنية وَ مَنْ كَفَرَ أي: حجب استعداده مع القدرة و أعرض عنه بهوى النفس‏ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ‏ عنه و عَنِ الْعالَمِينَ‏ كلهم، أي: لا يلتفت إليه لبعده و كونه غير قابل لرحمته في ذلّ الحجاب، و هو أن الحرمان مخذولا مردودا وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ‏ بالانقطاع عما سواه، و التمسك بالتوحيد الحقيقيّ‏ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ إذ الصراط المستقيم هو طريق الحق تعالى، كما قال: إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏[1]، فمن انقطع إليه بالفناء في الوحدة كان صراطه صراط اللّه‏ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ في بقايا وجودكم، فإن حقّ اتقائه هو أن يتقى كما يجب، و يحق و هو الفناء فيه، أي: اجعلوه وقاية لكم في الحذر عن بقايا ذواتكم و صفاتكم، فإن في اللّه خلفا عن كلّ ما فات‏ وَ لا تَمُوتُنَ‏ إلا على حال إسلام الوجوه له، أي: ليكن موتكم هو الفناء في التوحيد.

 

 

 

 

[103]

[سورة آل‏عمران (3): آية 103]

وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)

وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً أي: بعهده في قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏[2] مجتمعين على التوحيد وَ لا تَفَرَّقُوا باختلاف الأهواء، فإن التفرّق عن الحق إنما يكون باختلاف الطبائع و اتباع الهوى و تجاذب القوى، و الموحد عنها بمعزل، إذ تنوّر قلبه بنور الحق و استنارت نفسه من فيض القلب فتسالمت القوى و تصادقت.

وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏ بالهداية إلى التوحيد المفيد للمحبة في القلوب‏ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً لاحتجابكم بالحجب النفسانية و الغواشي الطبيعية، بعداء عن النور و المقاصد الكلية التي تقبل الشركة و تزال بالاتفاق في مهوى الظلمة فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ‏ بالتحابّ في اللّه لتتنوّر بنوره‏ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً في الدين، أصدقاء في اللّه‏ وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ هي مهوى الطبيعة الفاسقة و محل الحرمان و التعذيب‏ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالتواصل الحقيقيّ بينكم إلى سدرة مقام الروح، و روح جنة الذات‏ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ‏ بتجليات الصفات اللطيفة و الإشراقات النورية لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ إلى جماله و تجلي ذاته.

[104- 105]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 104 الى 105]

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)

وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105)

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ أي: ليكن من جملتكم جماعة عالمون، عاملون، عارفون، أولو استقامة في الدين كشيوخ الطريقة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ فإن من لم يعرف اللّه لم يعرف الخير، إذ الخير المطلق هو الكمال المطلق الذي يمكن للإنسان بحسب النوع من معرفة الحق تعالى، و الوصول إليه، و الإضافي ما يتوصل به إلى المطلق أو الكمال المخصوص بكلّ أحد على حسب اقتضاء استعداده الخاص. فالخير المدعوّ إليه، أما الحق تعالى، و أما طريق الوصول.

و المعروف كل أمر واجب أو مندوب في الدين، يتقرّب به إلى اللّه تعالى، و المنكر كلّ محرّم أو مكروه يبعد عن اللّه تعالى و يجعل فاعله عاصيا أو مقصرا مذموما. فمن لم يكن له التوحيد و الاستقامة، لم يكن له مقام الدعوة و لا مقام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لأن غير الموحد ربما يدعو إلى طاعة غير اللّه و غير المستقيم في الدين و إن كان موحدا ربما أمر بما هو معروف عنده، منكر في نفس الأمر و ربما نهى عما هو منكر عنده، معروف في نفس الأمر، كمن بلغ مقام الجمع و احتجب بالحق عن الخلق، فكثير إما يستحلّ محرّما كبعض المسكرات و التصرّف في أموال الناس، و يحرّم حلالا بل مندوبا كتواضع الخلق و مكافأة الإحسان و أمثال ذلك‏ وَ أُولئِكَ هُمُ‏ الأخصاء بالفلاح، الذين لم يبق لهم حجاب و هم خلفاء اللّه في أرضه.

وَ لا تَكُونُوا ناشئين بمقتضى طباعكم غير متابعين لإمام و لا متفقين على كلمة واحدة باتباع مقدم يجمعكم على طريقة واحدة كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا و اتبعوا الأهواء و البدع‏ وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ‏ الحجج العقلية و الشرعية الموجبة لاتحاد الوجهة، و اتفاق الكلمة. فإن للناس طبائع و غرائز مختلفة و أهواء متفرّقة، و عادات و سيرا متفاوتة، مستفادة من أمزجتهم‏ و أهويتهم، و يترتب على ذلك فهوم متباينة، و أخلاق متعادية، فإن لم يكن لهم مقتدى و إمام تتحد عقائدهم و سيرهم و آراؤهم بمتابعته، و تتفق كلماتهم و عاداتهم و أهواؤهم بمحبته و طاعته كانوا مهملين متفرّقين فرائس للشيطان كشريدة الغنم تكون للذئب، و لهذا قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام‏: «لا بدّ للناس من إمام برّ أو فاجر».

 و لم يرسل نبي اللّه صلى اللّه عليه و سلم رجلين فصاعدا لشأن إلا و أمر أحدهما على الآخر و أمر الآخر بطاعته و متابعته ليتحد الأمر و ينتظم، و إلا وقع الهرج و المرج، و اضطرب أمر الدين و الدنيا، و اختلّ نظام المعاش و المعاد.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏: «من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنّة». و قال صلى اللّه عليه و سلم‏: «اللّه مع الجماعة». ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برياسة القلب و طاعة العقل كيف اختل نظامها و آلت إلى الفساد و التفرّق الموجب لخسارة الدنيا و الآخرة، و لما نزل قوله تعالى:وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏[3].

خطّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خطّا فقال: «هذا سبيل الرشد»، ثم خطّ عن يمينه و شماله خطوطا فقال: «هذه سبل على كلّ سبيل شيطان يدعوه إليه».

 

 

 

 [106- 110]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 106 الى 110]

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)

وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107)

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108)

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110)

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏ ابيضاض الوجه عبارة عن تنوّر وجه القلب بنور الحق للتوجه إليه و الإعراض عن الجهة السفلية النفسانية المظلمة، و ذاك لا يكون إلا بالتوحيد و الاستقامة فيه بتنوّر النفس أيضا بنور القلب. فتكون الجملة متنوّرة بنور اللّه و اسوداده ظلمة وجه القلب بالإقبال على النفس الطالبة حظوظها و الإعراض عن الجهة النوريّة الحقيّة لمصادقة النفس و متابعة الهوى في تحصيل لذاتها، و ذلك إنما يكون باتباع السبل المتفرّقة الشيطانية.

فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ‏ فيقال لهم: أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ‏ أي: احتجبتم عن نور الحق بصفات النفس الظلمانية، و سكنتم في ظلماتها بعد هدايتكم و تنوّركم بنور الاستعداد، و صفاء الفطرة و هداية العقل‏ فَذُوقُوا عذاب الحرمان باحتجابكم عن الحق‏ وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ‏ التي هي روح الوصال و نور القدس و شهود الجمال‏ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ لكونكم موحدين، قائمين بالعدل الذي هو ظله‏ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ إذ لا يقدر على ذلك إلا الموحد العادل لعلمه بالمعروف و المنكر، كما مرّ في تأويل قوله: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً[4].

قال أمير المؤمنين عليه السلام‏: «نحن النمرقة الوسطى، بنا يلحق التأويل، و إلينا يرجع الغالي». فيأمرون المقصر بالمعروف الذي يوصله إلى مقام التوحيد، و ينهون الغالي المحجوب بالجمع عن التفصيل و بالوحدة عن الكثرة. وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ أي: تثبتون في مقام التوحيد الذي هو الوسط، و كذا في كلّ تفريط و إفراط و اعتدال في باب الأخلاق‏ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ‏ لكانوا مثلكم.

 

 

 

[111]

[سورة آل‏عمران (3): آية 111]

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111)

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً‏ لكونهم منقطعين عن أصل القوى و القدر، كائنين في الأشياء بالنفس التي هي محل العجز و الشرّ، و أنتم معتصمون باللّه، معتضدون به، كائنون في الأشياء بالحق الذي هو منبع القهر. فقدرتهم لا تبلغ إلا حدّ الطعن باللسان و الخبث و الإيذاء الذي هو حدّ قدرة النفس و نهايتها، و قدرتكم تفوق كلّ قدرة بالقهر و الاستئصال لاتصافكم بصفات اللّه تعالى، فلا جرم ينهزمون منكم عند المقاتلة و لا ينصرون.

 

 

 

[112]

[سورة آل‏عمران (3): آية 112]

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (112)

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لأنّ العزّة للّه جميعا، فلا نصيب فيها لأحد إلا لمن تخلّق بصفاته بمحو صفات البشرية، كالرسول و المؤمنين الذين هم مظاهر عزّته، كما قال اللّه تعالى:وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏[5]، فمن خالفهم فهو مضادّ لصفة العزّة، مباين للأعزاء، فتلزمه الذلّة و تشمله على أي حال يكون، إلا برابطة ما بينه و بين أهل العزّة كقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ‏ أي: ذمّة و عهد، و ذلك يكون أمرا عارضيا لا أصل له مرتبطا برابطة مجعولة فلا تقابل صفتهم الذاتية اللازمة لهم التي هي الذلّة الناشئة من أصل نفوسهم.

و استحقوا غضبا شديدا من عند اللّه لبعدهم و إعراضهم عن الحق، و لزمتهم المسكنة لانقطاعهم عن اللّه إلى نفوسهم فوكلهم إلى أنفسهم.

 

 

 

 

[113- 116]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 113 الى 116]

لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ (113)

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)

وَ ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116)

لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ أي: باللّه، ثم وصفهم بأحوال أهل الاستقامة، أي منهم أهل التوحيد و الاستقامة وَ ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ‏ أي: كل ما يصدر منكم مما يقربكم عند اللّه يتصل به جزاؤه و منه لن تحرموا شيئا منه. قال اللّه تعالى:

«من تقرب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا، و من تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا، و من أتاني مشيا أتيته هرولة»

… الحديث. و قال تعالى:«أنا جليس من ذكرني، و أنيس من شكرني، و مطيع من أطاعني»

أي: كما أطعتموه بتصفية الاستعداد و التوجه نحوه، أطاعكم بإفاضة الفيض على حسبه و الإقبال إليكم‏ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ‏ بالذين اتّقوا ما يحجبهم عنه فيتجلى لهم بقدر زوال الحجاب.

 

 

 

 

[117]

[سورة آل‏عمران (3): آية 117]

مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)

مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية و لذاتها السريعة الزوال، طلبا للشهوات أو رياء و سمعة في المفاخر، و طلب محمدة الناس، لا يطلبون به وجه اللّه، و ما تهلكه و تفنيه بالكليّة من ريح هوى النفس التي فيها برّ دنياتكم الفاسدة و أغراضكم الباطلة كالرياء و نحوه‏ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ بالشرك و الكفر فَأَهْلَكَتْهُ‏ عقوبة من اللّه لظلمهم‏ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ‏ بإهلاك حرثهم‏ وَ لكِنْ‏ كانوا أنفسهم يظلمون لأنه مسبب عن ظلمهم، كما قيل: مهلا فيداك وكتا و فوك نفخ.

 

 

 

[118]

[سورة آل‏عمران (3): آية 118]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)

لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ‏ بطانة الرجل صفيه و خليصه الذي يبطنه و يطلع عليه أسراره، و لا يمكن وجود مثل هذا الصديق إلا إذا اتحدا في المقصد و اتفقا في الدين و الصفة، متحابين في اللّه لا لغرض كما قيل في الأصدقاء نفس واحدة في أبدان متفرّقة، فإذا كان من غير أهل الإيمان فبأن يكون كاشحا أحرى. ثم بيّن نفاقه و استبطانه العداوة بقوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا إلى آخره، إذ المحبة الحقيقية الخالصة لا تكون إلا بين الموحدين، لكونها ظلّ الوحدة فلا تكون بين المحجوبين لكونهم في عالم التضادّ و الظلمة.

فأين الصفاء و الوفاق في‏ عالمهم؟ بل ربما تتآلفهم الجنسية العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع و المنافع و الملاذ و احتياجهم إلى التعاون فيها، فإذا لم تتحصل أغراضهم من النفع و اللّذة تهارشوا و تباغضوا و بطلت الألفة التي كانت بينهم، لكونها مسببة عن أمر قد تغير إذ النفس منشأ التغير و المنافع الدنيوية لا تبقى بحالها، و اللذات النفسانية سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها بخلاف المحبة الأولى، فإنها مستندة إلى أمر لا تغير فيه أصلا، هذا إذا كانت فيما بينهم، فكيف إذا كانت بينهم و بين من يخالفهم في الأصل و الوصف؟ و أنّى يتجانس النور و الظلمة؟ و من أين يتوافق العلو و السفل؟ فبينهما عداوة حقيقية و تخالف ذاتي لا تخفى آثاره كما بيّن اللّه تعالى بقوله: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ‏ لامتناع اختفاء الوصف الذاتيّ.

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم‏: «ما أضمر أحد شيئا إلا و أظهره اللّه في فلتات لسانه و صفحات وجهه». وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ لأنه نار و هذا شرار، ذاك أصل، و هذا فرعه‏ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ‏ دلائل المحبة و العداوة و أسبابهما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ‏ أي: تفهمون من فحوى الكلام.

 

 

 

[119]

[سورة آل‏عمران (3): آية 119]

ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَ لا يُحِبُّونَكُمْ وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَ إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119)

ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ‏ بمقتضى التوحيد، إذ الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق، و يراهم متصلين بنفسه اتصال الأحماء و الأقرباء بل اتصال الأجزاء، فينظر إليهم بنظر الرحمة الإلهية و الرأفة الربانية، و يعطف عليهم مترحما إذ يراهم أهل الرحمة شغلوا بالباطل، و ابتلوا بالقدر و لا يحبونكم بمقتضى الحجاب و البقاء في ظلمة النفس و تضادّ الطبع.

وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ‏ أي بجنس الكتاب‏ كُلِّهِ‏ لشمول علمكم التوحيدي، و لا يؤمنون للتقيد بدينهم و الاحتجاب بما هم عليه‏ وَ إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا لنفاقهم المستجلب لأغراضهم العاجلة وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ لحقدهم الذاتي و بغضهم الكامن و الباقي ظاهر.

 

 

 

[120- 124]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 120 الى 124]

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)

وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)

إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)

وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)

وَ إِنْ تَصْبِرُوا على ما يبتليكم اللّه به من الشدائد و المحن و المصائب، و تثبتوا على مقتضى التوحيد و الطاعة وَ تَتَّقُوا الاستعانة بهم في أموركم و الالتجاء إلى ولايتهم‏ لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً لأن المتوكل على اللّه، الصابر على بلائه، المستعين به لا بغيره، ظافر في طلبته، غالب على خصمه، محفوظ بحسن كلاءة ربه، و المستعين بغيره مخذول موكول إلى نفسه، محروم عن نصرة ربه. كما قال الشاعر:

من استعان بغير اللّه في طلب‏ فإن ناصره عجز و خذلان‏

إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ‏ من المكايد مُحِيطٌ فيبطلها و يهلكها، و قد قيل: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك. فالصبر و التقوى من أجمل الفضائل إن لزمتموهما تظفروا على عدوّكم.

 

 

 

[125- 126]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 125 الى 126]

بَلى‏ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)

وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى‏ لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)

بَلى‏ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ‏ الآية … الصبر على مضض الجهاد و بذل النفس في طاعة اللّه، و تحمل المكروه طلبا لرضا اللّه لا يكون إلا عند التقوى بتأييد الحق و تنوّره بنور اليقين، و ثباته بنزول السكينة و الطمأنينة عليه، و التقوى في مخالفة أمر الحق و الميل إلى النفع و الغنيمة، و خوف تلف النفس لا تكون إلا عند انكسار النفس تحت قهر سلطان القلب و الروح، إذ الثبات و الوقار صفة الروح و الطيش، و الاضطراب صفة النفس، فإذا استولى سلطان الروح على القلب و أخذ مملكته عصمه من استيلاء صفات النفس و جنودها عليه، فيعشقه القلب و يسكن إليه لنورانيته المحبوبة لذاتها و يتقوّى به على النفس و قواها فيهزمها و يكسرها و يدفع غلبتها و ظلمتها عن نفسه، و يجعلها ذلولا مطيعة مطمئنة إليه فيزول عنها الاضطراب و تتنوّر بنوره و عند ذلك تنزل الرحمة، و يناسب القلب ملكوت السماء في نورانيتها و قهرها لما تحتها، و محبتها و شوقها لما فوقها.

و بذلك المناسب يصل بها و يستنزل قواها و أوصافها في أفعاله خصوصا عند اهتياجه و انقلاعه عن الجهة السفلية، و انقطاعه بقوة اليقين و التوكل إلى الجهة العلوية. و يستمد من قوى قهرها على من يغضب عليه فذلك نزول الملائكة، و إذا جزع و هلع و تغير و خاف أو مال إلى الدنيا غلبته النفس و قهرته و استولت عليه و حجبته بظلمة صفاتها عن النور، فلم تبق تلك المناسبة، فانقطع المدد و لم تنزل الملائكة وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى‏ لَكُمْ‏ أي: ما جعل الإمداد بالملائكة إلا لتستبشروا به فتزداد قوة قلوبكم و شجاعتكم و نجدتكم و نشاطكم في التوجه إلى الحق و التجريد للسلوك‏ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ‏ فتتحقق الفيض بقدر التصفية و الخلف بقدر الترك.

وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ لا من الملائكة و لا من غيرهم، فلا تحتجبوا بالكثرة عن‏ الوحدة، و لا بالخلق عن الحق، فإنها مظاهر لا حقيقة لها و لا تأثير، الْعَزِيزِ القوي الغالب بقهره‏ الْحَكِيمِ‏ الذي ستر قهره و نصرته بصور الملائكة بحكمته.

 

 

 

[127- 132]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 127 الى 132]

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128)

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131)

وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يقتل بعضهم تقوية للمؤمنين‏ أَوْ يَكْبِتَهُمْ‏ يخزيهم و يذلهم بالهزيمة إعزازا للمؤمنين‏ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏ بالإسلام تكثيرا لسواد المؤمنين‏ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ‏ بسبب ظلمهم و إصرارهم على الكفر تفريحا للمؤمنين. و أوقع بين المعطوف و المعطوف عليه في أثناء الكلام قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ اعتراضا لئلا يغفل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيرى لنفسه تأثيرا في بعض هذه الأمور، فيحتجب عن التوحيد و لا يزول، و تتغير شهوده في الأقسام كلها، أي: ليس لك من أمرهم شي‏ء كيفما كان، ما أنت إلّا بشر مأمور بالإنذار، إن عليك إلّا البلاغ، إنما أمرهم إلى اللّه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أي: توكلوا على اللّه في طلب الرزق فلا تكسبوه بالربا، فإنه واجب عليكم كما يجب عليكم التوكل عليه في طلب الفتح و جهاد العدوّ لئلا تجبنوا بكلاءة اللّه و حفظه. و اعلموا أن جزاء المرابي هو جزاء الكافر، فاحذروه لكونه محجوبا عن أفعاله تعالى كما أن الكافر محجوب عن صفاته و ذاته، و المحجوب غير قابل للرحمة و إن اتسعت، فارفعوا الحجاب بالطاعة و ترك المخالفة كي تدرككم رحمة اللّه.

 

 

 

[133]

[سورة آل‏عمران (3): آية 133]

وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)

وَ سارِعُوا إِلى‏ ستر أفعالكم التي هي حجابكم عن مشاهدة أفعال الحق بأفعاله تعالى، فإنما حرمتم عن التوكل و جنة عالم الملك التي هي تجلي الأفعال برؤية أفعالكم، أي: إلى ما يوجب ستر أفعالكم بأفعاله، و جنّة الأفعال من الطاعات بعد كما ورد: «أعوذ بعفوك من عقابك».

و لأن المراد بالجنّة هنا جنة الأفعال، وصف عرضها بمساواة عرض السموات و الأرض، إذ توحيد الأفعال هو توحيد عالم الملك و إنما قدّر طولها لأن الأفعال باعتبار السلسلة العرضية، و هي توقف كل فعل على فعل آخر تنحصر في عالم الملك الذي يتقدّره الناس. و إما باعتبار الطول فلا تنحصر فيه و لا يقدّرها، إذ الفعل مظهر الوصف، و الوصف‏ مظهر الذات، فلا نهاية له و لا حدّ. فالمحجوبون عن الذات و الصفات لا يرون إلا عرض هذه الجنّة، و أما البارزون للّه الواحد القهار فعرض جنتهم عين طولها و لا حدّ لطولها فلا يقدر قدرها طولا و لا عرضا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏ الذين يتقون حجب أفعالهم و شرك نسبة الأفعال إلى غير الحق.

 

 

 

[134]

[سورة آل‏عمران (3): آية 134]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ لا تمنعهم الأحوال المضادّة عن الإنفاق لصحة توكلهم على اللّه برؤية جميع الأفعال منه‏ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ لذلك أيضا، إذ يرون الجناية عليهم فعل اللّه فلا يعترضون، و لو لم يغيظوا كانوا في مقام الرضا و جنة الصفات‏ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ‏ لما ذكرنا، و لتعوذهم بعفوه تعالى عن عقابه‏ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ الذين يشاهدون تجليات أفعاله تعالى.

 

 

 

[135]

[سورة آل‏عمران (3): آية 135]

وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (135)

وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً كبيرة من الكبائر، برؤية أفعالهم صادرة عن قدرتهم‏ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ نقضوا حقوقها بارتكاب الصغائر و ظهور أنفسهم فيها ذَكَرُوا اللَّهَ‏ في صدور أفعالهم برؤيتها واقعة بقدرة اللّه و تبرأ عنها إليه لرؤيتهم ابتلاءه إياهم بها فَاسْتَغْفَرُوا طلبوا ستر أفعالهم التي هي ذنوبهم بأفعاله بالتبرّي عن الحول و القوّة إليه‏ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ‏ أي وجودات الأفعال‏ إِلَّا اللَّهُ‏ أي علموا أن لا غافر إلا هو وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا في غفلتهم و حالة ظهور أنفسهم، بل تابوا و رجعوا إليه في أفعالهم‏ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ أن لا فعل إلا للّه‏ وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‏ بمقتضى توحيد الأفعال.

 

 

 

[136- 142]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 136 الى 142]

أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)

هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)

وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)

إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)

وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141)

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ بطشات و وقائع مما سنّه اللّه في أفعاله بالذين كذبوا بالأنبياء في‏ توحيد الأفعال‏ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا في آثارها فتعلموا كيف كان عاقبتهم‏ هذا الذي ذكر بَيانٌ لِلنَّاسِ‏ من علم توحيد الأفعال و تفصيل المتقين الذين هم أهل التمكين في ذلك، و التائبين الذين هم أهل التلوين، و المصرين المحجوبين عنه المكذبين به، و زيادة هدى و كشف عيان و تثبت و اتعاظ للذين اتّقوا رؤية أفعالهم أو هدى لهم إلى توحيد الصفات و الذات.

وَ لا تَهِنُوا في الجهاد عند استيلاء الكفار وَ لا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من الفتح و ما جرح و استشهد من إخوانكم‏ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ‏ في الرتبة لقربكم من اللّه و علو درجتكم بكونكم أهل اللّه‏ إِنْ كُنْتُمْ‏ موحدين، لأنّ الموحد يرى ما يجرى عليه من البلاء من اللّه فأقلّ درجاته الصبر إن لم يكن رضا يتقوّى به فلا يحزن و لا يهن‏ الْأَيَّامُ‏ الوقائع و كل ما يحدث من الأمور العظيمة يسمى يوما و أياما، كما قال تعالى: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏[6]، و قد مرّ تفسير وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ‏ من ظهور العلم التفصيلي التابع لوقوع المعلوم.

وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ الذين يشهدون للحق فيذهلون عن أنفسهم، أي: نداول الوقائع بين الناس لأمور شتى و حكم كثيرة، غير مذكورة، من خروج ما في استعدادهم إلى الفعل من الصبر و الجلد و قوّة اليقين، و قلّة المبالاة بالنفس، و استيلاء القلب عليها، و قمعها و غير ذلك.

و لهذين العلتين المذكورتين و لتخليص المؤمنين من الذنوب و الغواشي التي تبعدهم من اللّه بالعقوبة و البليّة إذا كانت عليهم، و محق الكافرين و قهرهم و تدميرهم إذا كانت لهم. و قد اعترض بين العلل قوله: وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ‏ ليعلم أنّ من ليس على صفة الإيمان و الشهادة و تمحيص الذنوب و قوّة الثبات لكمال اليقين، بل حضر القتال لطلب الغنيمة أو لغرض آخر فهو ظالم و اللّه لا يحبه.

 

 

 

 

[143]

[سورة آل‏عمران (3): آية 143]

وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)

وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ‏ الآية، كل موقن إذا لم يكن يقينه ملكة بل كان خطرات، فهو في بعض أحواله يتمنى أمورا و يدعي أحوالا بحسب نفسه دائما، و كذلك حال غير اليقين و عند إقبال القلب هو صادق ما دام موصوفا بحاله. أما في غير تلك الحالة، و عند الإدبار، فلا يبقى من ذلك أثر و كذا كل من لم يشاهد حالا و لم يمارسه، ربما يتمناه لتصوّره في نفسه و عدم تضرّره به حال التصور. أما في حال وقوعه و ابتلائه فلا يطيق تحمل شدائده كما حكي عن سمنون المحبّ رحمه للّه لما قال في أبياته:

فكيفما شئت فاختبرني فابتلي بالأسر، فلم يطق، فكان يتردّد في الطرق و يرضخ إلى الصبيان ما يلعبون به‏ كالجوز، و يقول: ادعوا على عمكم الكذاب. و في هذا المعنى قال الشاعر:

و إذا ما خلا الجبان بأرض‏ طلب الطعن وحده و النزالا

فلا يلتفت بحال إلا إذا صار مقاما، و لا يعتبر مقاما إلا إذا امتحن في مواطنه، فإذا خلص من الامتحان فقد صح و هذا أحد فوائد مداولة الأيام بينهم ليتمرّنوا بالموت و يتقوّى يقينهم و يتوفر صبرهم و يتحقق مقامهم بالمشاهدة كما قال: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ‏ من قتل إخوانكم بين أيديكم‏ وَ أَنْتُمْ‏ تشاهدون ذلك. و فيه توبيخ لهم على أنّ يقينهم كان حالا لا مقاما، ففشلوا في الموطن.

 

 

 

 

[144- 151]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 144 الى 151]

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)

وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)

وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)

وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147)

فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149)

بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ‏ أي: إنه رسول بشر، سيموت أو يقتل كحال الأنبياء قبله، فمن كان على يقين من دينه فبصيرة من ربّه لا يرتد بموت الرسول و قتله، و لا يفتر عما كان عليه، لأنه يجاهد لربّه لا للرسول كأصحاب الأنبياء السالفين. و كما قال أنس عم أنس بن مالك يوم أحد حين أرجف بقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و شاع الخبر، و انهزم المسلمون، و بلغ إليه تقاول بعضهم: ليت فلانا يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان.

و قول المنافقين: لو كان نبيّا ما قتل!، يا قوم، إن كان محمد قد قتل فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت!، و ما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، و موتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شدّ بسيفه و قاتل حتى قتل.

وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً إنما ضرّ نفسه بنفاقه و ضعف يقينه‏ وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ لنعمة الإسلام، كأنس بن النضر و أضرابه من الموقنين‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا فمن كان موقنا شاهد هذا المعنى، فكان من أشجع‏ الناس كما حكى حاتم ابن الأصمّ عن نفسه أنه شهد مع الشقيق البلخي رحمهما اللّه، بعض غزوات خراسان. قال: فلقيني شقيق و قد حمى الحرب، فقال: كيف تجد قلبك يا حاتم؟

قلت: كما كان ليلة الزفاف، بين الحالين. فوضع سلاحه و قال: أما أنا فهكذا. و وضع رأسه على ترسه و نام بين المعركة حتى سمعت غطيطه. و هذا غاية في سكون القلب إلى اللّه و وثوقه به لقوة اليقين‏ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ‏ الآية، جعل إلقاء الرعب في قلوب الكفار مسببا عن شركهم، لأن الشجاعة و سائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس من وقوع ظل الوحدة عليها عند تنوّرها بنور القلب المنوّر بنور الوحدة، فلا تكون تامة حقيقة إلا للموحد الموقن في توحيده.

و أما المشرك فلأنه محجوب عن منبع القوة و القدرة بما أشرك باللّه من الموجود المشوب بالعدم لإمكانه الخفيّ الوجود، الضعيف، الذي لم يكن له بحسب نفسه قوة و لا وجود و لا ذات في الحقيقة، و لم ينزل اللّه بوجوده حجة لوجوده أصلا لتحقق عدمه بحسب ذاته، فليس له إلا العجز و الجبن و جميع الرذائل، إذ لا يكون أقوى من معبوده و إن اتفقت له دولة أو صولة أو شوكة فشي‏ء لا أصل له و لا ثبات و لا بقاء كنار العرفج مثلما كانت دولة المشركين.

 

 

 

 

[152- 158]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 152 الى 158]

وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)

إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153)

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154)

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)

وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)

وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)

وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ‏ أي: وعدكم النصر إن تصبروا و تتقوا، فما دمتم على حالكم من قوة الصبر على الجهاد و تيقن النصر و الثبات على اليقين و اتفاق الكلمة بالتوجه إلى الحق و الاتقاء عن مخالفة الرسول و ميل النفوس إلى زخرف الدنيا و الإعراض عن الحق، مجاهدين للّه لا للدنيا، كان اللّه معكم بالنصر، و إنجاز الوعد، و كنتم تقطعونهم بإذنه و تهزمونهم‏ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ‏ أي: جبنتم بدخول الضعف في يقينكم و فساد اعتقادكم في حق نفسه بتجويز غلوله في الغنيمة وَ تَنازَعْتُمْ‏ في أمر الحرب بعد الاتفاق و ما صبرتم عن حظ الدنيا، و عصيتم الرسول بترك ما أمركم به من ملازمة المركز، و ملتم إلى زخرف الدنيا مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ‏ من الفتح و الغنيمة و حان زمان شكركم للّه، و شدّة إقبالكم عليه، فذهلتم عنه، فكان أشرفكم يريد الآخرة و الباقون يريدون الدنيا، و لم يبق فيكم من يريد اللّه منعكم نصره‏ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ‏ بما فعلتم فكان الابتلاء لطفا بكم و فضلا وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ في الأحوال كلها، إما بالنصرة و إما بالابتلاء، فإن الابتلاء فضل و لطف خفيّ ليعلموا أن أحوال العباد جالبة لظهور أوصاف الحق عليهم فما أعدّوا له نفوسهم موهوب لهم من عند اللّه كما مر في قوله‏: «مطيع من أطاعني».

كما يكونون مع اللّه يكون اللّه معهم، و لئلا يناموا إلى الأحوال دون المسلكات، و ليتمرّنوا بالصبر على الشدائد، و الثبات في المواطن، و يتمكنوا في اليقين، و يجعلوه ملكا لهم، و مقاما، و يتحققوا أن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، و لا يميلوا إلى الدنيا و زخرفها، و لا يذهلوا عن الحق، و لا يبيعوه بالدنيا و الآخرة، و ليكون عقوبة عاجلة للبعض فيتمحصوا عن ذنوبهم و ينالوا درجة الشهادة برفع الحجب، خصوصا حجاب محبة النفس، فيلقوا اللّه طاهرين. و لهذا قال تعالى: وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ‏[7]، إذ الابتلاء كان سبب العفو.

فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ‏ أي: صرفكم عنهم فجازاكم غما بسبب غمّ لحق رسول اللّه من جهتكم، بعصيانكم إيّاه، و فشلكم و تنازعكم، أو غمّا بعد بغمّ أي: غمّا مضاعفا لتتمرّنوا بالصبر على الشدائد و الثبات فيها، و تتعوّدوا رؤية الغلبة و الظفر و الغنيمة و جميع الأشياء من اللّه لا من أنفسكم فلا تَحْزَنُوا عَلى‏ ما فاتَكُمْ‏ من الحظوظ و المنافع‏ وَ لا ما أَصابَكُمْ‏ من الغموم و المضارّ. ثُمَ‏ خلّى عنكم الغمّ بالأمن و إلقاء النعاس على الطائفة الصادقين دون المنافقين الذين‏ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ‏ لا نفس الرسول و لا الذين وافقوا علامة للعفو لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏ لقوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها[8].

وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ‏ أي: و ليمتحن ما في استعدادكم من الصدق و الإخلاص و اليقين و الصبر و التوكل و التجرّد و جميع الأخلاق و المقامات، و يخرجها من القوّة إلى الفعل‏ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ‏ أي: و ليخلص ما برز منها من مكمن الصدر إلى مخزون القلب من عثرات وساوس الشيطان و دناءة الأحوال و خواطر النفس، فعل ذلك فإن البلاء سوط من سياط اللّه يسوق به عباده إليه بتصفيتهم عن صفات نفوسهم و إظهار ما فيهم من الكمالات، و انقطاعهم عنده من الخلق و من النفس إلى الحق. و لهذا كان متوكلا بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بيانا لفضله‏: «ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت»، كأنه قال: ما صفى نبيّ مثل ما صفيت. و لقد أحسن من قال:

لله درّ النائبات فإنها صدأ اللئام و صيقل الأحرار

إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده كما قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان. اسْتَزَلَّهُمُ‏ أي: طلب منهم الزلّة و دعاهم إليها، و هي زلّة التولي‏ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من الذنوب. فإنّ الشيطان إنما يقدر على وسوسة الناس و إنفاذ أمره إذا كان له مجال بسبب أدنى ظلمة في القلب، حادثة من ذنب، و حركة من النفس كما قيل: الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول. وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ‏ بالاعتذار و الندم‏ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ‏ أي: يجعل ذلك القول و الاعتقاد ضيقا و ضنكا و غمّا في قلوبهم لرؤيتهم القتل و الموت مسببا عن فعل، و لو كانوا موقنين موحدين لرأوا أنه من اللّه، فكانوا منشرحي الصدور وَ اللَّهُ يُحْيِي‏ من يشاء في السفر و الجهاد و غيره‏ وَ يُمِيتُ‏ من يشاء في الحضر و غيره‏ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةٌ أي: لنعيمكم الأخروي من جنّة الأفعال و جنّة الصفات خير لكم من الدنيوي لكونكم عاملين للآخرة و لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ‏ لمكان توحيدكم، فحالكم فيما بعد الموت أحسن من حالكم قبله.

 

 

 

 

 

[159- 160]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 159 الى 160]

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ‏ أي: فباتصافك برحمة رحيمية، أي: رحمة تامّة، كاملة، وافرة، هي صفة من جملة صفات اللّه، تابعة لوجودك الموهوب الإلهيّ لا الوجود البشريّ‏ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا موصوفا بصفات النفس التي منها الفظاظة و الغلظة لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏ لأنّ الرحمة الإلهية الموجبة لمحبتهم إياك تجمعهم‏ فَاعْفُ عَنْهُمْ‏ فيما يتعلق بك من جنايتهم‏ لرؤيتك إياه من اللّه بنظر التوحيد و علوّ مقامك من التأذي بفعل البشر، و التغيظ من أفعالهم، و تشفي الغيظ بالانتقام منهم‏ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ‏ فيما يتعلق بحق اللّه لمكان غفلتهم و ندامتهم و اعتذارهم‏ وَ شاوِرْهُمْ‏ في أمر الحرب و غيره مراعاة لهم و احتراما، و لكن إذا عزمت ففوّض الأمر إلى اللّه بالتوكل عليه و رؤية جميع الأفعال و الفتح و النصر و العلم بالأصلح و الأرشد منه، لا منك، و لا مما تشاوره. ثم حقّق معنى التوكل و التوحيد في الأفعال بقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ‏ إلى آخره.

 

 

 

 

[161]

[سورة آل‏عمران (3): آية 161]

وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (161)

وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ‏ لبعد مقام النبوّة و عصمة الأنبياء عن جميع الرذائل، و امتناع صدور ذلك منهم مع كونهم منسلخين عن صفات البشرية، معصومين عن تأثير دواعي النفس و الشيطان فيهم، قائمين باللّه متّصفين بصفاته‏ يَأْتِ بِما غَلَ‏ أي: يظهر على صورة غلوله بما غلّ بعينه.

 

 

 

 

[162- 168]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 162 الى 168]

أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (162)

هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163)

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)

أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (165)

وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)

وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167)

الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168)

أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ‏ أي: النبيّ في مقام الرضوان التي هي جنة الصفات، لاتصافه بصفات اللّه، و الغالّ في مقام السخط لاحتجابه بصفات نفسه‏ وَ مَأْواهُ‏ أسفل حضيض النفس المظلمة، فهل يتشابهان؟ هُمْ دَرَجاتٌ‏ أي: كل من أهل الرضا و أهل السخط ذوو درجات متفاوتات أو هم مختلفون اختلاف الدرجات‏ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‏ لا ينافي قوله تعالى:

قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏[9] لأنّ السبب الفاعلي في الجميع هو الحق تعالى، و السبب القابليّ أنفسهم، و لا يفيض من الفاعل إلا ما يليق بالاستعداد و يقتضيه، و باعتبار الفاعل يكون من عند اللّه، و باعتبار القابل يكون من عند أنفسهم. و استعداد الأنفس إما أصليّ و إما عارضيّ، و الأصلي من فيضه الأقدس على مقتضى مشيئته، و العارضي من اقتضاء قدره. فهذا الجانب أيضا ينتهى إليه، و من وجه آخر ما يكون من أنفسهم أيضا يكون من اللّه نظرا إلى التوحيد، إذ لا غير ثمة وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ‏وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا أي: و ليتميز المؤمنون و المنافقون في العلم التفصيليّ.

 

 

 

 

[169]

[سورة آل‏عمران (3): آية 169]

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ سواء كان قتلهم بالجهاد الأصغر، و بذل النفس طلبا لرضا اللّه، أو بالجهاد الأكبر، و كسر النفس، و قمع الهوى بالرياضة أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ بالحياة الحقيقية مجرّدين عن دنس الطبائع، مقرّبين في حضرة القدس‏ يُرْزَقُونَ‏ من الأرزاق المعنوية، أي المعارف و الحقائق و استشراق الأنوار، و يرزقون في الجنّة الصورية كما يرزق سائر الأحياء.

فإنّ للجنان مراتب بعضها معنوية و بعضها صورية، و لكل من المعنوية و الصورية درجات على حسب الأعمال، فالمعنوية جنّة الذات و جنة الصفات و تفاضل درجاتها على حسب تفاضل درجات أهل الجبروت و الملكوت، و الصورية جنّة الأفعال و تفاوت درجاتها على حسب تفاوت درجات عالم الملك من السموات العلى، و جنات الدنيا و عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر، تدور في أنهار الجنة، و تأكل من ثمارها، و تأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة في ظلّ العرش».

فالطير الخضر: إشارة إلى الأجرام السماوية، و القناديل هي الكواكب، أي تعلقت بالنيرات من الأجرام السماوية لنزاهتها، و أنهار الجنة منابع العلوم و مشارعها، و ثمارها الأحوال و المعارف و الأنهار، و الثمار الصورية على حسب جنتهم المعنوية أو الصورية. فإنّ كل ما وجد في الدنيا من المطاعم و المشارب و المناكح و الملابس و سائر الملاذ و المشتهيات، موجود في الآخرة و في طبقات السماء ألذّ و أصفى مما في الدنيا.

 

 

 

 

[170- 171]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 170 الى 171]

فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)

فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ من الكرامة و النعمة و القرب عند اللّه‏ وَ يَسْتَبْشِرُونَ‏ حال إخوانهم‏ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ و لم ينالوا درجاتهم بعد من خلفهم لاستسعادهم عن قريب بمثل حالهم و لحوقهم بهم‏ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ بدل اشتمال من الذين، أي: يستبشرون بأنهم آمنوا، لا خوف عليهم و لا هم يحزنون‏ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ أي: أمنهم بنعمة عظيمة لا يعلم كنهها، هي جنة الصفات بحصول مقام الرضوان المدكورة بعده لهم‏ وَ فَضْلٍ‏ و زيادة عليها هي جنة الذات و الأمن الكليّ من بقية الوجود و ذلك كمال كونهم شهداء للّه، و مع ذلك فإنّ اللّه لا يضيع أجر إيمانهم الذي هو جنّة الأفعال و ثواب الأعمال.

 

 

 

 

[172- 178]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 172 الى 178]

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (173)

فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)

إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176)

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177)

وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178)

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ‏ بالفناء في الوحدة الذاتية وَ الرَّسُولِ‏ بالمقام بحق الاستقامة مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ‏ أي: كسر النفس‏ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ‏ أي: ثبتوا في مقام المشاهدة وَ اتَّقَوْا بقاياهم‏ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ وراء الإيمان هو روح المشاهدة الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ‏ قبل الوصول إلى المشاهدة إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ‏ أي: اعتبروا لوجودكم و اعتدوا بكم فاعتدوا بهم‏ فَزادَهُمْ‏ ذلك القول‏ إِيماناً أي: يقينا و توحيدا بنفي الغير و عدم المبالاة به، و توصلوا بنفي ما سوى اللّه إلى إثباته بقولهم‏ حَسْبُنَا اللَّهُ‏ فشاهدوه ثم رجعوا إلى تفاصيل الصفات بالاستقامة فقالوا: وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏ و هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار فصارت بردا و سلاما عليه‏ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ‏ أي: رجعوا بالوجود الحقانيّ في جنة الصفات و الذات كما مرّ آنفا لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ البقية و رؤية الغير.

وَ هم‏ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ‏ الذي هو جنة الصفات في حال سلوكهم حين لم يعلموا ما أخفي لهم من قرّة أعين و هي جنة الذات المشار إليها بقوله: وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‏ فإن الفضل هو المزيد على الرضوان‏ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ‏ المحجوبين بأنفسهم مثله من الناس أو يخوّفكم أولياءه‏ فَلا تَخافُوهُمْ‏ و لا تعتدوا بوجودهم‏ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ‏ موحدين، أي لا تخافوا غيري لعدم عينه و أثره‏ وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ لحجابهم الأصلي و ظلمتهم الذاتية خوف أن يضروك‏ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً إملاء الكفار و طول حياتهم‏ سبب لشدّة عذابهم و غاية هوانهم و صغارهم لازديادهم بطول عمرهم حجابا على حجاب، و بعدا على بعد. و كلما ازدادوا بعدا عن الحق الذي هو منيع العزّة ازدادوا هوانا.

 

 

 

 

 

[179- 180]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 179 الى 180]

ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)

وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)

ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏ من ظاهر الإسلام و تصديق اللسان‏ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ‏ من صفات النفس و شكوك الوهم و حظوظ الشيطان، و دواعي الهوى من طيبات صفات القلب كالإخلاص و اليقين و المكاشفة و مشاهدات الروح و مناغيات السرّ و مسامراته، و تخلص المعرفة و المحبة للّه بالابتلاء و وقوع الفتن و المصائب بينكم.

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى‏ غيب وجودكم من الحقائق و الأحوال الكامنة فيكم بلا واسطة الرسول لبعد ما بينكم و بينه و عدم المناسبة و انتفاء استعداد التلقي منه‏ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على أسراره و حقائقه بالكشف ليهديكم إلى ما غاب عنكم من كنوز وجودكم و أسراره للجنسية النفسانية التي بينه و بينكم، الموجبة لإمكان اهتدائكم به‏ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ‏ بالتصديق القلبيّ و الإرادة و التمسك بالشريعة ليمكنكم التلقي و القبول منهم‏ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا بعد ذلك الإيمان بالتحقيق و السلوك إلى اليقين و المتابعة في الطريقة وَ تَتَّقُوا الحجب النفسانية و موانع السلوك‏ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ من كشف الحقيقة بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ من المال و العلم و القدرة و النفس و لا ينفقونه في سبيل اللّه على المستحقين و المستعدّين و الأنبياء و الصدّيقين في الذبّ عنهم أو الفناء في اللّه‏ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: يجعل غلّ أعناقهم و سبب تقيدهم و حرمانهم عن روح اللّه و رحمته و موجب هوانهم و حجابهم عن نور جماله لمحبتهم له و تعلقهم به‏ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ من النفوس و صفاتها كالقوى و القدر و العلوم و الأموال و كل ما ينطبق عليه اسم الوجود فما لهم يبخلون بماله عنه.

 

 

 

 

[181- 187]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 181 الى 187]

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181)

ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182)

الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183)

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ (184)

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187)

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ‏ إلى قوله‏ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ روي أنّ أنبياء بني إسرائيل كانت معجزتهم أن يأتوا بقربان فيدعوا اللّه فتأتي نار من السماء تأكله. و تأويله: أن يأتوا بنفوسهم يتقرّبون بها إلى اللّه و يدعون اللّه بالزهد و العبادة، فتأتي نار العشق من سماء الروح تأكله و تفنيه في الوحدة، فبعد ذلك صحت نبوّتهم و ظهرت فسمع به عوام بني إسرائيل فاعتقدوا ظاهره، و إن كان ممكنا من عالم القدرة فاقترحوا على كل نبي تلك الآية كما توهموا من إقراض اللّه الذي هو بذل المال في سبيل اللّه بالإنفاق لاستيفاء الثواب و بذل الأفعال و الصفات بالمحو في السلوك لاستبدال صفات الحق و أفعاله و تحصيل مقام الإبدال، فقر الحق و غناهم، أو كابروا الأنبياء في الموضعين بعد ما فهموا.

 

 

 

 

[188]

[سورة آل‏عمران (3): آية 188]

لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188)

لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي: يعجبوا بما فعلوا من طاعة و إيثار، و كلّ حسنة من الحسنات، و يحجبون برؤيته‏ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا أي: يحمدهم الناس، فهم محجوبون بعرض الحمد و الثناء من الناس، أو أن يكونوا محمودين في نفس الأمر عند اللّه‏ بِما لَمْ يَفْعَلُوا بل فعله اللّه على أيديهم إذ لا فعل إلا للّه، وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (96)[10] فائزين من عذاب الحرمان‏ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ لمكان استعدادهم و احتجابهم عما فيه، و كان من حقهم أن ينسبوا الفضيلة و الفعل الجميل إلى اللّه و يتبرّءوا عن حولهم و قوّتهم إليه و لا يحتجبوا برؤية الفعل من أنفسهم، و لا يتوقعوا به المدح و الثناء.

 

 

 

 

[189- 190]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 189 الى 190]

وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (189)

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190)

وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ ليس لأحد فيها شي‏ء حتى يعطي غيره فيعجب بعطائه‏ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ لا يقدر غيره على فعل مّا، حتى يعجب برؤيته، فيفرح به فرح إعجاب.

 

 

 

 

[191- 194]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 191 الى 194]

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191)

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192)

رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193)

رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194)

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ‏ في جميع الأحوال و على جميع الهيئات‏ قِياماً في مقام الروح بالمشاهدة وَ قُعُوداً في محلّ القلب بالمكاشفة وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ‏ أي: تقلباتهم في مكان النفس بالمجاهدة وَ يَتَفَكَّرُونَ‏ بألبابهم أي: عقولهم الخالصة عن شوب الوهم‏ فِي خَلْقِ‏ عالم الأرواح و الأجساد. يقولون عند الشهود رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا الخلق‏ باطِلًا أي: شيئا غيرك، فإنّ غير الحق هو الباطل، بل جعلته أسماءك و مظاهر صفاتك‏ سُبْحانَكَ‏ ننزهك أن يوجد غيرك، أي: يقارن شي‏ء فردانيتك أو يثني وحدانيتك‏ فَقِنا عَذابَ‏ نار الاحتجاب بالأكوان عن أفعالك، و بالأفعال عن صفاتك، و بالصفات عن ذاتك وقاية مطلقة تامة كافية رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ بالحرمان‏ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‏ بوجود البقية التي كلها ذلّ و عار و شنار وَ ما لِلظَّالِمِينَ‏ الذين أشركوا برؤية الغير مطلقا أو البقية مِنْ أَنْصارٍرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا بأسماع قلوبنا مُنادِياً من أسرارنا التي هي شاطئ وادي الروح الأيمن‏ يُنادِي‏ إلى الإيمان العيانيّ‏ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ‏ أي: شاهدوا ربكم، فشاهدنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذنوب صفاتنا بصفاتك‏ وَ كَفِّرْ عَنَّا سيئات أفعالنا برؤية أفعالك‏ وَ تَوَفَّنا عن ذواتنا في صحبة الأبرار من الأبدال الذين تتوفاهم بذاتك عن ذواتهم، لا الأبرار الباقين على حالهم في مقام محو الصفات غير المتوفين بالكلية رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ اتباع‏ رُسُلِكَ‏ أو محمولا على رسلك من البقاء بعد الفناء، و الاستقامة بالوجود الموهوب بعد التوحيد وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ الكبرى و وقت بروز الخلق للّه الواحد القهار بالاحتجاب بالوحدة عن الكثرة، و بالجمع عن التفصيل‏ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ فتبقى مقاما وراءنا لم نصل إليه.

 

 

 

 

[195- 199]

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 195 الى 199]

فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196)

مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (197)

لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198)

وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199)

فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ القلب من الأعمال القلبية كالإخلاص و اليقين و الكشف‏ أَوْ أُنْثى‏ النفس من الأعمال القالبية، كالطاعات و المجاهدات و الرياضات‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ‏ يجمعكم أصل واحد و حقيقة واحدة هي الروح الإنسانية، أي: بعضكم منشأ من بعض، فلا أثيب بعضكم و أحرم بعضا فَالَّذِينَ هاجَرُوا عن أوطان مألوفات النفس‏ وَ أُخْرِجُوا مِنْ‏ ديار صفاتها أو هاجروا من أحوالهم التي التذّوا بها، و أخرجوا من مقاماتهم التي يسكنون إليها وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي‏ أي: ابتلوا في سبيل سلوك أفعالي بالبلايا و المحن و الشدائد و الفتن ليتمرّنوا بالصبر، و يفوزوا بالتوكل في سبيل سلوك صفاتي بسطوات تجلّيات الجلال و العظمة و الكبرياء ليصلوا إلى الرضا وَ قاتَلُوا البقية بالجهاد فيّ‏ وَ قُتِلُوا و أفنوا في بالكلية لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‏ كلها من الصغائر و الكبائر، أي: سيئات بقاياهم‏ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ‏ الجنات الثلاثة المذكورة ثَواباً أي: عوضا لما أخذت منهم من الوجودات الثلاثة وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ‏ أي: لا يكون عند غيره الثواب المطلق الذي لا يبقى منه شي‏ء، و لهذا قال: و اللّه، لأنه الاسم الجامع لجميع الصفات، فلم يحسن أن يقول: و الرحمن، في هذا الموضع أو اسم آخر غير اسم الذات‏ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: حجبوا عن التوحيد الذي هو دين الحق في المقامات و الأحوال.

مَتاعٌ قَلِيلٌ‏ أي: هو يعني الاحتجاب بالمقامات و التقلّب فيها تمتع قليل‏ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ الحرمان‏ لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ‏ من المؤمنين، أي: تجرّدوا عن الوجودات الثلاثة، لهم الجنات الثلاث، نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ معدّا وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ‏ أي: المحجوبين عن التوحيد، و المذكورين بصفة التقلّب في الأحوال و المقامات‏ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ‏ أي: يتحقق بالتوحيد الذاتي‏ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ‏ من علم التوحيد و الاستقامة وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ‏ من علم المبدأ و المعاد خاشِعِينَ لِلَّهِ‏ قابلين لتجلي الذات‏ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ‏ التي هي تجليات صفاته ثمن البقية الموصوف بالقلّة أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ من الجنان المذكورة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ يحاسبهم و يجازيهم فيعاقب على بقايا من بقي منهم شي‏ء، أو يثيب بنفي البقايا على حسب درجاتهم في المواطن الثلاثة.

 

 

 

 

[200]

[سورة آل‏عمران (3): آية 200]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا للّه‏ وَ صابِرُوا مع اللّه‏ وَ رابِطُوا باللّه، أي: اصبروا في مقام النفس بالمجاهدة، و صابروا في مقام القلب مع سطوات تجليات صفات الجلال بالمكاشفة، و رابطوا في مقام الروح ذواتكم بالمشاهدة حتى لا يغلبكم فترة أو غفلة أو غيبة بالتلوينات‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ في مقام الصبر عن المخالفة و الرياء، و في المصابرة عن الاعتراض و الامتلاء و في المرابطة عن البقية و الجفاء لكي تفلحوا الفلاح الحقيقي السرمديّ الذي لا فلاح وراءه، إن شاء اللّه.


[1] ( 1) سورة هود، الآية: 56.

[2] ( 2) سورة الأعراف، الآية: 172.

[3] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 153.

[4] ( 1) سورة البقرة، الآية: 143.

[5] ( 2) سورة المنافقون، الآية: 8.

[6] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 14.

[7] ( 1) سورة آل عمران، الآية: 152.

[8] ( 2) سورة الحديد، الآية: 22.

[9] ( 1) سورة النساء، الآية: 78.

[10] ( 1) سورة الصافات، الآية: 96.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=