تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الليل

تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الليل

سورة الليل‏

[1- 3]

[سورة الليل (92): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ (1) وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (3)

أقسم بليل ظلمة النفس إذا ستر نور الروح و بنهار نور الروح‏ إِذا تَجَلَّى‏ فظهر من اجتماعهما وجود القلب الذي هو عرش الرحمن فإن القلب يظهر باجتماع هذين له وجه إلى الروح يسمى الفؤاد يتلقى به المعارف و الحقائق و وجه إلى النفس يسمى الصدر يحفظ به السرائر و يتمثل فيه المعاني و القادر العظيم القدرة الحكيم الباهر الحكمة الذي‏ خَلَقَ الذَّكَرَ الذي هو الروح‏ وَ الْأُنْثى‏ التي هي النفس فولد القلب.

 

 

[4- 7]

[سورة الليل (92): الآيات 4 الى 7]

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ (5) وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ (7)

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى‏ أشتات مختلفة لانجذاب بعضكم إلى جانب الروح و التوجه إلى الخير لغلبة النورية و ميل بعضكم إلى جانب النفس و الانهماك في الشر لغلبة الظلمة و تفصيل ذلك في قوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ أي: آثر الترك و التجريد فرفض ما يشغله عن الحق و تركه بالسهولة و اتقى عن هيئات النفس فجرّدها عن الميل إلى ما رفض و الالتفات نحوه‏ وَ صَدَّقَ‏ بالفضيلة بِالْحُسْنى‏ التي هي مرتبة الكمال بالإيمان العلمي إذ لو لم يتيقن بوجود كمال كامل لم يمكنه الترقي‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ أي: فسنهيئه و نوفقه للطريقة اليسرى التي هي السلوك في اللّه لقطع علائقه و قوة يقينه.

 

 

[8- 10]

[سورة الليل (92): الآيات 8 الى 10]

وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏ (8) وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ (10)

وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏ آثر محبة المال و جمعه و منعه و استغنى به عن كسب الفضيلة لاحتجابه به عن الحق‏ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ بوجود مرتبة الكمال و الفضيلة لاستغنائه بالحياة الدنيا و احتجابه بها عن عالم النور و الآخرة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ فسنهيئه بالخذلان للطريقة العسرى التي هي الانحطاط عن رتبة الفطرة إلى قعر الطبيعة و دركات أسفل سافلين مأوى الحشرات و الديدان و الحيلولة بينه و بين شهواته بالحرمان.

 

 

[11]

[سورة الليل (92): آية 11]

وَ ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (11)

وَ ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ‏ الذي تعب في تحصيله و أفنى عمره في حفظه‏ إِذا تَرَدَّى‏ إذا وقع في قعر بئر جهنم و عمق الهاوية و هلك.

 

 

[12- 13]

[سورة الليل (92): الآيات 12 الى 13]

إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ (12) وَ إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَ الْأُولى‏ (13)

إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ بالإرشاد إلينا بنور العقل و الحسّ و الجمع بين الأدلة العقلية و السمعية و التمكين على الاستدلال و الاستبصار.

وَ إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَ الْأُولى‏ أي: نعطيهما من توجه إلينا فلا نحرم التارك المجرّد عن ثواب الدنيا مع ثواب الآخرة فإن من آثر الأشرف يكون الأخس تحت قدمه بالضرورة كقوله:لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏[1].

 

 

[14- 15]

[سورة الليل (92): الآيات 14 الى 15]

فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (14) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (15)

فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى‏ أي: نارا عظيمة يبلغ لظاها جميع مراتب الوجود و هي النار الكبرى الشاملة للحجاب و القهر و السخط و التعذيب بالآثار، و لهذا قال: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى‏ العديم الاستعداد، الخبيث الجوهر، المشرك باللّه في المواقف الأربعة.

 

 

[16- 17]

[سورة الليل (92): الآيات 16 الى 17]

الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (16) وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17)

الَّذِي كَذَّبَ‏ باللّه لشركه‏ وَ تَوَلَّى‏ و أعرض عن الدين لعناده‏ وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى‏ أي: يتحاماها و يبعد عنها في جميع مراتبها الَّذِي‏ اتقى ما عدا اللّه من ذاته و صفاته و أفعاله و كل شي‏ء من الأغيار و الآثار بالاستغراق في عين الجمع و هو الأتقى المطلق الذي لم يقف مع غير اللّه فيوقف على اللّه و يعذب ببعض النيران. و أما التقي فقد لا يجنب جميع مراتبها كالمتجرّد من الهيئات و الأفعال، الواقف مع الصفات فإنه و إن كان مغفورا ذنوبه فقد حرم عن روح الذات و لذة المقرّبين في حجاب وجوده.

 

 

[18]

[سورة الليل (92): آية 18]

الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18)

الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى‏ الذي يعطيه في حالة كونه متطهرا عن لوث محبة الأنداد و تعلق الأغيار و الالتفات إلى ما سوى اللّه و الاشتغال به مزكيا نفسه عن الشرك الخفي.

 

 

[19- 20]

[سورة الليل (92): الآيات 19 الى 20]

وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏ (20)

وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ أي: لا يؤتيه للمكافأة و المعارضة إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ‏ باجتناب ما عداه و لكونه على أعلى مراتب التقوى لأن اللّه تعالى بحسب كل اسم له‏ وجه يتجلى به لمن يدعوه بلسان حاله بذلك الاسم و يعبده باستعداده و الوجه الأعلى هو الذي له بحسب اسمه الأعلى الشامل لجميع الأسماء و إن جعلته وصفا لربّه، فالرب هو ذلك الاسم.

 

 

[21]

[سورة الليل (92): آية 21]

وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ (21)

وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ بالوصول إليه في عين الجمع و الشهود الذاتي ثم مشاهدة ذلك الوجه في مقام التفصيل حال البقاء بعد الفناء لاستدعاء الرضا وجوده مع الوصف، و اللّه تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 439


[1] ( 1) سورة المائدة، الآية: 66.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=