تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة يونس (عليه السلام)
سورة يونس (عليه السلام)
[1- 3]
[سورة يونس (10): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (1) أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (2) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (3)
الر إشارة إلى الرحمة التي هي الذات المحمدية لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107)[1]، و (ا ل) مرّ ذكرهما تِلْكَ أي: ما أشير إليه بهذه الحروف أركان كتاب الكل ذي الحكمة أو المحكم المتقن تفاصيله أو أقسم باللّه باعتبار الهوية الأحدية جمعا و باعتبار الصفة الواحدية تفصيلا في باطن الجبروت و ظاهر الرحموت على ما ذكر أو على أن تلك الآيات المذكورة في السورة آياتُ الْكِتابِ ذي الحكمة أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً إلى آخره، أنكر عجبهم لكون سنّة اللّه جارية أبدا على هذا الأسلوب في الإيحاء على الرجال و إنما كان تعجبهم لبعدهم عن مقامه و عدم مناسبة حالهم لحاله و منافاة ما جاء به لما اعتقدوه أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: سابقة بحسب العناية الأولى عظيمة أو مقاما من قربه ليس لأحد مثله خصصهم اللّه به في الأزل بمحض الاجتباء و إلا لما آمنوا به قالَ الْكافِرُونَ الذين حجبوا عن اللّه فلم يطلعوا على ظهور صفاته في النفس المحمدية إِنَّ هذا الذي جاء به لَساحِرٌ مُبِينٌ أي: شيء خارج عن قدرة البشر ليس إلا من عمل الشياطين. قالوا ذلك لغلبة الشيطنة عليهم و احتجابهم بها عن اللّه و عبادتهم الشيطان بحيث لم يصلوا إلى طور من الروحانيات وراءه في القدرة، فلذلك نسبوا ما تجاوز عن حدّ البشرية إليه بالطبع.
يُدَبِّرُ أمر السموات و الأرضين على وفق حكمته بيد قدرته ما مِنْ شَفِيعٍ يشفع لأحد بإفاضة كمال و إمداد نور يقربه إلى اللّه و ينجيه من ظلمات النفس و يطهره من رجز صفاتها إِلَّا مِنْ بَعْدِ أن يأذن بموهبة الاستعداد ثم بتوفيق الأسباب ذلِكُمُ الموصوف بهذه الصفات اللَّهُ رَبُّكُمْ الذي يربيكم و يدبر أمركم، فخصصوه بالعبادة و اعرفوه بهذه الصفات و لا تعبدوا الشيطان و لا تحتجبوا عنه ببعض صفاته، فتنسبوا قوله و فعله إلى الشيطان أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ما في أنفسكم من آياته فتتفكروا فيها و تنزجروا عن الشرك به.
[4]
[سورة يونس (10): آية 4]
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (4)
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً بالعود إلى عين الجمع المطلق في القيامة الصغرى كما هو الآن أو إلى عين جمع الذات بالفناء فيه عند القيامة الكبرى.
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ في النشأة الأولى ثُمَّ يُعِيدُهُ في النشأة الثانية لِيَجْزِيَ المؤمن و الكافر على حسب إيمانهم و عملهم الصالح و كفرهم و عملهم الفاسد و هذا على التأويل الأول، و على الثاني: يبدأ الخلق باختفائه و إظهارهم ثم يعيدهم بإفنائهم و ظهوره ليجزي الذين آمنوا به و عملوا الصالحات ما يصلحهم للقائه من الأعمال الرافعة لحجبهم المقربة إياهم بِالْقِسْطِ بحسب ما بلغوا من المقامات بأعمالهم من مواهبه الحالية و الذوقية التي يقتضيها مقامهم و شوقهم، أو ليجزي الذين آمنوا الإيمان الحقيقي و عملوا باللّه الأعمال التي تصلح العباد، أي جزاء بالتكميل بقسطهم أي بسبب عدلهم في زمان الاستقامة أو جزاء بحسب رتبتهم و مقامهم في الاستقامة وَ الَّذِينَ حجبوا في أي مقام كان لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ لجهلهم بما فوقه و شكهم و اضطرابهم إذ لو وصلوا إلى اليقين لذاقو برده وَ عَذابٌ أَلِيمٌ من الحرمان و الهجران و فقدان روح الوجدان بسبب احتجابهم.
[5]
[سورة يونس (10): آية 5]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ شمس الروح ضياء الوجود و قمر القلب نوره و قدر مسيره في سلوكه مَنازِلَ و مقامات لِتَعْلَمُوا عَدَدَ سني مراتبكم و أطواركم في السير إلى اللّه و في اللّه و حساب درجاتكم و مواقع أقدامكم في كل مقام و مرتبة.
[6- 9]
[سورة يونس (10): الآيات 6 الى 9]
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)
إِنَّ فِي اخْتِلافِ ليل غلبة ظلمة النفس على القلب و نهار إشراق ضوء الروح عليه و ما خلق اللّه في سموات الأرواح و أرض الأجساد لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ حجب صفات النفس الأمارة و بلغوا إلى رتبة النفس اللوامة فتعرفوا تلك الآيات.
[10]
[سورة يونس (10): آية 10]
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10)
دَعْواهُمْ فِيها أي: دعاؤهم الاستعدادي في الجنات الثلاث التي يهديهم اللّه إليها بحسب نور إيمانهم سُبْحانَكَ أي: تنزيهه في الأولى عن الشرك في الأفعال بالبراءة عن حولهم و قوّتهم، و في الثانية: عن الشرك في الصفات بالانسلاخ عن صفاتهم، و في الثالثة عن الشرك في الوجود بفنائهم وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها أي: تحية بعضهم لبعض في كل مرتبة منها إفاضة أنوار التزكية و إمداد التصفية من بعضهم على بعض، أو تحية اللّه لهم فيها إشراقات التجليات و إمداد التجريد و إزالة الآفات من الحق تعالى عليهم وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أي: آخر ما يقتضي استعداداتهم و سؤال اللّه تعالى بالطلب و الاستفاضة قيامهم باللّه في ظهور كمالاته و صفات جلاله و جماله عليهم الذي هو الحمد الحقيقي منه و له و تخصيص ذلك الحمد به مجملا ثم مفصلا أولا باعتبار هويته المطلقة، ثم باعتبار ربوبيته للعالمين.
[11- 18]
[سورة يونس (10): الآيات 11 الى 18]
وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)
وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ إلى آخره، لما كانت الاستعدادات مفطورة على الخير الإضافي الصوري أو المعنوي بحسب درجاتها في الأزل كان كل دعاء منها و طلب للخير بتهيئة قابليتها و تصفيتها و شوقها إليه يوجب حصول ذلك له عاجلا و فيضانه عليه من المبدأ الفياض الذي هو منبع الخيرات و البركات كقوله تعالى: وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ[2] و كلما فاض عليه خير باستحقاقه له لوجود تصفية و تزكية زاد استعداده بانضمام هذا الخير إليه، فصار أقوى و أقبل من الأول فيكون المبدأ تعالى أسرع إجابة له و أكثر إفاضة عليه و على هذا يزداد الاستعداد فيزداد الفيض حتى يبلغ مداه و هو معنى تضاعف الحسنات.
و معنى قوله:مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها*[3]. و أما الشرور فليست إلا حجب الاستعداد و موانع القبول و حواجز الفيض، فلما حصلت ما وقع بسببها إلا عدم القبول للخيرات فمنعت فيضانها و بقي الاستعداد في حجاب ما حصل منها ليس إلا، و إن اقتضى بحسب المناسبة فيضان الشرّ فليس في فيض المبدأ ما يجانسه فلا يفيض عليه شيء من جنسه، و هذا معنى قوله تعالى: وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها[4] اللهم إلا إذا أفرط و تجاوز حدّ الرحمة و أزال الاستعداد بالكلية فناسب الشيطنة و استمدّ من عالمها، كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)[5]، لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ لقطع مدى استعدادهم فانقطع مدد الحياة الحقيقية عنهم و مدد الخير عن استعدادهم بالكلية و أزيل إمكان التصفية منه لاقتضائه الشرّ، فلم يصل إليهم بعد ذلك خير صوري و لا معنوي و لكن يمهلهم ما بقي فيهم أدنى مسكة من استعدادهم و إمكان قبول لأدنى خير.
فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا من جملتهم، أي: لا يرفعون رأسا من انهماكهم في الشرور و لا يتوقعون نورا من أنوارنا و لا يتنبهون قط من غفلتهم بالرجوع إلينا و طلب رحمتنا فِي طُغْيانِهِمْ و تماديهم في الشرور يتحيرون و ينقطع مدد الخيرات الصورية التي يسألها استعدادهم بلسان حاله عنهم حتى يزول بانغماسهم و انهماكهم في الطبيعيات نور استعدادهم بالكلية لحصول الرين و يحق الطمس، فنكسوا على رؤوسهم إلى أسفل سافلين.
[19- 20]
[سورة يونس (10): الآيات 19 الى 20]
وَ ما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)
وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً على الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها، متوجهين إلى الوحدة، متنوّرين بنور الهداية الأصلية فَاخْتَلَفُوا بمقتضيات النشأة و اختلاف الأمزجة و الأهوية و العادات و المخالطات. وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أي: قضاء سبق في الأزل بتعيين الآجال و الأرزاق و تمادي كل واحد من الشقي و السعيد إلى حيث قدر له فيما يزاوله لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ عاجلا و لميز السعيد من الشقي، و الحق من الباطل من أديانهم و مللهم و لكن حكمة اللّه اقتضت أن يبلغ كل منهم و جهته التي ولى وجهه إليها بأعماله التي يزاولها هو و إظهار ما خفي في نفسه.
[21- 24]
[سورة يونس (10): الآيات 21 الى 24]
وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)
وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ قد مرّ أن أنواع البلاء من الضراء و البأساء و صنوف اللأواء تكسر شرّة النفس، و تلطف القلب بكشف حجب صفات النفس و ترقيق كثافات الطبع و رفع غشاوات الهوى، فلذا تنزع قلوبهم بالطبع إلى مبدئها في تلك الحالة لرجوعها إلى مقتضى فطرتها حينئذ و عودها إلى نوريتها الأصلية و قوتها الفطرية و ميلها إلى العروج الذي هو في سنخها لزوال المانع بل الميل إلى الجهة العلوية و المبادئ النورية مفطور في طباع القوى الملكوتية كلها.
حتى النفس الحيوانية لو تزكّت عن الهيئات البدنية الظلمانية فإن التسفل من العوارض الجسمانية حتى أن البهائم و الوحوش إذا اشتدت الحال عليها في أوقات المحل و أيام الجدب اجتمعت رافعة رؤوسها إلى السماء كأن ملكوتها يشعر بنزول الفيض من الجهة العلوية فتستمدّ منها فكذا إذا توافرت على الناس النعم الظاهرة و تكاملت عليهم الأمداد الطبيعية و المرادات الجسمانية قويت النفس من مدد الجهة السفلية و استطالت قواها بالترفع على القلب و تكاثف الحجاب و غلظ و تسلط الهوى و غلب، و صارت السلطنة للطبيعة الجسمانية، و ارتكمت الهيئات البدنية الظلمانية فتشكل القلب بهيئة النفس و قسا و غلظ و طغى، و أبطرته النعمة فكفر و عمى و مال إلى الجهة السفلية لبعده عن الهيئة النورية حينئذ.
و بقدر استيلاء النفس على القلب يستولي الوهم على العقل، فتستولي الشيطنة لكون القوة العاقلة أسيرة في قيد الوهم مأمورة له يستعملها في مطالبه و يستسعيها في مآربه من تحصيل لذات النفس و إمدادها من عالم الرجس و تقوية صفاتها بأهب عالم الطبع و عدد مواد الحظ بالفكر، فيحتجب القلب بالرين عن قبول صفات الحق بالكلية، و ذلك معنى قوله: إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً بإخفاء القهر الحقيقي في هذا اللطف الصوري و تعبية عذاب نيران الحرمان و حيات هيئات الرذائل و العقارب السود و لباس القطران في هذه الرحمة الظاهرة.
إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ قد علمت أن الملكوت السماوية تنتقش بكل حادثة تقع في هذا العالم فكل عمل حسن أو قبيح يصدر عن أحد فقد كتب عليه في تلك الألواح و قد اتصل ملكوت كل بدن بتلك المبادئ الملكوتية فمتى هممنا بحسنة أو سيئة ارتسمت صورته في ملكوت أبداننا على سبيل الخاطر أولا ثم أخذنا في الفكر فيه، فإن استحكم النقش و انبعثت منه العزيمة حتى امتثلنا الخاطر الأول بالإرادة الجازمة انطبع بإقدامنا على الفعل إلا أنه إن كان حسنة انطبع في الحال في جهة القلب التي تلي الروح و لوح الفؤاد المنوّر بنوره و كتبته القوة العاقلة العملية التي هي صاحب اليمين من الملكين الموكلين المشار إليهما بقوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ[6] إذ الفؤاد هو الجانب الأقوى منه و إن كان سيئة لا ينطبع في الحال لبعد الهيئة الظلمانية من القلب و عدم مناسبته إياها بالذات، فإن أدركه التوفيق و تلألأ عليه نور من أنوار الهداية الروحانية ندم و استغفر فمحى عنه، و عفى له، و إن لم يتداركه بقي متلجلجا حتى أمدّته النفس بظلمة صفاتها فاستقرّ في لوح الصدر الذي هو وجه القلب الذي يلي النفس المظلم بظلمة النفس الغالبة عليه في صدور هذا الفعل منه و كتبته القوة المتخيلة التي هي صاحب الشمال إذ هذا الجانب هو الأضعف و هذا هو المراد من قولهم: صاحب الشمال لا يكتب السيئة حتى تمضي ست ساعات فإن استغفر فيها صاحبها لم تكتب، و إن أصرّ كتبته. و يفهم من هذا التقرير إيتاء الكتاب بيمين المسلم و شمال الكافر، و أما صورة الإيتاء و كيفيته فقد تجيء في موضعها إن شاء اللّه تعالى.
إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ إلى آخره، البغي ضدّ العدل، فكما أن العدل فضيلة شاملة لجميع الفضائل و هيئة وحدانية لها فائضة من نور الوحدة على النفس فالبغي لا يكون إلا عن غاية الانهماك في الرذائل بحيث يستلزمها جميعا فصاحبها في غاية البعد عن الحق و نهاية الظلمة كما قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة».
فلهذا قال: عَلى أَنْفُسِكُمْ، لا على المظلوم لأن المظلوم سعد به و شقي الظالم غاية الشقاء و هو ليس إلا متاع الحياة الدنيا إذ جميع الإفراطات و التفريطات المقابلة للعدالة تمتعات طبيعية و لذات حيوانية تنقضي بانقضاء الحياة الحسيّة التي مثلها في سرعة الزوال و قلّة البقاء هذا المثل الذي مثل به من تزين الأرض بزخرفها من ماء المطر ثم فسادها ببعض الآفات سريعا قبل الانتفاع بنباتها ثم تتبعها الشقاوة الأبدية و العذاب الأليم الدائم.
و في الحديث: أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، و أعجل الشر عقابا البغي و اليمين الفاجرة، لأن صاحبه تتراكم عليه حقوق الناس فلا تحتمل عقوبته المهل الطويل الذي يحتمله حق اللّه تعالى. و قد سمعت بعض المشايخ يقول: قلما يموت الظالم حتف أنفه و قلما يبلغ الفاسق أوان الشيخوخة، و ذلك لمبارزتهما للّه تعالى في هدم النظام المصروف عنايته تعالى إلى ضبطه و مخالفتهما إياه في حكمته و عدله.
[25]
[سورة يونس (10): آية 25]
وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)
وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ يدعو الكل إلى دار سلام العالم الروحاني الذي لا آفة فيه و لا نقص و لا فقر و لا فناء بل فيه السلامة عن كل عيب و الأمان من كل خوف وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من جملتهم من أهل الاستعداد إِلى صراط الوحدة.
[26- 28]
[سورة يونس (10): الآيات 26 الى 28]
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (26) وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (27) وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (28)
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي: جاءوا بما يحسن به حالهم من خير فعليّ أو قوليّ أو علميّ مما هو سبب كمالهم المثوبة الْحُسْنى من الكمال الذي يفيض عليهم بسبب ذلك الخير وَ زِيادَةٌ مرتبة مما كان قبله بالترقي أو زيادة في استعداد قبول الخيرات و الكمالات بانضمام هذا الكمال و النور الفائض عليهم إلى استعدادهم الأول على ما ذكر وَ لا يَرْهَقُ وجوه قلوبهم غبار من كدورات صفات النفس و قيام غلباتها وَ لا ذِلَّةٌ من ميل قلوبهم إلى الجهة السفلية.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ التي يقتضيها حالهم و ارتقاؤهم من الجنان المذكورة هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَ الَّذِينَ كَسَبُوا أجناس السَّيِّئاتِ من أعمال و أقوال و عقائد تحجب استعدادهم عن قبول الكمال جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها من الهيئة التي ارتكبت على قلوبهم من سيئاتهم فمنعتها الصفاء و النور وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ الميل إلى الجهة السفلية ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعصمهم من تلك الذلة و الخذلان لوجود الحجاب و عدم قبول هذه العصمة لثبوت الكدورة كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ لفرط ارتكاب الهيئة المظلمة من الميول الطبيعية و الأعمال الرديّة عليها.
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ التي يقتضيها حالهم في التسفل من نيران الآثار و الأفعال وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً في المجمع الأكبر عين جمع الوجود المطلق ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا منهم أي: المحجوبين الواقفين مع الغير بالمحبة و الطاعة مَكانَكُمْ أي: الزموا مكانكم أَنْتُمْ وَ شُرَكاؤُكُمْ و معناه: وقفوا مع ما وقفوا معه في الموقف مع قطع الوصل و الأسباب التي هي سبب محبتهم و عبادتهم و تبرّؤ المعبود من العابد لانقطاع الآلات البدنية و الأغراض الطبيعية التي توجب تلك الوصل و هو معنى قوله: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ أي: مع كونهم في الموقف معا فرقنا بينهم في الوجهة و ذلك عند علوّ رتبة المعبود و دنوّ رتبة العابد و تباين حاليهما إذا كان المعبود شريفا كالملائكة و المسيح و عزير و أمثالهم ممن له السابقة عند اللّه كما قال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101)[7]. وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ بل تعبدون الشيطان بطاعتكم إياه و ما اخترعتموه في أوهامكم من أباطيل فاسدة و أماني كاذبة.
[29- 36]
[سورة يونس (10): الآيات 29 الى 36]
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (29) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ (31) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33)
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (36)
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً إلى آخره، أي: اللّه يعلم أنّا ما أمرناكم بذلك و ما أردنا عبادتكم إيانا هُنالِكَ أي: عند ذلك الموقف تختبر و تذوق كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ في الدنيا وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ في موقف الجزاء بالانقطاع عن الآلهة و انفرادهم عنها مَوْلاهُمُ الْحَقِ المتولي جزاءهم بالعدل و القسط وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من اختراعاتهم و أصول دينهم و مذهبهم و توهماتهم الكاذبة و أمانيهم الباطلة.
[37- 38]
[سورة يونس (10): الآيات 37 الى 38]
وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38)
وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ اختلاقا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من اللوح المحفوظ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ الذي هو الأمّ كقوله تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)[8] أي: كيف يكون مختلقا و قد أثبت قبله في كتابين من علم مفصلا كما هو في اللوح المحفوظ و مجملا في أمّ الكتاب الذي هذا تفصيله.
[39- 42]
[سورة يونس (10): الآيات 39 الى 42]
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَ إِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (42)
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي: لما جهلوا كيفية ثبوته في علم اللّه و نزوله على سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام و قصر علمهم عن ذلك كذبوا به وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي: ظهور ما أشار إليه في مواعيده و أمثاله مما يؤول أمره و علمه إليه فلا يمكنهم التكذيب لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن لأحد تكذيبه، مثل ذلك التكذيب العظيم كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقبتهم لما ظلموا بالتكذيب وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي: سيؤمن به لرقة حجابه وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبدا لغلظ حجابه وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ و لكن لا يفهمون إما لعدم الاستعداد في الأصل و إما لرسوخ الهيئات المظلمة الحاجبة لنور الاستعداد فيهم و إما لاجتماع الأمرين كالأصم الذي لا عقل له فلا يسمع و لا يتفطن للإشارة، فكيف يمكن إفهامه.
[43]
[سورة يونس (10): آية 43]
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (43)
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ و لكن لا يبصر الحق و لا حقيقتك لأحد الأمرين المذكورين أو كليهما كالأعمى الذي انضمّ إلى فقدان بصره فقدان البصيرة فلا يبصر و لا يستبصر فكيف تمكن هدايته.
[44]
[سورة يونس (10): آية 44]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً لما ذكر الصمم و العمى اللذين يدلان على عدم استعداد الإدراك أشعر الكلام بوقوع الظلم لوجود الاستعداد لبعض و عدمه لبعض فسلب الظلم عن نفسه لأن عدم الاستعداد في الأصل ليس ظلما لعدم إمكان ما هو أجود منه بالنسبة إلى خصوصية ذلك و هويته فكان عينه مقتضيا له في رتبة من مراتب الإمكان كما لا يمكن للحمار مع حماريته استعداد الإدراك الإنساني و كان عينه مستدعيا لما هو عليه من الاستعداد الحماري و لا يطلب منه وراء ما في استعداده فلا ظلم هذا إذا لم يكن في الأصل و أما إذا بطل برسوخ الهيئات المظلمة فلا كلام فيه و كلاهما ظالم لنفسه.
أما الأول فلقصوره في درجات الإمكان و نقصانه بالإضافة إلى ما فوقه كقصور الحمار مثلا عن الإنسان و نقصانه بالإضافة إليه لا في نفسه فإنه في حدّ نفسه ليس بقاصر و لا ناقص. و أما الثاني فظاهر و على هذا معنى أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ينقصون حظها، أو إن اللّه لا يظلم الناس شيئا بأن يطلب منهم ما ليس في استعدادهم فيعاقبهم على ذلك و لكن الناس أنفسهم يظلمون فيستعملون استعداداتهم فيما لم تخلق لأجله.
[45- 46]
[سورة يونس (10): الآيات 45 الى 46]
وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (46)
وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ لعدم إحساسهم بالحركة المستلزم لذهولهم عن الزمان إذ الذاهل عن الحركة ذاهل عن الزمان، فسواء عندهم الساعة الواحدة و الدهور المتطاولة يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ بحكم سابقة الصحبة و داعية الهوى اللازمة للجنسية الأصلية بدلالة التشاؤم ثم إن بقيت الجنسية الأصلية و المناسبة الفطرية لاتحادهم في الوجهة و اتفاقهم في المقصد بقي التعارف بينهم، و إن لم يبق بسبب اختلاف الأهواء و تباين الآراء و تفاوت الهيئات المستفادة من لواحق النشأة و عوارض المادة انقلب إلى التناكر قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لوقوعهم في وحشة التناكر حينئذ و احتجابهم بحجب عاداتهم الفاسقة و هيئات اعتقاداتهم الفاسدة وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ و بطل نور استعدادهم فلا يهتدون إلى اللّه و لا إلى التعارف فخسئوا مبغوضين مطرودين لا يألفون أنيسا و لا يؤوون أليفا.
[47]
[سورة يونس (10): آية 47]
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (47)
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ يجانسهم في الأحوال النفسانية ليمكن بينهم الألفة الموجبة للاستفادة منه و يمكنه النزول إلى مبالغ عقولهم و مراتب فهومهم فيزكيهم بما يصلح أحوالهم و يكشف حجبهم و يعلمهم بما يوجب ترقيهم عن مقاماتهم و يهديهم إلى اللّه، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بهداية من اهتدى منهم و ضلالة من ضلّ و سعادة من سعد و شقاوة من شقي لظهور ذلك بوجوده و طاعة بعضهم إياه لقربه منه و إنكار بعضهم له لبعده عنه بِالْقِسْطِ أي: بالعدل الذي هو الغالب على حال النبي لكونه ظاهر توحيده و سيرته و طريقته وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ بنسبة خلاف ما هو حالهم إليهم و مجازاتهم به أو قضى بينهم بإنجاء من اهتدى به و إثابته و إهلاك من ضلّ و تعذيبه لظهور أسباب ذلك بوجوده.
[48]
[سورة يونس (10): آية 48]
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48)
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنكار لاحتجابهم عن القيامة و عدم وقوفهم على معناها إذ لو علموا كيفيته بارتفاع حجبهم بالتجرد عن ملابس النفس صدّقوهم في ذلك و ما أنكروا.
[49- 56]
[سورة يونس (10): الآيات 49 الى 56]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)
وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي إلى آخره، درّجهم إلى شهود الأفعال بسلب الملك و التأثير عن نفسه و وجوب وقوع ذلك عنه بمشيئة اللّه ليعرفوا آثار القيامة، ثم لوّح إلى أن القيامة الصغرى هي بانقضاء آجالهم المقدّرة عند اللّه بقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إلى آخره.
[57]
[سورة يونس (10): آية 57]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ أي: تزكية لنفوسكم بالوعد و الوعيد و الإنذار و البشارة و الزجر عن الذنوب المورطة في العقاب و التحريض على الأعمال الموجبة للثواب لتعملوا على الخوف و الرجاء وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ أي: القلوب من أمراضها كالشك و النفاق و الغلّ و الغش و أمثال ذلك بتعليم الحقائق و الحكم الموجبة لليقين و تصفيتها لقبول المعارف و التنوّر بنور التوحيد، و التهيؤ لتجليات الصفات وَ هُدىً لأرواحكم إلى الشهود الذاتي وَ رَحْمَةٌ بإفاضة الكمالات اللائقة بكل مقام من المقامات الثلاث بعد حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة و مقام القلب بالتصفية و مقام الروح بالهداية لِلْمُؤْمِنِينَ بالتصديق أولا ثم باليقين ثانيا ثم بالعيان ثالثا.
[58]
[سورة يونس (10): آية 58]
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ أي: بتوفيقه للقبول في المقامات الثلاثة وَ بِرَحْمَتِهِ بالمواهب الخلقية و العلمية و الكشفية في المراتب الثلاث فليعتنوا و إن كانوا يفرحون فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا لا بالأمور الفانية القليلة المقدار، الدنيئة القدر و الوقع هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الخسائس الفاسدة و المحقرات الزائلة من جملة الحطام إن كانوا أصحاب دراية و فطنة و أرباب قدر و همة.
[59- 61]
[سورة يونس (10): الآيات 59 الى 61]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61)
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إلى آخره، أي: أخبروني ما أنزل اللّه من رزق معنوي كالحقائق و المعارف و الأحوال و المواهب و كالآداب و الشرائع و المواعظ و النصائح فَجَعَلْتُمْ بعضه حَراماً كالقسم الأول وَ بعضه حَلالًا كالقسم الثاني قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في الحكم بالتحريم و التحليل أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَوَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ الوسطى بتجرّد القلب عن ملابس النفس و حصول اليقين أو يوم القيامة الكبرى بالتوحيد الذاتي و ظهور العيان، أي: لا يبقى ظنهم و ليس شيئا حينئذ أو يوم القيامة الصغرى بالموت و حصول الحرمان أي: يكون ظنهم وبالا و عذابا حينئذ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ بصنفي العلمين و إفاضتهما و توفيق القبول لهما و تهيئة الاستعداد لقبولهما وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ نعمته فيستعملون ما وهب لهم من الاستعداد و العلوم في تحصيل المنافع الجزئية و المطالب الحسية و يكفرون نعمته فيمنعون عن الزيادة.
[62]
[سورة يونس (10): آية 62]
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ المستغرقين في عين الهوية الأحدية بفناء الإنية لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ إذ لم يبق منهم بقية خافوا بسببها من حرمان و لا غاية وراء ما بلغوا فيخافوا من حجبه وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ لامتناع فوات شيء من الكمالات و اللذات منهم، فيحزنوا عليه. و عن سعيد بن جبير: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سئل من هم؟ فقال: «هم الذين يذكر اللّه برؤيتهم». و هذا رمز لطيف منه عليه السلام.
وعن عمر رضي اللّه عنه: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إن من عباد اللّه عبادا ما هم بأنبياء و لا شهداء يغبطهم الأنبياء و الشهداء يوم القيامة لمكانهم من اللّه»، قالوا: يا رسول اللّه، خبرنا من هم و ما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابّوا في اللّه على غير أرحام بينهم و لا أموال يتعاطونها، فو اللّه إن وجوههم لنور و إنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس و لا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ الآية. قوله: و إنهم لعلى منابر من نور، يريد به اتصالهم بالمبادئ العالية الروحانية كالعقل الأول و ما يليه.
[63]
[سورة يونس (10): آية 63]
الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (63)
الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ أن جعل صفة لأولياء اللّه فمعناه الذين آمنوا بالإيمان الحقيّ و كانوا يتقون بقاياهم و ظهور تلويناتهم.
[64]
[سورة يونس (10): آية 64]
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بوجود الاستقامة في الأعمال و الأخلاق المبشرة بجنة النفوس وَ فِي الْآخِرَةِ بظهور أنوار الصفات و الحقائق الروحانية و المعارف الحقّانية عليهم المبشرة بجنة القلوب و حصول الذوق بهما و اللذة لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ لحقائقه الواردة عليهم و أسمائه المنكشفة لهم و أحكام تجلياته النازلة بهم، و إن جعل كلاما برأسه مبتدأ فمعناه الذين آمنوا الإيمان اليقيني و كانوا يتقون حجب صفات النفس و موانع الكشف من التشكيكات الوهمية و الوساوس الشيطانية لهم البشرى في الحياة الدنيا بوجدان لذة برد اليقين في النفس و اطمئنانها بنزول السكينة و في الآخرة بوجدان ذوق تجليات الصفات و أثر أنوار المكاشفات لا تبديل لكلمات اللّه من علومهم اللدنية و حكمهم اليقينية أو فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها فإن كل نفس كلمة.
[65- 66]
[سورة يونس (10): الآيات 65 الى 66]
وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66)
وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أي: لا تتأثر به فإنه مراء و شاهد عزة اللّه و قهره لتنظر إليهم بنظر الفناء و ترى أعمالهم و أقوالهم و ما يهددونك به كالهباء فمن شاهد قوة اللّه و عزته يرى كل القوة و العزة لا قوة لأحد و لا حول. هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم فيك فيجازيهم الْعَلِيمُ لما ينبغي أن يفعل بهم ثم بين ضعفهم و عجزهم و امتناع غلبتهم عليه بقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كلهم تحت ملكته و تصرّفه و قهره لا يقدرون على شيء بغير إذنه و مشيئته و إقداره إياهم وَ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ و أي شيء يتبع الذين يدعون من دون اللّه شركاء، أي: إذا كان الكل تحت قهره و ملكته فما يتبعون من دون اللّه ليس بشيء و لا تأثير له و لا قوة إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا ما يتوهمونه في ظنهم و يتخيلونه في خيالهم و ما هم إلّا يقدّرون وجود شيء لا وجود له في الحقيقة.
[67]
[سورة يونس (10): آية 67]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ليل الجسم لِتَسْكُنُوا فِيهِ و نهار الروح لتبصروا به حقائق الأشياء و ما تهتدون به إليه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ كلام اللّه به، فيفهمون بواطنه و حدوده و يطلعون به على صفاته و أسمائه فيشاهدونه موصوفا و متسما بها.
[68- 70]
[سورة يونس (10): الآيات 68 الى 70]
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي: معلولا يجانسه سُبْحانَهُ أنزهه عن مجانسة شيء هُوَ الْغَنِيُ الذي وجوده بذاته و به وجود كل شيء، فكيف يماثله شيء، و من له الوجود كله فكيف يجانسه شيء.
[71- 83]
[سورة يونس (10): الآيات 71 الى 83]
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ جَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَ هارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75)
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَ ما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78) وَ قالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)
فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ في صحة توكله على اللّه و نظره إلى قومه و إلى شركائهم بعين الفناء و عدم مبالاته بهم و بمكايدهم ليعتبروا به حالك، فإن الأنبياء كلهم في ملة التوحيد و القيام باللّه و عدم الالتفات إلى الخلق سواء.
[84- 109]
[سورة يونس (10): الآيات 84 الى 109]
وَ قالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَ نَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَ قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88)
قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92) وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)
وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)وَ اتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ اصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109)
وَ قالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ أي: إيمانا يقينيا فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا جعل التوكل من لوازم الإسلام و هو إسلام الوجه للّه تعالى، و لم يجعل الإسلام من لوازم الإيمان أي: إن كمل إيمانكم و يقينكم بحيث أثّر في نفوسكم و جعلها خالصة للّه فانية فيه لزم التوكل عليه فإن أول مرتبة الفناء هو فناء الأفعال ثم الصفات ثم الوجود فإن تمّ الفناء لزم التوكل الذي هو فناء الأفعال و إن أريد الإسلام بمعنى الانقياد كان شرطا في التوكل لا ملزوما له و حينئذ يكون معناه: إن صح إيمانكم يقينا فعليه توكلوا بشرط أن لا يكون لكم فعل و لا تروا لأنفسكم و لا لغيركم قوة و تأثيرا بل تكونوا منقادين كالميت فإن شرط صحة التوكل فناء بقايا الأفعال و القوى كما تقول: إن كرهت هذا الشجر فاقلعه إن قدرت، و الباقي إلى آخر السورة بعضه لا يقبل التأويل و بعضه معلوم مما مرّ.
[1] ( 1) سورة الأنبياء، الآية: 107.
[2] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 34.
[3] ( 1) سورة القصص، الآية: 84.
[4] ( 2) سورة الأنعام، الآية: 160.
[5] ( 3) سورة الشعراء، الآيات: 221- 222.
[6] ( 1) سورة ق، الآية: 17.
[7] ( 1) سورة الأنبياء، الآية: 101.
[8] ( 1) سورة الزخرف، الآية: 4.