تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الناس
سورة الناس
[1- 3]
[سورة الناس (114): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلهِ النَّاسِ (3)
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ربّ الناس هو الذات مع جميع الصفات لأن الإنسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتب الوجود فربّه الذي أوجده و أفاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع الأسماء بحسب البداية المعبر عنه باللّه، و لهذا قال تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ[1] بالمتقابلين من الصفات كاللطف و القهر و الجمال و الجلال الشاملين لجميعها تعوّذ بوجهه بعد ما تعوّذ بصفاته و لهذا تأخرت هذه السورة عن المعوّذة الأولى إذ فيها تعوّذ في مقام الصفات باسمه الهادي فهداه إلى ذاته.
ثم بيّن ربّ الناس بملك الناس على أنه عطف بيان لأن الملك هو الذي يملك رقابهم و أمورهم باعتبار حال فنائهم فيه من قوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[2] فالملك بالحقيقة هو الواحد القهار الذي قهر كل شيء بظهوره ثم عطف عليه إِلهِ النَّاسِ لبيان حال بقائهم بعد الفناء لأن الإله هو المعبود المطلق و ذلك هو الذات مع جميع الصفات باعتبار النهاية. استعاذ بجنابه المطلق ففنى فيه فظهر كونه ملكا ثم ردّه إلى الوجود لمقام العبودية فكان معبودا دائما فتم استعاذته به.
[4- 5]
[سورة الناس (114): الآيات 4 الى 5]
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ لأن الوسوسة تقتضي محلا وجوديا كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ و لا وجود في حال الفناء فلا صدور و لا وسواس و لا موسوس بل إن ظهر هناك تلوين بوجود الأنانية فقل: أعوذ بك منك، فلما صار معبودا بوجود العابد ظهر الشيطان بظهور العابد كما كان أولا موجودا بوجوده. و الوسواس اسم للوسوسة سمي به الموسوس لدوام وسوسته كأن نفسه وسواس، و إنما استعاذ منه بالإله دون بعض أسمائه كما في السورة الأولى لأن الشيطان هو الذي يقابل الرحمن و يستولي على الصورة الجمعية الإنسانية و يظهر في صور جميع الأسماء و يتمثل بها إلا باللّه، فلم تكف الاستعاذة منه بالهادي و العليم و القدير و غير ذلك فلهذا لما تعوّذ من الاحتجاب و الضلالة تعوّذ بربّ الفلق و هاهنا تعوّذ بربّ الناس و من هذا يفهم معنى
قوله عليه السلام: «من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثّل بي».
الخناس، أي: الرجّاع لأنه لا يوسوس إلا مع الغفلة و كلما تنبّه العبد و ذكر اللّه خنس فالخنوس عادة له كالوسواس. عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربّه خنس الشيطان و ولى، و إذا غفل وسوس إليه.
[6]
[سورة الناس (114): آية 6]
مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ (6)
قوله: مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ بيان للذي يوسوس، فإن الموسوس من الشياطين جنسان:
جني غير محسوس كالوهم، و إنسي محسوس كالمضلين من أفراد الإنسان أما في صورة الهادي كقوله تعالى: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ[3] و أما في صورة غيره من صور الأسماء فلا يتم أيضا الاستعاذة منه إلا باللّه، و اللّه العاصم.
قال مصحح طبعه و محسن وضعه الفقير إلى اللّه تعالى محمد الصباغ أسبغ اللّه عليه النعم أتم إسباغ:
سبحان من أحيا قلوب أحبابه بإشارات كتابه المنزّل في وصفه المجيد، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فتمّ لهم من التفسير ما أرادوه و ائتموا به فيما قصدوه و صلاة و سلاما على النبي الكريم المنزّل عليه و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم و على آله و أصحابه و أنصاره و أحزابه.
و بعد: فقد تم طبع هذا التفسير ذي الفضل الغزير لم ينسج ناسج على منواله و لم يحك حائك على مثاله:
| إذا امتحنت محاسنه أتته | غرائب جمة من كل باب |
كيف لا و هو مع حسن كلمة تدفقت بحار علومه و حكمه، و أينعت أفنان فنونه و أزهرت عذبات غصونه و زكت مغارسه و نمت نفائسه و طابت ثمراته و عظمت خيراته و امتدّ وارف ظلاله وراق منظر حسنه و جماله فهو جدير بتهذيب الطبع و تحسين الوضع بالطبعة العامرة ببولاق- مصر- القاهرة، ذات الشهرة الباهرة، و المحاسن الزاهرة في أيام ابتسم ثغرها عن العدل، و أفاضت على الأنام جزيل الفضل في ظلّ صاحب السعادة الأكرم الخديوي الأعظم عزيز مصر، و وحيد العصر، سعادة أفندينا المحروس بعناية ربّه العلي إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي لا زال جيد الدهر حاليا بعقود مواكبه، و فم الأفق ناطقا بسعود كواكبه حفظ اللّه دولته كما حفظ رعيته و أدام مجده و خلد حمده و حرس أشباله الكرام و جعلهم غرة في جبين الأيام ملحوظة دار الطباعة المذكورة بنظر ناظرها المشمر عن ساعد الجدّ و الاجتهاد في تدبير نضارها من لا تزال عليه أخلاقه باللطف، تثنى حضرة حسين بك حسني ثم إن تضوّع عرف ختامه و تمام سلك نظامه في العشر الأخير من شوال من عام ألف و مائتين و ثلاث و ثمانين من هجرة من ليس له في وصفه مثال عليه الصلاة و السلام و على آله و أصحابه الكرام.
[1] ( 1) سورة ص، الآية: 75.
[2] ( 2) سورة غافر، الآية: 16.
[3] ( 1) سورة الصافات، الآية: 28.