تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن)سورة المائدة آیه1-60
الجزء الثانى
(5) سورة المائدة مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة المائدة (5): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1)
اعلم أن الوفاء بالعقد مع اللّه فيما يعقده المؤمن معه مما له الخيار في حله، فمذهبنا الوفاء به و لا بد، إلا أن يقترن به أمر من شيخ معتبر لتلميذ، أو لأحد ممن له فيه اعتقاد التقدم، فإن له أن يحلّ ذلك العقد مع اللّه المخير فيه و لا بد، و إن لم يفعل فويل، فإن لم يقترن به مثل هذا فالوفاء به مذهبنا. و لما كان التأيه قد يكون بما هو موجود في الحال أن يكون باقيا في المستقبل، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و هم في حال الوفاء بعقد الإيمان، فإنه نعتهم في تأيهه بهم بالإيمان، فكان البعد في العقود إذا قبلوها متى قبلوها، فإن التأيه مؤذن بالبعد. «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ» البهائم ما اختصت بهذا الاسم المشتق من الإبهام، و المبهم إلا لكون الأمر أبهم علينا.
فقد جاءت الآيات و الأخبار تبين ما هي عليه من المعرفة باللّه و بالموجودات، و إنما سميت بذلك لما انبهم علينا أمرها، فإبهام أمرها إنما هو من حيث جهلنا ذلك أو حيرتنا فيه، فلم نعرف صورة الأمر كما يعرفه أهل الكشف، فهي عند غير أهل الكشف و الإيمان بهائم لما انبهم عليهم من أمرها لما يرون من بعض الحيوان من الأعمال الصادرة عنها التي لا تصدر إلا عن فكر و روية صحيحة و نظر دقيق؛ يصدر منهم ذلك بالفطرة لا عن فكر و لا روية، فأبهم اللّه على بعض الناس أمرهم، و لا يقدرون على إنكار ما يرونه مما يصدر عنهم من الصنائع المحكمة، فذلك جعلهم يتأولون ما جاء في الكتاب و السنة من نطقهم و نسبة القول إليهم، ليت شعري ما يفعلون فيما يرونه مشاهدة في الذي يصدر عنهم من الأفعال المحكمة!! كالعناكب في ترتيب الحبالات لصيد الذباب الذي جعل اللّه أرزاقهم فيه، و ما يدخره بعض الحيوان من أقواتهم، فيأكلون نصف ما يدخرونه خوف الجدب فلا يجدون ما يتقوتون به كالنمل، فإن كان ذلك عن نظر فهم يشبهون أهل النظر، فأين عدم العقل الذي ينسب إليهم؟
و إن كان ذلك علما ضروريا فقد أشبهونا فيما لا ندركه إلا بالضرورة، فلا فرق بيننا و بينهم لو رفع اللّه عن أعيننا غطاء العمى، كما رفعه اللّه عن أبصار أهل الشهود و بصائر أهل الإيمان، فإن البهائم تعلم من الإنسان، و من أمر الدار الآخرة، و من الحقائق التي الوجود عليها، ما يجهله بعض الناس و لا يعلمه. و جميع ما سوى الثقلين و بعض الناس و الجان على بينة من ربهم في أمرهم، من حيوان و نبات و جماد و ملك و روح «إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» أي ما دمتم حرما في المكان الحلال و الحرام و سكانا في الحرم و إن كنتم حلالا أو حراما فحيث ما كانت الحرمة امتنع الصيد «إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ».
[سورة المائدة (5): آية 2]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لا الْهَدْيَ وَ لا الْقَلائِدَ وَ لا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2)
«وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ» أي قاصدين البيت الحرام «وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ»: و هو الإحسان بالإنعام «وَ التَّقْوى»: أي اجعلوا ذلك وقاية، فإنه من أعان شخصا على عمل كان مشاركا له فيما يؤدي إليه ذلك العمل من الخير، لا مشاركة توجب نقصا بل هو على التمام لكل واحد من الشريكين، كما جاء في الحديث من سن سنة حسنة «الحديث» و لما كان التعاون في فطرة الإنسان خاطبهم اللّه تعالى بحكم التعاون فقال: «وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى» فيكون ما فطروا عليه عبادة، فإنهم قد يتعاونون بتلك الحقيقة على الإثم و العدوان فقال: «وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ، وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ».
[سورة المائدة (5): آية 3]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)
«إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» الذكاة طهارة بعض الحيوان، و الميتة حرام لأنها ما ذكيت «وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ» على هنا بمعنى اللام فإن حروف الجر تبدل بعضها من بعض، و يعرف ذلك بالمعنى، و هذا من أعجب ما في القرآن أي و ما ذبح للنصب، و هي الأصنام، التي نصبوها للعبادة، فكانوا يقربون لها «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» بعد ثبوت الكمال لا يقبل الزيادة، فإن الزيادة في الدين نقص من الدين، و ذلك هو الشرع الذي لم يأذن به اللّه، و هذا يدل على أن الاجتهاد ما هو أن تحدث حكما، هذا غلط، و إنما
[الاجتهاد المشروع]
الاجتهاد المشروع في طلب الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع و فهم عربي على إثبات حكم في تلك المسألة بذلك الدليل، الذي اجتهدت في تحصيله و العلم به في زعمك، هذا هو الاجتهاد. فإن اللّه تعالى و رسوله ما ترك شيئا إلا و قد نصّ عليه و لم يتركه مهملا «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» الجنف: ميل إلى الشيطان «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فالشخص الواحد الذي لم يكن حاله الاضطرار، أكل الميتة عليه حرام، فإذا اضطر ذلك الشخص عينه، فأكل الميتة له حلال، فاختلف الحكم لاختلاف الحال و العين واحدة، و المحرم المضطر يأكل الميتة أو الخنزير دون الصيد، فإن اضطر إلى الصيد، صاد و عليه الجزاء لأنه متعمد، فما خصّ اللّه مضطرا من غير مضطر.
[سورة المائدة (5): الآيات 4 الى 5]
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَ لا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5)
«وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ»
[نكاح المحصنات من أهل الكتاب]
أهل الكتاب قد يقصد بها القائمين بكتابهم، أو هم الذين أنزل عليهم كتاب من اللّه سواء عملوا به أو لم يعملوا، فإذا كان أهل الكتاب هم الذين أنزل إليهم الكتاب، و جاءهم الرسول بذلك، و كانوا كافرين بكتابهم، و أمرنا اللّه بقتالهم حتى يعطوا الجزية فيجوز لنا نكاح بناتهم بقوله: «وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» و نمنع من ذلك بقوله: «وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» على من يحمل النهي هنا على التحريم و قوله: «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» على أظهر الوجهين فإن النصّ عزيز في ذلك فيؤيد تحريم نكاح المشركات، فيلحق بالنكاح الفاسد الذي لا ينعقد معه النكاح فإن اللّه قد أحبط عمله في الدنيا بقوله: «وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَ لا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ» كل نكاح خارج عما شرع اللّه بعقد، أو بملك يمين، أو بهبة، و هو خاص برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فهو سفاح لا نكاح، أي هو بمنزلة الشيء السائل الذي لا ثبات له، لأنه لا عقد فيه و لا رباط و لا وثاق «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» في الدنيا لقوله تعالى «وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» فإن العمل لم يكن مشروعا لعدم المصحح، و هو الإيمان و النكاح من جملة العبادات.
[سورة المائدة (5): آية 6]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
اجتمع المسلمون قاطبة من غير مخالف على وجوب الطهارة على كل من لزمته الصلاة، إذا دخل وقتها، و الوضوء مخصص بعض الأعضاء بالاغتسال و المسح، و عليك بالوضوء على الوضوء فإنه نور على نور، و لو لا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم شرع في الوضوء ما شرع من صلاة فريضتين فصاعدا بوضوء واحد، لكان حكم القرآن يقتضي أن يتوضأ لكل صلاة.
و بالجملة فهو أحسن بلا خلاف، فإن الوضوء عبادة مستقلة و إن كان شرطا في صحة عبادة أخرى، فلا يخرجه ذلك عن أن يكون عبادة مستقلة في نفسه مرادا لعينه، و أما أفعال هذه الطهارة فقد ورد بها الكتاب و السنة، و بين فرضها من سننها، و من استحباب أفعال فيها.
و لهذه الطهارة شروط و أركان و صفات و عدد و حدود معينة في محالها «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ»
[الوضوء و المسح و الاغتسال من الجنابة]
لا خلاف في أن غسل الوجه فرض، و اختلف في تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع: منها البياض الذي بين العذار و الأذن، و الثاني ما سدل من اللحية و الثالث غسل اللحية، و اللحية شيء يعرض في الوجه ما هي من الوجه، و لا تؤخذ في حده «وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ» أجمع العلماء بالشريعة على غسل اليدين و الذراعين في الوضوء بالماء، و اختلف في إدخال المرافق في الغسل قال تعالى:
«وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ» فيها خروج الحد من المحدود، و مذهبنا الخروج إلى محل الإجماع في الفعل فإن الإجماع في الحكم لا يتصور، فغسل اليدين و الذراعين و هما المعصمان واجب، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا غسل ذراعيه في الوضوء يجوز المرفقين حتى يشرع في العضد،و الخلاف في حدّ اليدين أكثره إلى الآباط، و أقله إلى المفصل الذي يسمى منه الذراع فبقي إدخال المرافق، و لا خلاف عند القائلين بترك الوجوب على استحباب إدخالهما في الغسل.
«وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» اتفق علماء الشريعة على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء، و اختلفوا في القدر الواجب منه، و أصل هذا الخلاف وجود الباء في قوله تعالى:
«بِرُؤُسِكُمْ» فمن جعلها للتبعيض، بعّض المسح، و من جعلها زائدة للتوكيد في المسح، عم المسح جميع الرأس، و لا يتمكن لنا إظهار الحق في هذه المسألة لأن ذلك لا يرفع الخلاف من العالم فيه، و المسألة معقولة، و كل مسئلة معقولة لا بد من الخلاف فيها لاختلاف الفطر في النظر «وَ أَرْجُلَكُمْ» اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، و اختلف في طهارة الأرجل، هل ذلك بالغسل، أو بالمسح، أو بالتخيير بينهما؟
فأي شيء فعل منهما فقد سقط عنه الآخر و أدى الواجب، هذا إذا لم يكن عليهما خف، فمذهبنا التخيير، و الجمع أولى، فالمسح بظاهر الكتاب، و الغسل بالسنة، و محتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها، و سبب الخلاف هو القراءة في قوله: «وَ أَرْجُلَكُمْ» بفتح اللام و كسرها من أجل حرف الواو على أن يكون عطفا على الممسوح بالخفض، و على المغسول بالفتح، فمذهبنا أن الفتح في اللام لا يخرجه عن الممسوح، فإن هذه الواو قد تكون واو المعية تنصب. و كذلك من قرأ «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ» بفتح اللام فحجة من يقول بالمسح في هذه الآية أقوى لأنه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها و هي فتح اللام و لم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام، و ينقل عن العرب أن المسح لغة في الغسل، فأمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم المتطهرون، و هم الغر المحجلون، تحجيلهم دليلهم، لو كان لغيرهم هذا النعت المخصوص من الطهور، ما اختصت هذه الأمة المحمدية بهذا النور.
فإنه قال صلّى اللّه عليه و سلم: ما تعرف هذه الأمة المحمدية من سائر الأمم إلا به، فانتبه، فوردت الأخبار المنصوصة بطهارة هذه الأعضاء المخصوصة، فأسبغناها طهورا، فجعل لنا بذلك غررا، و ألبسها نورا، فكان لهم بذلك التمييز و التعريف، المقام الشريف و التشريف، فمن أسبغ طهوره، تمم اللّه له نوره، و من ثنى و ثلث فرح بذلك أكثر من صاحب الواحدة إذا تحنث. «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» خروج المني على وجه اللذة موجب للاغتسال، و عليه وضوء واحد في اغتساله، و لما كان الغسل يتضمن الوضوء، كان حكم المضمضة و الاستنشاق من حيث أنه متوضئ في اغتساله لا من حيث أنه مغتسل، فإنه ما ورد أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم تمضمض و لا استنشق في غسله إلا في الوضوء فيه، فالحكم فيهما عندي راجع إلى حكم الوضوء، و الوضوء عندنا لا بد منه في الاغتسال من الجنابة «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» التيمم- انظر النساء آية (43)
[- تحقيق و نصيحة- «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ»]
– تحقيق و نصيحة- «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ»
| و لما أتينا بالطهارة كلها | على وفق شرع اللّه في الحسّ و العقل | |
| أتينا نناجيه بقدس كلامه | على نحو ما قد صح عندي من النقل | |
| فلم يستطع إحداث لفظي لكونه | قديما فناجيت المهيمن بالفعل | |
| و لم يستطع معناي أيضا كلامه | فقد صحّ عندي أنني لست بالمثل | |
| فردّ علي اللّه من عرش ذاته | بما طابق اللفظ الذي جاء من ظلي | |
| على نحو ما أتلوه في النور و الهدى | بإيجاد وصف العدل منه أو الفضل | |
| و ما سمع الرحمن غير كلامه | على مقولي في الفرض كنت أو النفل | |
| فصحّ لي التعبير عنه لأنه | تعالى عن الأصوات و الحرف و الشكل | |
| فإن قلت: إني قد تلوت كلامه | فقد قلت: إني ما تلوت سوى مثل | |
| فإن تك خالفت الذي قد نصصته | فقد غصت يا مسكين في أبحر الجهل | |
فيا عقل انصرف إلى مصلاك، ليتلو سبحانه كلامه عليك، فاستمع و انصت، و تحقق ذلك المقام، و اثبت فإنه مقام الدهش و الطيش، و محل الحياة و العيش، فاشحذ فؤادك، و اترك اعتقادك، و لا تدبر في حين الخطاب، و لا تفكر فيما تردّ عليه من الجواب، فإنه مقام التأييد و القوة، و مشربه الرسالة و النبوة، فإن إجابة الحق إذا خاطب عبده لا ينتجها فكر، و لا يقوم لها ذكر، حسب العقل قبول الخطاب، و قبول ما يخلق فيه من الجواب، من غير تقدم قصد و لا نية، و لا فكر و لا روية، (و أنت) يا حسّ اتل على ربك كلامه، و لا تلتفت، و حقق معنى ما تناجيه به و تثبّت، و شمّر أذيالك، و اجعل خلفك أعمالك و آمالك، وضع اليدين مكتوفتين فوق السرة و تحت الصدر، و اطلب منه في ذلك المقام فضل ليلة القدر، في كونها خيرا من ألف شهر، و اجعل كل صلاة تدخل فيها آخر صلاتك، و ذلك النفس منته حياتك، فلا تزال مقنعا، و لربك مستمعا، متوشحا بالحياء، غير ملتفت إلى السماء، طرفك حيث سجودك، و قلبك حيث معبودك، و خشية تخشع الجوارح، و هيبة تقصف الجوانح، و عبرة تسفح، و زفرة تلفح، و أنين و زمزمة، و حنين و همهمة، و تلاطف في تعاطف، و توسل في ترسل، و مشاهدة في مجاهدة، و تغيّر في تحيّر، و اختلاف صفات، و تنوع حالات، و آداب و سكينة، و اعتدال و طمأنينة، إلى أن تفرغ من صلاتك، فتنظر عند ذلك فيما زكا من صفاتك، و ما تقدس من ذاتك، فعند ذلك تكون المصلي السابق و غيرك المصلي اللاحق، جعلنا اللّه و إياكم ممن حضر في صلاته، فأجزل له في صلاته، فكان جزاؤه النور، و دار السرور.
[- إشارة- «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا»]
– إشارة- «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» لا يتطهر من الحدث إلا الحدث، و لا من الجنابة إلا من هو عن الحضرة الإلهية في جنابة، إن العقل إذا نظر في كونه، فهو في جنابة عن عينه، فجنابته جنايته، فإذا نظر إلى نفسه، فهو في الحدث الأصغر الذي في عكسه، فحدثه حدثه، و الماء ماءان: لأن المتطهر به عالمان، ماء سماوي، فتطهر بهذا الماء أيها العقل الأقدس، و الماء الآخر ماء أرضي من عالم الأمشاج، فمنه عذب فرات، و منه ملح أجاج، فتطهر بهذا الماء أيها الحسّ الأنفس، فيا أيها العقل إن كنت ذا جنابة أو متعملا، فعم الطهر بذاتك المنصوصة، و إن كنت ذا حدث فاغسل الأعضاء المخصوصة، فسرّ التعميم في طهر الجنابتين، لغيبتك الكلية عن علم نكاح الصورتين، الصورة المثلية العقلية، و الصورة المثلية الشرعية، و سرّ الطهر المخصوص لبعض الأعضاء، للغفلات التي تتخللك في حضورك عند الاقتضاء، و إن عدمت الماءين، فاعمد إلى ما خلقت منه، و لا تعدل عنه، فإنك تبيح العبادة و لا ترفع الحدث، لما قام بك من الخبث. و اعلم أن الطهارة الباطنة واجبة عند أهل اللّه.
[سورة المائدة (5): الآيات 7 الى 12]
وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ وَ أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12)
[إشارة في الأجور]
– إشارة- فالذين أقاموا صلاتهم ضاعف صلاتهم، و الذين أدوا زكاتهم قدّس ذواتهم، و الذين آمنوا بالرسل، أوضح لهم السبل، و الذين عزروهم عززوا، و الذين أقرضوا اللّه قرضا حسنا، وفّاهم سرا و علنا من كونه محسنا.
[سورة المائدة (5): آية 13]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
– يحرفون الكلم عن مواضعه- إذا سمعت الأحاديث و الآيات الواردة بالألفاظ التي تطلق على المخلوقات باستصحاب معانيها إياها، و لو لا استصحاب معانيها إياها المفهومة من الاصطلاح ما وقعت الفائدة بذلك عن المخاطب بها، إذ لم يرد عن اللّه شرح ما أراد بها مما يخالف ذلك اللسان الذي نزل به هذا التعريف الإلهي قال تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» يعني بلغتهم ليعلموا ما هو الأمر عليه، و لم يشرح الرسول المبعوث بهذه الألفاظ بشرح يخالف ما وقع عليه الاصطلاح، فننسب تلك المعاني المفهومة من تلك الألفاظ الواردة إلى اللّه تعالى كما نسبها لنفسه، و لا يتحكم في شرحها بمعان لا يفهمها أهل ذلك اللسان الذي نزلت به هذه الألفاظ بلغتهم، فنكون ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، و من الذين يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم يعلمون بمخالفتهم، و نقرّ بالجهل بكيفية هذه النسب، و هذا هو اعتقاد السلف قاطبة من غير مخالف في ذلك.
[سورة المائدة (5): الآيات 14 الى 15]
وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ (15)
«وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» لما كان العفو يجمع بالدلالة بين الضدين القليل و الكثير، فإنه في المؤاخذة على الذنوب في قوله و يعفو عن كثير يأخذ على القليل، فيدل هذا العفو على أنه لا بد من المؤاخذة و لكن في قلّة، و القلة قد تكون بالزمان الصغير المدّة، ثم يغفر اللّه و يجود بالإنعام، و رفع الألم عن المذنب المسلم، و قد يكون بالحال، فيقلّ عليه الآلام، بالنظر إلى آلام هي أشدّ منها، فثمّ ألم قليل و ألم كثير، فأهل الاستحقاق و هم المجرمون المأمورون بأن يمتازوا، و ليس إلا أهل النار الذين هم أهلها، و هم المشركون لا عن نظر، فيكون أخذهم بالعفو في الزمان لأن زمان العقاب محصور، فإذا ارتفع بقي عليهم حكم الزمان الذي لا نهاية لأبده، فزمان عذابهم قليل بالإضافة إلى حكم الزمان الذي يؤول إليه أمرهم، فهو عفو عزّ و جل بما يعطي من قليل العذاب، و هو عفو بما يعطي من كثير المغفرة و التجاوز، فإنه عزّ و جل قد أمر بالعفو و التجاوز و الصفح عمن أساء إلينا، و هو أولى بهذه الصفة منا، و لذلك كان أجر العافين على اللّه لكونه عفوا غفورا «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ» و هو القرآن فهو نور من حيث ذاته لأنه لا يدرك لعزته، و هو ضياء لما يدرك به و لما يدرك منه، فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم، و فيه ما ليس فيها، فمن أوتي القرآن، فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم،و من أعطي القرآن فقد أعطي العلم الكامل.
«وَ كِتابٌ مُبِينٌ» الكتاب: ضم معنى إلى معنى، و المعاني لا تقبل الضم إلى المعاني حتى تودع في الحروف و الكلمات، فإذا حوتها الكلمات و الحروف قبلت ضم بعضها إلى بعض، فانضمت بحكم التبع، لانضمام الحروف، و انضمام الحروف تسمى كتابة.
[سورة المائدة (5): الآيات 16 الى 17]
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
ما أجهل من قال بهذا القول من أمة عيسى عليه السلام، فقد فاتهم علم كثير حيث قالوا: ابن مريم و ما شعروا، و لهذا قال اللّه تعالى في إقامة الحجة على من هذه صفته: «قُلْ سَمُّوهُمْ» فما يسمونهم إلا بما يعرفون به من الأسماء حتى يعقل عنهم ما يريدون، فإذا سموهم تبيّن في نفس الاسم أنه ليس الذي طلب منهم الرسول المبعوث إليهم أن يعبدوه، فمن دان بالصليب لحق بأهل القليب، و ادعي في عيسى عليه السلام الألوهية لأنه كان ظاهرا في العالم باسم الدهر في نهاره، و باسم القيوم الذي لا تأخذه سنة و لا نوم في ليله، فكان يصوم الدهر و لا يفطر، و يقوم الليل فلا ينام، و ما قيل ذلك في نبي قبله فإنه غاية ما قيل في العزيز:
إنه ابن اللّه، ما قيل هو اللّه، فأثرت هذه الصفة من خلف حجاب الغيب في قلوب المحجوبين حتى قالوا: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» فنسبهم إلى الكفر في ذلك إقامة عذر لهم، فإنهم ما أشركوا بل قالوا هو اللّه و المشرك يجعل مع اللّه إلها آخر، فهذا كافر لا مشرك، فوصفهم بالستر فإنهم اتخذوا ناسوت عيسى مجلى، فتقع الحيرة في العاقل عند النظر الفكري إذا رأى شخصا بشريا من البشر يحيي الموتى، و هو من الخصائص الإلهية، إذ يرى الصورة بشرابالأثر الإلهي، فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول، و أنه هو اللّه بما أحيا به من الموتى، و لذلك نسبوا إلى الكفر و هو الستر، لأنهم ستروا اللّه الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى.
[سورة المائدة (5): آية 18]
وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)
ما كفر من قال إن المسيح ابن اللّه إلا لاقتصاره، و كذلك كفر من قال: نحن أبناء اللّه و أحباؤه لاقتصارهم، لأنهم ذكروا نسبة تعم كل ما سوى اللّه إن كانت صحيحة، فإن لم تكن في نفس الأمر صحيحة فهم و العالم فيها على السواء، و قالت اليهود و النصارى:
إنهم أبناء اللّه، و أرادوا التبني، فإنهم عالمون بآبائهم، فإنه لما كان اللّه تعالى له مطلق الوجود، و لم يكن له تقييد مانع من تقييد، بل له التقييدات كلها، فهو مطلق التقييد، لا يحكم عليه تقييد، فله إطلاق النسب، فليست نسبة به أولى من نسبة، فقد كفر من كفر بتخصيص النسب، مثل قول اليهود و النصارى عن أنفسهم دون غيرهم من أهل الملل و النحل «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ» فإذا و قد انتسبوا إليه كانوا يعمون النسبة و إن كانت خطأ في نفس الأمر، فقال لهم اللّه: «فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» يقول تعالى النسبة واحدة فلم خصصتم نفوسكم بها دون هؤلاء؟ و إن أخطأتم في نفس الأمر فخطؤكم في عموم النسبة، أقل من خطئكم في خصوصها، فإن ذلك تحكم على اللّه من غير برهان.
[سورة المائدة (5): آية 19]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)
قل يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فتره من الرسل و درس من السبل «أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
[سورة المائدة (5): آية 20]
وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20)
«وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً» فاللّه تعالى ملك بالحقيقة، و المخلوق ملك بالجعل، فأثبت الملوك في الأرض في قوله: «وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً» فإن من أسمائه تعالى الملك، و ما أثبته اللّه لا يلحقه الانتفاء، كما أنه إذا نفى شيئا لا يمكن إثباته أصلا، و إن كان لا ملك إلا اللّه، و لكن اللّه قد أثبت الملوك.
[سورة المائدة (5): الآيات 21 الى 23]
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)
فجعل التوكل علامة علامة على وجود الإيمان في قلب العبد، و لم يتخذه وكيلا إلا طائفة مخصوصة من المتوكلين المؤمنين الذين امتثلوا أمر اللّه في ذلك في قوله: «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» فاتخذوه وكيلا فيما خلق لهم ليتفرغوا إلى ما خلقوا له، فلا يتوكل عليه في أمره كلّه إلا مؤمن، و اعلم أنه لما وضع اللّه الأسباب و ظهر العالم مربوطا بعضه ببعضه، فلم تنبت سنبلة إلا عن زارع و أرض و مطر، و أمر سبحانه بالاستسقاء إذا عدم المطر تثبيتا منه في قلوب عباده لوجود الأسباب، لهذا لم يكلف عباده قط الخروج عن السبب، فإنه لا تقتضيه حقيقته، و إنما عين له سببا دون سبب، فقال له: أنا سببك فعلي فاعتمد و توكل كما ورد «وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»
[الرجل من أثبت الأسباب]
فالرجل من أثبت الأسباب، فإنه لو نفاها ما عرف اللّه و لا عرف نفسه، فإثبات الأسباب أدل دليل على معرفة المثبت لها بربه، و من رفعها رفع ما لا يصح رفعه، و إنما ينبغي له أن يقف مع السبب الأول، و هو الذي خلق هذه الأسباب و نصبها، و رافع الأسباب سيئ الأدب مع اللّه، و من عزل من ولاه اللّه فقد أساء الأدب، و كذّب في عزل ذلك الوالي، فانظر ما أجهل من كفر بالأسباب و قال بتركها، و من ترك ما قرره الحق فهو منازع لا عبد، و جاهل لا عالم، فالأديب العالم من أثبت ما أثبته اللّه، في الموضع الذي أثبته اللّه، و على الوجه الذي أثبته اللّه، و من نفى ما نفاه اللّه، في الموضع الذي نفاه اللّه، و على الوجه الذي نفاه اللّه، و ما من أحد من رسول و لا نبي و لا ولي و لا مؤمن و لا كافر و لا شقي و لا سعيد خرج قطّ عن رق الأسباب مطلقا، أدناه التنفس، فإن التنفس سبب الحياة، و اعلم أن ترك السبب الجالب للرزق عن طريق التوكل سبب جالب للرزق؛ و أن المتصف به ما خرج عن رق الأسباب.
[سورة المائدة (5): آية 24]
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24)
فأبوا نصرة نبي اللّه موسى.
[سورة المائدة (5): الآيات 25 الى 26]
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26)
و ما أخذهم اللّه إلا بظاهر قولهم: (إنا هاهنا قاعدون) فقال لهم تعالى: إني تارككم تائهين في هذه القعدة أربعين سنة، لا تستطيعون دخول بيت المقدس، و ما بقي معهم موسى عليه السلام في التيه إلا لكونه رسولا إليهم فبقوا حيارى.
[سورة المائدة (5): آية 27]
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)
القرابين: هو إتلاف أرواح عن تدبير أجسام حيوانية، ليتغذى بها أجسام إنسانية، فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها فتدبرها إنسانية بعد ما كانت تدبرها إبلا أو بقرا أو غنما.
فالأرواح المدبرة لها في كل حال لا تتبدل تبدل الصور، لأنها لا تقبل التبديل لأحديتها، و إنما يقبل التبديل المركب من أجسام و أجساد حسا و برزخا
[- إشارة- و قبول قربان هابيل]
– إشارة- و إنما قبل قربان الواحد دون أخيه، لأن اللّه جعلهما أصلا لبنيه،- الضمير يعود على آدم- و هما قبضتان، فلا بد أن يختص أحدهما بالرضى و الآخر بالخسران.
[سورة المائدة (5): الآيات 28 الى 30]
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30)
قتل قابيل هابيل ظلما فما زال القتل ظلما في بني آدم إلى يوم القيامة، و على الأول كفل من ذلك.
[سورة المائدة (5): آية 31]
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
الندم على ما فات، و ميم الندم منقلبة عن باء مثل لازم و لازب، و هو أثر حزنه على ما فات يسمى ندما، و الندب: الأثر فقلبت ميما و جعلت لأثر الحزن خاصة
[- إشارة- لم كان الغراب معلما؟]
– إشارة- لم كان الغراب معلما؟ لأن الحق ألبسه ثوبا من الليل مظلما، إشارة إلى أن الغيب يعلم الشهادة، و لذلك كان الليل غيبا و السواد غيبا، فأعطاه العلم فعلا و حالا، و كساه من ظلام القبر سربالا، فأعطاه العلم فعلا ببحثه في الأرض، و حالا بما تقدم من إشارة السواد، و هو صفة الغيب المفيد لعالم الشهادة فهذا معنى: و كساه من ظلام القبر سربالا، أي لمناسبة الظلام إلى السواد.
[سورة المائدة (5): آية 32]
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
أخبر اللّه تعالى أنه أيد الرسل بالبينات ليعذر الإنسان من نفسه، لذلك قال تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» يعني نبعثه بالآيات البينات على صدق دعواه- إشارة- حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بعد موته، حياة سنته، و من أحياه فكأنما أحيا الناس جميعا، فإنه المجموع الأتم، و البرنامج الأكمل.
[سورة المائدة (5): آية 33]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33)
على تلك المحاربة و الفساد جزاء لهم فإن اللّه لما عاقبهم في الدنيا لم يجعل عقوبتهم كفارة مثل ما هي الحدود في حق المؤمنين، و هذا لا يكون إلا للكفار، و لذلك قال: «وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» يعم الظاهر و الباطن، بخلاف عذاب أهل الكبائر من المؤمنين، فإن اللّه يميتهم في النار إماتة حتى يعودوا حمما شبه الفحم، فهؤلاء ما أحسوا بالعذاب لموتهم، فليس لهم حظ في العذاب العظيم، فالمصاب في الدنيا، تكفر عنه مصيبته من الخطايا ما يعلم اللّه، و مصيبة الآخرة لا تكفر، و قد يكون هذا الحكم في الدنيا فيشبه الآخرة مثل ما جاء في حق هؤلاء فما كفر عنهم ما أصابهم في الدنيا من البلاء.
[سورة المائدة (5): الآيات 34 الى 35]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» لما كان الإيمان الذي هو نور إلهي واردا على باطن هذه الهيئة الاجتماعية النفسية، الذي هو القلب الحقيقي المعنوي لا الصوري، و على ظاهرها الذي هو النفس الملهمة، متمكنا في القلب و النفس، و صارا قابلين فيهما للإيمان و الإسلام أولا، و لأحكام الحق و شرعه و أمره و نهيه ثانيا، و مقبلان على قبولهما و العمل بموجباتهما التي هي أداء الواجبات و المندوبات، و الترك و الاحتراز عن المحرمات و الشبهات و الانحرافات، لكن النشأة الدنيوية الحسية تقتضي أحيانا بالنسبة إلى بعض و غالبا بالنسبة إلى بعض آخر ميل النفس و انحرافها عن هيئتها الاجتماعية إلى جانب الروح الحيوانية الطبيعية العنصرية، و غفلتها و غيبتها عن ذلك الإقبال و القبول، فتظهر آثار الأسماء الإلهية فيها بوصف الانحرافات و يقتضي ظهور نتائجها فيها بذلك الوصف الانحرافي الموجب للألم و البعد، فاقتضى أثر عناية اللّه تعالى لعباده المؤمنين أن يوقظهم من نومة الغفلة، و يخاطبهم بقوله عزّ من قائل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» يعني و اللّه أعلم بعد أن اهتديتم إلى الإيمان باللّه و رسوله و ملائكته و كتبه و اليوم الآخر، و القدر خيره و شره، احترزوا بتقواكم بواسطة متابعة أمر اللّه تعالى و نهيه، و الحضور معهما و مع موجباتهما التي هي أداء الواجبات و المندوبات، و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات، عن ميلها و انحرافها عن وحدتها و جمعيتها إلى جانب كثرة روحها الحيوانية الطبيعية العنصرية، فتغلبكم الانحرافات، فاجعلوا نفوسكم بذلك الاحتراز في وقاية وحدة أمر اللّه، و حكم نهيه و الحضور مع موجباتها المذكورة، و وقاية وحدة أثرها الروحاني و عدالة جمعيتها، فتنصبغ آثار أسماء اللّه تعالى فيها بصبغة الوحدة و الاعتدال الموجبين لرضاء اللّه تعالى و قربه، فيقيكم ذلك الحكم و الوحدة و العدالة و القرب و الرضا عن أن تظهر فيكم آثار سخط اللّه تعالى، التي هي من نتائج أسماء اللّه تعالى، المنصبغة بأحكام انحراف نفوسكم، و ميلها عن وحدة الأثر الروحاني، و عدالة الجمعية عن الحضور مع الأمر و النهي، و العمل بموجباتها إلى كثرة الروح الحيوانية الطبيعية العنصرية، و غلبة الغفلة عن الأمر و النهي و موجباتهما عليها، فإنكم متى ما دخلتم في هذه الوقاية و لذتم بها، وصل إليكم تمام أثر الاسم «المؤمن» و آمنكم من غلبة شرور أنفسكم، التي استعاذ منها النبي صلّى اللّه عليه و سلم في قوله: «نعوذ بالله من شرور أنفسنا» و حصل لكم استعداد السير و السلوك و الترقي في مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإحسان، و تخاطبون حالتئذ بابتغاء الوسيلة بواسطة أداء الحقوق الباطنية المتعلقة بالمباحات الفعلية منها و التركية، طلبا للوصول إلى مقام الإحسان و التحقق به بعد أداء حقوق الواجبات و المندوبات، و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات و الدخول في وقاية أمر اللّه تعالى و نهيه، طلبا للتحقق بحقيقة مقام الإيمان، فابتغاء الوسيلة يكون عين التقرب إلى اللّه تعالى بالنوافل حتى يحبه اللّه تعالى، فيكون سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله، و ذلك هو الدخول في دائرة مقام الإحسان.
فابتغاء الوسيلة إليه يعم حكمه أداء الواجبات و المندوبات، و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات، قولا و فعلا و خلقا و حالا، و إتيان المباحات أو تركها مقرونا بالنية المخلصة عن شوائب حظوظ النفس في الدنيا و الآخرة، و إليه في هذه الآية إشارة إلى هذا الإخلاص، إلا أن حكم ابتغاء الوسيلة بإتيان المباحات أخصّ لكونه غير متعين مفهومه في الأمر بالتقوى التي هي السلوك في سبيل التقرب إلى اللّه عزّ و جل بإتيان الأوامر و أداء الواجبات و المندوبات التي هي مقتضاها، و الانتهاء عن النواهي و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات التي هي مقتضياتها، و الدخول بواسطة ذلك الإتيان و الانتهاء في وقاية رضى اللّه تعالى و هدايته و لطفه تقي المؤمن المسلم تلك الوقاية من ظهور آثار سخط اللّه تعالى و إضلاله و قهره و ضره فيه، ثم اعلم أن ابتغاء الوسيلة هو أن يأكل المؤمن و يشرب للّه تعالى، أو يتركهما للّه لا لإرادة النفس و شهواتها، و لا لمتابعة خاطر النفس عمل ذلك المباح أو تركه، و كذا لا يتناول جميع المباحات و لا يتركها إلا بنية التقرب إلى اللّه تعالى، فإن كل شيء مباح هو نعمة من اللّه تعالى، و الآلة التي بها يتناول تلك النعمة أيضا نعمة من اللّه تعالى، و كذا القدرة على تركها هي نعمة في حقه، فلا يتناول و لا يترك شيئا من المباحات، و لا يقول و لا يعمل شيئا منها و لا يترك إمضاء خاطرهما إلا بنية أداء شكر نعم اللّه تعالى، لا لأجل شهوة النفس و متابعة خاطرها و إرادتها، و لا بغفلة عن ذكر اللّه تعالى، و عن نية أداء شكر نعمه- الوجه الثاني- يمكن أن يكون قوله: «وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»
[التوسل برسول الله]
من التوسل فإنه لم يقل منه أي ابتغوا منه الوسيلة، و التوسل هو طلب- القرب من اللّه-
| إذا الصادق الداعي أتاك مبيّنا | فألق إليه السمع إن كنت مؤمنا | |
| و قلت رسول اللّه أنت وسيلتي | إلى مسعدي سرا أقول و معلنا | |
| و لست بإيماني به مترددا | فإني علمت الأمر علما مبينا | |
– الوجه الثالث- قال تعالى: «وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» و الوسيلة: درجة في الجنة لا ينالها أو لا تنبغي إلا لرجل واحد، قال صلّى اللّه عليه و سلم: و أرجو أن أكون أنا، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة.
فلو سأل واحد منا ربه الوسيلة في حق نفسه لما سأل ما لا يستحقه، فإنها لم تحجر، و لم ينص على وحدانية الشخص، هل هو واحد لعينه أو لصفة تطلبها، و لكن يمنعنا من ذلك الإيثار و حسن الأدب مع اللّه في حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الذي اهتدينا بهديه، و قد طلب منا أن نسأل اللّه له الوسيلة، فتعين علينا أدبا و إيثارا و مروءة و مكارم خلق أن لو كانت لنا لوهبناها له، إذ كان هو الأولى بالأفضل من كل شيء لعلو منصبه، و ما عرفناه من منزلته عند اللّه، و نرجو بهذا أن يكون لنا في الجنة ما يماثل تلك الدرجة، فقد ثبت في الشرع أن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك له و لك بمثله، و لك بمثليه.
فإذا دعونا له صلّى اللّه عليه و سلم بالوسيلة و هو غائب، قال الملك: و لك بمثله فهي له و المثل للداعي فينال من درجات مجموعة ما يناله صاحب الوسيلة من الوسيلة، لأن الوسيلة لا مثل لها، أي ما ثم درجة واحدة تجمع ما جمعت الوسيلة، و إن كان ما جمعت متفرقا في درجات متعددة و لكن للوسيلة خاصية الجمع «وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ» اعلم أن الفضيلة، عند من ابتغى إلى اللّه الوسيلة، في التعمل و إن لم يعمل تحصيل ما لديه، مع كونه ما وصل إليه، ما تحصل نتيجة العمل لمن لم يعمل، إلا لمن اجتهد و لم يكسل، و أما مع الكسل فما وصل و لا توصل، ابذل المجهود، و ما عليك أن لا تتصف بالوجود.
و اعلم أيدك اللّه أن الإسلام و الإيمان و التقوى و ابتغاء الوسيلة كلها من آثار اسم اللّه من حيث أنه هاد، و الكفر و الطغيان و العصيان و الانهماك في استيفاء اللذات و الشهوات و ارتكاب المحرمات و الشبهات، و النسيان و الغفلة عن ذكر اللّه و عن التفكر في آلائه و نعمائه، كلها من آثار اسم اللّه تعالى، لكن من حيث صفة إضلاله و اسمه المضل، و أئمة الكفر و شياطين الإنس و الجن و الكفار و العصاة و الطغاة كلهم مظاهر الاسم المضل، و مظهرو أحكامه و آثاره. كما أن الأنبياء و الرسل و أولو العزم منهم و المؤمنون باللّه و بهم، و جبريل من حيث أنه مبلغ الوحي و إظهار الشرع مظاهر الاسم الهادي، و مظهرو أحكامه و آثاره.
لذلك كان بين هذين الاسمين أعني الهادي و المضل مجازات و مغالبات و مقالبات في إظهار أحكامهما و آثارهما، فكل واحد منهما يريد إظهار مقتضياته لتعلق الكمال المختص بكل واحد منهما بظهور تلك المقتضيات و الأحكام و الآثار المختصة به، فلا جرم حيث ظهر أحكام اسم الهادي، و غلب بظهور آثاره و مقتضياته من الإيمان و الإسلام و التقوى و ابتغاء الوسيلة من حيث مظاهره، و مظهرو أحكامه و آثاره من المؤمنين و الصالحين و الأنبياء و الرسل و مالكي سبيل الحق، لا بد و أن يقوم اسم المضل من حيث مظاهره و مظهرو أحكامه و آثاره من شياطين الإنس و الجن و الكفار و أئمتهم و رؤسائهم في الدفع و المنع عن ظهور اسم الهادي و مقتضياته، و عن ظهور غلبة سلطنته، فتعين الجهاد الصغير و الكبير، مع الشيطان و أعوانه و أنصاره و حزبه من الكفار و أئمتهم، و رفع شرهم و كسر شهوتهم، و قمع النفس و الهوى، و أنصارهما من الشهوة و الغضب، و ما يتبعهما من القوى في العالمين الكبير التفصيلي، و الصغير الإنساني، فلهذا رتب تعالى ذكر الأمر بالجهاد على ذكر الأثر بالتقوى و ابتغاء الوسيلة فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ» و أما سر كون الجهاد مع النفس و الشيطان و أعوانهما في العالم الصغير الإنساني جهادا أكبر، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، عند اشتغاله بالصلاة عند مرجعه من جهاد الكفار، فلأن المطلب الغائي من إيجاد الخلق إنما هو معرفة الحق بجامع كمالاته، كما قال: «فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» و هذا المطلب لا يتحقق تماما إلا بالجهاد في العالم الصغير الإنساني، و غلبة الروح و القلب بالحضور و الذكر و الفكر و الشهود و التوجه الصحيح الوحداني إلى الحق تعالى، على النفس الأمارة و الشيطان و أعوانهما و أنصارهما.
و أن الجهاد في العالم الكبير التفصيلي وسيلة و واسطة إلى ذلك المطلوب، فإن ذلك المطلوب لا يوصل إليه إلا بالعبادة الخالصة المخلصة للّه عزّ و جل، و لا يتمكن من أداء العبادة إلا بدفع الموانع الظاهرية، و تلك الموانع هي قصد أعداء الدين، و مخالفتهم و ممانعتهم من إظهار شعائر الشرائع و الإيمان و الإسلام و مخاصمتهم و مقاتلتهم على ذلك. فكان جهاد النفس في العالم الإنساني مقصودا و مطلوبالذاته، و الجهاد في العالم التفصيلي وسيلة و آلة و مطلوب لغيره، و الشيء الذي يكون مقصودا و مطلوبا لذاته، أكبر و أعلى من شيء تكون هي في رتبة الوسيلة و الآلة و المطلوبية لغيره.
فالجهاد في سبيل اللّه يعمّ الجهادين الأصغر و الأكبر، و الجهاد في اللّه حق جهاده يختص بالجهاد الأكبر، و هو الجهاد مع النفس في منعها عن حظوظها بجميع المراتب و المقامات و الأحوال و الأخلاق و العلوم، و في صرفها عن استيفاء جميع حظوظها و لذاتها و مراداتها، و في قطع آمالها و أمانيها و قطع نظرها عن التطلع إلى شيء من الأجر في الأعمال القلبية و القالبية، و في سدّ باب رؤيتها شيئا منها مضافة إليها، و قلع شاماتها باستراق الحظوظ الخفية مما منح القلب و الروح و السرّ من مواهب التجليات و العلوم و المكاشفات و المشاهدات و غير ذلك.
و أما سرّ استعمال صيغة الترجي عند حصول أسباب الفوز و النجاح بحصول المطلوب و هي التجلي تجلية القرب، و استقبال حقيقة الحب، في قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» فهو الإشارة إلى أن الأسباب كلها معدات لا مؤثرات، و المؤثر إنما هو الحق تعالى بقدرته عند الأسباب، فإن الفاعل لا يظهر فعله إلا بعد حصول تمام القابلية و الاستعداد لقبول ظهور الفعل، و حصول تمام القابلية و الاستعداد لقبول ظهور فعل الحق من حيث قدرته أمر مخفي على العبد، لاحتمال بقية شرط خفي من شرائط تمام السببية، و يحصل تمام الاستعداد بصيغة الترجي عائدة إلى حصول تمام القابلية و الاستعداد لقبول فعلي الفلاح و الإنجاح و إعطاء المطلوب و المقصود، فكأنه تعالى يقول: تسببوا و حصلوا استعداد قبول فعل تقريبي فيكم، بالتقوى و ابتغاء الوسيلة و الجهاد في سبيلي، لعلكم تصلون إلى تمام حصول الاستعداد و القابلية و تمام شرائطها، و يترتب على ذلك فلا حكم و فوزكم بالقرب بظهور فعل تقريبي فيكم، فكلما جاء في الكتاب العزيز من صيغ الترجي فراجع إلى هذا المعنى فاعلم ذلك.
[سورة المائدة (5): الآيات 36 الى 37]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37)
[سورة المائدة (5): الآيات 34 الى 35]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» لما كان الإيمان الذي هو نور إلهي واردا على باطن هذه الهيئة الاجتماعية النفسية، الذي هو القلب الحقيقي المعنوي لا الصوري، و على ظاهرها الذي هو النفس الملهمة، متمكنا في القلب و النفس، و صارا قابلين فيهما للإيمان و الإسلام أولا، و لأحكام الحق و شرعه و أمره و نهيه ثانيا، و مقبلان على قبولهما و العمل بموجباتهما التي هي أداء الواجبات و المندوبات، و الترك و الاحتراز عن المحرمات و الشبهات و الانحرافات، لكن النشأة الدنيوية الحسية تقتضي أحيانا بالنسبة إلى بعض و غالبا بالنسبة إلى بعض آخر ميل النفس و انحرافها عن هيئتها الاجتماعية إلى جانب الروح الحيوانية الطبيعية العنصرية، و غفلتها و غيبتها عن ذلك الإقبال و القبول، فتظهر آثار الأسماء الإلهية فيها بوصف الانحرافات و يقتضي ظهور نتائجها فيها بذلك الوصف الانحرافي الموجب للألم و البعد، فاقتضى أثر عناية اللّه تعالى لعباده المؤمنين أن يوقظهم من نومة الغفلة، و يخاطبهم بقوله عزّ من قائل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» يعني و اللّه أعلم بعد أن اهتديتم إلى الإيمان باللّه و رسوله و ملائكته و كتبه و اليوم الآخر، و القدر خيره و شره، احترزوا بتقواكم بواسطة متابعة أمر اللّه تعالى و نهيه، و الحضور معهما و مع موجباتهما التي هي أداء الواجبات و المندوبات، و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات، عن ميلها و انحرافها عن وحدتها و جمعيتها إلى جانب كثرة روحها الحيوانية الطبيعية العنصرية، فتغلبكم الانحرافات، فاجعلوا نفوسكم بذلك الاحتراز في وقاية وحدة أمر اللّه، و حكم نهيه و الحضور مع موجباتها المذكورة، و وقاية وحدة أثرها الروحاني و عدالة جمعيتها، فتنصبغ آثار أسماء اللّه تعالى فيها بصبغة الوحدة و الاعتدال الموجبين لرضاء اللّه تعالى و قربه، فيقيكم ذلك الحكم و الوحدة و العدالة و القرب و الرضا عن أن تظهر فيكم آثار سخط اللّه تعالى، التي هي من نتائج أسماء اللّه تعالى، المنصبغة بأحكام انحراف نفوسكم، و ميلها عن وحدة الأثر الروحاني، و عدالة الجمعية عن الحضور مع الأمر و النهي، و العمل بموجباتها إلى كثرة الروح الحيوانية الطبيعية العنصرية، و غلبة الغفلة عن الأمر و النهي و موجباتهما عليها، فإنكم متى ما دخلتم في هذه الوقاية و لذتم بها، وصل إليكم تمام أثر الاسم «المؤمن» و آمنكم من غلبة شرور أنفسكم، التي استعاذ منها النبي صلّى اللّه عليه و سلم في قوله: «نعوذ بالله من شرور أنفسنا» و حصل لكم استعداد السير و السلوك و الترقي في مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإحسان، و تخاطبون حالتئذ بابتغاء الوسيلة بواسطة أداء الحقوق الباطنية المتعلقة بالمباحات الفعلية منها و التركية، طلبا للوصول إلى مقام الإحسان و التحقق به بعد أداء حقوق الواجبات و المندوبات، و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات و الدخول في وقاية أمر اللّه تعالى و نهيه، طلبا للتحقق بحقيقة مقام الإيمان، فابتغاء الوسيلة يكون عين التقرب إلى اللّه تعالى بالنوافل حتى يحبه اللّه تعالى، فيكون سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله، و ذلك هو الدخول في دائرة مقام الإحسان. فابتغاء الوسيلة إليه يعم حكمه أداء الواجبات و المندوبات، و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات، قولا و فعلا و خلقا و حالا، و إتيان المباحات أو تركها مقرونا بالنية المخلصة عن شوائب حظوظ النفس في الدنيا و الآخرة، و إليه في هذه الآية إشارة إلى هذا الإخلاص، إلا أن حكم ابتغاء الوسيلة بإتيان المباحات أخصّ لكونه غير متعين مفهومه في الأمر بالتقوى التي هي السلوك في سبيل التقرب إلى اللّه عزّ و جل بإتيان الأوامر و أداء الواجبات و المندوبات التي هي مقتضاها، و الانتهاء عن النواهي و ترك المحرمات و الشبهات و الانحرافات التي هي مقتضياتها، و الدخول بواسطة ذلك الإتيان و الانتهاء في وقاية رضى اللّه تعالى و هدايته و لطفه تقي المؤمن المسلم تلك الوقاية من ظهور آثار سخط اللّه تعالى و إضلاله و قهره و ضره فيه، ثم اعلم أن ابتغاء الوسيلة هو أن يأكل المؤمن و يشرب للّه تعالى، أو يتركهما للّه لا لإرادة النفس و شهواتها، و لا لمتابعة خاطر النفس عمل ذلك المباح أو تركه، و كذا لا يتناول جميع المباحات و لا يتركها إلا بنية التقرب إلى اللّه تعالى، فإن كل شيء مباح هو نعمة من اللّه تعالى، و الآلة التي بها يتناول تلك النعمة أيضا نعمة من اللّه تعالى، و كذا القدرة على تركها هي نعمة في حقه، فلا يتناول و لا يترك شيئا من المباحات، و لا يقول و لا يعمل شيئا منها و لا يترك إمضاء خاطرهما إلا بنية أداء شكر نعم اللّه تعالى، لا لأجل شهوة النفس و متابعة خاطرها و إرادتها، و لا بغفلة عن ذكر اللّه تعالى، و عن نية أداء شكر نعمه- الوجه الثاني- يمكن أن يكون قوله: «وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»
[التوسل برسول الله]
من التوسل فإنه لم يقل منه أي ابتغوا منه الوسيلة، و التوسل هو طلب- القرب من اللّه-
| إذا الصادق الداعي أتاك مبيّنا | فألق إليه السمع إن كنت مؤمنا | |
| و قلت رسول اللّه أنت وسيلتي | إلى مسعدي سرا أقول و معلنا | |
| و لست بإيماني به مترددا | فإني علمت الأمر علما مبينا | |
– الوجه الثالث- قال تعالى: «وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» و الوسيلة: درجة في الجنة لا ينالها أو لا تنبغي إلا لرجل واحد، قال صلّى اللّه عليه و سلم: و أرجو أن أكون أنا، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة.
فلو سأل واحد منا ربه الوسيلة في حق نفسه لما سأل ما لا يستحقه، فإنها لم تحجر، و لم ينص على وحدانية الشخص، هل هو واحد لعينه أو لصفة تطلبها، و لكن يمنعنا من ذلك الإيثار و حسن الأدب مع اللّه في حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الذي اهتدينا بهديه، و قد طلب منا أن نسأل اللّه له الوسيلة، فتعين علينا أدبا و إيثارا و مروءة و مكارم خلق أن لو كانت لنا لوهبناها له، إذ كان هو الأولى بالأفضل من كل شيء لعلو منصبه، و ما عرفناه من منزلته عند اللّه، و نرجو بهذا أن يكون لنا في الجنة ما يماثل تلك الدرجة، فقد ثبت في الشرع أن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك له و لك بمثله، و لك بمثليه.
فإذا دعونا له صلّى اللّه عليه و سلم بالوسيلة و هو غائب، قال الملك: و لك بمثله فهي له و المثل للداعي فينال من درجات مجموعة ما يناله صاحب الوسيلة من الوسيلة، لأن الوسيلة لا مثل لها، أي ما ثم درجة واحدة تجمع ما جمعت الوسيلة، و إن كان ما جمعت متفرقا في درجات متعددة و لكن للوسيلة خاصية الجمع «وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ» اعلم أن الفضيلة، عند من ابتغى إلى اللّه الوسيلة، في التعمل و إن لم يعمل تحصيل ما لديه، مع كونه ما وصل إليه، ما تحصل نتيجة العمل لمن لم يعمل، إلا لمن اجتهد و لم يكسل، و أما مع الكسل فما وصل و لا توصل، ابذل المجهود، و ما عليك أن لا تتصف بالوجود.
و اعلم أيدك اللّه أن الإسلام و الإيمان و التقوى و ابتغاء الوسيلة كلها من آثار اسم اللّه من حيث أنه هاد، و الكفر و الطغيان و العصيان و الانهماك في استيفاء اللذات و الشهوات و ارتكاب المحرمات و الشبهات، و النسيان و الغفلة عن ذكر اللّه و عن التفكر في آلائه و نعمائه، كلها من آثار اسم اللّه تعالى، لكن من حيث صفة إضلاله و اسمه المضل، و أئمة الكفر و شياطين الإنس و الجن و الكفار و العصاة و الطغاة كلهم مظاهر الاسم المضل، و مظهرو أحكامه و آثاره.
كما أن الأنبياء و الرسل و أولو العزم منهم و المؤمنون باللّه و بهم، و جبريل من حيث أنه مبلغ الوحي و إظهار الشرع مظاهر الاسم الهادي، و مظهرو أحكامه و آثاره. لذلك كان بين هذين الاسمين أعني الهادي و المضل مجازات و مغالبات و مقالبات في إظهار أحكامهما و آثارهما، فكل واحد منهما يريد إظهار مقتضياته لتعلق الكمال المختص بكل واحد منهما بظهور تلك المقتضيات و الأحكام و الآثار المختصة به، فلا جرم حيث ظهر أحكام اسم الهادي، و غلب بظهور آثاره و مقتضياته من الإيمان و الإسلام و التقوى و ابتغاء الوسيلة من حيث مظاهره، و مظهرو أحكامه و آثاره من المؤمنين و الصالحين و الأنبياء و الرسل و مالكي سبيل الحق، لا بد و أن يقوم اسم المضل من حيث مظاهره و مظهرو أحكامه و آثاره من شياطين الإنس و الجن و الكفار و أئمتهم و رؤسائهم في الدفع و المنع عن ظهور اسم الهادي و مقتضياته، و عن ظهور غلبة سلطنته، فتعين الجهاد الصغير و الكبير، مع الشيطان و أعوانه و أنصاره و حزبه من الكفار و أئمتهم، و رفع شرهم و كسر شهوتهم، و قمع النفس و الهوى، و أنصارهما من الشهوة و الغضب، و ما يتبعهما من القوى في العالمين الكبير التفصيلي، و الصغير الإنساني، فلهذا رتب تعالى ذكر الأمر بالجهاد على ذكر الأثر بالتقوى و ابتغاء الوسيلة فقال تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ» و أما سر كون الجهاد مع النفس و الشيطان و أعوانهما في العالم الصغير الإنساني جهادا أكبر، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، عند اشتغاله بالصلاة عند مرجعه من جهاد الكفار، فلأن المطلب الغائي من إيجاد الخلق إنما هو معرفة الحق بجامع كمالاته، كما قال: «فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» و هذا المطلب لا يتحقق تماما إلا بالجهاد في العالم الصغير الإنساني، و غلبة الروح و القلب بالحضور و الذكر و الفكر و الشهود و التوجه الصحيح الوحداني إلى الحق تعالى، على النفس الأمارة و الشيطان و أعوانهما و أنصارهما.
و أن الجهاد في العالم الكبير التفصيلي وسيلة و واسطة إلى ذلك المطلوب، فإن ذلك المطلوب لا يوصل إليه إلا بالعبادة الخالصة المخلصة للّه عزّ و جل، و لا يتمكن من أداء العبادة إلا بدفع الموانع الظاهرية، و تلك الموانع هي قصد أعداء الدين، و مخالفتهم و ممانعتهم من إظهار شعائر الشرائع و الإيمان و الإسلام و مخاصمتهم و مقاتلتهم على ذلك. فكان جهاد النفس في العالم الإنساني مقصودا و مطلوبالذاته، و الجهاد في العالم التفصيلي وسيلة و آلة و مطلوب لغيره، و الشيء الذي يكون مقصودا و مطلوبا لذاته، أكبر و أعلى من شيء تكون هي في رتبة الوسيلة و الآلة و المطلوبية لغيره.
فالجهاد في سبيل اللّه يعمّ الجهادين الأصغر و الأكبر، و الجهاد في اللّه حق جهاده يختص بالجهاد الأكبر، و هو الجهاد مع النفس في منعها عن حظوظها بجميع المراتب و المقامات و الأحوال و الأخلاق و العلوم، و في صرفها عن استيفاء جميع حظوظها و لذاتها و مراداتها، و في قطع آمالها و أمانيها و قطع نظرها عن التطلع إلى شيء من الأجر في الأعمال القلبية و القالبية، و في سدّ باب رؤيتها شيئا منها مضافة إليها، و قلع شاماتها باستراق الحظوظ الخفية مما منح القلب و الروح و السرّ من مواهب التجليات و العلوم و المكاشفات و المشاهدات و غير ذلك.
و أما سرّ استعمال صيغة الترجي عند حصول أسباب الفوز و النجاح بحصول المطلوب و هي التجلي تجلية القرب، و استقبال حقيقة الحب، في قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» فهو الإشارة إلى أن الأسباب كلها معدات لا مؤثرات، و المؤثر إنما هو الحق تعالى بقدرته عند الأسباب، فإن الفاعل لا يظهر فعله إلا بعد حصول تمام القابلية و الاستعداد لقبول ظهور الفعل، و حصول تمام القابلية و الاستعداد لقبول ظهور فعل الحق من حيث قدرته أمر مخفي على العبد، لاحتمال بقية شرط خفي من شرائط تمام السببية، و يحصل تمام الاستعداد بصيغة الترجي عائدة إلى حصول تمام القابلية و الاستعداد لقبول فعلي الفلاح و الإنجاح و إعطاء المطلوب و المقصود، فكأنه تعالى يقول: تسببوا و حصلوا استعداد قبول فعل تقريبي فيكم، بالتقوى و ابتغاء الوسيلة و الجهاد في سبيلي، لعلكم تصلون إلى تمام حصول الاستعداد و القابلية و تمام شرائطها، و يترتب على ذلك فلا حكم و فوزكم بالقرب بظهور فعل تقريبي فيكم، فكلما جاء في الكتاب العزيز من صيغ الترجي فراجع إلى هذا المعنى فاعلم ذلك.
[سورة المائدة (5): الآيات 36 الى 37]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37)
النار دار انتقال من حال إلى حال، و الحكم في عاقبتها للرحمة، و النعمة، و إزالة الكرب و الغمة، فلذلك لم توصف بدار مقامة لعدم هذه العلامة، فسوقها نفاق، و عذابها نفاق، فالصورة عذاب مقيم، و الحس في غاية النعيم، فإن نعيم الأمشاج فيما يلائم المزاج.
[سورة المائدة (5): آية 38]
وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)
النكل القيد فإقامة الحد نكال في حق السارق، و إن كان الحدّ نكالا فلا بدّ فيه من معقول الطهارة لأنه يسقط عنه في الآخرة بقدر ما أخذ به في الدنيا، فالنكال و هو القيد ما سقط عن السارق، فإن السارق قطعت يده و بقي مقيدا بما سرق لأنه مال الغير، فقطع يده زجر و ردع لما يستقبل، و بقي حق الغير عليه فلذلك جعله نكالا، و النكل القيد فما زال من القيد مع قطع يده.
[سورة المائدة (5): الآيات 39 الى 44]
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44)
التوراة من ورى الزند، فهو راجع إلى النور.
[سورة المائدة (5): آية 45]
وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)
[جرح العجماء جبار]
اعلم أن الشرع قد جعل جرح العجماء جبار، و جرح الإنسان مأخوذ به على جهة القصاص، مع كون العجماء لها اختيار في الجرح و إرادة، و لكن العجماء ما قصدت أذى المجروح، و إنما قصدت دفع الأذى عن نفسها، فوقع الجرح و الأذى تبعا، بخلاف الإنسان فإنه قد يقصد الأذى، فمن حيوانيته يدفع الأذى، و من إنسانيته يقصد الأذى، فلو لا شرف النفس ما دفع الحيوان الأذى عن نفسه، و ما قصد أذى الغير مع جهله بأنه يلزمه من غيره ما يلزمه نفسه، و كذلك الإنسان إذا دفع الأذى عن نفسه لم يقع عليه مطالبة من الحق، فإن تعدى و زاد على القصاص، أو تعدى ابتداء أخذ به و لكن ما يتعدى إلا من كونه إنسانا فقد تجاوز حيوانيته إلى إنسانيته «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» الكفارة تعطي الستر و هو أن يستره عن الانتقام أن ينزل به لما تلبس به من المخالفات، و تكون الكفارة في حق البعض سترا من المخالفات أن تصيبه إذا توجهت عليه لتحلّ به لطلب النفس الشهوانية إياها فيكون معصوما بهذا الستر، فلا يكون للمخالفة عليه حكم.
[سورة المائدة (5): الآيات 46 الى 48]
وَ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)
«وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ»
[لا مفاضلة في كلام اللّه من حيث ما هو كلامه]
لا مفاضلة في كلام اللّه من حيث ما هو كلامه، فالكتب كلها من إل واحد، و القرآن جامع، فقد أغنى، و أنت منه على يقين، و لست من غيره على يقين، لما دخله من التبديل و التحريف، و المهيمن هو الشاهد على الشيء بما له و عليه و كل أمر يتوقف وجوده على وجود أمر آخر فالأمر المتوقف عليه مهيمن على من توقف وجوده عليه، «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً»
[سبب إنزال الشرائع]
أنزل اللّه الشرائع لما تتضمنه من المصالح، فهي الخير المحض بما فيها من الأمور المؤلمة المنازعة لما تتعلق به الأغراض النفسية التي خلقها اللّه بالرحمة. خلق الأدوية الكريهة، للعلل البغيضة، للمزاج الخاص، و المنهاج هو ما اجتمع عليه في الأديان، و ما اختلفوا فيه من الأحكام فهو الشرعة التي جعل اللّه لكل واحد من الرسل، و ذلك تعيين الأعمال التي ينتهي فيها مدة الحكم المعبر عنه بالنسخ في كلام علماء الشريعة، فهي أحكام الطريقة و كلها مجعولة بجعل اللّه، فمن مشى في غير طريقه التي عين اللّه له المشي عليها، فقد حاد عن سواء السبيل التي عين اللّه له المشي عليها، كما أن ذلك الآخر لو ترك سبيله التي شرع اللّه له المشي عليها، و سلك سبيل هذا سميناه حائدا عن سبيل اللّه، و الكل بالنسبة إلى واحد واحد على صراط مستقيم فيما شرع له.
و لهذا خط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم خطأ، و خط عن جنبتي ذلك الخط خطوطا، فكان ذلك الخط شرعه و منهاجه الذي بعث به، و قيل له: قل لأمتك تسلك عليه و لا تعدل عنه. و كانت تلك الخطوط شرائع الأنبياء التي تقدمته، و النواميس الحكمية الموضوعة، ثم وضع يده على الخط و تلا «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» فأصل وضع الشريعة في العالم و سببها طلب صلاح العالم، و معرفة ما جهل من اللّه مما لا يقبله العقل، أي لا يستقل به العقل من حيث نظره، فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة، و نطقت بها ألسنة الرسل و الأنبياء عليهم السلام بما هو وراء طور العقل، فعينت الرسل الأفعال المقربة إلى اللّه، و أعلمت بما خلق اللّه من الممكنات فيما غاب عن الناس، و ما يكون منه سبحانه فيهم في المستقبل، و جاءوا بالبعث و النشور، و الحشر و الجنة و النار، و تتابعت الرسل على اختلاف الأزمان و اختلاف الأحوال، و كل واحد منهم يصدق صاحبه، ما اختلفوا قط في الأصول التي استندوا إليها و عبروا عنها، و إن اختلفت الأحكام، فتنزلت الشرائع، و نزلت الأحكام، و كان الحكم بحسب الزمان و الحال، و اتفقت أصولهم من غير خلاف في شيء من ذلك.
فالشرائع كلها بالجعل، و لهذا تجري إلى أمد، و غايتها حكم الحق بها في القيامة في الفريقين، و أما اختلاف الشرائع فلاختلاف النسب الإلهية، لأنه لو كانت النسبة الإلهية لتحليل أمر ما في الشرع، كالنسبة لتحريم ذلك الأمر عينه في الشرع، لما صح تغيير الحكم، و قد ثبت تغيير الحكم، و لما صح أيضا قوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» و قد صح أن لكل أمة شرعة و منهاجا، جاءها بذلك نبيها و رسولها، فنسخ و أثبت، فعلمنا بالقطع أن نسبته تعالى فيما شرعه إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم، خلاف نسبته إلى نبي آخر، و إلا لو كانت النسبة واحدة من كل وجه، و هي الموجبة للتشريع الخاص لكان الشرع واحدا من كل وجه بقوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» و أما اختلاف النسب الإلهية، فلاختلاف الأحوال، و هو قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» لاختلاف الزمان فإن اختلاف أحوال الخلق سببها اختلاف الأزمان عليها،و اختلاف الأزمان لاختلاف الحركات الفلكية، فإنه باختلاف الحركات الفلكية حدث زمان الليل و النهار، و تعينت السنون و الشهور و الفصول، و اختلاف الحركات لاختلاف التوجهات، و هو توجه الحق عليها بالإيجاد، و هو تعلق خاص من كونه مريدا.
و إنما اختلفت التوجهات لاختلاف المقاصد، فقصد الرضى غير قصد الغضب، و قصد التنعيم غير قصد التعذيب، و اختلفت المقاصد، لاختلاف التجليات، فلكل قصد تجل خاص ما هو عين التجلي الآخر، فإن الاتساع الإلهي يعطي أن لا يتكرر شيء في الوجود، و اختلفت التجليات لاختلاف الشرائع، فإن كل شريعة تعطي طريقا موصلة إليه سبحانه، و هي مختلفة فلا بد أن تختلف التجليات- نظم في الشريعة.
| طلب الجليل من الجليل جلالا | فأبى الجليل يشاهد الإجلالا | |
| لما رأى عز الإله وجوده | عبد الإله يصاحب الإدلالا | |
| و قد اطمأن بنفسه متعززا | متجبرا متكبرا مختالا | |
| أنهى إليه شريعة معصومة | فأذلة سلطانها إذلالا | |
| نادى العبيد بفاقة و بذلة | يا من تبارك جده و تعالى | |
«وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً» فلم تختلف شرائعكم، كما لم يختلف منها ما أمرتم بالاجتماع فيه و إقامته. و المراد هنا بضمير منكم في قوله: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» ليس إلا الأنبياء عليهم السلام لا الأمم، لأنه لو كان للأمم، لم يبعث رسول في أمة قد بعث فيها رسول إلا أن يكون مؤبدا لا يزيد و لا ينقص، و ما وقع الأمر كذلك فإن جعلنا الضمير في قوله: «منكم» للأمم و الرسل جميعا، تكلفنا في التأويل شططا لا نحتاج إليه، فكون الضمير كناية عن الرسل أقرب إلى الفهم و أوصل إلى العلم
[- إشارة- الى الشريعة و الحقيقة]
– إشارة- الشريعة هي الطرق كما قال تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» و الحقيقة: عين واحدة هي غاية لهذه الطرق و هو قوله: «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ».
[سورة المائدة (5): الآيات 49 الى 51]
وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
بعضهم أولياء بعض أي ينصر بعضهم بعضا.
[سورة المائدة (5): آية 52]
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52)
«فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» هو المرض القادح في الإيمان و هي الشبه المضلة، إما في وجود الحق، أو في توحيده.
[سورة المائدة (5): الآيات 53 الى 54]
وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54)
اعلم أن حب العبد لو لا ما أحبه أولا ما رزقه محبته و لا وفّقه إليها و لا استعمله فيها، و هكذا جميع ما يكون فيه العبد من الأمور المقربة إلى اللّه عزّ و جل، قال صلّى اللّه عليه و سلم عن اللّه:
إن اللّه تعالى يقول: (ما تقرب المتقربون بأحب إلي من أداء ما افترضته عليهم) فبحب اللّه للعبد يوفقه بهذه المحبة لاتباع رسوله فيما جاء به من الواجبات عليه، و هي الفرائض، و الترغيب في أن يوجبوا على أنفسهم صورة ما أوجبه عليهم و يسمى نافلة، فيحبهم اللّه إذ يقول صلّى اللّه عليه و سلم عن اللّه تعالى: (و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا) و قد أعلمنا الرسول صلّى اللّه عليه و سلم أننا إذا اتبعناه فيما جاء به أحبنا اللّه، فقال تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» فالحب الثاني هو عين الحب الأول، فالأول حب عناية و الثاني حب جزاء و كرامة بوافد محبوب بالحب الأول، فصار حب العبد ربه محفوظا بين حبين إلهيين، كلما أراد أو همّ أن يخرج عن هذا الوصف بالسلو وجد نفسه محصورا بين حبين إلهيين، فلم يجد منفذا، فيبقى محفوظ العين بين حب عناية ما فيها من فطور، و بين حب كرامة ما فيها استدراج- مسئلة- إن اللّه أحب أولياءه، و المحب لا يؤلم محبوبه، و ليس أحد بأشد ألما في الدنيا و لا بلاء من أولياء اللّه، رسلهم و أنبيائهم و أتباعهم المحفوظين المعانين على اتباعهم، فمن أي حقيقة استحقوا هذا البلاء مع كونهم محبين؟ فنقول: إن اللّه قال: «يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ»
[من أي حقيقة ابتلي أولياء اللّه تعالى]
فمن كونهم محبين ابتلاهم، و من كونهم محبوبين اجتباهم و اصطفاهم، في هذه الدار و في القيامة، و أما في الجنة فليس يعاملهم الحق إلا من كونهم محبوبين خاصة، و البلاء لا يكون أبدا إلا مع الدعوى، فمن لم يدع أمرا ما لا يبتلى بإقامة الدليل على صدق دعواه، فلو لا الدعوى ما وقع البلاء. و لما أحب اللّه من أحب من عباده رزقهم محبته من حيث لا يعلمون، فوجدوا في نفوسهم حبا للّه، فادعوا أنهم من محبي اللّه فابتلاهم اللّه من كونهم محبين، و أنعم عليهم من كونهم محبوبين، فإنعامه دليل على محبته فيهم و للّه الحجة البالغة، و ابتلاؤه إياهم لما ادعوه من حبهم إياه، فلهذا ابتلى اللّه أحبابه من المخلوقين، و الحق تعالى محب محبوب فمن حيث هو محب ينفعل لتأثير الكون، و من حيث هو محبوب يبتلي.
و العبد أيضا محب للّه محبوب للّه، فمن حيث هو محب للّه يبتلى لأجل الدعوى فيفتضح صاحب الدعوى الكاذبة، و يظهر صاحب الدعوى الصادقة، و من حيث أنه محبوب يتحكم على محبه، فيدعوه فيستجيب له، و يرضيه فيرضى و يسخطه فيعفو و يصفح مع نفوذ قدرته و قوة سلطانه، إلا أن سلطان الحب أقوى «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ». و قد شرع لنا الود في اللّه و البغض في اللّه، و جعل ذلك من العمل المختص له ليس للعبد فيه حظ إلا ما يعطيه اللّه من الجزاء عليه، و هو أن يعادي اللّه من عادى أولياءه و يوالي من والاهم، و لكن بالحق المشروع له للّه لا لنفسه، فإن اللّه لا يقوم لأحد من عباده إلا لمن قام له.
و لهذا قال: «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ» فإن حق اللّه أحق بالقضاء من حق المخلوق إذا اجتمعا، فإنه ليس لمخلوق حق إلا بجعل اللّه فإذا تعين الحقان في وقت ما، بدأ العبد الموفق بقضاء حق اللّه الذي هو له ثم أخذ في أداء حق المخلوق الذي أوجبه اللّه.
[سورة المائدة (5): الآيات 55 الى 60]
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (55) وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَ إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَ لَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59)
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60)
كان المسخ في بني إسرائيل ظاهرا بالصورة فمسخهم اللّه قردة و خنازير.