تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّور
(24) سورة النّور مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة النور (24): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَ فَرَضْناها وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
[حد الزنا]
حد الزنا هو الرجم للثيب و الجلد للبكر إلا عند من يرى الجمع بين الحدّين على الثيب، و أكثر العلماء على خلاف هذا القول، و ما عندي في مسائل الأحكام المشروعة بأصعب من الزنا خاصة، و لو أقيم عليه الحد فإني أعلم أنه يبقى عليه بعد إقامة الحد مطالبات من مظالم العباد،
و اعلم أنّ للرأفة موطنا لا نتعداه و أن اللّه يحكم بها حيث يكون وزنها، فإن اللّه ينزل كل شيء منزلته و لا يتعدى به حقيقته كما هو في نفسه، فإن الذي يتعدى الحدود هو المتعدي، فجاء الميزان في إقامة الحدود فأزال حكم الرأفة من المؤمن، فإذا رأف في إقامة الحد فليس بمؤمن و لا استعمل الميزان، و كان من الذين يخسرون الميزان؛ فيتوجه عليه بهذه الرأفة اللوم حيث عدل بها عن ميزانها، فإن اللّه يقول: «وَ لا تَأْخُذْكُمْ» يعني ولاة الأمور «بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ» اعلم أن الرأفة من القلوب مثل جبذ و جذب، كذلك رأف و رفأ، و هو من الإصلاح و الالتئام، فالرأفة التئام الرحمة بالعباد، و لذلك نهى عنها في إقامة الحدود لا كل الحدود، و إنما ذلك في حد الزاني و الزانية، فيؤدي ذلك إلى الفتور في إقامة حدّ اللّه الذي شرع و دين اللّه جزاؤه،
ثم قال: «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» فخصّ لأنه ثمّ من يؤمن بالباطل «وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» يقول: و تؤمنون بإقامة اللّه حدوده في اليوم الآخر، كأنه يقول لولاة الأمور: طهروا عبادي في الدنيا قبل أن يفضحوا على رءوس الأشهاد، و لذلك قال في هؤلاء: «وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» ينبه أن أخذهم في الآخرة على رءوس الأشهاد، فتعظم الفضيحة، فإقامة الحدود في الدنيا أستر، فأمر الوالي بإقامة الحد نكالا من الزاني كما هو نكال في حق السارق، و بيّن ذلك، و إقامة الحد إذا لم يكن نكالا فإنه طهارة، و إن كان نكالا فلا بد فيه من معقول الطهارة لأنه يسقط عنه في الآخرة بقدر ما أخذ به في الدنيا، فسقط عن الزاني النكال و ما سقط عن السارق، فإن السارق قطعت يده و بقي مقيدا بما سرق لأنه مال الغير، فقطع يده زجر و ردع لما يستقبل، و بقي حق الغير عليه فلذلك جعله نكالا، و النكل القيد، فما زال من القيد مع قطع يده و ما تعرض في حد الزاني إلى شيء من ذلك، و قد ورد في الخبر أن ما سكت عن الحكم فيه بمنطوق فهو عافية، أي دارس لا أثر له و لا مؤاخذة فيه،
و اعلم أن غير الحاكم ما عيّن اللّه له إقامة الحد، فلا ينبغي أن يقوم به غضب عند تعدي الحدود، فليس ذلك إلا للحكام خاصة و لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من حيث ما هو حاكم، و القاضي إن بقي معه الغضب على المحدود بعد أخذ حق اللّه منه فهو غضب نفس و طبع أو لأمر في نفسه لذلك المحدود، ما هو غضب للّه، فلذلك لا يأجره اللّه، فإنه ما قام في ذلك مراعاة لحق اللّه، فلا يغفل الحاكم عند إقامة الحدود عن النظر في نفسه، و ليحذر من التشفي الذي يكون للنفوس، فإن وجد لذلك تشفيا فيعلم أنه ما قام في ذلك للّه و ما عنده فيه خير من اللّه، و إذا فرح بإقامة الحد على المحدود إن لم يكن فرحه له لما سقط عن ذلك الحد في الآخرة من المطالبة و إلا فهو معلول، فمن غضب للّه و كان حاكما و أقام الحد يزول عنه الغضب على ذلك الشخص عند الفراغ منه، و يرجع لذلك المحدود رحمة كله.
[سورة النور (24): الآيات 3 الى 4]
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4)
اعلم أن العقوبة قد أوقعها اللّه في رمي المحصنات و إن صدقوا، فجلد الرامي إنما كان لرميه و لكونه ما جاء بأربعة شهداء، و قد يكون الشهداء شهداء زور في نفس الأمر و تحصل العقوبة بشهادتهم في المرمي فيقتل، و له الأجر التام في الأخرى مع ثبوت الحكم عليه في الدنيا، و على شهود الزور و المفتري العقوبة في الأخرى، و إن حكم الحق في الدنيا بقوله و شهادة شهود الزور فيه.
[سورة النور (24): الآيات 5 الى 9]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) وَ الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
قال صلّى اللّه عليه و سلم في المرأة التي لاعنت زوجها و كذبت و عرف ذلك و قد حكم اللّه بالملاعنة، و في نفس الأمر صدق الرجل و كذبت المرأة فقال صلّى اللّه عليه و سلم: [لكان لي و لها شأن] فترك كشفه و علمه لظاهر الحكم
[حكم الحاكم بعلمه]
– حكم الحاكم بعلمه- يترك الحاكم حكمه بما يعلم و يحكم بقول الشهود، و ليس ذلك عندنا إلا في الأموال لا في النفوس و لا في إقامة الحدود، و عندي في هذه المسألة لو كنت عالما بأمر ما و شهد الشهود بخلاف علمي، و لا يجوز لي أن أحكم بعلمي إذا كنت ممن يقول بذلك، استنبت في الحكم من لا علم له بالأمر، و تركت الحكم فيه،
و هذا هو الوجه الصحيح عندي، و الذي أعمل به و إن كان في النفس منه شيء، و هذا عندي في الحكم في الأموال، و أما الحكم في الأبدان فلا أحكم إلا بعلمي إذا علمت البراءة، فإن لم تكن البراءة و علمت صدق المفتري حكمت بالشهود و تركت علمي، فالحاكم لا يجوز له أن يخالف علمه أصلا، و ذلك في الأموال و أما في الأبشار فما يجب عليه إمضاء الحكم على المحكوم عليه.
[سورة النور (24): آية 10]
وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)
إذا اتفق أن يؤاخذ التائب فما يأخذه إلا الحكيم لا غيره من الأسماء، فإذا لم يؤاخذ فإنما يكون الحكم فيه للرحيم، فإن اللّه تواب رحيم بطائفة، و تواب حكيم بطائفة.
[سورة النور (24): آية 11]
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11)
اللسان ما عصى اللّه قط من حيث نفسه، و إنما وقعت فيه المخالفة لا منه، من حركة المريد تحريكه، فهو مجبور حيث لم يعط الدفع عن نفسه لكونه من آلات النفس، فهو طائع من ذاته، و لو فتح اللّه سمع صاحبه لنطق اللسان الذاتي إذا جعلته النفس يتلفظ بمخالفة ما أراد الشرع أن يتلفظ به لبهت، فإنه طائع بالذات شاهد عدل على محركه، و كذلك كل جارحة مصرفة من سمع و بصر و فؤاد و جلد و عصب و فرج و نفس و حركة، لذلك قال تعالى: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ» الاكتساب تعمل في الكسب، و الموجد مكتسب لأنه قد وصف بما اكتسب، فقد كان عن هذا الوصف غير موصوف به إذ لم يكن ذلك المكتسب.
[سورة النور (24): الآيات 12 الى 13]
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (13)
«لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» كما قرر في الحكم، و كان الرامي في تلك القضية الخاصة كاذبا فيها «فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» قوله «أولئك» يحتمل يريد بهذه الإشارة هذه القضية الخاصة أو يريد عموم الحكم في ذلك.
[سورة النور (24): الآيات 14 الى 15]
وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
أي الذي هان على الجاهل بقدره من الافتراء على بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، عظيم عند اللّه تعالى.
[سورة النور (24): آية 16]
وَ لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16)
البهتان أن ينسب إلى الشخص ما لم يكن منه، و الأعراض عند ذوي الهيئات و المروءات أعظم في الحرمة من الدماء و الأموال.
[سورة النور (24): الآيات 17 الى 22]
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)
وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَ الْمَساكِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)
نزلت هذه الآية في توعد أبي بكر رضي اللّه عنه لمسطح في قضية الإفك، و قد حلف أبو بكر أن لا يعطي مسطحا ما كان يعطيه، فنزلت الآية «وَ لا يَأْتَلِ» أي لا يحلف «أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ» من له مال رزقه اللّه «وَ السَّعَةِ» يعني في الرزق «أَنْ يُؤْتُوا» يعطوا «أُولِي الْقُرْبى» ذوي الرحم «وَ الْمَساكِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» فقال رضي اللّه عنه بعد سمعها: بلى إني أحب أن يغفر اللّه لي، و أعاد ما كان خصصه لمسطح و كفّر عن يمينه، ففي الوعيد إذا لم يكن حدا مشروعا و كان لك الخيار فيه و علمت أن تركه خير من فعله عند اللّه، فلك أن لا تفي به و أن تتصف بالخلف فيه، فقد قال صلّى اللّه عليه و سلم: [من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه و ليأت الذي هو خير] و قال الشاعر:
| و إني إذا أوعدته أو وعدته | لمخلف إيعادي و منجز موعدي | |
[العقوبة بالكفارة]
و إنما عوقب بالكفارة لأنه أمر بمكارم الأخلاق و اليمين على ترك فعل الخير، و هذا الترك من مذام الأخلاق، فعوقب بالكفارة، و اللّه فعّال لما يريد لا يقاس بالمخلوق و لا يقاس المخلوق عليه، و إنما الأدلة الشرعية أتت بأمور تقرر عندنا منها أنه يعامل عباده بالإحسان و على قدر ظنهم به، فتبين أنه سبحانه ما يحمد خلقا من مكارم الأخلاق إلا و هو تعالى أولى به بأن يعامل به خلقه، و لا يذمّ شيئا من سفساف الأخلاق إلا و كان الجناب الإلهي أبعد منه.
[سورة النور (24): الآيات 23 الى 24]
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24)
[على من يقع العذاب]
فما منك جزء إلا و هو عالم ناطق، فلا يحجبنك أخذ سمعك عن نطقه، فلا تقل يوما:
أنا وحدي، ما أنت وحدك و لكنك في كثرة منك، و الجسم لا يأمر النفس، إلا بخير، و لهذا تشهد على النفس يوم القيامة جلود الجسم و جميع جوارحه، و في هذه الآية الإخبار بعلم جوارح الإنسان بالأشياء فإن العمل للجوارح و النية للنفس، و الجوارح لا تدري هل هذا العمل مشروع أم غير مشروع، و لذلك إذا شهدت الجوارح و الجلود بما وقع منها من الأعمال على النفس المدبرة لها، ما تشهد بوقوع معصية و لا طاعة و إنما شهادتها بما عملته،
و اللّه يعلم حكمه في ذلك العمل، و لهذا إذا كان يوم القيامة «تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» يعني بها، و لم يشهدوا بكون ذلك العمل طاعة و لا معصية، فإن مرتبتهم لا تقتضي ذلك، و ما سمي ذلك النطق شهادة إلا تجوزا، فالجوارح تشهد بالفعل ما تشهد بالحكم، فإنها ما تفرق بين الطاعة المشروعة و المعصية، فإنها مطيعة بالذات لا عن أمر، فبقي الحكم للّه تعالى فيأخذه ابتداء من غير نطق الجوارح، فما وقعت المخالفة من الجوارح إلا من حركة المريد تحريكها، فهي مجبورة طائعة بالذات، شاهد عدل على محرّكها، فإنه ما من جارحة إلا و هي مسبحة للّه مقدسة لجلاله، غير عالمة بما تصرفها فيه نفسها المدبرة لها، المكلّفة التي كلّفها اللّه تعالى عبادته و الوقوف بهذه الجوارح و بعالم ظاهره عند ما حد له، فلو علمت الجوارح ما تعلمه النفس من تعيين ما هو معصية و ما هو طاعة ما وافقت على مخالفة أصلا، فإنها ما تعاين شيئا من الموجودات إلا مسبحا للّه مقدسا لجلاله، غير أنها قد أعطيت من الحفظ القوة العظيمة،
فلا تصرفها النفس في أمر إلا و تحتفظ على ذلك الأمر و تعلمه، و النفس تعلم أن ذلك طاعة و معصية، و ذلك يدل على أن الجوارح ارتبطت بالنفس الناطقة ارتباط الملك بمالكه، فلا تشهد إلا بالأجنبية، إذ لا بد من شهود عليه، و إن لم يكن على ما قلناه و كان عين الشاهد عين المشهود عليه، فهو إقرار لا شهادة،و ما ذكر اللّه تعالى أنه إقرار بل ذكر أنها شهادة، فإذا وقع الإنكار يوم القيامة عند السؤال من هذه النفس، يقول اللّه لها: نبعث عليك شاهدا من نفسك، فتقول في نفسها: من يشهد علي؟ خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [قالوا يا رسول اللّه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: و الذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم، فيلقى العبد فيقول: أي قل: أ لم أكرمك و أسودك و أزوجك و أسخر لك الخيل و الإبل و أذرك ترأس و تربع؟ فيقول: بلى يا رب؟ فيقول: أ فظننت أنك ملاقي؟ فيقول: آمنت بك و بكتابك و برسلك، و صليت و صمت و تصدقت، و يثني بخير ما استطاع، فيقول:
هاهنا إذا، قال ثم يقال له: الآن نبعث شاهدا عليك، و يتفكر في نفسه، من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه و يقال لفخذه: انطقي، فينطق فخذه و لحمه و عظامه بعمله، و ذلك ليعذر من نفسه و ذلك المنافق، و ذلك الذي سخط اللّه عليه] فيسأل اللّه تعالى الجوارح عن تلك الأفعال التي صرفها فيها، فيقول للعين: قولي فيما صرفك،
فتقول له:يا رب نظر بي إلى أمر كذا و كذا، و تقول الأذن: أصغى بي إلى كذا و كذا، و تقول اليد:بطش بي في كذا و كذا، يعني في غير حق فيما حرم عليه البطش فيه، و تقول الرجل:كذلك و الجلود كذلك و الألسنة كذلك و جميع الجوارح (إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) فيقول اللّه له: هل تنكر شيئا من ذلك؟
فيحار، و يقول:لا؛ و الجوارح لا تعرف ما الطاعة و لا المعصية، فيقول اللّه: أ لم أقل لك على لسان رسولي و في كتبي لا تنظر إلى كذا، و لا تسمع كذا، و لا تسع إلى كذا، و لا تبطش بكذا؟ و يعين له جميع ما تعلق من التكليف بالحواس، ثم يفعل كذلك في الباطن فيما حجر عليه من سوء الظن و غيره؛ فعليك بحفظ الجوارح، فإنه من أرسل جوارحه أتعب قلبه، فهذه الآية إعلام من اللّه لنا أن كل جزء فينا شاهد عدل مزكى مرضي، و ذلك بشرى خير لنا، و لكن أكثر الناس لا يعلمون صورة الخير فيها، فإن الأمر إذا كان بهذه المثابة يرجى أن يكون المآل إلى خير و إن دخل النار، فإن اللّه أجل و أعظم و أعدل من أن يعذب مكرها مقهورا،
و قد قال: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) و قد ثبت حكم المكره في الشرع، و علم حد المكره الذي اتفق عليه و المكره الذي اختلف فيه، و هذه الجوارح من المكرهين المتفق عليهم أنهم مكرهون، فتشهد هذه الأعضاء بلا شك على النفس المدبرة لها السلطانة عليها، و النفس هي المطلوبة عند اللّه عن حدوده و المسئولة عنها،
هي المطلوبة عند اللّه عن حدوده و المسئولة عنها، و هي مرتبطة بالحواس و القوى لا انفكاك لها عن هذه الأدوات الجسمية الطبيعية العادلة الزكية المرضية المسموع قولها؛ و لا عذاب للنفس إلا بواسطة تعذيب هذه الجسوم، و هي التي تحسّ بالآلام المحسوسة لسريان الروح الحيواني فيها، و عذاب النفس بالهموم و الغموم و غلبة الأوهام و الأفكار الرديئة، و ما ترى في رعيتها مما تحس به من الآلام و يطرأ عليها من التغييرات، كل صنف بما يليق به من العذاب، و قد أخبر بمآلها لإيمانها إلى السعادة، لكون المقهور غير مؤاخذ بما جبر عليه، فالإنسان سعيد من حيث نشأته الطبيعية و من حيث نشأة نفسه الناطقة بانفراد كل نشأة عن صاحبتها، و بالمجموع ظهرت المخالفة، فما عذبت الجوارح بالألم إلا لإحساسها باللذة فيما نالته من حيث حيوانيتها، و لا عمل للنفوس إلا بهذه الأدوات، و لا حركة في عمل للأدوات إلا بالأغراض النفسية، فكما كان العمل بالمجموع وقع العذاب بالمجموع، ثم تقضي عدالة الأدوات في آخر الأمر إلى سعادة المؤمنين،
فيرتفع العذاب الحسي، ثم يقضى حكم الشرع الذي رفع عن النفس ما همت به، فيرتفع أيضا العذاب المعنوي عن المؤمن، فلا يبقى عذاب معنوي و لا حسي على أحد من أهل الإيمان، و بقدر قصر الزمان في الدار الدنيا بذلك العمل لوجود اللذة فيه- و أيام النعيم قصار- تكون مدة العذاب على النفس الناطقة الحيوانية الدرّاكة مع قصر الزمان المطابق لزمان العمل، فإن أنفاس الهموم طوال، فما أطول الليل على أصحاب الآلام و ما أقصره بعينه على أصحاب اللذات و النعيم، فزمان الشدة طويل على صاحبه و زمان الرخاء قصير، فإذا عذبت النفس في دار الشقاء فبما يمسّ الجوارح من النار و أنواع العذاب فأما الجوارح فتستعذب جميع ما يطرأ عليها من أنواع العذاب،
و لذا سمي عذابا لأنّها تستعذبه كما يستعذب ذلك خزنة النار حيث تنتقم للّه، و كذلك الجوارح حيث جعلها اللّه محلا للانتقام من تلك النفس التي كانت تحكم عليها، و الآلام تختلف على النفس الناطقة بما تراه في ملكها و بما تنقله إليها الروح الحيواني، فإن الحسّ ينقل للنفس الآلام في تلك الأفعال المؤلمة، و الجوارح ما عندها إلا النعيم الدائم في جهنم، مثل ما هي الخزنة عليه ممجدة للّه تعالى مستعذبة لما يقوم بها من الأفعال، كما كانت في الدنيا، فيتخيل الإنسان أن العضو يتألم لإحساسه في نفسه بالألم و ليس كذلك إنما هو المتألم بما تحمله الجارحة،فتبين لك إن كنت عاقلا.
من يحمل الألم منك و من يحس به ممن لا يحمله و لا يحسّ به، و لو كانت الجوارح تتألم لأنكرت كما تنكر النفس، و ما كانت تشهد عليه، فقد علمت يا أخي من يعذّب منك و من يتنعم و ما أنت سواك، فلا تجعل رعيتك تشهد عليك فتبوء بالخسران، و قد ولاك اللّه الملك فيقال لك: ما فعلت برعيتك؟ أ لا ترى الوالي الجائر إذا أخذه الملك و عذبه عند استغاثة رعيته به كيف تفرح الرعية بالانتقام من واليها؟ كذلك الجوارح يكشف لك يوم القيامة عن فرحها و نعيمها بما تراه في النفس التي كانت تدبرها في ولايتها عليها، لأن حرمة اللّه عظيمة عند الجوارح، قال تعالى: (وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ).
[سورة النور (24): آية 25]
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)
«الْحَقُّ الْمُبِينُ» أي الظاهر، فمن شهدت عليه جوارحه، فما تعظم فضيحته من حيث شهادة جوارحه عليه، و إنما تعظم فضيحته من حيث عجزه و جهله بالذّب عن نفسه.
[سورة النور (24): آية 26]
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
[جعل اللّه الطيبين للطيبات و الطيبات للطيبين من كونه طيبا]
جعل اللّه الطيبين للطيبات و الطيبات للطيبين من كونه طيبا، فالطيب من يميز الخبيث من الطيب، و جعل تعالى الخبيثين للخبيثات و الخبيثات للخبيثين من كونه حكيما، فإنه هو الجاعل للأشياء و المميز بين الأشياء و الأحكام، و اعلم وفقك اللّه أن الحلال طيب لا ينتج إلا طيبا، قال تعالى: «الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ» ففي هذا من الاعتبار الصوفي و النظر الإلهي بعض ما نذكره الآن، و ذلك أن من كان عند اللّه خبيثا فلا يغذيه إلا بالخبيثات من المطاعم، و لا تصدر الأفعال الخبيثات إلا من الخبيثين، و كذلك الطيبات من المطاعم و هي الحلال، لا يغذي بها اللّه تعالى إلا من كان عنده من الطيبين، و كذلك الطيبون عند اللّه تعالى لا تصدر منهم إلا طيبات الأفعال، أو تلك المطاعم بأعيانها إنما أهّلت الخبيثات التى هي الحرام للخبيثين كما أهلوا لها، و كذلك الطيبات مع الطيبين، فإنه من أهّل لشيء فقد أهل له ذلك الشيء.
[سورة النور (24): آية 27]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
إذا جئت بيت قوم فاستأذن ثلاث مرات، فإن أذن لك و إلا فارجع، و لا تنظر في بيت أخيك من حيث لا يعرف بك، فإنك إذا نظرت فقد دخلت، و إنما جعل الإذن من أجل البصر.
[سورة النور (24): آية 28]
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)
ثبت في الحديث الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك و إلا فارجع.
[سورة النور (24): الآيات 29 الى 30]
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30)
العبد مأمور بأن لا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه شرعا، و بجميع ما يختص برأسه من التكليف، و مأمور بأن لا يسعى بأقدامه إلى ما لا يحل له السعي إليه و فيه و منه، و ما بينهما مما كلفه اللّه أن يحفظه في تصرفه، من يد و بطن و فرج و قلب، و الغض نقص ما تمتد العين إليه، و هذه الآية و التي بعدها خطاب للنفس بالحياء، فإنه من الحياء غض البصر عن محارم اللّه، و الحياء منه فرض و سنة أي مستحب، فإن النظر إلى عورة امرأتك و إن كان قد أبيح لك و لكن استعمال الحياء فيه أفضل و أولى.
[سورة النور (24): آية 31]
وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَ لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
[التوبة]
التوبة قرين الحوبة، علامتها الندم، مما جرى به القدم، و تعلق به العلم في القدم، ثم أقلع فرجع، عند ما سمع «وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ» أمر اللّه عباده المؤمنين بالتوبة، و التوبة تختلف باختلاف المقامات، فمنهم من رجع إليه من نفسه، و العارف رجع إليه منه، و العلماء رجعوا إليه من رجوعهم إليه، و العامّة رجعت من المخالفات إلى الموافقة، و حدّ التوبة ترك الزلة في الحال و الندم على ما فات، و العزم على أنه لا يعود لما رجع عنه عند علماء الرسوم، و يفعل اللّه بعد ذلك ما يريد، و الندم توبة و هو الركن الأعظم، و ميم الندم منقلبة عن باء، مثل لازم و لازب، و هو أثر حزنه على ما فاته يسمى ندبا، و الندب الأثر،
فقلبت ميما و جعلت لأثر الحزن خاصة؛ و لما كان توبة اللّه على عبده مقطوعا لها بالقبول، و توبة العبد في محل الإمكان، لما فيها من العلل و عدم العلم باستيفاء حدودها و شروطها و علم اللّه فيها، فالعارفون يسألون من ربهم أن يتوب عليهم، و حظهم من التوبة الاعتراف و السؤال لا غير ذلك، فهذا معنى قوله «وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً» أي ارجعوا إلى الاعتراف و الدعاء، كما فعل أبوكم آدم، فإن الرجوع إلى اللّه بطريق العهد و هو لا يعلم ما في علم اللّه فيه خطر عظيم، فإنه إن كان قد بقي عليه شيء من المخالفة، فلا بد من نقض ذلك العهد، فالتوبة التي طلب منا إنما هي صورة ما جرى من آدم عليه السلام، أما العزم على عدم العودة كما يشترطه علماء الرسوم في حد التوبة فهو سوء أدب مع اللّه بكل وجه، فإنه لا يخلو أن يكون عالما بعلم اللّه فيه أنه لا يقع منه زلة في المستأنف أم لا، فإن كان عالما بذلك فلا فائدة في العزم على أن لا يعود بعد علمه أنه لا يعود،
و إن لم يعلم و عاهد اللّه إلى ذلك و كان ممن قضى اللّه عليه أن يعود، ناقض عهد اللّه و ميثاقه، و إن أعلمه اللّه أنه يعود، فعزمه بعد العلم أنه يعود مكابرة، فعلى كل وجه لا فائدة للعزم في المستأنف لا لذي العلم و لا لغير العالم، فالناصح نفسه من سلك طريقة آدم عليه السلام، و التوبة المشروعة من المقامات المستصحبة إلى حين الموت ما دام مخاطبا بالتكليف، و لم يأمر اللّه تعالى بالتوبة إلا المؤمنين بقوله:
«وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ» و أيه بغير ألف لحكمة أخفاها يعرفها العالم و لا يشعر بها المؤمن، فهي بالألف هاء التنبيه إذا قال أيها المؤمنون، و هي بغير الألف هي هويته، قرأها الكسائي برفع هاء «أيه» و حذف الواو لالتقاء الساكنين، يقول: هو المؤمنون لأنه المؤمن، و ما يسمع نداء الحق إلا بالحق، و السامع مؤمن و السامعون كثيرون، فهو المؤمنون. «عَوْراتِ النِّساءِ» ليست العورة في المرأة إلا السوءتين، و إن أمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا لكن لا من كونها عورة، و إنما ذلك حكم مشروع ورد بالستر، و لا يلزم أن يستر الشيء لكونه عورة، و الوجه و الكفان من المرأة ما هما بعورة، و يبعد أن يكون القدمان عورة تستر.
[سورة النور (24): الآيات 32 الى 33]
وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)
«وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» روي أن بعض الصالحين لم يكن له شيء من الدنيا، فتزوج فجاءه ولد و ما أصبح عنده شيء فأخذ الولد و خرج ينادي به: هذا جزاء من عصى اللّه، فقيل له: زنيت؟ قال: لا إنما سمعت اللّه يقول في كتابه العزيز: «وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» فعصيت أمر اللّه و تزوجت و أنا لا أجد نكاحا فافتضحت، فرجع إلى منزله بخير كثير.
[سورة النور (24): الآيات 34 الى 35]
وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَ مَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
[ «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»]
– الوجه الأول- «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» لا نقول فيه كما قال المفسرون معناه منور أو هاد، فذلك له اسم خاص و هو الهادي الذي هداهم لإباءة حمل الأمانة، و إلى الإتيان بالطاعة لأمره، و أما هنا فما قال: إلا أنه نور السموات و الأرض، و النور النفور، و يؤيد ذلك التشبيه بالمصباح على الوصف الخاص، فإن مثل هذا النور المصباحي ينفر ظلمة الليل، بل هو عين نفور ظلمة الليل مع بقاء الليل ليلا، فإنه ليس من شرط وجود الليل وجود الظلمة، و إنما عين الليل غروب الشمس إلى حين طلوعها سواء أعقب المحل نور آخر سوى نور الشمس أو ظلمة، فقد يكون الليل و لا ظلمة كما أنه قد يكون النهار و لا ضوء، فإن النهار ليس إلا زمان طلوع الشمس إلى غروبها و إن طلعت مكسوفة فلا يزول الحكم عن كون النهار موجودا، و لما فصل الحق إضافة النور إلى السموات و هو ما غاب من القوى و علا، و إلى الأرض و هو ما ظهر من القوى الحسية و دنا،
قال اللّه تعالى: إنه عين نفورها عن ذاتها، فلم يشهد إلا هو، فهو عين السموات و الأرض، فإن الخلق ظلمة و لا يقف للنور فإنه ينفرها، و الظلمة لا ترى النور، و ما ثمّ إلا نور الحق، فمن النور ما يدرك به و لا يدرك في نفسه، و النور لا يرى أبدا، و الظلمة و إن حجبت فإنها مرئية للمناسبة التي بينها و بين الرائي، فإنه ما ثمّ ظلمة وجودية إلا ظلمة الأكوان، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول في دعائه: و اجعلني نورا، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يطلب بهذا الدعاء أن يكون الحق بصره حتى يراه به، و لهذا قال صلّى اللّه عليه و سلم: [نور أنّى أراه] فإنه ما رآه مني إلا هويته، و ظلمتي لا تدركه، فقال «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فهو الذي أنارت به العقول العلوية، و هو قوله: السموات، و الصور الطبيعية و هو قوله «وَ الْأَرْضِ»–
الوجه الثاني- «اللَّهُ نُورُ» تسمى الحق بالنور و لم يتسم بالظلمة إذ كان النور وجودا و الظلمة عدما، و إذ كان النور لا تغالبه الظلمة بل النور الغالب، كذلك الحق لا يغالبه الخلق بل الحق الغالب، فسمى نفسه نورا، فهو أصل الموجودات كلها من اسمه النور «السَّماواتِ» و هي ما علا «وَ الْأَرْضِ» و هي ما سفل، فالأجسام الطبيعية أصلها النور، و الطبيعة نور في أصلها، فأول موجود العقل و هو القلم و هو نور إلهي إبداعي، و أوجد عنه النفس و هو اللوح المحفوظ، و هي دون العقل في النورية للوساطة التي بينها و بين اللّه، و ما زالت الأشياء تكثف حتى انتهت إلى الأركان و المولدات، و بما كان لكل موجود وجه خاص إلى موجده به كان سريان النور فيه، و بما كان له وجه إلى سببه به كان فيه الظلمة و الكثافة ما فيه، فلهذا كان الأمر كلما نزل أظلم و أكثف، فأين منزلة العقل من منزلة الأرض؟ كم بينهما من الوسائط؟
و الإنسان آخر مولد فهو آخر الأولاد، مركب من حمأ مسنون صلصال، فيه من الأنوار المعنوية و الحسية و الزجاجية ما فيه، مما لا تجده في غيره من المولدات بما أعطاه اللّه من القوى الروحانية، فما قبلها إلا بالنورية التي فيه، فلو لا النورية التي في الأجسام الكثيفة ما صح للمكاشف أن يكشف ما خلف الجدران و ما تحت الأرض، فلا يدرك الشيء إن لم يكن فيه نور يدرك به من ذاته، و هو عين وجوده و استعداده بقبول إدراك الأبصار بما فيها من الأنوار له، و اختص الإدراك بالعين عادة، و إنما الإدراك في نفسه إنما هو لكل شيء، فكل شيء يدرك بنفسه و بكل شيء أ لا ترى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم كيف كان يدرك من خلف ظهره كما كان يدرك من أمامه، و لم يحجبه كثافة عظم الرأس و عروقه و عظامه و عصبه و مخه، و ذلك خرق عادة لقوة إلهية أعطاه اللّه إياها و لبعض الأشخاص، و من هذا نعلم أن خلق الأجسام الطبيعية أصلها من النور،
و لذلك إذا عرف الإنسان كيف يصفّي جميع الأجسام الكثيفة الظلمانية أبرزها شفافة للنورية التي هي أصل، مثل الزجاج إذا خلص من كدورة رمله يعود شفافا، و ما ترى جسما قط خلقه اللّه و بقي على أصل خلقته مستقيما قط، ما يكون أبدا إلا مائلا للاستدارة، لا من جماد و لا من حيوان و لا سماء و لا أرض و لا جبل و لا ورق و لا حجر، و سبب ذلك ميله إلى أصله و هو النور- الوجه الثالث- لو لا النور ما ظهر للممكنات عين، و لو لا ما أنت في نفسك ذو نور عقلي ما عرفته و ذو نور بصري ما شهدته، فما شهدته إلا بالنور، و ما ثمّ نور إلا هو، فما شهدته و لا عرفته إلا به، فهو نور السموات من حيث العقول، و الأرض من حيث الأبصار، و ما جعل اللّه عزّ و جل صفة نوره إلا بالنور الذي هو المصباح، و هو نور أرضي لا سماوي، فشبه نوره بالمصباح لأنه لو لا نزوله إلينا ما عرفناه.
| فلو لا النور لم تشهده عين | و لو لا العقل لم يعرفه كون | |
فبالنور الكوني و الإلهي كان ظهور الموجودات التي لم تزل ظاهرة له في حال عدمها، كما هي لنا في حال وجودها، فنحن ندركها عقلا في حال عدمها و ندركها عينا في حال وجودها، و الحق يدركها عينا في الحالين، فلو لا أن الممكن في حال عدمه على نور في نفسه ما قبل الوجود و لا تميز عن المحال، فبنور إمكانه شاهده الحق، و بنور وجوده شاهده الخلق، فبين الحق و الخلق ما بين الشهودين، فالحق نور في نور، و الخلق نور في ظلمة في حال عدمه، و أما في وجوده فهو نور على نور، لأنه عين الدليل على ربه، و لما كان الحق لا يتمكن أن يشهد و يعلم إلا بضرب مثل، لهذا ضرب اللّه لنا المثل، و جعل لنا مثل نوره في السموات و الأرض «كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ» و الزيت مادة الأنوار، و هو مثل للإمداد بالنور الإلهي الذي أودع اللّه في الزيت لبقاء النور، ثم قال «نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ» من هذين النورين، فيعلم المشبه و المشبه به «مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» فجعله ضرب مثل للتوصيل،
و يجوز في ضرب الأمثال المحال الذي لا يمكن وقوعه، فكما لا يكون المحال الوجود وجودا بالفرض، كذلك لا يكون الخلق حقا بضرب المثل، فما هو موجود بالفرض قد لا يصح أن يكون موجودا بالعين، و لو كان عين المشبه ضرب المثل، لما كان ضرب مثل إلا بوجه، فلا يصح أن يكون هنا ما وقع به التشبيه و ضرب المثل موجودا إلا بالفرض، فعلمنا بضرب هذا المثل أننا في غاية البعد منه تعالى في غاية القرب أيضا، و لهذا قبلنا ضرب المثل، فجمعنا بين القرب و البعد، و هو القريب البعيد، قريب بالمثل بعيد بالصورة، لأن فرض الشيء لا يكون كهو و لا عين الشيء، فهذه الآية من أسرار المعرفة باللّه تعالى في ارتباط الإله بالمألوه و الرب بالمربوب، فإن المربوب و المألوه لو لم يتول اللّه حفظه دائما لفني من حينه، إذ لم يكن له حافظ يحفظه و يحفظ عليه بقاءه، فمن فهم هذه الآية علم حفظ اللّه العالم، فهو روح العالم الذي يستمد منه حياته،
قال تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فلو احتجب اللّه عن العالم في الغيب انعدم العالم، فمن هنا الاسم الظاهر حاكم أبدا وجودا، و الاسم الباطن علما و معرفة، فبالاسم الظاهر أبقى العالم، و بالاسم الباطن عرفناه، و بالاسم النور شهدناه، ثم مثّل فقال: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ» و هي الكوة «فِيها مِصْباحٌ» و هو النور أي صفة نوره صفة المصباح و لم يقل صفة الشمس، فإن الإمداد في نور الشمس يخفى، بخلاف المصباح فإن الزيت و الدهن يمده لبقاء الإضاءة، فهو باق بإمداد دهني، «مِنْ شَجَرَةٍ» نسبة الجهات إليها نسبة واحدة، منزهة عن الاختصاص بحكم جهة، و هو قوله «لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ» و هذا الإمداد من نور السبحات الظاهرة من وراء سبحات العزة و الكبرياء و الجلال، فما ينفذ من نور سبحات هذه الحجب هو نور السموات و الأرض، و مثله كمثل المصباح، و النور الذي في الدهن معلوم غير مشهود، وضوء المصباح من أثره يدل عليه، و على الحقيقة ما هو نور و إنما هو سبب لبقاء النور و استمراره، فالنور العلمي منفّر ظلمة الجهل من النفس،
فإذا أضاءت ذات النفس أبصرت ارتباطها بربها في كونها و في كون كل كون، و جعل هذا النور في مشكاة و زجاجة مخافة الهواء أن يحيره و يشتد عليه فيطفيه، فكأن مشكاته و زجاجته نشأته الظاهرة و الباطنة، فإنهما من حيث هما معصومان، فإنهما من الذين يسبحون بحمد اللّه الليل و النهار لا يفترون- فنور السّراج أدلّ على الحق من نور الشمس عند الناظرين بمشاهدتهم المادة التي بها بقاؤه- و أنزل الأنوار ما يفتقر إلى مادة و هو المصباح، فإذا أنزل الحق نوره في التشبيه إلى مصباح و هو نور مفتقر إلى مادة تمده و هي الدهن، فما هو أعلى منه من الأنوار أقرب إلى التشبيه و أعلى في التنزيه، و إنما أعلمنا الحق بذلك و جاء بكاف الصفة في قوله «كَمِشْكاةٍ» إلى آخر الآية، إعلاما أنه نور كل نور، بل هو كل نور، و شرع لنا طلب هذه الصفة، فكان صلّى اللّه عليه و سلم يقول:
[و اجعلني نورا] و كذلك كان صلّى اللّه عليه و سلم، و ما ضرب اللّه المثل في هذه الآية للاسم اللّه و إنما عيّن سبحانه اسما آخر، و هو قوله «نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف إلى السموات و الأرض، أي هكذا فافعلوا، و لا تضربوا الأمثال للّه فإني ما ضربتها، فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه، فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص، كما فعل اللّه في هذه الآية، فإنه تعالى هنا لم يطلق على نفسه اسم النور المطلق الذي لا يقبل الإضافة و قال: «نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ليعلمنا ما أراد بالنور هنا،
فأثّر حكم التعليم و الإعلام في النور المطلق الإضافة، فقيدته عن إطلاقه بالسماوات و الأرض، فلما أضافه نزل عن درجة النور المطلق في الصفة، فقال: «مَثَلُ نُورِهِ» أي صفة نوره، يعني المضاف إلى السموات و الأرض كمشكاة، إلى أن ذكر المصباح و مادته، و أين صفة نور السراج- و إن كان بهذه المثابة- من صفة النور الذي أشرقت به السموات و الأرض؟
فعلّمنا سبحانه في هذه الآية الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل، و إذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل، مثل قوله: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» فأضاف النور هنا إلى نفسه لا إلى غيره، و جعل النور المضاف إلى السموات و الأرض هاديا إلى معرفة نوره المطلق، كما جعل المصباح هاديا إلى نوره المقيد بالإضافة، و تمم و قال: «وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ» و نهانا في موطن آخر فقال (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فإن اللّه اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية، محيط بمعانيها كلها، و ضرب الأمثال يخص اسما واحدا معينا، فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه، فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص كما فعل اللّه في هذه الآية، و هذا مثل ضربه اللّه تعالى إخبارا بما هو الأمر عليه فقال: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ» فالمشكاة و الزجاجة و المصباح و الزيت أربعة، مثل على الوجود القائم على التربيع، و هو للحق كالبيت القائم على أربعة أركان، توقد من شجرة هويته، مباركة فهي لا شرقية و لا غربية، لا تقبل الجهات، و مباركة في خط الاعتدال منزهة عن تأثير الجهات؛ و عن هذه الزيتونة يكون الزيت و هو المادة لظهور هذا النور، فالخامس للأربعة هو الهوية و هو الزيتونة المنزهة عن الجهات كنّى عنها بالشجرة، من التشاجر، و هو التضاد لما تحمله هذه الهوية من الأسماء المتقابلة كالمعزّ و المذلّ و الضار و النافع؛ فهي الخزانة للإمداد الإلهي للوجود الظاهر كله، إمدادا باطنا بطون الزيت في الشجرة،
و قولنا مثل على الوجود القائم على التربيع، فإن الحصر منع أن يكون سوى هذه الأربعة، فهو القائل تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ) فهي أربعة لا خامس لها إلا هويته، فما ثمّ في العالم حكم إلا من هذه الأربعة «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ» نور المصباح ظاهر يمده نور باطن في زيت، أي نور من نور، فأبدل حرف من بعلى لما يفهم به من قرينة الحال، و قد تكون على على بابها، فإن نور السراج الظاهر يعلو حسا على نور الزيت الباطن و هو الممدّ للمصباح، فلو لا رطوبة الدهن تمد المصباح لم يكن للمصباح ذلك الدوام، و كذلك إمداد التقوى للعلم العرفاني الحاصل منها في قوله تعالى: (وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)– الوجه الثاني- للّه في قلب العبد عينان:
عين بصيرة تنظر بالنور الذي يهدي به و هو علم اليقين، و عين اليقين تنظر بالنور الذي يهدي إليه و هو نور اليقين، فإذا اتصل النور الذي يهدي به بالنور الذي يهدي إليه، عاين الإنسان ملكوت السموات و الأرض، و لاحظ سر القدر كيف تحكم في الخلائق، و هو قوله تعالى:
«نُورٌ عَلى نُورٍ» لذلك قال تعالى: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» و هو نور اليقين الذي تنظر به عين اليقين- الوجه الثالث- نور الشرع صورة سراج مصباح لا تحركه الأهواء لكونه في مشكاة، و مشكاته الرسول، فهو محفوظ من الأهواء التي تطفيه، و ذلك المصباح في زجاجة قلبه، و جسمه المصباح و اللسان ترجمته، و الإمداد الإلهي زيته، و الشجرة حضرة إمداده، فقال تعالى: «نُورُ» و هو النور المجعول (وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) و هو الشرع الموحى به «عَلى نُورٍ» و هو النور الذاتي، فاجتمع نور البصر مع النور الخارج و هو الشرع «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» و هو أحد النورين، و النور الواحد مجعول بجعل اللّه على النور الآخر فهو حاكم عليه، و النور المجعول عليه هذا النور متلبس به مندرج فيه، فلا حكم إلا للنور المجعول و هو الظاهر، و هذا حكم نور الشرع على نور العقل.
| فليس له سوى التسليم فيه | و ليس له سوى ما يصطفيه | |
| فإن أولته لم تحظ منه | بعلم في القيامة ترتضيه | |
– الوجه الرابع- «نُورٌ عَلى نُورٍ» نور الشرع «عَلى نُورٍ» بصر التوفيق و الهداية، فإذا اجتمع النوران بان الطريق بالنورين، فلو كان واحدا لما ظهر له ضوء، و لا شك أن نور الشرع قد ظهر كظهور نور الشمس، و لكن الأعمى لا يبصره، كذلك من أعمى اللّه بصيرته لم يدركه فلم يؤمن به، و لو كان نور عين البصيرة موجودا و لم يظهر للشرع نور بحيث أن يجتمع النوران فيحدث الضوء في الطريق لما رأى صاحب نور البصيرة كيف يسلك، لأنه في طريق مجهولة لا يعرف ما فيها و لا أين تنتهي به من غير دليل موقّف، و لما كان القرب بالسلوك و السفر إليه، لذلك كان من صفته النور لنهتدي به في الطريق، فإنه لو لا ما دعاك و بيّن لك طريق القربة و أخذ بناصيتك فيها ما تمكن لك أن تعرف الطريق التي تقرب منه ما هي، و لو عرفتها لم يكن لك حول و لا قوة إلا به-
الوجه الخامس- «نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الذي مثله بالمصباح شبّه النور الإلهي بنور المصباح و إن بعدت المناسبة، و لكن اللسان العربي يعطي التفهم بأدنى شيء من متعلقات التشبيه، فتكون المعارف على حسب ما وقع به التشبيه، لأن المعارف متنوعة بالذي يريد صاحبها، منها يدل عليه بأمر يناسبه- من وجه ما- مناسبة لطيفة لدلالة غيبية، كما قال: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ» بشروطه من الزجاجة، التنزيه الذي هو الجسم الشفاف الصافي، فكان قوله في الزجاجة مقام الصفا، في المشكاة مقام الستر من الأهواء، فلم تصبه مقالات القائلين فيه بأفكارهم «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» و هو الإمداد «لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ» في مقام الاعتدال لا تميل عن غرض إلى شرق فيحاط بها علما، و لا إلى غرب فلم تعلم رتبتها «نُورٌ عَلى نُورٍ» وجود على وجود، وجود عيني على وجود مفتقر.
| اللّه نور تعالى أن يماثله | نور و قد لاح لي في نار نبراس | |
| لو قال خلق به من دون خالقه | لكفروه و ما في القول من باس | |
| لأنه مثل لو قلته قيل هل | لداء هذا الذي قد قال من آسي | |
فالولي هو من يعرف ما ضرب اللّه له الأمثال، فيشهد الجامع بين المثل و بين ما ضرب له ذلك المثل، فهو عينه من حيث ذلك الجامع، و ما هو عينه من حيث ما هو مثل، و لذلك قال تعالى: «يَهْدِي اللَّهُ» بما ضربه لعباده من هذا النور بالمصباح «لِنُورِهِ» الممثّل به «مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» فهذا مصباح مخصوص ما هو كل مصباح، فلا ينبغي أن يقال: إن نور اللّه كالمصباح من كونه يكشف المصباح كل ما انبسط عليه نوره لصاحب بصر، مثل هذا لا يقال: فإن اللّه ما ذكر ما ذكره من شروط هذا المصباح و نعوته و صفاته الممثل به سدى، فمثل هذا المصباح هو الذي يضرب به المثل،
فإن اللّه يعلم كيف يضرب الأمثال- قراءة- العارف يقف في التلاوة على مصباح ثم يقول: «الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ» فيكون حديثه مع المصباح لا مع النور الإلهي، و الآية مثل لقلب المؤمن التقي النقي الورع، فليس له عامر إلا اللّه، و اللّه هو النور لأنه نور السموات و الأرض، فمثل القلب بالمشكاة فيها مصباح و هو النور، نور العلم باللّه، و ما بقي من الكلام فإنما هو من تمام كمال النور الذي وقع به التشبيه، ما هو من التشبيه، فلا تغلط فتخطئ الطريق إلى ما أبان الحق عنه في هذه الآية، فالقلب مشبه بالمشكاة و المشكاة الكوة- تفسير من مبشرة- رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في المنام فقلت: قوله تعالى «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ» إلى آخر الآية، ما هذه الشجرة؟ فقال: كنّى عن نفسه سبحانه، لذلك نفى عنها الجهات، فإنه لا يتقيد بالجهات، و الغرب و الشرق كناية عن الفرع و الأصل، فهو اللّه خالق المواد و أصلها، و لو لا هو ما كانت- في كلام طويل و تفصيل واضح.
[سورة النور (24): آية 36]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ (36)
ربط اللّه إقامة الصلوات المفروضة بأماكن و هي المساجد فقال: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ» أي أمر اللّه أن ترفع حتى تتميز البيوت المنسوبة إلى اللّه من البيوت المنسوبة إلى المخلوقين «وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» بالأذان و الإقامة و التلاوة و الذكر و الموعظة «يُسَبِّحُ» يقول:
يصلى «لَهُ فِيها» أي من أجل أن أمرهم اللّه بالصلاة فيها «بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ»– الوجه الثاني- «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» أمر اللّه تعالى برفع المساجد عما يجوز من العمل في البيوت «يُسَبِّحُ» يصلي «لَهُ» للّه «فِيهَا» في المساجد، فهل ترفع عن دخول الكفار فيها، هي مسئلة خلاف فيما يحرم من ذلك، و أما تنزيهها عن ذلك على جهة الندب فلا خلاف فيه، فمن خرج «أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ» أي أمر و حمله على الوجوب منع من دخول الكفار جميع المساجد المشركين و غيرهم، و أما المسجد الحرام الذي بمكة فقد ورد النص بأن لا يقربه مشرك و أنه نجس، فمن علل المنع بالنجاسة و جعل النجاسة لكفره و علّل المسجد لكونه مسجدا منع الكفار كيفما كانوا من جميع المساجد، و من رأى أن ذلك خاص بالمسجد الحرام،
و لهذا خصّ بالذكر و أن ما عدا المشرك و إن كان كافرا لا يتنزل منزلته منع دخول المشرك المسجد الحرام و كل مسجد لقوله تعالى: «فِي بُيُوتٍ» و جوز الدخول فيه لمن ليس بمشرك، و من أخذ بالظاهر و لم يعلل منع المشرك خاصة من المسجد الحرام خاصة، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم حبس في المسجد في المدينة ثمامة بن أثال حين أسر و هو مشرك و هو الأوجه، و لم يمنع غير المشرك من المسجد الحرام و من المساجد، و منع المشرك من سائر المساجد أولى لقوله تعالى: «أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ» إلا أن يقترن بذلك أمر و حالة فلا بأس، و أما قوله تعالى في سورة البقرة: «أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ» ففيه إباحة الدخول للكفار في المساجد على هذه الحالة من ظهور الإسلام عليهم.
[سورة النور (24): آية 37]
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ (37)
[لحوق النساء بالرجال فى الكمال]
«رِجالٌ» هنا له وجه تعلق يطلبه «يسبح» بالفاعلية، و وجه يطلبه الابتداء بالمبتدئية، و ضمير «لا تُلْهِيهِمْ» يعود عليهم في الوجهين معا، و قوله: «رِجالٌ» المراد بالرجال في هذه الآية و الآيات الثلاث (وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ) (وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا) (وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا) ما أراد بالرجال في هذه الآيات الذكران خاصة، و إنما أراد الصنف الإنساني ذكرا أو أنثى، فلم يذكر النساء لأن الرجل يتضمن المرأة، فاكتفى بذكر الرجال دون النساء تشريفا للرجال و تنبيها على لحوق النساء بالرجال،
فسمّى النساء هنا رجالا، فإن درجة الكمال لم تحجر عليهن، بل يكملن كما تكمل الرجال، و ثبت في الخبر كمال مريم و آسية امرأة فرعون «لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ» لا تشغلهم تجارة فهم في تجارتهم في ذكر اللّه، لأن التجارة على الحد المرسوم الإلهي من ذكر اللّه، كما قالت عائشة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إنه كان يذكر اللّه على كل أحيانه، مع كونه يمازح العجوز و الصغير «وَ لا بَيْعٌ» فالتجارة أن يبيع و يشتري معا، و البيع أن يبيع فقط «عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أي لا يلهيهم شيء عن ذكر اللّه حين سمعوا المؤذن في هذا البيت يدعو إلى اللّه و هو حاجب الباب، فقال لهم:
[حيّ على الصلاة] أي أقبلوا على مناجاة ربكم، فهؤلاء الرجال بادروا من بيعهم و تجارتهم المعلومة في الدنيا إلى هذا الذكر عند ما سمعوه، ورد: المسجد بيت كل تقي، فأضافه تعالى إلى المتقين من عباده و قد كان مضافا إلى اللّه تعالى؛ و اعلم أن القائلين بالأسباب إذا اعتمدوا عليها و تركوا الاعتماد على اللّه لحقوا بالأخسرين أعمالا،
و إذا أثبتوا الأسباب و اعتمدوا على اللّه و لم يتعدوا فيها منزلتها التي أنزلها اللّه فيها، فأولئك الأكابر من الرجال الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه، و أثبت لهم الحق الرجولة في هذا الموطن، و من شهد له الحق بأمر فهو على حق في دعواه إذا ادعاه «وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ» الخائفون أثنى اللّه عليهم بالخوف، فالتحقوا بالملإ الأعلى في هذه الصفة، فإنه قال فيهم: (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) فمن كان بهذه المثابة تميز مع الملأ الأعلى، و من أدبهم مع اللّه أنهم خافوا اليوم لما يقع فيه لكون اللّه خوفهم منه، و لما تحققوا بهذا الأدب أثنى اللّه عليهم بأنهم يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار، فهذا خوف الزمان،
و أما خوف الحال فهو قوله تعالى: (وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) فأهل الأدب مع اللّه وفقوا له حيث وفقهم، فإن كثيرا من الناس لا يتفطنون لهذا الأدب و لا يعرجون على ما خوفوا به من الأكوان و علّقوا أمرهم باللّه، أوحى اللّه إلى رسوله موسى عليه السلام:
يا موسى خفني و خف نفسك- يعني هواك- و خف من لا يخافني- و هم أعداء اللّه-، فأمره بالخوف من غيره، فامتثل الأدباء أمر اللّه، فمشاهدة العقاب تمنع من الإدلال، قال تعالى: (يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ) و قال (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).
[سورة النور (24): آية 38]
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (38)
«وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» تلك الزيادة من جنات الاختصاص «وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» عليه.
[سورة النور (24): آية 39]
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39)
– الوجه الأول- هذا مثل ضربه اللّه في أعمال الكفار فقال: «كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً» و ذلك لظمئه، لو لا ذلك ما حسبه ماء، لأن الماء موضع حاجته، فيلجأ إليه لكونه مطلوبه و محبوبه، لما فيه من سر الحياة، فجعل الحق في عين الرائي صورة الماء، و هو ليس بالماء الذي يطلبه الظمآن، فتجلى له في عين حاجته «حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً» يعني الماء، و نكّر و ما قال الماء، «وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ» أي عند السراب حين لم يجده شيئا، يعني السراب-
الوجه الثاني- «وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ» لمّا لم يكن السراب إلا في عين الرائي الطالب الماء، فرجع هذا الرائي لنفسه لما لم يجد مطلوبه في تلك البقعة، «وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ» لانقطاع الأسباب عنه فلجأ إليه في إغاثته بالماء أو المزيل لذلك الظمأ القائم به، فما وجد اللّه إلا عند الاضطرار، فإن المضطر يرجع إلى اللّه بكليته مثل الظمآن المضطر عند ما يسفر له السراب عن عدم الماء فيرجع إلى اللّه و لهذا قلنا: إذا لم تجد شيئا وجدت اللّه، فإنه لا يوجد إلا عند عدم الأشياء التي يركن إليها
[- تحقيق- كل ما يعطيه الحس من المغاليط ليس على الحقيقة]
– تحقيق- كل ما يعطيه الحس من المغاليط ليس على الحقيقة نسبة الغلط إلى الحس، و إنما الغلط للحاكم، و هو أمر آخر وراء الحس- تفسير من باب الإشارة- إذا اعتبرنا «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا» أي ستروا محبتهم، و هم معطوفون على من سبقهم من الرجال في الآية السابقة، و هؤلاء الذين ستروا محبتهم من المحبين، فإن الحب يلطف أرواحهم لطافة السراب، فإن السراب يحسبه الظمآن ماء لكونه مطلوبه و محبوبه لما فيه من سر الحياة، و قال «بِقِيعَةٍ» إشارة إلى مقام التواضع، و الظمآن إذا جاء السراب لم يجده شيئا،
و إذا لم يجده شيئا وجد اللّه عنده عوضا من الماء، فكأن قصده حسا للماء، و اللّه يقصد به إليه من حيث لا يشعر، فكما أنه تعالى يمكر بالعبد من حيث لا يشعر، كذلك يعتني بالعبد في الالتجاء إليه و الرجوع إليه و الاعتماد عليه، بقطع الأسباب عنه عند ما يبديها له من حيث لا يشعر، فوجود اللّه عنده عند فقد الماء المتخيل له في السراب، هو رجوعه إلى اللّه، لما تقطعت به الأسباب، و تغلقت دون مطلوبه الأبواب، رجع إلى من بيده ملكوت كل شيء، و هو كان المطلوب به من اللّه، هذا فعله مع أحباه، يردهم إليه اضطرارا و اختيارا، كذلك أرواح المحبين يحسبونها قائمة بحقوق اللّه التي فرضها عليها، و أنها المتصرفة عن أمر اللّه، محبة للّه، و شوقا إلى مرضاته، ليراها حيث أمرها، فإذا كشف لها الغطاء و احتد بصرها، وجدت نفسها كالسراب في شكل الماء، فلم تر قائما بحقوق اللّه إلا خالق الأفعال، و هو اللّه تعالى، فوجدت اللّه عين ما تخيلت أنه عينها، فذهبت عينها عنها، و بقي المشهود الحق بعين الحق، كما فني السراب عن السراب، و السراب مشهود لنفسه و ليس بماء، كذلك الروح موجود في نفسه و ليس بفاعل
[معرفتك باللّه مثل معرفتك بالسراب]
– إشارة لا تفسير- إذا جئت إلى السراب لتجده كما أعطاك النظر لم تجده في شيئيته ما أعطاك النظر، كذلك معرفتك باللّه مثل معرفتك بالسراب أنه ماء، فإذا به ليس ماء و تراه العين ماء، فكذلك إذا قلت عرفت اللّه و تحققت بالمعرفة عرفت أنك ما عرفت اللّه، فالعجز عن معرفته هو المعرفة به، فإن المتعطش إلى العلم باللّه يأخذ في النظر في العلم به، فيفيده تقييد تنزيه أو تشبيه، فإذا كشف الغطاء و هو حال وصول الظمآن إلى السراب لم يجده كما قيده فأنكره، و وجد اللّه عنده غير مقيد بذلك التقييد الخاص، بل له الإطلاق في التقييد، فوفاه حسابه أي تقديره، فكأنه أراد صاحب هذا الحال أن يخرج الحق من التقييد فقال له الحق بقوله: «فَوَفَّاهُ حِسابَهُ» لا يحصل لك في هذا المشهد إلا العلم بي أني مطلق عن التقييد.
[سورة النور (24): آية 40]
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
«ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ» ظلمة الجو تقترن معها ظلمة البحر، تقترن معها ظلمة الموج، تقترن معها ظلمة تراكم الموج، تقترن معها ظلمة السحاب التي تحجب أنوار الكواكب، «إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها» فوصفه بأنه ما رآها و لا قارب رؤيتها، فإنه نفى القرب بدخول لم على يكاد، و هو حرف نفي و جزم يدخل على الأفعال المضارعة للأسماء فينفيها
[ «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً»]
«وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً»– الوجه الأول- «نُوراً» هنا من إيمانه «فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» في القيامة- الوجه الثاني- «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» و هو العلم، و الظلمة الجهل، و شبهه اللّه تعالى هنا في هذه الآية بالظلمات فقال: «ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ» و هو جهل على جهل، و هو من جهل و لا يعلم أنه جهل، فنفى عنه أنه يقارب رؤية يده، فكيف أن يراها؟ و أدخل اليد هنا دون غيرها لأنها محل وجود الاقتدار، و بها يقع الإيجاد، أي إذا أخرج اقتداره ليراه لم يقارب رؤيته لظلمة الجهل، لأنه لو رآه لرآه عين الاقتدار الإلهي، فظلمة الليل ظلمة الطبع، و ظلمة البحر ظلمة الجهل و هو فقد العلم، و ظلمة الفكر ظلمة الموج، و ظلمة الموج المتراكم ظلمة تداخل الأفكار في الشبه، و ظلمة السحاب ظلمة الكفر، فمن جمع هذه الظلمات فقد خسر خسرانا مبينا-
الوجه الثالث- «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» لو لا النور ما وجد للممكن عين و لا اتصف بالوجود، فنبهنا اللّه على ذلك بقوله: «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» فالنور المجعول في الممكن ما هو إلا وجود الحق لأنه هو النور، و قد قال تعالى: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) و هو ما بقي من الممكنات في شيئية ثبوتها، لا حكم لها في الوجود الحق، فأزال الحق بنوره ظلمة الكون الحادث-
الوجه الرابع- لما كان الأمر سفرا و سلوكا، اجتمع نور البصر مع النور من خارج و هو نور الشرع، فكشف ما في الطريق من المهالك و الحيوانات المضرة، فاجتنب كل ما يخاف منها و يحذر، و سلك محجة بيضاء ما فيها مهلك و لا حيوان مضر «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» بعد أن ظهر مصباح الشرع لم ينطف و لا زال، فمن استدبره و أعرض عنه مشى في ظلمة ذاته، و تلك الظلمة ظلمته فيكون ممن جنى على نفسه بإعراضه عن الشرع و استدباره، فهذا حكم من ترك الشرع و استقل بنظره.
[سورة النور (24): آية 41]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (41)
[روية رسول الله تسبيح من فى السماوات و الارض]
«أَ لَمْ تَرَ» خاطب الحق رسوله محمدا صلّى اللّه عليه و سلم فقال له: «أَ لَمْ تَرَ» و لم يقل: أ لم تروا؛فإنا ما رأينا، فالمخاطب بهذه الآية نبيه صلّى اللّه عليه و سلم الذي أشهده و أراه، فهو لنا إيمان و هو لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم عيان، فإنه صاحب الكشف حيث يرى ما لا نرى «أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و هذا تسبيح فطري ذاتي عن تجل إلهي، فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي،
و هي العبادة الذاتية التي أقامهم اللّه فيها «وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ» اعلم أيدنا اللّه و إياك أن البهائم أمم من جملة الأمم، لها تسبيحات تخص كل جنس و صلاة مثل ما لغيرها من المخلوقات؛ فتسبيحهم ما يعلمونه من تنزيه خالقهم، و أما صلاتهم فلهم مع الحق مناجاة خاصة، فكل شيء من المخلوقات له كلام يخصه يعلمه اللّه و يسمعه من فتح اللّه سمعه لإدراكه، و جميع ما يظهر من الحيوان من الحركات و الصنائع التي لا تظهر إلا من ذي عقل و فكر و روية، و ما يرى في ذلك من الأوزان تدل على أن لهم علما في أنفسهم بذلك كله،
ثم نرى منهم أمورا تدلّ على أنهم ما لهم ما للإنسان من التدبير العام، فتعارضت عند الناظرين في أمرهم الأمور، فانبهم أمرهم، و ربما سموا لذلك بهائم من إبهام الأمر، و ما أتي على من أتي عليه إلا من عدم الكشف، لذلك فلا يعرفون من المخلوقات إلا قدر ما يشاهدون منهم، فالحيوانات كلها عندنا ذوات أرواح و عقول تعقل عن اللّه كل» أي كل هؤلاء «قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ»–
الوجه الأول- الضمير يعود على اللّه من قوله صلاته، أي صلاة اللّه عليه بنفس وجوده و رحمته به في ذلك- الوجه الثاني- الصلاة تضاف إلى كل ما سوى اللّه من جميع المخلوقات: ملك و إنسان و حيوان و نبات و معدن بحسب ما فرضت عليه و عيّنت له، فأضاف اللّه الصلاة في هذه الآية إلى الكل «تَسْبِيحَهُ» الضمير يعود في تسبيحه على «كل» أي ما يسبح ربه به و هو صلاته له، و التسبيح في لسان العرب الصلاة. قال عبد اللّه بن عمر و هو من العرب- و كان لا يتنفل في السفر- فقيل له في ذلك، فقال:لو كنت مسبحا أتممت؛ و قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ) (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)–
الوجه الثالث- إن اللّه ما خلق الأشياء من أجل الأشياء، و إنما خلقها ليسبحه كل جنس من الممكنات بما يليق به من صلاة و تسبيح، لتسري عظمته في جميع الأكوان و أجناس الممكنات و أنواعها و أشخاصها، فالكل له تعالى ملك، و لذلك نقول: إن اللّه تعالى خلق الأشياء له لا لنا، و أعطى كل شيء خلقه، و بإعادة الضمير في صلاته على اللّه وصف الحق نفسه بالصلاة، و ما وصف نفسه بالتسبيح، فعمّ بهذه الآية العالم الأعلى و الأسفل و ما بينهما برحمته، فإن صلاة اللّه هي رحمته.
[سورة النور (24): الآيات 42 الى 43]
وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43)
[السحاب و البروق]
السحاب يتكون من الماء يكون بخارا، فتصعد الأبخرة للحرارة التي فيها فتتكون سحابا، و اللّه يزجي السحاب و العين تشهد أن الريح يزجيها، فبما في السحاب من الماء يثقل فينزل، كما صعد بما فيه من الحرارة، فإن الأصغر يطلب الأعظم فإذا ثقل اعتمد على الهواء، فانضغط الهواء فأخذ سفلا، فحك وجه الأرض فتقوت الحرارة التي في الهواء، فطلب الهواء بما فيه من الحرارة القوية الصعود يطلب الركن الأعظم، فوجد السحاب متراكما فمنعه من الصعود تكاثفه فاشتعل الهواء، فخلق اللّه في تلك الشعلة ملكا سماه برقا، فأضاء به الجو، ثم انطفأ بقوة الريح كما ينطفئ السراج، فزال ضوؤه مع بقاء عينه، فزال كونه برقا، و بقي العين كونا يسبح اللّه، ثم صدع الوجه الذي يلي الأرض من السحاب، فلما مازجه خلق اللّه من ذلك ملكا سماه رعدا، فسبح بحمد اللّه، فكان بعد البرق، لا بد من ذلك ما لم يكن البرق خلبا، فكل برق يكون على ما ذكرناه، لا بد أن يكون الرعد يعقبه، لأن الهواء يصعد مشتعلا فيخلقه ملكا يسميه برقا، و بعد هذا يصدع أسفل السحاب فيخلق اللّه الرعد مسبحا بحمد ربه لما أوجده، و ثمّ بروق و هي ملائكة يخلقها اللّه في زمان الصيف من حرارة الجو لارتفاع الشمس، فتنزل الأشعة الشمسية فإذا أحرقت ركن الأثير زادت حرارة، فاشتعل الجو من أعلى و ما ثمّ سحاب، لأن قوة الحرارة تلطف الأبخرة الصاعدة على كثافتها، فلا يظهر للسحاب عين، فيخلق اللّه من ذلك الاشتعال بروقا خلّبا لا يكون معها رعد أصلا «يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ» لأن البرق نور شعشعاني تذهب أشعته بالأبصار.
[سورة النور (24): آية 44]
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (44)
قال تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فالعالم في كل نفس في تحول و انقلاب في الشئون الإلهية، فهو تعالى المحول القلوب في الليل و النهار بما يقلبها، و في السماء بما يوحي فيها، و في الأرض بما يقدر فيها، و فيما بينهما بما ينزل فيه، و فينا بما نكون عليه، و هو معنا أينما كنا فنتحول لتحوله و نتقلب لتقلبه «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» لاختلاف الآثار، و ما ذاك إلا لاختلاف استعداد المحل، و من عرف ذلك عرف اختلاف الملل و النحل، فمن نظر في حقائق الأشياء عاش عيشة السعداء.
[سورة النور (24): آية 45]
وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)
«فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ» و هي الحيّات «إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» لا على ما ليس بشيء، فإن لا شيء، لا يقبل الشيئية، إذ لو قبلها ما كانت حقيقته لا شيء، و لا يخرج معلوم عن حقيقته، فلا شيء محكوم عليه بأنه لا شيء أبدا، و ما هو شيء، محكوم عليه بأنه شيء أبدا، و من هنا تعلم شيئية الأعيان الثبوتية التي قال اللّه تعالى فيها: (إِذا أَرادَ شَيْئاً) قال له: (كُنْ فَيَكُونُ).
[سورة النور (24): الآيات 46 الى 50]
لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)
«أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ» الحيف ميل إلى عدم الحق.
[سورة النور (24): الآيات 51 الى 58]
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (52) وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55)
وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ لَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)
[أول درجات التكليف]
أول درجات التكليف إذا كان سبع سنين إلى أن يبلغ الحلم، و البلوغ بالسن أو الإنبات أو الحلم للعاقل، فيجب التكليف على العاقل إذا بلغ. و اعلم أن الروح الإنساني لما خلقه اللّه خلقه كاملا بالغا عاقلا عارفا مؤمنا بتوحيد اللّه مقرا بربوبيته، و هو الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها، ثم إن اللّه تعالى جعل له في الجسم الذي جعله اللّه له ملكا و استوى عليه، جعل فيه قوى و آلات حسية و معنوية، و قيل له: خذ العلوم منها و صرفها على حد كذا و كذا، و جعلت له هذه الآلات على مراتب، فالقوى المعنوية كلها قوى كاملة إلا قوة الخيال، فإنها خلقت ضعيفة و القوة الحساسة،
و جعلت هاتان القوتان تابعة للجسم، فكلما نما الجسم و كبر و زادت كميته كلما تقوى حسه و خياله، فلم تكن لطيفة الإنسان من حيث ذاتها مدركة لما تعطيها هذه القوى إلا بوساطتها، فلو اتفق أن تعطيها هذه القوى المعلومات من أول ما يظهر الولد في عالم الحس قبلها الروح الإنساني قبولا ذاتيا، أ لا ترى أن اللّه قد خرق العادة في بعض الناس في ذلك؟ مثل كلام عيسى في المهد و صبي جريج، هذا سبب تأخير التكليف عن الروح الإنساني إلى الحلم الذي هو حد كمال هذه القوى في علم اللّه، فلم يبق عند ذلك عذر للروح الإنساني في التخلف عن النظر و العمل بما كلفه ربه، لذا قال تعالى:
[سورة النور (24): الآيات 59 الى 61]
وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَ الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
أمر اللّه العبد إذا دخل بيتا خاليا من كل أحد أن يسلم على نفسه في قوله تعالى: «فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ» فيكون العبد هنا مترجما عن الحق في سلامه، لأنه قال:
«تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً» فجعل الحق العبد رسولا من عنده إلى نفس العبد بهذه التحية المباركة لما فيها من زوائد الخير «طَيِّبَةً» لأنها طيبة الأعراف بسريانها من نفس الرحمن، فأمرنا اللّه تعالى بالسلام علينا، و هذا يدلك على أن الإنسان ينبغي أن يكون في صلاته أجنبيا عن نفسه بربه حتى يصح له أن يسلم عليه بكلام ربه في قوله: (السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين) فإنه قال: «تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً» فهو سلام اللّه على عبده و أنت ترجمانه إليك
[- إشارة- المئوف لا حرج عليه]
– إشارة- المئوف لا حرج عليه، و العالم كله مئوف لا حرج عليه لمن فتح اللّه عين بصيرته، و لهذا قلنا: مآل العالم إلى الرحمة و إن سكنوا النار و كانوا من أهلها «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ» و ما ثمّ إلا هؤلاء، فما ثمّ إلا مئوف، فقد رفع اللّه الحرج بالعرج العاثر فيه، فإنه ما ثمّ سواه و لا أنت، و المريض المائل إليه، لأنه ما ثمّ موجود يمال إليه إلا هو، و الأعمى عن غيره لا عنه، لأنه لا يتمكن العمى عنه و ما ثمّ إلا هو، فالعالم كله أعمى أعرج مريض.
[سورة النور (24): الآيات 62 الى 64]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 233