تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الأنفال

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الأنفال

سورة الأنفال‏

[1]

[سورة الأنفال (8): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ‏ احتجبوا بأفعالهم فاعترضوا على فعل اللّه و رسوله، أي: فعل اللّه في مظهر الرسول، فأمروا بتقوى الأفعال، أي: الاجتناب عنها برؤية فعل اللّه، و إصلاح ذات البين بمحو صفات النفوس التي هي مصادر أفعالهم الموجبة للتنازع و التخالف حتى يرجعوا إلى الألفة و المحبة القلبية بظهور أنواع الصفات‏ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ بفناء صفاتها ليتيسر لكم قبول الأمر بالإرادة القلبية.

[2]

[سورة الأنفال (8): آية 2]

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ الإيمان الحقيقي‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ‏ بالإيمان الحقيقي‏ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ‏ ذكر الصفات الذي للقلب لا ذكر الأفعال الذي للنفس‏ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏ تأثرت بتصوّر العظمة و البهاء و القهر و الكبرياء و إشراق أنوار تجليات تلك الصفات عليها وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ‏ أي: جليت عليهم صفاته في المظاهر الكلامية زادَتْهُمْ إِيماناً حقيقيا بالترقي عن مقام العلم إلى العين‏ وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ أي: يصححون مقام التوكل بفناء الأفعال و يتممونه في مقام فناء الصفات. فإن تصحيح كل مقام إنما يتم بالترقي عنه و النظر إليه من مقام فوقه.

[3- 4]

[سورة الأنفال (8): الآيات 3 الى 4]

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (4)

الَّذِينَ يُقِيمُونَ‏ صلاة الحضور القلبي بمشاهدة الصفات و الترقي فيها بتجلياتها وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏ من علوم التوكل في مقام فناء الأفعال أو علوم تجليات الصفات في السير فيها يُنْفِقُونَ‏ بالعمل بها و الإفاضة على مستحقيها.

أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الإيمان الحقيقي‏ لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ من مراتب الصفات و روضات جنّات القلب‏ وَ مَغْفِرَةٌ من ذنوب الأفعال‏ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ من باب تجليات الصفات و علومها.

[5- 8]

[سورة الأنفال (8): الآيات 5 الى 8]

كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)

كَما أَخْرَجَكَ‏ أي: هذه الحال- يعني حالهم في الاعتراض عليك في باب التنقيل- كحالهم في الاعتراض عليك عند إخراج ربّك إياك لأنهم لما احتجبوا عن فعل اللّه بأفعالهم رأوا الفعلين منك فكرهوا خروجك كما كرهوا تنقيلك و ما فطنوا لإخراج ربّك إياك‏ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ‏ أي: ملتبسا بالحق، خارجا به لا بنفسك، فيكون بالحق حالا من مفعول: أخرجك، أو خروجا ملتبسا بالذي هو الصواب و الحكمة يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ‏ لاحتجابهم بأفعالهم و صفاتهم‏ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ‏ عليك حاله بالتجلي أو تبين عليهم آثاره بالمعجزات من قبل، أو بإعلامك إياهم بأن النصرة لهم‏ وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ‏ أي: يثبته بملائكته السماوية التي أمدّهم بها.

[9]

[سورة الأنفال (8): آية 9]

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ‏ بالبراءة عن حولكم و قوّتكم إليه و الانسلاخ عن حجب أفعالكم بتيقن أن التأثير و القوة منه لا منكم و لا من عدوّكم‏ فَاسْتَجابَ‏ دعوتكم عند ذلك التجرّد عن ملابس الأفعال و صفات النفس ب أَنِّي مُمِدُّكُمْ‏ من عالم الملكوت لجنسية قلوبكم إياها حينئذ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ بعالم من ملكوت القهر، أي: من القوى السماوية و روحانياتها التي تناسب قلوبكم في تلك الحالة كما مرّت الإشارة إليه في (آل عمران) و اختلاف العدد في الموضعين إما لأن المراد الكثرة لا العدد المخصوص و إما لأن قوله: مُرْدِفِينَ‏ هنا يدلّ على اتباعهم بطائفة أخرى منهم و إمدادهم إما بأن يتجسدوا و يتمثلوا لهم بصورة المقاتلة كما تتمثل الصور في المنام مثلا، فيتهيبوا منهم، و إما بأن يصل أثرهم و قهرهم إليه فيهلكوا و ينهزموا.

[10]

[سورة الأنفال (8): آية 10]

وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى‏ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)

وَ ما جعل‏ اللَّهُ‏ الإمداد إِلَّا بشارة لكم بالنصر و طمأنينة لقلوبكم بالاتصال بها عند التجرّد عن ملابس النفس و أحوالها، لا أن النصر منها فإنّ النصر ليس‏ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ لكن حكمته تقتضي تعليق الأشياء بأسبابها إِنَّ اللَّهَ‏ قوي على النصر غالب‏ حَكِيمٌ‏ يفعله على مقتضى الحكمة.

[11]

[سورة الأنفال (8): آية 11]

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11)

إِذْ يُغَشِّيكُمُ‏ نعاس هدوّ القوى البدنية و الصفات النفسانية بنزول السكينة أمنا من عند اللّه و طمأنينة وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ‏ سماء الروح‏ ماءً علم اليقين‏ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ‏ من خبث أحاديث النفس و هواجس الوهم‏ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ وسوسة الشَّيْطانِ‏ و تخويفه‏ وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ‏ أي: ليقوي قلوبكم بقوة اليقين و يسكن جأشكم‏ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ‏ إذ الشجاعة و ثبات القدم في المخاوف و المهالك لا تكون إلا بقوة اليقين.

[12- 16]

[سورة الأنفال (8): الآيات 12 الى 16]

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (16)

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ‏ أي: يمدّ الملكوت بالجبروت فيعلموا من عالم الجبروت أن اللّه ناصرهم‏ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بالتأييد الاتصالي‏ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ‏ لانقطاعهم عن الإمداد السماوي و التأييد الإلهي و استيلاء الشك و قوّة الوهم عليهم‏ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ‏ أي: ثبتوهم بتلقين هذا المعنى، و شجعوهم بإلقاء هذا القول عليهم أو بإراءتهم هذا الفعل منكم كما هو المروي.

[17- 22]

[سورة الأنفال (8): الآيات 17 الى 22]

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذلِكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَ لَوْ كَثُرَتْ وَ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22)

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ‏ أدّبهم و هداهم إلى فناء الأفعال بسلب الأفعال عنهم و إثباتها للّه تعالى.

و لما كان النبي عليه الصلاة و السلام في مقام البقاء بالحق نسب الفعل إليه بقوله: إِذْ رَمَيْتَ‏ مع سلبه عنه بما رميت و إثباته للّه بقوله: وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ ليفيد معنى التفصيل في عين الجمع، فيكون الرامي محمدا باللّه تعالى لا بنفسه، و ما نسب إليهم من الفعل شيئا إذ لو فعلوا لفعلوا بأنفسهم‏ وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً أي: عطاء جميلا هو توحيد الأفعال فعل ذلك‏ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏ بأحاديث نفوسكم، أنّا قتلناهم‏ عَلِيمٌ‏ بأنه هو القاتل و إن أظهر الفعل‏ على مظاهركم‏ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ‏ أي: لا تعرضوا عنه مع السماع لأنّ أثر السماع الفهم و التصديق، و أثر الفهم الإرادة، و أثر الإرادة الطاعة، فلا يصح دعوى السماع مع الإعراض إذ هما لا يجتمعان، فلازموا الطاعة بالإرادة إن كنتم صادقين في دعوى السماع‏ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ‏ يدعون السماع و ليسوا منه في شي‏ء لكونهم محجوبين عن الفهم و القبول كالدواب، بل هم شرّ الدواب عند اللّه، لما مرّ.

[23]

[سورة الأنفال (8): آية 23]

وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (23)

وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً و صلاحا، أي: استعدادا لقبول كمال سمعهم حتى فهموا و قبلوا و أطاعوا وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ‏ مع عدم الخير فيهم حتى فهموا لما كان لفهمهم أثر من الإرادة و الطاعة، بل تولّوا سريعا لكون ذلك الفهم فيهم أمرا عارضيا سريع الزوال لا ذاتيا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏ بالذات، فلا يلبث فيهم الفهم و الإرادة كماقال أمير المؤمنين رضي اللّه عنه: «خذ الحكمة و لو من أهل النفاق، فإنّ الحكمة لتتلجلج في صدر المنافق حتى تسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن»، أي: لا تثبت في صدره لكونها عارضية هناك لا تناسب ذاته.

[24]

[سورة الأنفال (8): آية 24]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالغيب‏ اسْتَجِيبُوا بالتزكية و التصفية إِذا دَعاكُمْ لِما يحيي قلوبكم من العلم الحقيقي أو آمنوا الإيمان التحقيقي، استجيبوا بالسلوك إلى اللّه و فيه إذا دعاكم إليه لإحيائكم به. هذا إذا كانت استجابة اللّه و الرسول استجابة واحدة، أما إذا كانت متغايرة فمعناه: استجيبوا للّه بالباطن و الأعمال القلبية، و للرسول بالظاهر و الأعمال النفسية، أو استجيبوا للّه بالفناء في الجمع، و للرسول بمراعاة حقوق التفصيل إذا دعاكم إلى الاستقامة لما يحييكم من البقاء باللّه فيها، كل ذلك قبل زوال الاستعداد فإن اللّه يحول بين المرء و قلبه بزوال الاستعداد و حصول الحجاب بارتكاب الرين، فانتهزوا الفرصة و لا تؤخروا الاستجابة وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏ فيجازيكم من صفاته و ذاته على حسب محوكم و فنائكم.

[25]

[سورة الأنفال (8): آية 25]

وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25)

وَ اتَّقُوا فِتْنَةً شركا و حجابا لا تُصِيبَنَ‏ تلك الفتنة الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ‏ بإزالة الاستعداد أو نقصه لاستعماله في غير موضعه و صرفه فيما دون الحق‏ خَاصَّةً لانفرادهم بالظلم. و معنى لا تصيبن النهي، أي: إن تصب تصبهم خاصة، كقوله تعالى: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏*[1]، و يجوز أن يكون المعنى: لا تصيبنهم خاصة، بل تشملهم و غيرهم بشؤم صحبتهم و تعدي رذيلتهم إلى من يخالطهم كقوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ‏[2]، وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ بتسليط الهيآت الظلمانية التي اكتسبتها القلوب عليها و حجبها عنه و تعذيبها بها.

[26]

[سورة الأنفال (8): آية 26]

وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ‏ القدر، لجهلكم و انقطاعكم عن نور العلم‏ مُسْتَضْعَفُونَ فِي‏ أرض النفس‏ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ‏ أي: ناس القوى الحسيّة لضعف نفوسكم‏ فَآواكُمْ‏ إلى مدينة العلم‏ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ‏ في مقام توحيد الأفعال‏ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ‏ طيبات علوم تجليات الصفات‏ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ نعمة العلوم و التجليات بالسلوك فيه.

[27]

[سورة الأنفال (8): آية 27]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)

لا تَخُونُوا اللَّهَ‏ بنقض ميثاق التوحيد الفطري السابق‏ وَ تخونوا الرَّسُولَ‏ بنقض العزيمة و نبذ العقد اللاحق‏ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ‏ من المعارف و الحقائق التي استودع اللّه فيكم بحسب الاستعداد الأول في الأزل بإخفائها بصفات النفس‏ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ أنكم حاملوها، أو تعلمون أنّ الخيانة من أسوأ الرذائل و أقبحها.

[28]

[سورة الأنفال (8): آية 28]

وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)

وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي: حجاب لكم لاشتغالكم بها عن اللّه، أو شرك لمحبتكم إياها كحبّ اللّه‏ وَ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ فاطلبوه بالتجرّد عنها و مراعاة حق اللّه فيها.

[29- 32]

[سورة الأنفال (8): الآيات 29 الى 32]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32)

إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ‏ بالاجتناب عن نقض العهد و فسخ العزيمة و إخفاء الأمانة و محبة الأموال‏ و الأولاد حتى تفنوا فيه‏ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً نورا يفرق به بين الحق و الباطل من طور العقل الفرقاني‏ وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏ أي: سيئات نفوسكم‏ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ‏ ذنوبكم أي: ذنوب ذواتكم‏ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ بإعطاء الوجود الموهوب الحقاني و العقل الفرقاني.

[33]

[سورة الأنفال (8): آية 33]

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ‏ لأن العذاب صورة الغضب و أثره فلا يكون إلا من غضب النبي أو من غضب اللّه المسبب من ذنوب الأمة، و النبي عليه السلام كان صورة الرحمة لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107)[3] و لهذا إذ كسروا رباعيته‏ قال صلى اللّه عليه و سلم: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، و لم يغضب كما غضب نوح عليه السلام، و قال:رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً[4] فوجوده فيهم مانع من نزول العذاب، و كذا وجود الاستغفار. فإنّ السبب الأولي للعذاب لما كان وجود الذنب و الاستغفار مانع من تراكم الذنب و ثباته بل يوجب زواله فلا يتسبب لغضب اللّه، فما دام الاستغفار فيهم فهم لا يعذبون.

[34- 40]

[سورة الأنفال (8): الآيات 34 الى 40]

وَ ما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَ تَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى‏ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)

وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ (40)

وَ ما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ‏ أي: ليس عدم نزول العذاب لعدم استحقاقهم لذلك بحسب أنفسهم، بل إنهم مستحقون بذواتهم لصدورهم و صدّهم المستعدين عن مقام القلب و عدم بقاء الخيرية فيهم و لكن يمنعه وجودك و وجود المؤمنين المستغفرين معك فيهم. و اعلم أن الوجود الإمكاني يتبع الخير الغالب، لأن الوجود الواجبي هو الخير المحض، فما رجح خيره على شره فهو موجود بوجوده بالمناسبة الخيرية، و إذا غلب الشرّ لم تبق المناسبة فلزم استئصاله‏ و إعدامه فهم ما داموا على الصورة الاجتماعية كان الخير فيهم غالبا فلم يستحقوا الدمار بالعذاب. و أما إذا تفرّقوا ما بقي شرّهم إلا خالصا فوجب تدميرهم كما وقع في وقعة بدر.

و من هذا يظهر تحقيق المعنى الثاني في قوله تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً[5] لغلبة الشرّ على المجموع حينئذ، و لهذاقال أمير المؤمنين عليه السلام: «كان في الأرض أمانان، فرفع أحدهما و بقي الآخر. فأما الذي رفع فهو رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أما الذي بقي فالاستغفار»و قرأ هذه الآية.

يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ صورة لصدودهم و إعراضهم عن معناه الذي هو القلب بالركون إلى النفس و صفاتها، و صدّهم المستعدّين عنه بإغرائهم على الأمور النفسانية و اللذّات الطبيعية.

وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ‏ لبعدهم عن الصفة و غلبة ظلمة النفس و استيلاء صفاتها عليهم، و احتجابهم عنه بالكفر المستفاد من الدين‏ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ‏ الذين اتّقوا صفات النفس و أفعالها وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ أنّ البيت صورة القلب الذي هو بيت اللّه بالحقيقة فلا يستحق ولايته إلا أهل التقوى من الموحدين دون المشركين.

[41]

[سورة الأنفال (8): آية 41]

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (41)

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏ إلى قوله: وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ لا يقبل التأويل بحسب ما ورد فيه من (الواقعة) و إن شئت تطبيقه على تفاصيل وجودك أمكن أن نقول: و اعلموا أيها القوى الروحانية أنما غنمتم من العلوم النافعة و الشرائع المبنيّ عليها الإسلام في قوله: بني الإسلام على خمس، فإن للّه خمسه، و هو شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه، باعتبار التوحيد الجمعي و لرسول القلب‏ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ الذي هو السر، و يتامى العاقلة النظرية و العملية، و القوّة الكفرية، و مساكين القوى النفسانية وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ الذي هو النفس السالكة الداخلة في الغربة الجائية منازل السلوك، النابية عن مقرها الأصلي باعتبار التوحيد التفصيلي في العالم النبوي. و الأخماس الأربعة الباقية تقسم على الجوارح و الأركان و القوى الطبيعية إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ‏ الإيمان الحقيقي‏ بِاللَّهِ‏ جمعا، وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ‏ وقت التفرقة بعد الجمع تفصيلا يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ‏ من فريقي القوى الروحانية و النفسانية عند الرجوع إلى مشاهدة التفصيل في الجمع.

 

[42]

[سورة الأنفال (8): آية 42]

إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)

إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا من مدينة العلم و محل العقل الفرقاني‏ وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ أي: الجهة السفلية البعيدة من الحق و محل العلم و ركب القوى الطبيعية الممتازة للقوى النفسانية أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏ أي: من الفريقين‏ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ‏ اللقاء للمحاربة من طريق العقل و الحكمة دون طريق الرياضة و الوحدة لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ لكون ذلك صعبا حينئذ، موجبا للفشل و الجبن‏ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا مقدّرا، محققا عنده، واجبا وقوعه فعل ذلك‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ هي كونها ملازمة للبدن الواجب الفناء منطبعة فيه‏ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ هي كونها مجرّدة عنه متصلة بعالم القدس الذي هو معدن الحياة الحقيقية الدائم البقاء.

[43- 47]

[سورة الأنفال (8): الآيات 43 الى 47]

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ لكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ‏ أيها القلب في منام تعطل الحواس الظاهرة و هدوّ القوى البدنية قليلي القدر، ضعاف الحال‏ وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً في حال غلبة صفات النفس‏ لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ‏ في أمر كسرها و قهرها لانجذاب كل منكم إلى جهة وَ لكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ‏ عن الفشل و التنازع بتأييده و عصمته‏ وَ لا تَكُونُوا ككفرة القوى النفسانية الذين‏ خَرَجُوا مِنْ‏ ديار مقارّهم و محالهم و حدودهم بطرا و رئاء الناس و إظهارا للجلادة على الحواس.

[48- 49]

[سورة الأنفال (8): الآيات 48 الى 49]

وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى‏ ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)

وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ‏ شيطان‏ أَعْمالَهُمْ‏ أعمالهم في التغلب على مملكة القلب و قواه‏ وَ قالَ‏ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ‏ و أوهمهم تحقيق أمنيتهم بأن بصرهم أن لا غالب عليهم من ناس الحواس فكذا سائر القوى. وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ‏ أمدّكم و أقوّيكم و أمنعكم من ناس القوى الروحانية فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ‏ لشعوره بحال القوى الروحانية و غلبتها لمناسبته إياها بإدراك المعاني. وَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكُمْ‏ لأني لست من جنسكم‏ إِنِّي أَرى‏ من المعاني و وصول المدد إليهم من سماء الروح و ملكوت عالم القدس‏ ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ‏ لشعوري ببعض أنواره و قهره‏ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ و فيه إشارة إلى‏ قول سيد المرسلين: «لكل أحد شيطان، و لكن شيطاني أسلم على يديّ».

و هذا هو الدستور و الأنموذج في أمثال ذلك إن أراد مريد تطبيق القصص على أحواله، لكني قلما أعود إلى مثله بعد هذا لقلة الفائدة إلا في تصوير طريق السلوك و تخييل المبتدئ ما هو بصدده لتنشيطه في الترقي و العروج و اللّه الهادي.

[50- 52]

[سورة الأنفال (8): الآيات 50 الى 52]

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52)

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ مرّ توفي الملائكة و أنه لا يكون إلا لمن هو في مقام النفس، فإن كان من العصاة و من غلب عليه صفات النفس من الغضب و الحقد و الشهوة و الحرص و أمثال ذلك من رذائل الأخلاق و توفّتهم ملائكة القهر و العذاب مما يناسب هيئات نفوسهم‏ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ‏ لاحتجابهم عن عالم الأنوار و إعراضهم عنها، و لهيئات الكبر و العجب و النخوة فيها وَ أَدْبارَهُمْ‏ لميلهم و شدّة انجذابهم إلى البدن و عالم الطبيعة و لهيئات الشهوة و الحرص و الشره‏ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ‏ أي: حريق الحرمان و استيلاء نيران التعب و الطلب مع الفقدان لاكتسابهم تلك الهيئات الموجبة لذلك و إن كان من أهل الطاعة و من غلبت عليه أنوار صفات القلب من الرأفة و الرحمة و السلامة و القناعة و أمثال ذلك من فضائل القوّتين السبعية و البهيمية دون فضيلة القوة النطقية فإنه حينئذ يكون صاحب قلب ليس في مقام النفس توفتهم ملائكة الرحمة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏[6] لمناسبة هيئات نفوسهم تلك الروحانيات من العالم.

[53- 62]

[سورة الأنفال (8): الآيات 53 الى 62]

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى‏ قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ كُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (54) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَ هُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)

وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (62)

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى‏ قَوْمٍ‏ إلى آخره، أي: كل ما يصل إلى الإنسان هو الذي يقتضيه استعداده و يسأله بدعاء الحال و سؤال الاستحقاق، فإذا أنعم على أحد النعمة الظاهرة أو الباطنة لسلامة الاستعداد و بقاء الخيرية فيه لم يغيرها حتى أفسد استعداده و غيّر قبوله للصلاح بالاحتجاب و انقلاب الخير الذي فيه بالقوة إلى الشرّ لحصول الرين و ارتكام الظلمة فيه بحيث لم يبق له مناسبة للخير و لا إمكان لصدوره منه، فيغيرها إلى النقمة عدلا منه وجودا و طلبا من ذلك الاستعداد إياها بجاذبة الجنسية و المناسبة لا ظلما و جورا.

هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏ لاتفاقها في الوجهة و خلاصها عن قيود صفات النفس التي تستلزم التخالف و التعاند لركونها إلى عالم التضاد و اختلافها بالطباع، فإن القلب ما دام واقفا مع النفس و مراداتها و استولت عليه بصفاتها جذبته إلى الجهة السفلية و صيرت مطالبه جزئية مما يناسب مصالحها فيطلب ما يمنعه منه الآخر، و تقع العداوة و البغضاء، و تستولي القوة الغضبية الطالبة للجاه و الكرامة و القهر و الغلبة و الرياسة و السلطنة، و يقع الاستكبار و الإباء و الأنفة و الاستنكاف، و يؤدي إلى التقاطع و التهاجر و التحارب و التشاجر. و كلما بعد عن الجهة السفلية بالتوجه إلى الجهة العلوية و التنوّر بأنوار الوحدة الصفاتية أو الذاتية، ارتفع عن مقام النفس و اتصل بالروح و صارت مطالبه كلية لا تتمانع و لا يتنافس فيها لإمكان حصولها لهذا بدون حرمان الآخر منه و مال إلى من يجانسه في الصفاء بالمحبة الذاتية لشدة المناسبة. و كلما كان أقرب إلى الوحدة كانت قوة المحبة فيه أقوى لشدة قربه لمن تدين بدينه كالخطوط الآتية من محيط الدائرة إلى مركزها، فبحسب قوة الإيمان شدّة الألفة بينهم.

[63- 71]

[سورة الأنفال (8): الآيات 63 الى 71]

وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)

لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى‏ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)

 لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏ لأن ما في الجهة السفلية تزيد في عداوتهم و مناوأتهم لاشتداد حرصهم و تكالبهم به‏ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ‏ بنور الوحدة التي تورث المحبة الروحانية و الألفة القلبية فإن المحبة ظلّ الوحدة، و الألفة ظل المحبة، و العدالة ظل الألفة إِنَّهُ عَزِيزٌ قويّ على دفع الكفرة و قهرهم باجتماع المؤمنين و اتفاقهم‏ حَكِيمٌ‏ يفعل ذلك بحكمة لإيقاع الألفة و المحبة بين هؤلاء و التفرقة و اختلاف الكلمة بين أولئك.

[72- 75]

[سورة الأنفال (8): الآيات 72 الى 75]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى‏ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ (73) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (75)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا إلى آخر الآية، بالفحوى تدلّ على أن الفقير القائم بالخدمة في الخانقاه و البقعة ليس عليه خدمة المقيم بل المسافر لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ[7] أي: الذين آمنوا الإيمان العلمي و هاجروا المألوفات من الأهل و الولد و الأموال و الأسباب و أوطان النفس بقوة العزيمة و اختاروا السياحة في الغربة، و جاهدوا بقوة اليقين و التوكل بأموالهم بتركها و إنفاقها في مراضي اللّه و أنفسهم بإتعابها بالرياضة و محاربة الشيطان و تحمل وعثاء السفر في سبيل اللّه و بذلها في الدين بنيّة السلوك في اللّه. و الذين‏ آووهم بالخدمة في المنزل، و نصروهم بتهيئة ما احتاجوا إليه من الأهبة أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ‏ بالألفة و المحبة وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا عن الأوطان المألوفة ما لكم من ولايتهم من شي‏ء حتى يهاجروا.


[1] ( 1) سورة الأنعام، الآية: 164.

[2] ( 2) سورة الروم، الآية: 41.

[3] ( 1) سورة الأنبياء، الآية: 107.

[4] ( 2) سورة نوح، الآية: 26.

[5] ( 1) سورة الأنفال، الآية: 25.

[6] ( 1) سورة النحل، الآية: 32.

[7] ( 1) سورة الأنفال، الآية: 72.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=