تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة القصص
سورة القصص
[1- 4]
[سورة القصص (28): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
إِنَّ فِرْعَوْنَ النفس الأمّارة استعلى و طغى في أرض البدن وَ جَعَلَ أَهْلَها فرقا مختلفة متخالفة متعادية لاتباعهم السبل المتفرّقة و تجافيهم عن طريق العدل و التوحيد و الصراط المستقيم يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ هم أهل القوى الروحانية يُذَبِّحُ من ناسب الروح في التأثير و التعلي من نتائجها بإماتته و عدم امتثال داعيته و قهره وَ يَسْتَحْيِي ما ناسب النفس في التأثر و التسفل بتقويته و إطلاقه في فعله.
[5- 6]
[سورة القصص (28): الآيات 5 الى 6]
وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6)
وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بالإذلال و الإهانة و الاستعمال في الأعمال الطبيعية و الاستخدام في تحصيل اللذات البهيمية و السبعية و ذبح الأبناء و استحياء النساء، فننجيهم من العذاب وَ نَجْعَلَهُمْ رؤساء مقدّمين وَ نَجْعَلَهُمْ ورّاث الأرض و ملوكها بإفناء فرعون و قومه وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ بالتأييد وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ النفس الأمّارة وَ هامانَ العقل المشوب بالوهم المسمّى عقل المعاش وَ جُنُودَهُما من القوى النفسانية ما كانُوا يَحْذَرُونَ من ظهور موسى القلب و زوال ملكهم و رئاستهم على يده.
[7]
[سورة القصص (28): آية 7]
وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أي: النفس الساذجة السليمة الباقية على فطرتها و هي اللوّامة أَنْ أَرْضِعِيهِ بلبان الإدراكات الجزئية و العلوم النافعة الأولية فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من استيلاء النفس الأمّارة و أعوانها فَأَلْقِيهِ في يمّ العقل الهيولاني و الاستعداد الأصليّ أو في يمّ الطبيعة البدنية بالإخفاء وَ لا تَخافِي من هلاكه وَ لا تَحْزَنِي من فراقه إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ بعد ظهور التمييز و نور الرشد وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى بني إسرائيل.
[8]
[سورة القصص (28): آية 8]
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8)
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ من القوى النفسانية الظاهرة عليه، الغالبة على أمره، فإنه لا يصل إلى التمييز و الرشد و لا يتوقى إلا بمعاونة التخيل و الوهم و سائر المدركات الظاهرة و الباطنة و إمدادها لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً في العاقبة و يعلم أن أعدى عدوّه النفس التي بين جنبيه فيقهرها و أعوانها بالرياضة و يفنيها بالقمع و الكسر و الإماتة.
[9]
[سورة القصص (28): آية 9]
وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)
وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ أي: النفس المطمئنة العارفة بنور اليقين و السكينة حالة المحبة لصفائها له التي تستولي عليها الأمّارة و تؤثر فيها بالتلوين قُرَّتُ عَيْنٍ لِي بالطبع للتناسب وَ لَكَ بالتوسط و رابطة الزوجية و التواصل. و قيل، قال فرعون: لك لا لي. و عالجوا التابوت فلم ينفتح، ففتحته آسية بعد ما رأت نورا في جوفه فأحبّته عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في تحصيل أسباب المعاش و رعاية المصالح و تدبير الأمور بالرأي أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً بأن يناسب النفس دون الروح، و يتبع الهوى، و يخدم البدن بالإصلاح، فيقوينا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ على أن الأمر على خلاف ذلك.
[10]
[سورة القصص (28): آية 10]
وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)
وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى أي: النفس الساذجة اللوّامة فارِغاً عن العقل من استيلاء فرعون عليها و خوفها منه لمقهوريتها له إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي: كادت تطيع النفس الأمّارة باطنا و ظاهرا فلا تخالفها بسرها و ما أضمرته من نور الاستعداد و حال موسى المخفي لكونه بالقوّة بعد لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها أي: صبّرناها و قوّيناها بالتأييد الروحي و الإلهام الملكي لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بالغيب لصفاء الاستعداد.
[11]
[سورة القصص (28): آية 11]
وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (11)
وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ القوّة المفكرة قُصِّيهِ أي: اتبعيه و تفقدي حاله بالحركة في تصفح معانيه المعقولة و كمالاته العلمية و العملية فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أدركت حاله عن بعد لأنها لا ترتقي إلى حدّه و لا تطلع عن مكاشفته و أسراره و ما يحصل له من أنوار صفاته وَ هُمْ لايَشْعُرُونَ أي: لا يطلعون على اطلاع أخته عليه لقصور جميع القوى النفسانية عن حدّ المفكرة و بلوغ شأوه.
[12]
[سورة القصص (28): آية 12]
وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12)
وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أي: منعناه من التقوي و التغذي بلذات القوى النفسانية و شهواتها و قبول أهوائها و إعدادها مِنْ قَبْلُ أي: قبل استعمال الفكر بنور الاستعداد و صفاء الفطرة فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ بالقيام بتربيته بالأخلاق و الآداب و يرضعونه بلبان المبادئ من المشاهدات و الوجدانيات و التجربيات، و ما طريقة الحس و الحدس من العلوم وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ يشدونه بالحكم العملية و الأعمال الصالحة، و يهذّبونه و لا يغوونه بالوهميات و المغالطات، و يفسدونه بالرذائل و القبائح.
[13]
[سورة القصص (28): آية 13]
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ النفس اللوّامة بالميل نحوها و الإقبال كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بالتنوّر بنوره وَ لا تَحْزَنَ بفوات قرّة عينها و بهائها و تقويتها به وَ لِتَعْلَمَ بحصول اليقين بنوره أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ بإيصال كل مستعدّ إلى كماله المودع فيه و إعادة كل حقيقة إلى أصلها حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك فلا يطلبون الكمال المودع فيهم لوجود الحجاب و طريان الشك و الارتياب.
[14- 16]
[سورة القصص (28): الآيات 14 الى 16]
وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي: مقام الفتوّة و كمال الفطرة وَ اسْتَوى استقام بحصول كماله ثم بتجرّده عن النفس و صفاته آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً أي: حكمة نظرية و عملية وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ المتّصفين بالفضائل، السائرين في طريق العدالة وَ دَخَلَ مدينة البدن عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها أي: في حال هدوّ القوى النفسانية و سكونها حذرا من استيلائها عليه و علوّها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ أي: العقل و الهوى هذا أي: العقل مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا أي: الهوى مِنْ عَدُوِّهِ من جملة أتباع شيطان الوهم و فرعون النفس الأمّارة فَاسْتَغاثَهُ العقل و استنصره على الهوى فَوَكَزَهُ ضربه بهيئة من هيئات الحكمة العملية بقوة من التأييدات ملكية بيد العاقلة العملية فقتله قالَ هذا الاستيلاء و الاقتتال مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ الباعث للهوى على التعدّي و العدوان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ أو هذا القتل من عمل الشيطان،
لأن علاج الاستيلاء بالإفراط لا يكون بالفضيلة التي هي العدالة الفائضة من الرحمن بل إنما يكون بالرذيلة التي يقابلها من جانب التفريط كعلاج الشره بالخمود و علاج البخل بالتبذير و الإسراف بالتقتير و كلاهما من الشيطان إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالإفراط و التفريط فَاغْفِرْ لِي استر لي رذيلة ظلمي بنور عدلك فَغَفَرَ لَهُ صفات نفسه المائلة إلى الإفراط و التفريط بنوره، فحصلت له العدالة إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الساتر هيئات النفس بنوره الرَّحِيمُ بإفاضة الكمال عند زكاء النفس عن الرذائل.
[17- 19]
[سورة القصص (28): الآيات 17 الى 19]
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ أي: اعصمني بما أنعمت عليّ من العلم و العمل فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً معاونا لِلْمُجْرِمِينَ المرتكبين الرذائل من القوى النفسانية فَأَصْبَحَ في مدينة البدن خائِفاً من استيلاء القوى النفسانية بإشارة الدواعي و الهواجس و إلقاء أحاديث النفس و الوساوس في مقام المراقبة يَسْتَصْرِخُهُ أي: يستنصره العقل على أخرى من قوى النفس و هي الوهم و التخيل لأنهما يفسدان في مقام الترقب، و يثيران الوساوس و الهواجس و يبعثان النوازع و الدواعي و لا ينكسران و لا يفتران في حال ما من أحوال وجود القلب إلا عند الفناء في اللّه، ألا ترى إلى معارضته و مماراته له في قوله: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ و إنما نسب صاحبه الذي هو العقل بقوله: إنك لغويّ، لافتتانه بالوهم و عجزه عن دفعه و احتياجه في معارضته إلى القلب، و إنما أراد أن يبطش و لما تيسر له البطش، و مانعه و أنكر فعله، بقوله: أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟، لأن القلب ما لم يصل إلى مقام الروح و لم يفن في مقام الولاية، و لم يتصف بالصفات الإلهية لم يذعن له شيطان الوهم لأنه من المنظرين إلى يوم القيامة الكبرى، فما دام القلب في مقام الفتوّة متصفا بكمالاته في القيامة الوسطى يطمع هو في إغوائه و لا ينقهر و لا يمتنع بمجرّد الكمال العلمي و العملي عن استعلائه.
[20- 21]
[سورة القصص (28): الآيات 20 الى 21]
وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)
وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ هو الحبّ الباعث على السلوك في اللّه الذي يسمونه الإرادة، و إتيانه من أقصى المدينة: انبعاثه من مكمن الاستعداد عند قتل هوى النفس يَسْعى إذ لا حركة أسرع من حركته يحذره عن استيلائهم عليه و ينبهه على تشاورهم و تظاهرهم عند ظهور سلطان الوهم عليه و مقابلته و مماراته و مجادلته له على هلاكه بالإضلال فَاخْرُجْ عن مدينتهم حدود سلطنتهم إلى مقام الروح إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ* فَخَرَجَ بالأخذ في المجاهدة في اللّه و دوام الحضور و المراقبة خائِفاً من غلبتهم، ملتجأ إلى اللّه في طلب النجاة من ظلمهم.
[22]
[سورة القصص (28): آية 22]
وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22)
وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ مقام الروح، غلب رجاؤه على الخوف لقوّة الإرادة و طلب الهداية الحقانية بالأنوار الروحية و التجليات الصفاتية إلى سواء سبيل التوحيد و طريقة السير في اللّه.
[23- 24]
[سورة القصص (28): الآيات 23 الى 24]
وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)
وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ أي: مورد علم المكاشفة و منهل علم السرّ و المكالمة وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ من الأولياء و السالكين في اللّه و المتوسطين الذين مشربهم من منهل المكاشفة يَسْقُونَ قواهم و مريديهم منه، أو العقول المقدّسة و الأرواح المجرّدة من أهل الجبروت فإنها في الحقيقة أهل ذلك المنهل، يسقون منه أغنام النفوس السماوية و الإنسية و ملكوت السموات و الأرض وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ من مرتبة أسفل من مرتبتهم امْرَأَتَيْنِ هما العاقلتان النظرية و العملية تَذُودانِ أغنام القوى عنه لكون مشربها من العلوم العقلية و الحكمة العملية قبل وصول موسى القلب إلى المناهل الكشفية و الموارد الذوقية و لا نصيب لها من علوم المكاشفة لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ أي: شربنا من فضلة رعاء الأرواح و العقول المقدّسة عند صدورها عن المنهل متوجهة إلينا، مفيضة علينا فضلة الماء وَ أَبُونا الروح شَيْخٌ كَبِيرٌ أكبر من أن يقوم بالسقي فَسَقى لَهُما من مشرب ذوقه و منهل كشفه بالإفاضة على جميع القوى من فيضه، لأن القلب إذا ورد منهلا ارتوى من فيضه في تلك الحالة جميع القوى و تنوّرت بنوره ثُمَّ تَوَلَّى من مقامه إِلَى الظِّلِ أي: ظل النفس في مقام الصدر مستحقرا لعلمه المعقول بالنسبة إلى العلوم الكشفية مستمدّا من فضل الحق و مقامه القدسي و العلم اللدني الكشفي.
فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أي: محتاج سائل لما أنزلت إليّ من الخير العظيم الذي هو العلم الكشفي و هو مقام الوجد و الشوق، أي: الحال السريع الزوال و طلبه حتى يصير ملكا.
[25]
[سورة القصص (28): آية 25]
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما هي النظرية المتنوّرة بنور القدس التي تسمى حينئذ القوّة القدسية تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ لتأثرها منه و انفعالها بنوره إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ أشار به إلى الجذبة الروحية بنور القوّة القدسية و اللمة الملكية لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا أي: ثواب ارتواء القوى الشاغلة الحاجبة من استفاضتك و تنوّرها بنورك فإنها إذا انفعلت بالبارق القدسي، وارتوت بالفيض السريّ، سهل الترقي إلى جناب القدس و قوى استعداد القلب للاتصال بالروح لزوال الحجب أو زوال ظلمتها و كثافتها.
فَلَمَّا جاءَهُ و اتصل به و ترقى في مقامه، و أطلع الروح على حاله قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و هو صورة حاله.
[26]
[سورة القصص (28): آية 26]
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ أي: استعمله بالمجاهدة في اللّه و المراقبة لحاله في رعاية أغنام القوى حتى لا تنتشر فتفسد جمعيتنا و تشوّش فرقتنا، و بالذكر القلبي في مقام تجليات الصفات و السير فيها بأجره ثواب التجليات و علوم المكاشفات إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ لهذا العمل الْقَوِيُ على كسب الكمال الْأَمِينُ الذي لا يخون عهد اللّه بالوفاء بإبرازها في الاستعداد من وديعته أو لا يخون الروح بالميل إلى بناته فيحتجب بالمعقول. و قد قيل: إن الرعاء كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال، و قيل عشرة، فأقله وحده و ذلك قوته. و فيها إشارة إلى أن العلم اللدني لا يحصل إلا بالاتّصاف بالصفات السبع الإلهية أو العشر.
[27]
[سورة القصص (28): آية 27]
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ أي: أجعلها تحتك، تحظى عندك بنور القدس و علوم الكشف و تكون بحكمك و أمرك لا تحتجب عنك بقولها عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ أي: تعمل لأجلي بالمجاهدة حتى تأتي عليك ثمانية أطوار هي أطوار الصفات السبعة الإلهية بالفناء عن صفاته في صفات اللّه التي آخرها مقام المكالمة مع طور المشاهدة التي يتم بها الوصول المطلوبة بقوله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ[1].
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً بالترقي في طورين آخرين هما الفناء في الذات و البقاء بعده بالتحقق فَمِنْ عِنْدِكَ فمن كمال استعدادك و قوّته و خصوصية عينك و اقتضاء هويتك و هي الكمالات العشر التي ابتلى بها إبراهيم ربّه فأتمهنّ فجعله إماما للناس في مقام التوحيد و اللّه أعلم.
وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ أحمل عليك فوق طاقتك و ما لا بقي به وسع استعدادك سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ المربين بما يصلح للوصول من الإفاضات و العلوم، الهادين إلى ما في أصل الاستعداد من الكمال المودع في عين الذات بالأنوار، غير مكلفين ما لم يكن في وسعك.
[28]
[سورة القصص (28): آية 28]
قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ ذلك الأمر الذي عاهدتني عليه قائم بيني و بينك، يتعلق بقوّتنا و استعدادنا و سعينا، لا مدخل لغيرنا فيه أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَ أيما النهايتين بلغت فلا إثم عليّ، إذ لا عليّ إلا السعي. و أما البلوغ فهو بحسب ما أوتيت من الاستعداد في الأزل و إنما تتقدّر قوتي في السعي بحسب ذلك و اللّه هو الذي و كل إليه أمرنا و في ذلك شاهد عليه، أي: ما أوتينا من الكمال المقدّر لنا أمر تولّاه اللّه بنفسه و عينه من فيضه الأقدس لا يمكن لأحد تغييره و لا يطلع عليه أحد غيره، و لا يعلم قبل الوصول قدر الكمال المودع في الاستعداد و هو من غيب الغيوب الذي استأثر به اللّه لذاته.
[29- 33]
[سورة القصص (28): الآيات 29 الى 33]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30) وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (32) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي: بلغ حدّ الكمال الذي هو أقصر الأجلين وَ سارَ بِأَهْلِهِ من القوى بأسرها إلى جانب القدس مستصحبا للجميع بحيث لم يمانعه و لم يتخلف عنه واحدة منها، و حصل له ملكة الاتصال للتدرب في المجاهدة و المراقبة بلا كلفة آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ طور السرّ الذي هو كمال القلب في الارتقاء نار روح القدس و هو الأفق المبين الذي أوحى منه إلى من أوحى إليه من الأنبياء فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ أي: مقام كمال القلب المسمى سرّا من شجرة نفسه القدسية أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ و هو مقام المكالمة و الفناء في الصفات فيكون القائل و السامع هو اللّه، كما قال: «كنت سمعه الذي به يسمع، و لسانه الذي به يتكلم». و إلقاء العصا و الإدبار و إظهار اليد البيضاء مرّ تأويله في سورة (النمل).
وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ أي: لا تخف من الاحتجاب و التلوين عند الرجوع من اللّه و اربط جأشك بتأييدي آمنا متحققا باللّه. و قد سمعت شيخنا المولى نور الدين عبد الصمد قدّس اللّه روحه العزيز في شهود الوحدة و مقام الفناء عن أبيه أنه كان بعض الفقراء في خدمة الشيخ الكبير شهاب الدين السهروردي في شهود الوحدة و مقام الفناء ذا ذوق عظيم، فإذا هو في بعض الأيام يبكي و يتأسف، فسأله الشيخ عن حاله، فقال: إني حجبت عن الوحدة بالكثرة، و رددت، فلا أجد حالي. فنبّهه الشيخ على أنه بداية مقام البقاء، و إن حاله أعلى و أرفع من الحال الأولى و أمنه فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ من التمتع المذكور.
[34]
[سورة القصص (28): آية 34]
وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
وَ أَخِي هارُونُ العقل هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً لأن العقل بمثابة لسان القلب و لولاه لم يفهم أحوال القلب، إذ الذوقيات ما لم تدرج في صورة المعقول و تتنزل في هيئة العلم و المعلوم، و تقرب بالتمثيل و التأويل إلى مبالغ فهوم العقول و النفوس لم يمكن فهمها رِدْءاً يُصَدِّقُنِي عونا يقرّر معناي في صورة العلم بمصداق البرهان إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ لبعد حالي عن أفهامهم و بعدهم عن مقامي و حالي فلا بدّ من متوسط.
[35- 43]
[سورة القصص (28): الآيات 35 الى 43]
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (35) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَ ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَ قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38) وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (39)
فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) وَ أَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ نقويك بمعاضدته وَ نَجْعَلُ لَكُما غلبة بتأثيرك فيهم بالقدرة الملكوتية و تأييدك العقل بالقوّة القدسية، و إظهار العقل كمالك في الصورة العملية و الحجّة القياسية فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ نار الهوى على طين الحكمة الممتزجة من ماء العلم و تراب الهيئات المادية فَاجْعَلْ لِي مرتبة عالية من الكمال، من صعد إليها كان عارفا. و هو إشارة إلى احتجابه بنفسه، و عدم تجرّد عقله من الهيئات المادّية لشوب الوهم.
أي: حاولت النفس المحجوبة بأنانيته من عقل المعاش المحجوب بمعقوله أن يبني بنيانا من العلم و العمل المشوبين بالوهميات، و مقاما عاليا من الكمال الحاصل بالدراسة و التعلّم لا بالوراثة و التلقي، من استعلى عليه توهم كونه عارفا بالغا حدّ الكمال، كما ذكر في الشعراء أنهم كانوا قوما محجوبين بالمعقول عن الشريعة و النبوّة، متدربين بالمنطق و الحكمة، معتنين بهما، معتقدين الفلسفة غاية الكمال، منكرين للعرفان و السلوك و الوصال لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى بطريق التفلسف، و إنما ظنّه من الكاذبين لقصوره عن درجة العرفان و التوحيد، و احتجابه بصفة الأنانية و الطغيان و التفرعن بغير الحق من غير أن يتّصفوا بصفة الكبرياء عند الفناء، فيكون تكبّرهم بالحق لا بالباطل عن صفات نفوسهم.
[44- 45]
[سورة القصص (28): الآيات 44 الى 45]
وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)
وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ أي: جانب غروب شمس الذات الأحدية في عين موسى و احتجابها بعينه في مقام المكالمة لأنه سمع النداء من شجرة نفسه، و لهذا كانت قبلته جهة المغرب و دعوته إلى الظواهر التي هي مغارب شمس الحقيقة بخلاف عيسى عليه السلام إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أوحينا إليه بطريق المكالمة وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ مقامه في مرتبة نقبائه و أولياء زمانه الذين شهدوا مقامه، و لكن بعد قرنك من قرنه بإنشاء قرون كثيرة بينهما فنسوا فأطلعناك على مقامه و حاله في معراجك و طريق صراطك ليتذكروا وَ ما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ مقام الروح تَتْلُوا عَلَيْهِمْ علوم صفاتنا و مشاهداتنا، بل كنت في طريقك إذ ترقيت من الأفق الأعلى فدنوت من الحضرة الأحدية إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، فأخبرتهم بذلك عند إرسالنا إياك بالرجوع إلى مقام القلب بعد الفناء في الحق.
[46]
[سورة القصص (28): آية 46]
وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)
وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ مقام السرّ واقفا وَ لكِنْ رَحْمَةً تامّة واسعة شاملة مِنْ رَبِّكَ تداركتك و رقّتك إلى مقام الفناء في الوحدة الذي تتدرّج فيه مقامات جميع الأنبياء و صارت وصفك و صورة ذاتك عند التحقق به في مقام البقاء و الإرسال لتعم نبوّتك بختم النبوّات و لِتُنْذِرَ قَوْماً بلغت استعداداتهم في القبول حدّا من الكمال ما بلغ استعدادات آبائهم الذين كانوا في زمن الأنبياء المتقدّمين و تدعوهم إلى كمال مقام المحبوبين الذي لم يدع إليه أحد منهم أمّته ف ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يدعوهم إلى ما دعوت إليه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بالوصول إلى كمال المحبة.
[47- 53]
[سورة القصص (28): الآيات 47 الى 53]
وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَ لَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَ قالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ العقل القرآني و الفرقاني مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ لكمال استعدادهم دون غيرهم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ وجوهنا للّه بالتوحيد، منقادين لأمره.
[54]
[سورة القصص (28): آية 54]
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54)
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ أولا في القيامة الوسطى من جانب الأفعال و الصفات قبل الفناء في الذات، و ثانيا في القيامة الكبرى عند البقاء بعد الفناء من الجنّات الثلاث وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ المطلقة من شهود أفعال الحق و الصفات و الذات السَّيِّئَةَ المطلقة من أفعالهم و صفاتهم و ذواتهم وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بالتكميل و إفاضة الكمالات على المستعدّين القابلين.
[55]
[سورة القصص (28): آية 55]
وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قالُوا لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55)
وَ إِذا سَمِعُوا لغوا لفضول المانع من القبول لم يلحوا و أعرضوا لكونهم أولياء موحدين لا أنبياء سَلامٌ عَلَيْكُمْ سلّمكم اللّه من الآفات المانعة عن قبول الحق لا نَبْتَغِي صحبة الْجاهِلِينَ المفقودين بالسفاهة و الجهل المركّب، فإنهم لا ينتفعون بصحبتنا و لا يقبلون هدايتنا.
[56- 65]
[سورة القصص (28): الآيات 56 الى 65]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَ أَهْلُها ظالِمُونَ (59) وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ (60)
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ رَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هدايته لاهتمامك بحاله غير مطلع على استعداده بمجرّد الجنسية النفسية أو للقرابة البدنية دون الأصلية، أو الصحبة العارضية دون الحقيقية الروحية وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من أهل عنايته وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ القابلين للهداية لاطلاعه على استعدادهم و كونهم غير مطبوع على قلوبهم.
[66]
[سورة القصص (28): آية 66]
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66)
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ أي: خفيت عليهم الحقائق و التبست في القيامة الصغرى لكونهم محجوبين، واقفين مع الأغيار كالعمي، و قد رسخ جهلهم الشامل أوقات النشأتين كقوله: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى[2]، فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لعجزهم عن النطق و كونهم مختوما على أفواههم.
[67]
[سورة القصص (28): آية 67]
فَأَمَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)
فَأَمَّا مَنْ تابَ تنصل عما غطى بصيرته و غشى قلبه و استعداده من صفات النفس، و آمن بالغيب بطريق العلم وَ عَمِلَ في التحلية و اكتساب الخيرات و الفضائل عَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ الفائزين بالتجرّد عن مقام النفس بمقام القلب و الرجوع إلى الفطرة من حجاب النشأة.
[68- 69]
[سورة القصص (28): الآيات 68 الى 69]
وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ (69)
وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ من المحجوبين و المكاشفين وَ يَخْتارُ بمقتضى مشيئته و عنايته لهم ما يريد ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ في ذلك سُبْحانَ اللَّهِ نزّهه عن أن يكون لغيره اختيار مع اختياره فيكون شريكه.
[70]
[سورة القصص (28): آية 70]
وَ هُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا شريك له في الوجود لَهُ الْحَمْدُ المطلق لثبوت جميع الكمالات الظاهرة على مظاهر الأكوان، و الباطنة فيها و عنها له، فيكون كل جميل غنيّ قوي عزيز في الدنيا بجماله و غناه و قوّته و عزّته جميلا غنيّا قويّا عزيزا، و كل كامل عالم عارف به في الآخرة بكماله و علمه و معرفته كاملا عالما عارفا وَ لَهُ الْحُكْمُ يقهر كل شيء على مقتضى مشيئته و يحكم عليه بموجب إرادته، فيكون كل قبيح فقير ذليل ضعيف في الدنيا بحكمه، و تحت قهره، كذلك و كل محجوب مخذول، أسير، مردود في الآخرة في قهره و تحت حكمه مخذولا محجوبا أسيرا مردودا وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالفناء في وجوده أو أفعاله و صفاته أو ذاته.
[71- 72]
[سورة القصص (28): الآيات 71 الى 72]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ (72)
إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ ليل ظلمة النفس سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الصغرى مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ من نور الروح أَ فَلا تَسْمَعُونَ حال كونكم في الحجاب، فتفهمون المعاني و الحكم فتؤمنون بالغيب إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ نهار نور الروح سرمدا بالتجلي الدائم دون الاستتار إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الصغرى مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ من أوقات الغفلات و غلبات صفات النفس و غشاوات الطبع تَسْكُنُونَ فِيهِ إلى حقوق نفوسكم و راحات أبدانكم أَ فَلا تُبْصِرُونَ بنور روح تجلّيات الحق.
[73- 74]
[سورة القصص (28): الآيات 73 الى 74]
وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74)
وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ بالغفلة و الحضور في مقام القلب و الاستتار و التجلي في مقام الروح لِتَسْكُنُوا في ظلمة النفس إلى نور البدن و ترتيب المعاش وَ لِتَبْتَغُوا من فضل مكاشفاته و تجلّيات صفاته و مشاهداته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمه الظاهرة و الباطنة و الجسمانية و الروحانية في أولاكم و أخراكم باستعمالها لوجه اللّه فبما وجب عليكم من طاعته في كل مقام به و فيه و له.
[75]
[سورة القصص (28): آية 75]
وَ نَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75)
وَ نَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: نخرج يوم القيامة عند خروج المهدي من كل أمّة نبيهم و هو أعرفهم بالحق فَقُلْنا على لسان الشهيد الذي يشهد الحق بشهود الكل و لا يحتجب بهم عنه هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ما أنتم عليه أحق هو أم لا؟ فعجزوا عن آخرهم و ظهر برهان النبيّ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ أظهره مظهر الشهيد وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مفترياتهم من المذاهب المختلقة و الطرق المتشعبة المتفرّقة. أو قلنا للشهداء: هاتوا برهانكم بإظهار التوحيد، فأظهروا، فعلموا أن الحقّ للّه.
[76- 82]
[سورة القصص (28): الآيات 76 الى 82]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80)
فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82)
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى عالما كبلعم بن باعوراء فَبَغى عَلَيْهِمْ لاحتجابه بنفسه و علمه بالتكبّر و الاستطالة عليهم، فغلب عليه الحرص. و محبّة الدنيا ابتلاء من اللّه لغروره و احتجابه برؤيته زينة نفسه بكمالها، فمال هواه إلى الجهة السفلية، فخسف به فيها محجوبا ممقوتا.
[83- 84]
[سورة القصص (28): الآيات 83 الى 84]
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84)
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ من العالم القدسيّ الباقي نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يحتجبون بنفوسهم و صفاتها فتصير فيهم الإرادة الفطرية الطالبة للترقي و العلوّ في سماء الروح هوى نفسانية تطلب الاستعلاء و الاستطالة و التكبر على الناس في الأرض، و يصير صلاحهم بطلب المعارف و اكتساب الفضائل و المعالي فسادا يوجب جمع الأسباب و الأموال و أخذ حقوق الخلق بالباطل وَ الْعاقِبَةُ للمجرّدين الذين تزكّت نفوسهم عن الرذائل المردية و الأهواء المغوية.
[85]
[سورة القصص (28): آية 85]
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85)
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أوجب لك في الأزل عند البداية و الاستعداد الكامل الذي هو العقل القرآني الجامع لجميع الكمالات و جوامع الكلم و الحكم لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ما أعظمه لا يبلغ كنهه و لا يقدر قدره هو الفناء في اللّه في أحدية الذات و البقاء بالتحقق به بجميع الصفات قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى أي: لا يعلم حالي و كنه هدايتي و ما أوتيت من العلم اللدني المخصوص به إلا ربي لا أنا و لا غيري، لفنائي فيه عن نفسي و احتجاب غيري عن حالي وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ من هو محجوب عن الحق لعدم الاستعداد و كثافة الحجاب لكون غيري محجوبا عن حال استعدادي فما علمته بل هو العالم به لا أنا، لفنائي فيه و تحققي به.
[86- 88]
[سورة القصص (28): الآيات 86 الى 88]
وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (86) وَ لا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَ ادْعُ إِلى رَبِّكَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ كتاب العقل الفرقاني بتفصيل ما جمع فيك لكونك في حجب النشأة مغمورا، و عمّا أودع فيك محجوبا إِلَّا أي: لكن ألقى إليك لتجلي صفة الرحمة الرحيمية مِنْ رَبِّكَ و ظهور فيضها فيك شيئا فشيئا حتى صارت وصفك فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ المحجوبين باحتجابك بها عن الفناء في الذات، فتظهر أنائيتك برؤية كمالها وَ لا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ و تجليات صفته فتقف مع أنائيتك كوقوفهم مع الغير فتكون من المشركين بالنظر إلى نفسك و إشراكها باللّه في الوجود وَ ادْعُ إِلى رَبِّكَ به لا إلى نفسك بها، فإنك الحبيب، و الحبيب لا يدعو إلى نفسه و لا يكون بنفسه بل إلى حبيبه بحبيبه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا تدع معه غيرا لا نفسك و لا غيرها. فمن امتثال قوله: وَ ادْعُ إِلى رَبِّكَ حصل له وصف ما طغى و من قوله: وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ، ما زاغَ الْبَصَرُ[3]. كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي: ذاته، إذ لا موجود سواه لَهُ الْحُكْمُ بقهره كل ما سواه تحت صفاته وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالفناء في ذاته.
[1] ( 1) سورة الأعراف، الآية: 143.
[2] ( 1) سورة الإسراء، الآية: 72.
[3] ( 1) سورة النجم، الآية: 17.