تفسیر ابن عربی سوره الزخرف

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الزخرف

(43) سورة الزخرف مكيّة

[سورة الزخرف (43): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

حم (1) وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)

القرآن كتاب من جملة الكتب إلا أن له الجمعية دون سائر الكتب، و هو صفة الحق، و هو أم الكتاب الذي خرجت عنه الكتب المنزلة، و اختلفت الألسنة به لقبوله إياها بحقيقته، فقيل فيه إنه عربي و إنه عبراني و إنه سرياني بحسب اللسان الذي أنزل به، و هذا هو عين الجعل في القرآن و عين نسبة الحدوث إليه، و الجعل يكون بمعنى الخلق و بغيره، فما ينسب إلى القرآن من قوله محدث فهو من حكم الجعل الذي بمعنى الخلق‏، قال تعالى: (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) فهو محدث الإتيان، و ما هو الإتيان عين الإنزال، كما أنه ليس بعين الجعل.

 

 

[سورة الزخرف (43): آية 4]

وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)

[أم الكتاب:]

جعل اللّه في الوجود كتابين: كتابا سماه أمّا، فيه ما كان قبل إيجاده و ما يكون، كتبه بحكم الاسم المقيت، فهو كتاب ذو قدر معلوم فيه بعض أعيان الممكنات و ما يتكون عنها، و كتابا آخر ليس فيه سوى ما يتكون عن المكلفين خاصة، فلا تزال الكتابة فيه ما دام التكليف، و به تقوم الحجة للّه على المكلفين، و به يطالبهم لا بالأم، و هو كتاب الإحصاء، فلا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها، و كل صغير و كبير مستطر، و هو منصوص عليه في الأم التي هي الزبر، و معناه الكتابة، و إن كانت أصناف الكتب كثيرة فإنها ترجع إلى هذين الكتابين، فمن الكتاب الثاني يسمى الحق خبيرا، و من الأم يسمى عليما، فهو العليم بالأول الخبير بالثاني، و كلا الكتابين محصور لأنه موجود، و علم اللّه في الأشياء لا يحصره كتاب مرقوم و لا يسعه رق منشور و لا لوح محفوظ و لا يسطره قلم أعلى.

 

[سورة الزخرف (43): الآيات 5 الى 12]

أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5) وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَ الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12)

 

[إشارة: الفلك عرش الإنسان الكامل‏]

إشارة- اعلم أنه لما كان الاستواء صفة الحق على العرش، و خلق الإنسان الكامل على صورته، جعل له مركبا سماه فلكا، كما كان العرش فلكا، فالفلك مستوى الإنسان الكامل، و جعل لمن هو دون الإنسان الكامل مركبا غير الفلك، من الأنعام و الخيل و البغال و الحمير، ليستوي الإنسان على ظهور هذه المراكب، و شاركهم في ركوبها الإنسان الكامل، فالكامل من الناس يستوي على كل مركوب، و غير الكامل لا يستوي على الفلك إلا بحكم التبعية لا لعينه.

[سورة الزخرف (43): آية 13]

لِتَسْتَوُوا عَلى‏ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)

[لا فضل لك على البهائم بالتسخير:]

اعلم أن البهائم و إن كانت مسخرة مذللة من اللّه للإنسان، فلا تغفل عن كونك مسخرا لها بما تقوم به من النظر في مصالحها، في سقيها و علفها و ما يصلح لها، من تنظيف أماكنها و مباشرة القاذورات و الأزبال من أجلها و وقايتها من الحر و البرد و المؤذيات لها، فهذا و أمثاله من كون الحق سخرك لها، و جعل في نفسك الحاجة إليها، فإنها تحمل أثقالك إلى بلد لم تكن تبلغه إلا بشق الأنفس، فلا فضل لك عليها بالتسخير، فإن اللّه أحوجك إليها أكثر مما أحوجها إليك، فما جعل لها إليك حاجة، و جعل فيك الحاجة إليها، و جميع البهائم تفر منك ممن لها آلة الفرار، و ما هذا إلا لاستغنائها عنك و ما جبلت عليه من العلم بأنك ضار لها، ثم طلبك لها و بذل مجهودك في تحصيل شي‏ء منها دليل على افتقارك إليها، فباللّه من تكون البهائم أغنى منه، كيف يحصل في نفسه أنه أفضل منها؟ هل سمعت في النبوة الأولى و الثانية قط أن حيوانا أو شيئا من غير الحيوان عصى أمر اللّه أو لم يقبل وحي اللّه.

[سورة الزخرف (43): الآيات 14 الى 17]

وَ إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَ أَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (17)

فإنهم كانوا يكرهون البنات، و جعلوا بين اللّه و بين الملائكة نسبا، فقالوا: إن الملائكة بنات اللّه؛ و إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا و هو كظيم.

[سورة الزخرف (43): الآيات 18 الى 19]

أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ (19)

لما كانت اللفظة التي تطلق على الأجسام النورانية و الأرواح لفظة تقتضي التأنيث، و هو الملائكة و الجنة، لهذا جعلهم من جعلهم بناتا و إناثا.

[سورة الزخرف (43): الآيات 20 الى 23]

وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)

اعلم أن التقليد هو الأصل الذي يرجع إليه كل علم نظري أو ضروري أو كشفي، فإذا كان التقليد هو الحاكم و لا بد، و لا مندوحة عنه، فتقليد الرب أولى فيما شرع من العلم به، فلا تعدل عنه، فإنه أخبرك عن نفسه في العلم به، فتقليد الحق أولى من تقليد من هو مخلوق مثلك، فكما استفدت منه سبحانه الوجود فاستفد منه العلم، فقف عند خبره عن نفسه بما أخبر، و لا تبال بالتناقض في الأخبار، فإن لكل خبر مرتبة ينزل ذلك الخبر فيها.

[سورة الزخرف (43): الآيات 24 الى 31]

قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى‏ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)

بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَ لَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَ إِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)

و هذا من جهلهم، لأنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال، فالعاقل من يأخذ العلم و الحكمة حيث وجدها، و لا ينظر إلى المحل الذي جاء بها، فهو يعرف الرجال بالحق، و غير العاقل يعرف الحق بالرجال.

[سورة الزخرف (43): آية 32]

أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)

[ «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ …» الآية:]

«نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» الرزق مقسوم، و منزّل بقدر معلوم، لا ينقص و لا يزيد، طلب العبيد، و طلب المزيد في الجبلة، في كل ملة، كيف لا يظهر بالافتقار، من حكم عليه الاضطرار، و بقي الحكم للأقدار، فكل شي‏ء عنده بمقدار «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ»– الوجه الأول- يعني الخلق، فدخل فيه جميع‏ بني آدم دنيا و آخرة، فجعل تعالى العالم فاضلا مفضولا،- الوجه الثاني- «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ» بإعطاء كمال الإنسانية بالصورة الإلهية التي خلق عليها بعضهم‏ «لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ» و هم الذين رفعهم اللّه‏ «بَعْضاً» و هم الأناسي الحيوانيون‏ «سُخْرِيًّا» فجعل تعالى علة التسخير رفعة بعضنا على بعض بالدرجة التي يحتاج إليها المسخر المفعول، فإن اللّه قد جعل العالم على مراتب درجات، مفتقرا بعضه إلى بعض. و اعلم أن التسخير قد يكون إذلالا، و قد يكون القيام بما يحتاج إليه ذلك المسخر له بالحال، و هذا الفرقان بين التسخيرين بما تعطيه حقيقة المسخر و المسخر له، فالعبد الذي هو الإنسان مسخر لفرسه و دابته، فينظر منها في سقيها و علفها و تفقد أحوالها مما فيه صلاحها و صحتها و حياتها،

و هي مسخرة له بطريق الإذلال لحمل أثقاله و ركوبه و استخدامه إياها في مصالحه، و هكذا في النوع الإنساني برفع الدرجات بينهم، فبالدرجة يسخر بعضهم بعضا، فتقتضي درجة الملك أن يسخر رعيته فيما يريده بطريق الإذلال للقيام بمصالحه لافتقاره إلى ذلك، و تقتضي درجة الرعايا و السوقة أن تسخر الملك في حفظها و الذب عنها، و قتال عدوها و الحكم فيما يقع بينها من المخاصمات و طلب الحقوق، فهذه سخرية قيام لا سخرية إذلال،

اقتضتها درجة السوقة و درجة الملك، و بذلك يكون الخلق مسخرا اسم فاعل و مسخرا اسم مفعول، ففي رفع الدرجات جعل اللّه التسخير بحسب الدرجة التي يكون فيها العبد أو الكائن فيها، كان من كان، فيقتضي الكائن فيها أن يسخّر له من هو في غيرها، و يسخره أيضا من هو في درجة أخرى، و قد تكون درجة المسخر اسم مفعول أعلى من درجة المسخر اسم فاعل، و لكن في حال تسخير الأرفع بما سخره فيه شفاعة المحسن في المسي‏ء إذا سأل المسي‏ء الشفاعة فيه، و في حديث النزول في الثلث الباقي من الليل غنية و كفاية و شفاء لما في الصدور لمن عقل، و لما كانت الدرجة حاكمة اقتضى أن يكون الأرفع مسخرا اسم مفعول، و تكون أبدا تلك الدرجة أنزل من درجة المسخر اسم فاعل، و الحكم للأحوال، كدرجة الملك في ذبه عن رعيته و قتاله عنهم و قيامه بمصالحهم، و الدرجة تقتضي له ذلك، و التسخير يعطيه النزول في الدرجة عن درجة المسخر له اسم فاعل.

[سورة الزخرف (43): الآيات 33 الى 48]

وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34) وَ زُخْرُفاً وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)

حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ (44) وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47)

وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)

الآخرة و إن لم يكشف عنهم العذاب في الدنيا، و ما اختص قوم يونس إلا بالكشف عنهم في الحياة الدنيا عند رجعتهم.

[سورة الزخرف (43): الآيات 49 الى 53]

وَ قالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَ نادى‏ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ (52) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)

يقول فرعون‏ «فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ» فلو و هو حرف تحضيض، أعطي يعني موسى عليه السلام نفوذ الاقتدار فينا حتى لا ننازعه و نسمع له و نطيع، لأن اليدين محل القدرة، و الأسورة و هو شكل محيط من ذهب أكمل ما يتحلى به من المعادن، و نفوذ الاقتدار من الاختصاص الإلهي، يقول فرعون لقومه: فما أعطي ذلك موسى؛ و الذي يدلك على ما قلناه، أن فرعون أراد هذا المعنى، أنه جاء بأو بعده، و هي حرف عطف بالمناسب، فقال: «أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ» لعلمه بأن قومه يعلمون أن الملائكة لو جاءت لانقادوا إلى موسى طوعا و كرها، يقول فرعون: فلم يكن لموسى عليه السلام نفوذ اقتدار فيّ حتى أرجع إلى قوله من نفسي بأمر ضروري لا نقدر على دفعه، فترجعوا إلى قوله لرجوعي، و لا جاء معه من يقطع باقتدارهم.

[سورة الزخرف (43): آية 54]

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54)

«فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ» أي لطف معناهم بالنظر فيما قاله لهم، فلما جعل فيهم هذا حملهم على تدقيق النظر في ذلك، و لم يكن لهم هذه الحالة قبل ذلك‏ «فَأَطاعُوهُ» و من ادعى الربوبية لنفسه فإنما استخف قومه، فإنه كاذب عند نفسه عالم بأنه كاذب، و لكنه استخف قومه‏ «فَأَطاعُوهُ» لذلك و هو يعلم خلاف ذلك من نفسه، و لا أعلم أن أحدا يجوع و يمرض و يغوط و أمثال هذا يدعي الألوهية إلا فرعون لما استخف قومه، لذلك قال: (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) أي في اعتقادكم، فأطاعوه ظاهرا بالقهر الظاهر، لأنه في محل يخاف و يرجى، و باطنا بما نظروا فيه مما قاله لهم‏ «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ» أي خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة، من إنكار ما ادعاه فرعون باللسان الظاهر في العقل، و ما شرّك اللّه تعالى فرعون مع قومه في ضمير إنهم.

[سورة الزخرف (43): آية 55]

فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55)

«فَلَمَّا آسَفُونا» أي أغضبونا «انْتَقَمْنا مِنْهُمْ» فإن للّه سبحانه نفوذ الاقتدار، فانتقم منهم ليجعلهم عبرة للآخرين، و ذلك لما أخذ فرعون قلوبهم بالكلية إليه، و لم يبق للّه فيهم نصيب يعصمهم، أغضبوا اللّه، فغضب فانتقم، فكان حكمهم في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه، فإنه علم صدق موسى عليه السلام، و علم حكم اللّه في ظاهره بما صدر منه، و حكم اللّه في باطنه بما كان يعتقده من صدق موسى فيما دعاهم إليه، و كان انتقام اللّه بقوله‏ «فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ» فسوى اللّه في الغرق بينهم، بين فرعون و قومه، و تفرقا في الحكم.

[سورة الزخرف (43): آية 56]

فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَ مَثَلاً لِلْآخِرِينَ (56)

يعني للأمم الذين يأتون بعدهم، و خص فرعون بأن تكون نجاته آية لمن رجع إلى اللّه بالنجاة.

[سورة الزخرف (43): الآيات 57 الى 62]

وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَ اتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)

وَ لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)

الأنبياء معصومون في إخبارهم عن اللّه أن يقولوا ما ليس هو الأمر عليه في نفسه، بخلاف غير الأنبياء من المخبرين من عالم و غير عالم، فالعالم قد يتخيل فيما ليس بدليل أنه دليل، فيخبر بما أعطاه ذلك الدليل ثم يرجع عنه، فلهذا لا ينزل في درجة العلم منزلة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد يخبر بالعلم على ما هو عليه في نفس الأمر، و لكن لا يتعين على الحقيقة لما ذكرناه من دخول الاحتمال فيه، و كذلك غير العالم من العوام فقد يصادفون العلم و قد لا يصادفونه في إخبارهم، و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ليس كذلك، فإذا أخبر عن أمر من جهة اللّه فهو كما أخبر، فالمحصّل له عالم بلا شك، كما أن ذلك الخبر علم بلا شك.

[سورة الزخرف (43): الآيات 63 الى 67]

وَ لَمَّا جاءَ عِيسى‏ بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67)

الخلة هنا هي المعاشرة، و لا تصح المخاللة من المخلوقين، أعني من المؤمنين، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و لكن صاحبكم خليل اللّه‏] فالمخاللة لا تصح إلا بين اللّه و بين عبده، قال تعالى: «وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» و لكن قد انطلق اسم الأخلاء على الناس مؤمنيهم و كافريهم، فتسمى المعاشرة التي بين الناس إذا تأكدت في غالب الأحوال خلة- راجع سورة النساء آية 124-.

 

[سورة الزخرف (43): الآيات 68 الى 71]

يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَ كانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ أَكْوابٍ وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)

شهوة الجنة يقع لها اللذة بالمحسوس و بالمعقول على صورة ما يقع بالمحسوس، من وجود الأثر البرزخي عند نيل المشتهى المعقول سواء، و هذه الشهوة تكون في الجنة لكل أحد من أهل الجنة، و في الدنيا لا تقع إلا لآحاد من العارفين، و أما الشهوة في الدنيا فلا تقع لها لذة إلا بالمحسوس الكائن، و الدار الآخرة تقتضي تكوين العالم عن العالم حسا و بمجرد حصول الخاطر، و الهمّ و الإرادة و التمني و الشهوة، كل ذلك محسوس، فلا تزال الآخرة دائمة التكوين عن العالم، فإنهم يقولون في الجنان للشي‏ء، يريدونه كن فيكون، فلا يتوهمون أمرا ما، و لا يخطر لهم خاطر في تكوين أمر ما إلا و يتكون بين أيديهم، و هذا في الدار الآخرة للجميع و ليس ذلك إلا نيل الأغراض، و هو الفعل بالهمة لكل أحد، و هذا في الدار الدنيا نادر شاذ،

[هل في نكاح الجنة نتاج؟]

فإن قلت: فهل في نكاح الجنة نتاج؟ قلنا: نعم، فإن في الإنتاج عين الكمال، فإن فيه نتاج و لا بد، و ولادته نفس يخرج من الزوجة عند الفراغ من الجماع، فإن الإنزال ريح كما هو في الدنيا ماء، فيخرج ذلك الريح بصورة ما وقع عليه الاجتماع بين الزوجين، فمن أهل الجنة من يشاهد ذلك و منهم من يغيب عنه، فإن الأمر شهادة و غيب، شهادة في حق من شهده، و غيب في حق من غاب عنه، و الحكم في الجنة أن نفس حصول الشهوة نفس حصول المشتهى، بحيث لو تأخرت عنه إلى الزمان الثاني الذي يلي زمان حصول الشهوة، لكان ذا ألم لفقد المشتهى زمان الشهوة كالدنيا، فإنه لا بد أن يتأخر حصول المشتهى عن زمان الشهوة فلا بد من الألم، فإذا حصل المشتهى فأعظم الالتذاذ به اندفاع ذلك الألم‏- تحقيق- راجع البقرة آية رقم 29-.

[سورة الزخرف (43): آية 72]

وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)

راجع الأعراف آية 43.

[سورة الزخرف (43): الآيات 73 الى 74]

لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74)

في مواطن لم يقيد الحق العذاب بالأليم و أطلقه، فقال‏ «فِي عَذابِ جَهَنَّمَ» و لم ينعته بأنه أليم، فإنه لا يزال عذابا و إن زال الألم.

 

[سورة الزخرف (43): آية 75]

لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)

«لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ» من كونه عذابا «وَ هُمْ فِيهِ» أي في العذاب‏ «مُبْلِسُونَ» أي مبعدون من السعادة العرضية في هذا الموطن، لأن الإبلاس لفظة مختصة بأهل جهنم في بعدهم، فلهذا جاء بالإبلاس ليوقع هذا الاصطلاح اللغوي في موضعه عند أهله ليعلموه، فإنه لموطن جهنم لغة- ليست لأهل الجنان- و الإبلاس منها، و ذلك زمان عذابهم و أخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة التي سبقت الغضب الإلهي.

 

[سورة الزخرف (43): الآيات 76 الى 77]

وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77)

مالك عليه السلام هو متولي دار الشقاء التي هي السجن، و سمي مالكا و معناه الشديد، يقال ملكت العجين إذا شددت عجنه، فسمي مالكا و هو الخازن الأكبر المقدم بهذا الاسم لشدته و قوته و قهره الظاهر في عالم الشقاء، فيزيد عذابهم و حرجهم لهذا القهر.

 

[سورة الزخرف (43): الآيات 78 الى 84]

لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى‏ وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)

[ «وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» الآية:]

جاء بالهوية بما ينبغي أن يظهر به في السموات من الألوهية بالاسم الذي يخصها، و في الأرض إله بالاسم الذي ينبغي أن يظهر به في الأرض من كونه إلها، فكان آدم نائبا عن هذا الاسم، و هذا الاسم هو باطنه، و هو المعلوم له علم التأثيرات التي تكون عن الأسماء الإلهية التي تختص بالأرض، حيث كانت خلافته فيها، فإن لكل اسم خاصية في الفعل في الكون‏«وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» الحكمة حضرة تعطي علم الترتيب و إعطاء كل شي‏ء حقه و إنزاله منزلته، فيثبت الترتيب في أعيان الممكنات في حال ثبوتها بحكمة الحكيم، لأنه ما من ممكن يضاف إلى ممكن إلا و يمكن إضافته إلى ممكن آخر لنفسه، لكن الحكمة اقتضت بحكمها أن ترتبه كما هو بزمانه و حاله في حال ثبوته، و هذا هو العلم الذي انفرد به الحق تعالى و جهل منه، و ظهر به الحكم في ترتيب أعيان الممكنات في حال ثبوتها قبل وجودها، فتعلق بها العلم الإلهي بحسب ما رتبها الحكيم عليه، فالحكمة أفادت الممكن ما هو عليه من الترتيب الذي يجوز خلافه، و الترتيب أعطى العالم العلم بأن الأمر كذا هو، فلا يوجد إلا بحسب ما هو عليه في الثبوت الذي هو ترتيب الحكيم عن حكم الحكمة، فالحكمة لها الجعل و العلم ليس كذلك، لأن العلم تابع للمعلوم، و الحكمة تحكم في الأمر أن يكون هكذا «وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» في المنع و العطاء، فإن اللّه عزّ و جل ما منع إلا لحكمة و لا أعطى إلا لحكمة، فهو العليم بكل شي‏ء، و منزلة ذلك الشي‏ء المعلوم.

[سورة الزخرف (43): الآيات 85 الى 87]

وَ تَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)

و هذه شهادة من اللّه في حق المشركين، فهو تنبيه عجيب، فما ذكروا قط إلا الألوهية، و ما ذكروا الأشخاص، و لكن لم يقبل اللّه منهم العذر بل قال‏ «فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ».

[سورة الزخرف (43): الآيات 88 الى 89]

وَ قِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 110

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=