تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الملك
سورة الملك
[1]
[سورة الملك (67): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ الملك عالم الأجسام كما أن الملكوت عالم النفوس، و لذلك وصف ذاته باعتبار تصريفه عالم الملك بحسب مشيئته بالتبارك الذي هو غاية العظمة و نهاية الازدياد في العلوّ و البركة، و باعتبار تسخيره عالم الملكوت بمقتضى إرادته بالتسبيح الذي هو التنزيه كقوله: فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ[1] كلّا بما يناسبه، لأن العظمة و الازدياد و البركة تناسب الأجسام، و التنزّه يناسب المجرّدات عن المادة. فمعنى تبارك: تعالى و تعاظم الذي يتصرّف في عالم الملك بيد قدرته، لا يتصرّف فيه غيره، فبيده كل ما وجد من الأجسام لا بيد غيره يصرّفها كما يشاء وَ هُوَ القادر على كل ما عدم من الممكنات يوجدها على ما يشاء، فإن قرينة القدرة تخص الشيء بالممكن إذ تعلل القدرة به فيقال: إنه مقدوره لأنه ممكن.
[2- 4]
[سورة الملك (67): الآيات 2 الى 4]
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ (4)
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ الموت و الحياة من باب العدم و الملكة، فإن الحياة هي الإحساس و الحركة الإرادية و لو اضطرارية كالتنفس و الموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له و عدم الملكة ليس عدما محضا بل فيه شائبة الوجود و إلا لم يعتبر فيه المحل القابل للأمر الوجودي فلذلك صح تعلق الخلق به كتعلقه بالحياة و جعل الغرض من خلقهما بلاء الإنسان في حسن العمل و قبحه، أي: العلم التابع للمعلوم الذي يترتب عليه الجزاء و هو العلم الذي يظهر على المظاهر الإنسانية بعد وقوع المعلوم، فإنه ليس إلا علم اللّه الكامن في الغيب الظاهر بظهور المعلوم لأن الحياة هي التي يتمكن بها على الأعمال و الموت و هو الداعي إلى حسن العمل الباعث عليه و به يظهر آثار الأعمال كما أن الحياة يظهر بها أصولها و بهما تتفاضل النفوس في الدرجات و تتفاوت في الهلاك و النجاة. و قدّم الموت على الحياة لأن الموت في عالم الملك ذاتي و الحياة عرضية.
وَ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي يقهر من أساء العمل الْغَفُورُ الذي يستر بنور صفاته من أحسن الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً نهاية كمال عالم الملك في خلق السموات لا ترى أحكم خلقا و أحسن نظاما و طباقا منها. و أضاف خلقها إلى الرحمن لأنها من أصول النعم الظاهرة و مبادئ سائر النعم الدنيوية، و سلب التفاوت عنها لبساطتها و استدارتها و مطابقة بعضها بعضا و حسن انتظامها و تناسبها، و نفى الفطور لامتناع خرقها و التئامها و إنما قال: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ لأن تكرار النظر و تجوال الفكر مما يفيد تحقق الحقائق و إذا كان ذلك فيها عند طلب الخروق و الشقوق لا يفسد إلا الخسوء و الحسور تحقق الامتناع، و ما أتعب من طلب وجود الممتنع.
[5]
[سورة الملك (67): آية 5]
وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5)
وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا من السموات المعنوية، أي: العقل الإنساني بِمَصابِيحَ الحجج و البينات وَ جَعَلْناها رُجُوماً لشياطين الوهم و الخيال وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ سعير الاحتجاب في قعر الطبيعة و الهويّ في هاوية العالم الجسماني و البرزخ الغاسق الظلماني أو السماء المحسوسة التي هي أقرب إلينا من السماء العقلية بمصابيح الكواكب، و جعلناها بحيث ترجم بها النفوس البعيدة عن عالم النور لظلمة جواهرها بملازمة الكواكب، و جعلناها بحيث ترجم بها النفوس البعيدة عن عالم النور لظلمة جواهرها بملازمة الغواسق الجسمانية المخالفة بجواهرها الخبيثة عن الجواهر المقدّسة التي غلبت عليها ظلمة الكون و شدّة الرين و تكدّرت بمباشرة الشهوات الطبيعية و تلوّثت بألواث التعلقات الجسمانية و امتزجت بها فترسخت فيها الهيئات المظلمة و تغيرت عن طباعها فتأثرت بتأثيرات الأجرام العلوية كلما اشتاقت بسنخها إلى عالمها، رجمتها روحانيات الكواكب و طردتها إلى جحيم العالم السفلي و ألزمتها مجاورة الهياكل المناسبة لهيئاتها و ملازمة البرازخ المشاكلة لطباعها و ألقتها في عذاب تضادّ الطبائع و سعير استيلاء طبائع تلك الغواسق.
[6- 7]
[سورة الملك (67): الآيات 6 الى 7]
وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ (7)
وَ لِلَّذِينَ حجبوا عن ربّهم عامة سواء الشياطين الذين هم في غاية البعد و المنافاة و قوة الشرّ و غيرهم من الضعفاء المحجوبين الذين ليسوا في غاية الشرارة عَذابُ جَهَنَّمَ أي:
العالم السفلي الغاسق المضادّ بطبعه لعالم النور وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ذلك المهوى المظلم المهين المحرق إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لأهلها الأصوات المنكرة المنافية لأصوات الأناسيّ و الروحانيين أو لأنفسهم فإنهم يصطرخون فيها بأصوات الحيوانات القبيحة المنظر المنكرة الصوت وَ هِيَ تَفُورُ تغلي عليهم و تستولي و تعلو.
[8- 11]
[سورة الملك (67): الآيات 8 الى 11]
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (11)
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي: تتفارق أجزاؤها من شدّة غلبة التضاد عليها و شدّة مضادتها لجواهر النفوس. و لعمري إن شدّة منافرة الطباع بعضها بعضا تستلزم شدّة العداوة و البغض المقتضية لشدة الغيظ و الحنق، فتلك المهواة لشدة منافاتها بالطبع لعالم النور و الجوهر المجرد و أصل فطرة النفس يشتدّ غيظها عليها و تحرقها بنار غضبها أعاذنا اللّه من ذلك.
و الخزنة هم النفوس الأرضية و السماوية الموكلة بعالم الطبيعة السفلية و سؤالهم اعتراضهم و منعهم إياها عن النفوذ من الجحيم بحجة تكذيب الرسل و منافاة عقائدها لما جاءت به و معاندتها إياهم و عدم معرفتها باللّه و كلامه و صممها عن الحق و انتفاء سماعها و عدم عقلها عن اللّه معارفه و آياته و دلائل توحيده و بيناته فإنهم لو سمعوا و عقلوا لعرفوا الحق و أطاعوا فنجوا و خلصوا إلى عالم النور و جوار الحق فما كانوا في أصحاب السعير.
[12- 14]
[سورة الملك (67): الآيات 12 الى 14]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (13) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بتصور عظمته غائبين عن الشهود الصفاتي في مقام النفس بتصديق الاعتقاد لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من صفات النفس وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ من أنوار القلب و جنة الصفات أو الذين يخشون ربّهم بمطالعة صفات العظمة في مقام القلب غائبين عن الشهود الذاتي لهم مغفرة من صفات القلب و أجر كبير من أنوار الروح و جنة الذات إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ لكون تلك السرائر عين علمه، فكيف لا يعلم ضمائرها من خلقها و سوّاها و جعلها مرائي أسراره وَ هُوَ اللَّطِيفُ الباطن علمه فيها، النافذ في غيوبها الْخَبِيرُ بما ظهر من أحوالها، أي: المحيط ببواطن ما خلق و ظواهره بل هو هو بالحقيقة باطنا و ظاهرا لا فرق إلا بالوجوب و الإمكان و الإطلاق و التقييد و احتجاب الهوية بالهذية و الحقيقة بالشخصية.
[15]
[سورة الملك (67): آية 15]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ (15)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ أرض النفس ذَلُولًا فَامْشُوا بأقدام الفطرة في أعالي صفاتها و أعز أطرافها و جهاتها و اقهروها مذللة وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ الذي ينال من جهتها أي: العلم المأخوذ من الحسّ و هو الأكل من تحت الأرجل المشار إليه بقوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[2] وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ بالعروج إلى مقام الولاية و حضرة الجمع.
[16- 18]
[سورة الملك (67): الآيات 16 الى 18]
أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَ لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (18)
أَ أَمِنْتُمْ الذي قهر سلطانه سماء الروح و بهر نوره شمس العقل بالتأثير و التنوير أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ أرض النفس بأن يحركها و يقلبها عليكم فتقهركم و تستولي عليكم فتذهب بنوركم و تهلككم و تجعلكم أسفل سافلين فَإِذا هِيَ تضطرب عالية طياشة لا قرار لها و لا طمأنينة بالسكينة لما في طباعها من الطيش و الاضطراب أَمْ أَمِنْتُمْ ذلك العالي القهار أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصب صفات النفس و لذاتها و شهواتها المستعلية بريح الهوى على القلب في جوّ الأماني و الآمال فيهلككم هلاك المكذبين الذين تحرّكت نفوسهم بقهر من اللّه فاحتجبوا بظلماتها عن نور هداية الرسل فخسفوا و مسخوا و كان من حالهم ما يتعجب منه، و عاينوا ما أنذروا به من المنكر الفظيع.
[19]
[سورة الملك (67): آية 19]
أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)
أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى طير المعارف و الحقائق و الإشراقات النورية و المعاني القدسية فَوْقَهُمْ في سماء الروح صافَّاتٍ أنفسهنّ مترتبة متناسقة فيها وَ يَقْبِضْنَ عن النزول إلى القلب ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ المسوّي للاستعداد، المهيّئ لقبولها، المودع إياها فيها، المرتب لها بسعة رحمته الواسعة الشاملة لكل ما خلق و قدر، المعطية كل شيء خلقه. و ما يرسلهنّ إلا الرحيم المفيض لكل ما قدّر من الكمال بحسب الاستعداد المظهر لكل ما دبر في الغيب من المعاني و الصفات إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ في مكمن غيبه فيعطيه ما يليق به و يسوّيه بحسب مشيئته و يودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته ثم يهديه إليه بتوفيقه.
[20]
[سورة الملك (67): آية 20]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (20)
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ أي: من يشار إليه ممن يستعان به من الأغيار حتى الجوارح و الآلات و القوى و كل ما ينسب إليه التأثير و المعونة من الوسائط فيقال: هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ فيرسل ما أمسك من النعم الباطنة و الظاهرة أو يمسك ما أرسل من النعم المعنوية و الصورية أو يحصل لكم ما منع و لم يقدّر لكم أو يمنع ما أصابكم به و قدّر عليكم إِنِ المحجوبون الذين ستروا نور فطرتهم إِلَّا فِي غُرُورٍ بالوسائط.
[21]
[سورة الملك (67): آية 21]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ (21)
أَمَّنْ يشار إليه منها فيقال: هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ الرحمن رِزْقَهُ المعنوي أو الصوري بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ أي: عناد و طغيان لمضادّتهم الحق بالباطل الذي أقاموا عليه و منافاتهم النور بظلمة نفوسهم وَ نُفُورٍ أي: شراد لبعد طباعهم و نبوّها عنه.
[22- 30]
[سورة الملك (67): الآيات 22 الى 30]
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (30)
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ متنكسا بالتوجه إلى الجهة السفلية و محبته للملاذ الحسيّة و انجذابه إلى الأمور الطبيعية أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا منتصبا على صراط التوحيد الموصوف بالاستقامة التامة التي لا يبلغ كنهها و لا يقدر قدرها و لما فرّق بين الفريقين الضالين و المهتدين الموحدين. أشار إلى توحيد الأفعال بقوله: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ و ذكر من أفعاله الإبداء و الإعادة و بيّن أنّ المحجوبين مع اعترافهم بالإبداء منكرون للإعادة فلا جرم يسوء وجوههم رؤية ما ينكرونه، و يعلوها الكآبة و يأتيهم من العذاب الأليم ما لا يدخل تحت الوصف و لا يجيرهم منه ما احتجبوا به من الحق و نسبوا التأثير إليه لعجزه و انتفاء قدرته و لا الرحمن لأنهم لم يتكلوا عليه برؤية جميع الأفعال منه و نفي التأثير عن الغير فلم يؤمنوا به الإيمان الحقيقي و لذلك عرّض بكفرهم و شركهم بقوله: هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا أي: لم نتوكل على غيره لأنّا شاهدنا الحضرة الرحمانية التي تصدر عنها الأشياء كلها فمنعنا ذلك الإيمان الحقيقي نسبة الفعل إلى الغير فهو يجيرنا دونكم، و اللّه أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 361
[1] ( 1) سورة يس، الآية: 83.
[2] ( 1) سورة المائدة، الآية: 66.