تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة القارعة
(101) سورة القارعة مكيّة
[سورة القارعة (101): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (1) مَا الْقارِعَةُ (2) وَ ما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (4)
[العالم كله يطلب الرحمة:]
لما كانت رحمة اللّه واسعة، و نعمته سابغة جامعة، حشر العالم يوم القيامة كالفراش المبثوث، لأن الرحمة منبثة في المواطن كلها، فانبث العالم في طلبها لكون العالم على أحوال مختلفة، و صور متنوعة الوجوه، فتطلب بذلك الانبثاث من اللّه الرحمة التي تذهب منه تلك الصورة التي تؤديه إلى الشقاء، فهذا سبب انبثاثهم في ذلك اليوم.
[سورة القارعة (101): آية 5]
وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)
كذلك الجبال الصلبة تكون كالعهن المنفوش، لما خرجت عنه من القساوة إلى اللين، الذي يعطي الرحمة بالعباد.
[سورة القارعة (101): الآيات 6 الى 7]
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7)
فإذا رفع ميزان العدل، في قبة الفصل، فاز بالثقل أهل الفضل.
[سورة القارعة (101): الآيات 8 الى 11]
وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (9) وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ (10) نارٌ حامِيَةٌ (11)
[وزن الأعمال:]
– الوجه الأول- اعلم أن الميزان الذي يوزن به الأعمال على شكل القبان، و لهذا وصف بالثقل و الخفة، ليجمع بين الميزان العددي و هو قوله تعالى (بِحُسْبانٍ) و بين ما يوزن بالرطل، و ذلك لا يكون إلا في القبان، فلذلك لم يعين الكفتين بل قال: «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ» في حق السعداء «وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ» في حق الأشقياء، و لو كان ميزان الكفتين لقال: و أما من ثقلت كفة حسناته فهو كذا، و أما من ثقلت كفة سيئاته فهو كذا؛ و إنما جعل ميزان الثقل هو عين ميزان الخفة كصورة القبان، و لو كان ذا كفتين لوصف كفة السيئات بالثقل أيضا إذا رجحت على الحسنات، و ما وصفها قط إلا بالخفة، فعرفنا أن الميزان على شكل القبان.- راجع الأعراف آية 9– الوجه الثاني- الوزن و زنان:
وزن الأعمال بعضها ببعض و يعتبر في ذلك كفة الحسنات، و وزن الأعمال بعاملها و يعتبر فيها كفة العمل. لما كان الحشر يوم القيامة و النشور في الأجسام الطبيعية، ظهر الميزان بصورة نشأتهم من الثقل، فإذا ثقلت موازينهم و هم الذين أسعدهم اللّه فأرادوا حسنا، و فعلوا في ظاهر أبدانهم حسنا، فثقلت موازينهم، فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة ألف مما دون ذلك و ما فوقه، و أما القبيح السيّئ فواحدة بواحدة، فيخف ميزانه أعني ميزان الشقي بالنسبة إلى ثقل السعيد. و اعلم أن الحق تعالى ما اعتبر في الوزن إلا كفة الخير، لا كفة الشر، فهي الثقيلة في حق السعيد، الخفيفة في حق الشقي، مع كون السيئة غير مضاعفة، و مع هذا فقد خفت كفة خيره،
فانظر ما أشقاه، فالكفة الثقيلة للسعيد هي بعينها الخفيفة للشقي لقلة ما فيها من الخير أو لعدمه بالجملة، مثل الذي يخرجه سبحانه من النار و ما عمل خيرا قط، فميزان مثل هذا ما في كفة اليمين منه شيء أصلا، و ليس عنده إلا ما في قلبه من العلم الضروري بتوحيد اللّه، و ليس له في ذلك تعمل، مثل سائر الضروريات؛ فلو اعتبر الحق بالثقل و الخفة الكفتين، كفة الخير و الشر لكان يزيد بيانا في ذلك، فإن إحدى الكفتين إذا ثقلت خفت الأخرى بلا شك، خيرا كان أو شرا؛ و أما إذا وقع الوزن به فيكون هو في إحدى الكفتين، و عمله في الأخرى، فذلك وزن آخر، فمن ثقل ميزانه نزل عمله إلى أسفل، فإن الأعمال في الدنيا من مشاق النفوس، و المشاق محلها النار، فتنزل كفة عمله تطلب النار، و ترتفع الكفة التي هو فيها لخفتها فيدخل الجنة، لأن لها العلو. و الشقي تثقل كفة الميزان التي هو فيها، و تخف كفة عمله، فيهوي في النار، و هو قوله «فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» فكفة ميزان العمل هي المعتبرة في هذا النوع من الوزن، الموصوفة بالثقل في السعيد لرفعة صاحبها، و الموصوفة بالخفة في حق الشقي لثقل صاحبها، و هو قوله تعالى: (يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) و ليس إلا ما يعطيهم من الثقل الذي يهوون به في نار جهنم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 537